ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 1/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
2/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
3/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
4/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
5/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
6/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
7/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
8/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
9/
لقد أورد القوشجي قول عمر: «ثلاث
كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا أحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء،
ومتعة الحج، وحي على خير العمل»، ثم قال: «إن ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه، فإن مخالفة المجتهد لغيره في
المسائل الاجتهادية ليس ببدع»(1).
وهو كلام عجيب حقاً: فهل تحريم الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى،
كان رأياً واجتهاداً منه (صلى الله عليه وآله)، حتى يعارضه القوشجي باجتهاد
آخرين؟!.
ـــــــــــــــ
(1)
شرح القوشجي ص 484، وعد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ج 3 ص 363 تحريم عمر للمتعة
من اجتهاده..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
10/
وهل يصح اجتهاد عمر في
مقابل النص القرآني، والتشريع النبوي؟!
وإذا كان عمر قد اجتهد
في هذا الأمر، ولنفرض أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد اجتهد فيه أيضاً ـ نعوذ
بالله من خطل القول ـ فأيهما أحق أن يتبع؟ وأيهما قال الله في حقه: ما آتاكم
الرسول فخذوه.. ؟.
وماذا على من ترك
اجتهاد عمر لعمر، وأخذ بالنص القرآني، والتشريع الإلهي الوارد على لسان النبي
الأمي؟!.
وماذا يصنع القوشجي
بقول الرازي: إن ذلك «يوجب تكفير الصحابة، لأن من علم أن النبي (صلى
الله عليه وآله) حكم بإباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة، من غير نسخ لها،
فهو كافر بالله»(1).
ومن الواضح: أن القوشجي، وصاحب المنار، والرازي، وغيرهم لم يستطيعوا أن
يدركوا وجه العذر لعمر في إقدامه على تحريم المتعة وغيرها، فتشبثوا بالطحلب، بل
صدر منهم ما فيه
ـــــــــــــــ
(1)
التفسير الكبير ج 10 ص 50.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 11/
أيضاً نيل من كرامة
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وتصغير لشأنه، من حيث يعلمون، أو من حيث لا
يعلمون.
يقول البعض: «إن نهي
عمر عن المتعة صحيح، ومستفيض، لكن هذا لا يدل على حليتها، بل هو يدل على أنها كانت
محرمة، لكن كان ثمة من يمارسها دون علم الحاكم، فلما علم عمر بالأمر منع من ذلك،
من باب النهي عن المنكر.
وأما ما ينسب إليه من
أنه هو الذي أعلن تحريم المتعة، فذلك بعيد جداً، لأن عمر لم ينصب نفسه في يوم من
الأيام مشرعاً أو متشرعاً مكان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنما كان عمر
بوصفه خليفة، ينفذ أحكام الله، ويمنع من مخالفتها..»(1)
وقالوا أيضاً: «إن
عمر قد نهى عن المتعتين، ولم يحرمهما، لأن التحريم لا يجوز شرعاً، ولا يحـتمل ذلك في
حقه.
ـــــــــــــــ
(1) زواج المتعة حلال ص 142 و 143 عن الشيخ قاسم
الشماعي الرفاعي..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
12/
ولأجل ذلك نجده قد قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنا
أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج ولم يقل: كانتا محللتين. أو
كانتا حلالاً، أو حلالين أو أحرمهن»(1)
ونقول:
1 ـ
إن ذلك لا يتلاءم مع قول الخليفة: «متعتان
كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أحرمهما، وأعاقب عليهما..».
ولا يتلاءم أيضاً مع
قول جابر بن عبد الله الأنصاري: «تمتعنا
على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلى عهد أبي بكر، ونصف من خلافة عمر،
فنهانا عمر، فلم نعد». أو نحو ذلك..
ولا مع قول الإمام علي (عليه السلام): «لولا
أن عمر نهى عن المتعة، ما زنى إلا شقي أو إلا شفا»..
إلى غير ذلك من نصوص
تعد بالعشرات ذكرناها في الفصل الذي خصصناه لها في هذا الكتاب.
2 ـ
قوله: «إن عمر لم ينصب نفسه في يوم من الأيام
ـــــــــــــــ
(1) راجع: تحريم المتعة في الكتاب والسنة للمحمدي
ص181/ 182 بتصرف وتلخيص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
13/
مشرعاً ولا متشرعاً..»
نقول في جوابه:
أولاً:
إن ذلك ينافيه إقدامه على التحليل والتحريم في أكثر من مورد، مثل: متعة الحج، وحذف
حي على خير العمل من الأذان، واستبدالها بعبارة: الصلاة خير من النوم، وتشريعه لصلاة
التراويح، ولغيرها مما ذكره العلامة الأميني في كتابه «الغدير» وما ذكره العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين في النص
والاجتهاد، والعلامة المظفر في دلائل الصدق.. وغيرهم..
ثانياً: قولهم: لا يحتمل في حق عمر إقدامه على تحريم ما أحله الله..
لا يصح إطلاقه على سبيل الجزم و الحتم في حق شخص لا يدعي له أحد العصمة ولا يصح
ادعاؤها من قبل من لا يعلم الغيب، ولا يعرف كثيراً من الماضي والحاضر.
3 ـ
ولنفرض أنه لم يشرع أي حكم آخر، ولا تدخل في تشريعه إثباتاً أو نفياً، لكن ذلك لا
يمنع من أن يكون قد تَدَخل وشَرّع في خصوص هذا المورد.
4 ـ
على أن المنع من ممارسة ما هو جائز لا يلازم إرادة التشريع، وأخذ مقام النبي (صلى
الله عليه وآله) فقد يرى أن ثمة ضرورة للمنع المؤقت من ممارسة ما هو حلال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
14/
ليتجنب أمراً طارئاً
يقتضي ذلك أو تخيل أنه يقتضيه..
5 ـ
إن فرضه العقوبة على فعل ما هو حلال، وهو متعة الحج، والتهديد بالرجم في متعة
النساء دليل على أن هذا الرجل يقدم على أمور هي أكثر من خطيرة، وأكثر من كونها
مجرد مخالفة في شؤون الدين، فراجع الروايات التي أشارت إلى تهديداته بالرجم وبالعقوبة
في فصل النصوص والآثار رقم: 17 / 19 / 20/ 67/ 68/ 69/ 74/ 80/
81/ 83/ 84/ 99/ 100/ 106/ 108.
وراجع أيضاً: رواية الطبري ج3 ص290 ط الاستقامة حول أن الأمة قد أخذت
عليه أموراً هي: تحريمه متعة النساء، ومتعة الحج، وعتق الأمة الحامل بمجرد وضع
حملها بغير عتاقة سيدها..
6 ـ
بالنسبة لقولهم: إنه قال: أنهى، ولم يقل: أحرم.. نقول: هناك نصوص دلت على أنه قد
حرم المتعتين، فراجع: الرواية رقم: [76 و77 و82] وهي رواية الطبري المشار إليها آنفاً حيث أنكرت
عليه الأمة تحريمه متعة النساء وغيرها.
7 ـ
إن علياً (عليه السلام) قد اعتبر تحريم عمر للمتعة رأياً لعمر، حيث قال حسبما روي
عنه: «لولا ما سبق من رأي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
15/
عمر بن الخطاب لأمرت
بالمتعة ثم ما زنى إلا شقي..» وهي الرواية رقم: [76] في الفصل السابق.
8 ـ
قد ذكرنا في كتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن (عليه السلام): أن هذا الرجل قد
كان يرى أنه يحق له ممارسة التشريع وأورد لهذا الأمر العديد من الشواهد، فراجع.
ونذكر
من النصوص التي تشير إلى ذلك، ما يلي:
1 ـ
إن عمر يصر على رأيه في من تحيض بعد الإفاضة، رغم أنهم أخبروه بقول رسول الله (صلى
الله عليه وآله) فيها(1).
2 ـ
وحينما أخبروه بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المرأة التي قتلت أخرى
بعمود «كبَّر، وأخذ عمر بذلك، وقال: لو لم أسمع بهذا
لقلت فيه»(2).
3 ـ
وحين اعترض على من كنّى نفسه بأبي عيسى، وأخبروه بأن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) قد أذن لهم بذلك.. غير أنه لم يتزحزح عن موقفه على الرغم من أنه قد صدقهم
فيما نقلوه
ـــــــــــــــ
(1) راجع: الغدير ج 6 ص 111 و 112 عن العديد من
المصادر.
(2) المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 57.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
16/
عن رسول الله لكنه
اعتبره ذنباً مغفوراً له..
4 ـ
وفي حادثة أخرى نجد عمر يصر على أن يخالف الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)(1)، حتى يستدل عليه بعض
الحاضرين بقول الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(2).
5 ـ
وقضية إمضاء عمر للطلاق الثلاث؛ بحجة أنهم قد استعجلوا في ذلك(3)، معروفة ومشهورة وهي
تدل على أنه كان يرى لنفسه الحق في ذلك..
6 ـ
وقد تقدمت الرواية التي يقول فيها عمر: «أنا
زميل محمد» حينما أخبره ذلك الرجل أن أمته نقمت عليه أربعاً، وعد منها تحريم زواج
المتعة..
ـــــــــــــــ
(1) راجع: سنن أبي داود ج 4 ص 291 والسنن الكبرى
للبيهقي ج 9 ص 310 وتيسير الوصول ط الهند ج 1 ص 25 والنهاية لابن الأثير ج 1 ص 283
والإصابة ج 3 ص 388 والغدير ج 6 ص 319 / 320 عنهم، وعن الأسماء والكنى للدولابي ج
1 ص 85.
(2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 1 ص 382.
(3) راجع: تفسير القرآن العظيم [الخاتمة] ج 4 ص 22 والغدير ج6 ص178 ـ 183 عن مصادر كثيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
17/
والشواهد على ذلك كثيرة
جداً، لا مجال لاستقصائها في هذه العجالة(1).
وعن سؤال: لماذا يضيف
عمر النهي إلى نفسه، ولا ينسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ألا يعني ذلك: أنه
هو الذي يصدر النهي، أو أنه ينقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
نقول:
قد أجاب المقدسي
الشافعي عن ذلك بما ملخصه: أن عمر مع علمه وزهده واتباعه لرسول الله (صلى الله
عليه وآله) لا يقدم على تحريم ما أحله الله ورسوله، لا سيما وأنه كان يعاقب من
يخالف شيئاً من سنته
(صلى الله عليه وآله)، ويأمر
بالالتزام بها، ولو رام تحريم ما أحله الله لم يقره
ـــــــــــــــ
(1) راجع: المصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 258 / 259 و ج
9 ص 88 و 475 / 476، والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ق 2 ص 134 ـ 136 ط ليدن. وراجع:
كتاب: النص والاجتهاد ودلائل الصدق ج 3، و كتاب الغدير للأميني ج 6 وغير ذلك..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
18/
الصحابة عليه، وقد اعترضوا عليه فيما هو أيسر من ذلك.. وإنما أراد عمر أنها كانت مباحة أول الإسلام، وقد نسخ النبي هذه الإباحة..
ومتعة الحج كانت
منسوخة، وإنما أبيحت للركب الذين كانوا مع رسول الله في تلك السنة، فإنه أمرهم
بالإحرام بالحج، ثم أمرهم بفسخه إلى العمرة، وهذا لا يجوز لمن بعدهم بالإجماع.
فعمر لم يرد المنع من
المتعة التي ورد بها القرآن: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما
استيسر من الهدي)، وإنما أراد فسخ الحج الذي أجازه النبي (صلى الله عليه
وآله) لأصحابه، حيث أمر أصحابه أن يفسخوا إحرامهم، لأنهم كانوا يستعظمون فعل العمرة
في أشهر الحج، فأمرهم أن يفسخوا الحج ويجعلوها عمرة لتأكيد البيان، وإظهار
الإباحة، ثم نسخ ذلك وحرمه كما حرمت متعة النساء. انتهى كلام المقدسى بتصرف وتلخيص(1).
ـــــــــــــــ
(1)
تحريم نكاح المتعة ص 107 و 110.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
19/
ثم استشهد لما ذكره عن
فسخ الحج برواية عن أبي ذر.
وقال ابن قدامة المقدسي: «.. وأما حديث عمر، إن صح عنه، فالظاهر: أنه إنما قصد الإخبار
عن تحريم النبي (صلى الله عليه وآله) لها ونهيه (صلى الله عليه وآله) عنها، إذ لا يجوز
أن ينهى عما كان النبي (صلى الله عليه وآله) أباحه، وبقي على إباحته»(1).
وقد حاول أبو عمر أن
يوجه قول عمر في شأن ربيعة بن أمية: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت، بأن
قوله يحتمل وجهين:
الأول:
أن يكون ذلك تغليظاً في النهي لكي يرتدع الناس عن سوء مذاهبهم، وقبيح تأويلاتهم.
والآخر: أن يكون تقدمه بإقامة الحجة من الكتاب والسنة على تحريم
نكاح المتعة، «لأنه لا ميراث فيه، ولا طلاق، ولا عدة، وأنه ليس
بنكاح، وهو سفاح.. إلخ»(2).
ـــــــــــــــ
(1) الشرح الكبير ـ مطبوع بذيل المغني ـ ج 7 ص 538.
(2) الاستذكار ج 16 ص 305.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
20/
وقال أبو عمر أيضاً: «معنى قوله: كانتا على عهد رسول الله (صلى الله
عليه وآله)، يعني ثم نهى عنهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(1).
ونقول:
إن
ذلك كله لا يصح، وذلك لكثير مما تقدم، ونذكر هنا ما يلي:
1 ـ قد
استدل المأمون على جواز المتعة، وهمّ أن يحكم بها استناداً إلى قول عمر نفسه: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه
وآله)، وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه، وأنا أنهى عنهما»(2).
لكن يحيى بن أكثم خوّفه
من عواقب حكمه ذاك.
2 ـ
قال الباقوري: «.. وقد أضاف عمر النهي عن المتعتين إلى نفسه،
فقد دل
ـــــــــــــــ
(1) الاستذكار ج 16 ص 294.
(2) الغدير ج 6 ص 211، وراجع: وفيات الأعيان ج 2 ص
218 ط سنة 1310 هـ. ق، والسيرة الحلبية ج 3 ص 46، وقاموس الرجال ج 9 ص 397 عن
الخطيب في تاريخ بغداد، والنص والاجتهاد ص 193.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
21/
ذلك على أن هذا من
عنده، وأنه رأيٌ له»(1).
وقريب منه: ما قاله محمد رشيد رضا في المجلدين الثالث والرابع من
المنار، لكنه عاد وقال في تفسير المنار نفسه:
«ثم تبين لنا أن ذلك خطأ، فنستغفر الله منه،
وإنما ذكرنا ذلك على سبيل الشاهد والمثال، لا التمحيص للمسألة، على طريق
الاستدلال»(2).
والحقيقة هي: أن ما ذكره أولاً كان هو الحق الذي لا محيص عنه، ولعله قد
تراجع عنه بعد ذلك بسبب ضغوطات نحتمل أنه قد تعرض لها، والله العالم بحقيقة أمره
وحاله.
3 ـ
ونقل ابن القيم عن جماعة قولهم عن حديث سبرة بن معبد: «لو صح، لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله (صلى الله
عليه وآله)، وأنا أنهى عنهما، وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه
ـــــــــــــــ
(1) مع القرآن ص 174.
(2) تفسير المنار ج 5 ص 16.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
22/
حرمها ونهى عنها»(1).
4 ـ
قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى: «فلو
كان ثمة رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) لكان اللازم أن ينسبه (أي التحريم)
إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه أبلغ في الانتهاء»(2).
5 ـ
لو كان ثمة نهي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يصح من عمران بن الحصين أن
ينفي ذلك بضرس قاطع ويقول: «مات
ولم ينهنا عنها قال رجل برأيه ما شاء».
6 ـ
لنفترض أن عمر بن الخطاب قد روى لهم النهي عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فإن
علياً (عليه السلام)، وعمران بن الحصين، وابن عباس، وعشرات آخرين قد رووا لهم بقاء
التحليل، وانكروا وجود هذا النهي، فليكن هذا من هؤلاء معارضاً لما يدعيه أولئك عن
عمر، ومقدماً عليه، وذلك بسبب تفرّد عمر به، وكثرة مخالفيه فيه.
7 ـ
نضيف إلى ذلك: أنه لو كان ثمة نهي من النبي (صلى
ـــــــــــــــ
(1) زاد المعاد ج 2 ص 184.
(2) تلخيص الشافي ج 4 ص 29 ودلائل الصدق ج 3 ص 103.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
23/
الله عليه وآله)، فلماذا
اختص بمعرفته عمر، دون سواه؟ وكيف خفي عن جميع الصحابة، حتى عن كبارهم، أمثال علي
(عليه السلام)، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم؟ وقد ذكرنا في هذا الكتاب
أسماء طائفة منهم، بالإضافة إلى رواياتهم في حلية المتعة، حسبما ذكرناه في فصل
النصوص والآثار.
8 ـ
إن هذا التوجيه لكلام عمر بن الخطاب يتعارض مع الروايات التي تقول: إن عمر بن
الخطاب قد نهى عن المتعة بسبب عدم الإشهاد.. ومنها رواية الشامي، الذي تمتع في عهد
عمر، واحتج عليه بأنه قد تمتع في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم في عهد أبي
بكر، ثم في صدر من خلافة عمر نفسه، ولم ينهه النبي، ولا أبو بكر، ولا عمر، فلم
يجبه عمر بشيء غير أنه قال له: لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك. بينوا حتى يعرف النكاح
من السفاح.
وثمة روايات أخرى: تتحدث عن ذلك فلتراجع في فصل النصوص والآثار.
وذلك يشير إلى: أن النهي من عمر إنما كان منه على سبيل الاجتهاد لا النقل
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
24/
بل إن ذلك يدل على أنه
كان حينئذ يقول بتحليل زواج المتعة في صورة الإشهاد.. فلعله تدرّج في إظهار
اجتهاداته في هذا المجال، فطورها حتى انتهى به الأمر إلى المنع، ثم العقوبة..
9 ـ
هذا كله.. عدا عن أن ثمة نصوصاً تصرح بإقرار عمر
بحلية المتعة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) وعهد أبي بكر. هذا فضلاً عن
تصريح جابر وغيره بالحلية قبل نهي عمر.
10 ـ
بالنسبة إلى ما ذكره المقدسي حول نسخ متعة الحج، فقد تحدثنا عنه فيما يأتي،
فانتظر.
بالنسبة
لإضافة عمر النهي إلى نفسه، حيث قال: أنا أنهى عنهما.
زعم بعضهم: أن السبب في ذلك هو أنه قد حرم المتعتين: ـ الحج والنساء ـ معاً.
والمنسوخ هو متعة النساء فقط. أما متعة الحج فلم يرد فيها نهي من النبي.. فلا يجوز
لعمر أن يقول: نهى رسول الله عن المتعتين لأنه إنما نهى عن واحدة فقط.. بل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
25/
عليه أن يقول: أنا أنهى
عنهما.. فهو ينهى عن متعة النساء لأنها منسوخة، وينهى عن متعة الحج لكي تفرد بسفر
آخر، ليكثر زيارة البيت.
إذن، فلا يصح الاعتراض على عمر: بأنه لو كان التحريم من النبي لكان على عمر أن
يقول: نهى النبي عنهما، لأن النبي إنما نهى عن واحدة منهما فقط ولم ينه عن
المتعتين، فلو قال عمر ذلك لكان مفترياً على رسول الله (صلى الله عليه وآله)(1).
ويقول البعض أيضاً: «لما
كان نهيه عن متعة الحج إنما هو رأي رآه واختاره، غير مستند إلى نص كمتعة النساء،
لم يسلم الصحابة ذلك، حتى قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة ـ أي متعة الحج ـ في
كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله (صلى
الله عليه وآله)، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما
شاء.
ومع أن نهي عمر لم يكن
على وجه التحريم، والحتم،
ـــــــــــــــ
([1]) راجع: تحريم المتعة ص 181
بتصرف وتلخيص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
26/
وإنما كان ينهى عنها
لتفرد عن الحج بسفر آخر، ليكثر زيارة البيت».
إلى أن قال: «ولكن
رغم ذلك خالفه الصحابة. وهذا يؤكد ما قلناه في بداية البحث: أن عمر لو رام تحريم
ما أحله الله لم يقره الصحابة عليه».
قال ابن تيمية: «وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة كعمران بن
حصين، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس وغيرهم، وهذا بخلاف نهيه عن متعة
النساء، فإن علياً وسائر الصحابة وافقوه على ذلك»(1).
ونقول:
1 ـ
إن هؤلاء يريدون الجمع بين قولهم: إن عمر لا يحرم ما أحل الله، وبين قولهم: إن
متعة الحج حلال، و إن متعة النساء حرام.. وبين قول ثالث لهم، وهو أن عمر قد نهى
عنهما معاً. فهل يمكن الجمع بين ذلك كله؟!.
ـــــــــــــــ
(1) تحريم المتعة للمحمدي ص 178، وقال: إن كلام ابن
تيمية في الفتاوى 33/96.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
27/
ومهما يكن من أمر فإننا نقول: إذا كان نهيه عن متعة الحج رأياً رآه، فما الذي
يؤمننا من أن يكون نهيه عن متعة النساء رأياً رآه أيضاً؟!.
2 ـ
لو كانت متعة النساء منسوخة وقد استند عمر فيها إلى النص عن الرسول (صلى الله عليه
وآله) فلماذا أضاف النهي إلى نفسه فقال: أنا أنهى عنهما أو أنا أحرمهن.. مع أن
نسبة النص إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) أدعى للامتناع، وللامتثال والانصياع.
3 ـ
إذا كانت متعة الحج حلالاً، وقد أحب أن تكثر زيارة البيت. فلماذا توعد فاعلها بالعقاب؟!
فهل يجوز العقاب على فعل الحلال؟!
4 ـ
وإذا جاز النهي عن الحلال والعقوبة على فعله، فلم لا يجوز الأمر بفعل الحرام،
والعقوبة على تركه؟! وما الفرق؟!.
5 ـ
إن جمعه بين المنسوخ وهو متعة النساء، وبين الثابت وهو متعة الحج ليس وحياً من
الله، إذ قد كان بإمكانه أن يفرق بينهما، فيقول عن هذه أنا أنهى عنها، وعن تلك، إن
رسول الله
(صلى الله عليه وآله) نهى
عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
28/
6 ـ
قولهم: إن عمران بن الحصين قد اعترض على متعة الحج ولم يعترض على متعة النساء، ما هو
إلا مجرد دعوى وافتراض، وتفسير لكلامه من عند أنفسهم.. وإلا، فإنه هو نفسه قد صرح
في الرواية المتقدمة رقم 56 بأنه إنما يعترض على عمر في تحريمه للمتعتين معاً..
فتكون هذه الرواية صريحة في بيان المراد، ويجب أن تحمل عليها سائر الروايات التي
أغفلت التصريح، وأفسحت المجال لتكهن الرواة.
7 ـ
إذا كان النهي نهي تحريم في متعة النساء، فلماذا لا يكون كذلك في متعة الحج؟!،
وإذا كان في متعة الحج نهي ترجيح، فلماذا لا يكون كذلك في متعة النساء؟!، مع أنه
قد عبر عنهما معاً بكلمة واحدة..
ومن الواضح: أن استعمال المشترك في أكثر من معنى غير ممكن، فلا يصح أن
يستعمل النهي ويريد به معنى يستبطن المنع عن الترك، ومعنى آخر يستبطن الرخصة
بالترك..
إلا أن يقال: إنه قد استعمل اللفظ في التحريم الحقيقي المستبطن للمنع عن
الترك في كلا المتعتين لكن في إحداهما، من حيث هو ناقل للمنع النبوي، وفي الآخر من
حيث هو سلطان يريد أن يلزم الناس بذلك لمصلحة يراها.. ولأجل ذلك قرر العقوبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
29/
على فاعله..
أو يقال: إنه قد استعمله في القدر المشترك، وهو مطلق الكراهة، لكن
يفهم الالزام في إحداهما، والرخصة في الآخر بواسطة قرينة خارجية.
ويجاب عن هذا الأخير: بأن التوعد بالعقاب عليهما معاً يدل على أنه لا يسمح بالترك
فيهما معاً، فلا معنى للرخصة سواء بواسطة قرينة، أو بدونها.
ويجاب عن الأول: بأن المعترض نفسه يصرح بأن نهي عمر عن متعة الحج لم يكن على
وجه التحريم والحتم.
8 ـ
إنهم يقولون: إن عمران قد اعترض على عمر في متعة النساء، ويضيف ابن تيمية علياً
(عليه السلام) وابن عباس..
ونقول:
أ:
لا دليل كما قلنا على أن اعتراض عمران كان على خصوص متعة النساء. بل الدليل موجود
على أنه قد اعترض على المتعتين معاً كما تقدم في الفصل السابق في الحديث رقم: [56].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
30/
ب:
إن الصحابة ليسوا هم خصوص علي (عليه السلام) وابن عباس، بل كانوا يعدون بالألوف.
فلماذا لم يعترضوا عليه حين أعلن ذلك؟!. وأين هي الروايات المثبتة لتلك الاعتراضات؟!
وحتى هؤلاء المعترضون،
فإنهم لم يعترضوا عليه حينما أعلن ذلك، ولا ردوا عليه قوله. وإنما قرروا هم أنفسهم
الالتزام بحكم الله. ولما طولبوا بذلك، سجلوا موقفهم هذا.
9 ـ قول
ابن تيمية إن سائر الصحابة وعلياً قد وافقوا عمر على موقفه من متعة النساء.. قد
أظهرت الروايات والفصول المتقدمة أنه غير صحيح أبداً.. وموقف ابن عباس كالنار على
المنار وكالشمس في رابعة النهار.
10 ـ
إن إعلانه للمنع عن متعة الحج إذا لم يكن على وجه التحريم كما ذكره المعترض. فقد
كان بالإمكان أن يعترض عليه الحاضرون بأنه لا معنى لمعاقبة الفاعل، لأن هذا يمثل
جهراً بالتصميم على التعدي على الناس.
فعدم اعتراضهم هذا يدل
على خوفهم الشديد منه، فإذا خافوا من الاعتراض عليه في هذا الأمر البديهي، فهل
يمكنهم الاعتراض عليه في غيره؟!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
31/
يدعي البعض: أن الصحابة الذين ثبتوا على حلية المتعة في حياة رسول الله
(صلى الله عليه وآله) وبعد موته إلى آخر أيام عمر، ما كانوا يعرفون بالنسخ المؤبد،
ومن علم به حجة على من لم يعلم، واستمرار من استمر عليها، إنما كان لعدم علمه
بالناسخ(1).
وربما يقال أيضاً: بأن الحديث الذي يرويه بعض الصحابة ويقول: إن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) قد أحل المتعة، ثم لم ينهنا عنها حتى مات.. لا يدل على أن
النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحرم المتعة، بل يدل على أنهم لم يعرفوا بورود
التحريم أو النسخ على ذلك التحليل وتلك الرخصة..
فنهي عمر بن الخطاب بعد
ذلك عن المتعة إنما هو إعلان لمن لم يعرف بذلك التحريم أو النسخ، فيطلع عليه من
خلال كلام عمر ونهيه عنه في خلافته.
ـــــــــــــــ
(1) راجع: فتح الملك المعبود ج 3 ص 226.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
32/
ونقول:
1ً ـ
إن هذا لا ينسجم مـع قول الصحابي المعروف عمران بن حصين: «.. ثم لم ينهنا عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء» تعريضاً
منه بعمر، فإن كلمة: «برأيه» وكلمة: «ما شاء» تدلان على أن تحريم عمر لم يكن لتأكيد التحريم الصادر من
النبي (صلى الله عليه وآله) فيما سبق، بل كان قولاً برأيٍ من عمر نفسه.
2ً ـ
كما أن ذلك لا ينسجم مع نسبة التحريم لنفسه حيث قال: «وأنا أحرمهما» ولم يقل حرّمهما رسول الله. بل إن هذا اعتراف
منه بعدم النسخ، وبقاء الحكم الأصلي، ومن المعلوم أن حلال محمد حلال إلى يوم
القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.
3ً ـ
وهو لا ينسجم أيضاً مع قول علي (عليه السلام): «لولا ما سبق من نهي ابن الخطاب ما زنى إلا شقي أو إلا شفا»
وغير ذلك من نصوص تشير إلى هذا المعنى أو تدل عليه صراحة.
إذن..
فلا مجال للأخذ بقول عمر، الذي هو اجتهاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
33/
منه في مقابل النص،
وليس هو من قبيل الاجتهاد في النص.
ولو كان ثمة نص عن رسول
الله (صلى الله عليه وآله) لقال عمر: حرمتا على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهما،
وأعاقب من خالف نهي رسول الله عنهما، ولكان ذلك أبعد أثراً في دفع الناس إلى
الالتزام بمقتضى النهي، ولكان ذلك أغناه عن التهديد والوعيد الذي لم يترك الأثر
الذي توخاه منه.. بل استمر الناس على العمل بهذا التشريع.
وهنا سؤال يقول: كيف ينسب عمر التحريم إلى نفسه ويقول: «وأنا أحرمهما، وأعاقب عليهما» مع أنه ليس بنبي،
وقد أجاب البعض برواية رواها ابن ماجة عن عمر، تقول: «إنه لما ولي خطب الناس فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا
رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
أحلها بعد أن حرمها.
هذا بالإضافة إلى ما قدمناه في فصل: النسخ بالأخبار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
34/
فليراجعها من أراد،
فذلك يدل على أن عمر لم يحرم بل نقل التحريم».
ونقول:
أما بالنسبة للروايات
التي تقدمت في فصل النسخ بالأخبار؛ فلا نرى أننا بحاجة إلى الحديث عنها، فإن ما
قدمناه في هذا الكتاب لايترك مجالاً للشك بعدم صحة الاستناد إلى تلك الروايات..
أما بالنسبة للرواية
المذكورة آنفاً عن ابن ماجة، فإننا نقول أيضاً:
إنها
لا يمكن أن تصح، وذلك للأمور التالية:
أ ـ
لقد ادعوا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أحلها أكثر من مرة.. وليس ثلاثة
أيام فقط.
ب ـ
إن المتمتع لا يرجم..
ج ـ إن
حديث عمر هذا ـ لو صح ـ معارض بأحاديث جابر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الحصين،
وغيرهم كثيرون، تقدمت رواياتهم..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
35/
د ـ
إنه قد نقل حكماً ونسبه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو شخص واحد..
فلماذا يحتاج الراوي لخلافه إلى أكثر من واحد، فإنه تكفي رواية صحابي آخر لتسقط
رواية هذا الرجل عن الاعتبار.
هـ ـ
إن هذا الحديث يدل على أن تحريمها من قبل عمر لم يكن مؤبداً، فإن قوله: إلا أن
يأتيني بأربعة يشهدون: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله).. إلخ، فإن هذا يدل على
أنه كان يترقب حلها بمجرد شهادة أربعة من الناس، والروايات التي ذكرناها في فصل:
النصوص والآثار.. وكذلك الفصل الذي سبقه، تدل على ورود هذا التحليل لهذا الزواج.
وبالمناسبة نشير إلى أن
هذه الرواية ـ لو صحت ـ فهي تدل على أن عمر بن الخطاب لم يكن على علم بما يزعمونه
أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد حرم المتعة إلى يوم القيامة في خطبته بين الركن
والمقام كما يرويه سبرة بن معبد وحده، دون كل أحد من ذلك الجيش العرمرم الذي حضر
فتح مكة، وأحل النبي (صلى الله عليه وآله) له المتعة؟!!!.
و ـ
لماذا لا بد من أربعة يشهدون على التحليل، بعد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
36/
التحريم، فإنه يكفي في
ذلك شهادة الثقة الواحد، فإن هذه ليست شهادة على زنا، وإنما هي لإثبات حكم شرعي،
ولماذا لم يكتف باثنين، أو بثلاثة، لا سيما مع قولهم: إن الصحابة كلهم عدول، وقد
اثبتوا عدم توريث الأنبياء بخبر واحد وهو أبو بكر!!!.
ز ـ
إن قوله: «إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون ـ إلخ» يشير إلى
أنه لم يكن متيقناً من استمرار النهي ـ أو أنه يشير إلى أنه لا يتيقن كون النهي
تحريمياً، فلعله كان نهياً تدبيرياً للحفاظ على حق النساء اللواتي سيتركهن
أزواجهن، حيث يرجعون من الغزو إلى بلادهم.
بل إن قول عمر: هدم المتعة النكاح والطلاق، والعدة، والميراث، يدل على أن
نهيه كان اجتهاداً منه..
ولا يؤاخذ المجتهد
باجتهاده، بل هو إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
37/
والجواب:
أولاً:
لابد من إثبات أن عمر يملك القدرة على الاجتهاد، وفق القواعد الصحيحة.
ثانياً: لامجال للاجتهاد في مقابل النص. والنص موجود، وهو نفسه يقر
بوجوده، ويعلن أنه يسعى لإبطاله..
ثالثاً: إنه توجيه لا يرضى به صاحبه، إذ أن لنا إن نسأل: هل لم يكن
قبل هذا الوقت طلاق، وعدّة، وميراث، وهل ليس في المتعة عدّة ولا عقد.
رابعاً: إن هذه الرواية تدل على أن النكاح الذي كان شائعاً هو نكاح
المتعة، ثم جاء النكاح الدائم فهدمه..
ولا ريب في عدم صحة هذه
المقولة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
38/
ولو سلمنا أن قول عمر
قد كان رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) لا تشريعاً من عند نفسه(1)،
فإنما هو خبر واحد، لم يرد في الصحيحين
اللذين رويا أخبار الحلّية، ولا يثبت النسخ بخبر الواحد، فكيف إذا كان معارضاً بكل
تلك الروايات التي تثبت بقاء الحلية في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وعهد أبي
بكر، ثم في شطر من خلافة عمر نفسه، بل وبعد ذلك أيضاً، حسبما أوضحناه في بعض فصول
هذا الكتاب..
ولست أدري لماذا لم
يظهر عمر هذه الرواية له عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في عهد أبي بكر، أو على
الأقل في أوائل خلافته هو نفسه، فهل كان يعلم بحكم الله، ولـم يبلّغه للناس عن عمد
وقصد طيلة هذه السنين؟
أم أنه قد نسي أن يبلّغهم
إياه؟!.
ـــــــــــــــ
(1) كما حاولت بعض الروايات أن تدعي فراجع فتح
الباري ج 9 ص 149.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
39/
أم أن الحقيقة هي أنه
لم يكن ثمة نهي من النبي (صلى الله عليه وآله) أصلاً؟.
وماذا كان يصنع المسلمون
في عهد أبي بكر، وفي أيام عمر، قبل تحريمه للمتعة؟!، فهل كانوا يمارسون هذا
الزواج؟ أم كانوا ممنوعين عنه؟ فإن كانوا يمارسونه، وكان حراماً، فلماذا لم يمنعهم
أبو بكر، عما نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وإن كانوا ممنوعين عن هذا
الزواج، فماذا نصنع بالروايات التي تحدثت عن ممارسة الصحابة لهذا الزواج، بصورة
طبيعية، وشائعة، وذلك في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبي بكر، وشطر من
خلافة عمر؟! أم أن الصحابة كانوا يمارسون الزنا المحرم والعياذ بالله؟!..
وقد عرفنا في رواية أم عبد الله ابنة أبي خيثمة: أن ذلك الشامي قد أخبر عمر أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) لم ينه عن المتعة، وكذلك أبو بكر، وحتى عمر نفسه في شطر من
خلافته، ولم يكذبه عمر في قوله ذاك..
وإذا كان عدم إنكار
الناس على عمر يصلح شاهداً على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
40/
أنه قد تلقى النسخ من
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فلماذا لا يكون إصرار الناس على مخالفته،
واستمرارهم ـ حتى بعد نهيه ـ على العمل بهذا الزواج، وعلى الإفتاء بحليته ـ لماذا
لا يكون ـ من أعظم النكير عليه؟! ويعتبر رفضاً قاطعاً لما جاء به؟!.
وقد صرحت بعض الروايات: التي أوردناها في فصل النصوص والآثار بأن الناس كانوا
ينكرون على عمر تحريمه لزواج المتعة..
بل إن عمران بن حصين: قد تصدى له في نفس المجلس الذي أعلن فيه أنه يحرم المتعتين،
ويعاقب عليهما، فراجع فصل النصوص والآثار الحديث رقم: [56] وغيره.
وإذا كان المقصود: بالنكير عليه هو أن يواجهوه بالعنف، فمن ذلك الذي يجرؤ على
ذلك؟.
ثم إنهم أيضاً: لم ينكروا عليه توعده بالرجم لمن يتزوج امرأة إلى أجل! مع
أنه عندهم لا يستحق الرجم حتى بناء على التحريم كما أسلفنا!.
كما أنه قد منع النبي
من كتابة الكتاب، وقال إن النبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
41/
(صلى الله عليه وآله)
ليهجر، ولم يقوموا في وجهه، ولا اعترضوا عليه.
إن الاعتراض قد لا
يتيسر في بعض المواقع، بسبب خطورة الموقف وتهديدات عمر بالرجم تؤذن بوجود خطرٍ
عظيم، لو كان ثمة اعتراض من أحد..
كما أن الاعتراض قد لا
يكون مفيداً، إذا كان ثمة إصرار على هذا الأمر الواضح والبين..
والملفت للنظر هنا: أن عمر بن الخطاب يواجه هذا الأمر بطريقة التحدي
والاستفزاز: «وأنا أنهى عنهما»
فهل من حق عمر أن يحلل
ويحرم؟!
إن ذلك لا يحق للرسول
الأعظم (صلى الله عليه وآله) نفسه، فهل يحق لعمر؟!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
42/
وقد حاول البعض: أن يدافع عما ذهب إليه من تحريم هذا الزواج بطريقة أكثر
جرأة على الادعاء غير الواقعي، فقال ما ملخصه:
إن الشيعة لم يأخذوا
بأحاديث تحريم المتعة، لأنها من غير طرقهم وعن غير أئمتهم، وقد روى الشيعة أقوالاً
تؤيد مذهبهم، كقول علي (عليه السلام): «لولا
أن عمر نهى عن المتعة لما زنى إلا شقي».
وفيه اتهام لعمر بأنه
نهى عما كان في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) سائغاً حلالاً، وهذا يوجب
إسقاط الحديث، ويوهم أن التحريم لم يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل صدر عن
عمر، مع أن المروي أنه عزا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
وهناك حديث صحيح: رواه الخمسة أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي نهى
عنها، ونحن نستبعد صدور هذا الحديث عن علي، وقد روى علي (عليه السلام) نفسه: أن
النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن المتعة..
كما أن حديث عمران بن
الحصين، وحديث جابر، وحديث بدون سند عن عمر: «متعتان كانتا على عهد رسول الله إلخ..»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
43/
إن جميع هذه الأحاديث
لم ترد في أي كتاب حديث معتبر ومشهور، بل لم ترد في كتب الطبري، والبغوي، والخازن،
وابن كثير، ومن تبعهم الذين دأبوا على استقصاء الأحاديث، باستثناء الحديث المروي
عن علي (عليه السلام) الذي رواه الطبري..
ولكننا قرأنا: هذه الأحاديث مجتمعة في تفسيري الطوسي والطبرسي الشيعيين.
والأحاديث الثلاثة
المشار إليها (حديث ابن الحصين، وجابر، وعمر) فيها ما يثير الشبهة، وهو أنها تريد
أن تثبت كون التحريم ليس نبوياً، وإنما هو من عمر، لتشويه اسم عمر وتصويره أنه حرم
ما أحل الله ورسوله عن بينة وقصد، وهو ما لا يعقل وقوعه منه..
وسكوت أصحاب رسول الله
(صلى الله عليه وآله)، ومن جملتهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) عنه دليل على أنه
محرم من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)(1)، انتهى بتصرف وتلخيص.
ـــــــــــــــ
(1) المرأة في القرآن والسنة ص 181 و 183.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
44/
أضف إلى ذلك: أن عمر قد حرم المتعة، وهو على المنبر أيام خلافته، وأقره
الصحابة (رض)، وما كانوا ليقرّوه على خطأ لو كان مخطئاً(1).
ونقول:
إن ما ذكره لا يمكن قبوله
من جهات عديدة، بعضها ذكرناه فيما تقدم أو سيمرّ معنا فيما يأتي.. وبعضها نشير
إليه باختصار شديد هنا.
فنقول:
أولاً:
قوله: إن الشيعة لم يأخذوا بأحاديث تحريم المتعة لأنها من غير طرقهم، وعن غير أئمتهم..
ليس فيه أية غضاضة على الشيعة. بل إن هذا هو النهج الصحيح، والمقبول. ونحن لا نطلب
من أحد أن يأخذ بما لا تجتمع فيه شرائط الحجية بحسب ما لديه من قناعات ومقررات..
غير أننا نقول: إن تشريع هذا الزواج باق وفق الضوابط والمعايير التي يستند
إليها أهل السنة أيضاً، وروايات أهل السنة هي التي تثبته، وليس روايات الشيعة فقط.
ـــــــــــــــ
(1) فقه السنة ج 2 ص 42.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 45/
هذا بالإضافة إلى نزول
القرآن بتشريع هذا الزواج باعتراف الجميع..
ثانياً: رده رواية علي (عليه السلام)، بسبب أنها تتهم عمر بأنه قد
نهى عما كان حلالاً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وكذلك روايات جابر، وعمران
بن حصين، ثم ردّه لقول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
إلخ..
في غير محله.. فإن علينا أن نأخذ الحقيقة استناداً إلى النصوص الثابتة بغض
النظر عن الأشخاص، لأن البحث في أخلاقيات، ومواقف الأشخاص لا يأتي من مجرد الظن،
والحدس. وقد ذكرنا:
أ ـ
إن بعض التأويلات لما صدر عن عمر، لا يلزم منها اتهامه بما يسيء له حيث قال بعضهم:
إن عمر قد منع عن هذا الزواج منعاً مدنياً، بهدف دفع الناس إلى الاحتياط فيه، وعدم
التسرع الموجب لظهور المشكلات.
ب ـ
قد وجدنا لعمر بن الخطاب نظائر في مجال تناول مفردات التشريع برأيه واجتهاده. وهي
تدعونا إلى إعادة النظر في الأوامر التي يصدرها، وذلك كما هو الحال في كلمة «حي على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
46/
خير العمل» في الاذان،
وكما في صلاة التراويح، وغير ذلك.
ثالثاً: بالنسبة لسكوت الصحابة وعلي (عليه السلام) عن الاعتراض عليه، نقول:
أ ـ
إنهم لم يسكتوا بل استمروا على مخالفته في هذا الأمر، وعلى القول بحلية هذا الزواج
وممارسته طيلة عقود من الزمن. وقد تقدم ذلك بصورة تفصيلية، فلا نعيد.
ب ـ
إنهم إذا كانوا يخافون بطشه، وسطوته، ويريدون الحفاظ على وحدتهم في مقابل الذين
يريدون محق دين محمد (صلى الله عليه وآله) ـ على حد تعبير الإمام علي (عليه
السلام) ـ فلا مجال للتعجب من هذا السكوت، كما سكتوا في قضية صلاة التراويح،
وغيرها..
رابعاً: قوله: إن حديث عمران بن حصين، وجابر، وقول عمر: «متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه
وآله)، وأنا أحرمهما.. إلخ» وقول علي (عليه السلام): «لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي» هي من روايات الشيعة،
ليس بصحيح بل هي موجودة في أمهات مصادر أهل السنة وفي الصحاح أيضاً، كما يظهر من
ملاحظة المصادر التي أرجعنا القارئ إليها حين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
47/
إيرادنا لها في مواضعها
في فصل النصوص والآثار.
ولا نعتقد أن هذا
القائل يجهل هذه الحقيقة، فقد رأيناه، يستقصي أحاديث المنع بما لا مزيد عليه،
والأحاديث المشار إليها موجودة معها فلماذا يدعي هذه الدعوى العجيبة والغريبة؟!!.
ويا ليت هذا القائل
يناقش روايات المنع بنفس الروح التي يناقش فيها روايات التحليل، لنجد كيف تكون النتيجة
عنده.
خامساً: إن الإنكار المتأخر عن عهد عمر، يكفي في المطلوب: إذ أنه
يكشف عن أن السكوت في زمنه قد كان لأسباب قاهرة هي التي فرضته، ولا يكشف عن الرضا.
سادساً: قد أثبتت النصوص الكثيرة التي ذكرنا الشطر الأكبر منها: أن
المتعة لم تنسخ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل بقيت حلالاً على عهده
(صلى الله عليه وآله)، وعهد أبي بكر، وشطر كبير من خلافة عمر نفسه، فلماذا سكت عمر
على هذا الأمر طيلة سبع أو ثمان سنوات على الأقل، وسكت هو وأبو بكر وسائر الصحابة
على ذلك طيلة خلافة أبي بكر أيضاً..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
48/
سابعاً: إن عدم إنكار الصحابة لا ينحصر بكونهم عالمين بالتحريم
وسكتوا، ولا بكونهم عالمين بالإباحة، وسكتوا مداهنة، إذ إن سكوتهم قد يكون بسبب
الخوف من سطوته.
وقد يكون سكوتهم لكونهم
ناسين كما نسي خليفتهم حكم القرآن في مسألة الصداق، حين اعترضت عليه تلك المرأة،
فإذا جاز النسيان عليه جاز على غيره.
وقد يكون سكوت بعضهم ـ
ولعلهم هم الذين حضروا ذلك المجلس ـ بسبب الجهل بأنه لا يجوز له التحريم من قبل
نفسه.
أو لأنهم يرون أن
الخليفة قد اجتهد برأيه لمصلحة زمنية اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة.
فعدم إنكارهم على هذا
الفرض لا يوجب تكفيرهم، إذا اعتقدوا أن لولي الأمر مثل هذه الصلاحية، لكن اتباع
الخليفة كانوا بسطاء لا يعرفون ذلك، فالتجأوا إلى دعوى النسخ..
ولعلهم يحتملون أن
الخليفة كان يرى أن بعض الأحكام ليس ابدياً، بل هو تابع للظروف الوقتية، وهو رأي
وإن كان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
49/
باطلاً، لكن يمنع من
تكفير من يذهب إليه، وعدم إنكار المسلمين ذلك عليه إنما هو مخافة العقوبة والتنكيل
الذي توعدهم به كما قلنا..
بل إن تنزيه الصحابة
بهذه الطريقة القاطعة، والشاملة غير صحيح، فإن القول بعدالة كل صحابي يلزم منه
تكذيب القرآن الحاكم بوجود المنافقين بينهم، وصريح بانقلاب بعضهم على أعقابه بمجرد
موت النبي (صلى الله عليه وآله)..
فلعل من سكت من الصحابة
عن هذا الأمر كان من المداهنين المنافقين.
ومن أصر على بقاء
التحريم كان من الأتقياء الأبرار..
ومهما يكن من أمر: فقد حرم عمر وغيّر كثيراً من الأمور، ولم يجرؤ أحد على مواجهته.
وقد ذكرنا بعضاً من هذه الأمور: في موضع آخر من هذا الكتاب.
وذكر العلامة: الأميني في كتابه: «الغدير» شطراً من ذلك، فراجع ج 6 ص 83 باب نوادر الأثر في
علم عمر.. ويشير رحمه الله إلى أن سكوت الصحابة إنما كان بسبب تهديده بالعقاب..
ثامناً: قد ثبت أن عمر قد حرم متعة الحج ومتعة النساء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
50/
في آن واحد، مع أن متعة
الحج لم يحرمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) طيلة حياته، فلو كان تحريمه لمتعة
النساء، يوجب تكفيره فلماذا لا يوجب تحريمه لمتعة الحج ذلك أيضاً.
تاسعاً: دعوى أن بعض الصحابة قد يكونون سمعوا الناسخ ثم نسوه، ثم
تذكروه بتذكير عمر لهم، تنافي الروايات التي تتحدث عن إصرار كثير من الصحابة على
القول بحلية المتعة، كما أنها تنافي نسبة جابر التحريم إلى عمر بعد أن ذكر استمرار
الصحابة على العمل بالمتعة في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعهد أبي بكر،
وشطراً أو إلى النصف من خلافة عمر، حيث يظهر منه أنهم إنما امتنعوا من أجل نهي عمر
لهم، لا لأجل تذكرهم للنسخ.
كما أن عمران بن حصين،
وابن مسعود يؤكدان عدم صحة ما صدر من عمر من منع لهذا الزواج.
وأحدهما يقول: «قال
رجل برأيه ما شاء».
والآخر يستشهد: «بقوله تعالى: (لا تحرموا
طيبات) إلخ».
عاشراً: إن آية: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)..
لا تدل على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
51/
عصمة الأمة.
ولأجل ذلك نجد: أن عدداً من الصحابة لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.
أحد عشر: إن لزوم الكفر من القبول بتغيير أحكام الله، إنما هو فيما
لو كان ثمة قبول بذلك من قبل الصحابة.. وقد عرفنا أنهم لم يقبلوا بذلك، بل استمروا
على الخلاف، قولاً وفعلاً.
وسكوت بعضهم عن خوف
بسبب التهديد والوعيد الصادر من الخليفة كما أشرنا يمنع من نسبة الكفر إلى ذلك
البعض..
ثاني عشر: إن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يلزم منه الكفر،
بل يلزم منه ارتكاب المعصية.
ويلفت نظرنا: تهديدات عمر للمتمتع بالرجم، وقد تبعه في هذه الشدة والحدة،
عبد الله ابن الزبير حين هدد ابن عباس بالرجم إن هو تمتع.
وهو
أمر غريب حقاً، وذلك لما يلي:
1 ـ
فإن الفتوى المتداولة إلى يومنا هذا تقول: إنه لا رجم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
52/
على المتمتع..
2 ـ
كما أنه لا خلاف في أن الحدود تدرأ الشبهات، فلو لم تكن المتعة حلالاً، فلا أقل من
وجود الشبهة فيها، فكيف يجوز التهديد بالرجم، أو الجلد فيها.
3 ـ
أضف إلى ذلك: أن عمر نفسه قد درأ الحد عن بغي بأجرة فكيف لا يدرأ الحد عن مستمتع(1) ولذلك حملوا كلامه هذا
على المبالغة في النهي(2).
وحين أشكل عليهم توعد
عمر بن الخطاب بالرجم لمن تزوج متعة، لأنهم لا يرون عقوبة الرجم فيه، نجدهم قد
ذهبوا في توجيه ذلك يميناً وشمالاً، ولعل ما ذكره الكاندهلوي هو الأجمع لأطراف هذه
المسألة.
فهو
يقول:
ـــــــــــــــ
(1) تعليقات لصاحب كتاب المناكحات والمفارقات
مطبوعة بهامش كتاب صحيح مسلم سنة 1334 هـ ج 4 ص 38.
(2) المصدر السابق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
53/
فأراد بقوله: «لو تقدمت ما عندي» فيه
من النص الذي لا يحتمل التأويل فيزول الخلاف لرجمت، لتقدم الإجماع وانعقاده.
ويحتمل أن يريد بذلك: لو كنت أعلمت الناس برأيي في ذلك من تحريمه، ووجوب الحد،
فيه لأقمت الحد لأن الأحكام لا تجري عند الخلاف إلا على ما رآه الإمام الذي يحكم
في ذلك لا سيما إذا كان عنده في ذلك، من النص أو وجه التأويل ما يمنع قول المخالف.
وقال ابن عبد البر: الخبر عن عمر رضي الله عنه من رواية مالك منقطع، ورويناه
متصلاً، ثم أسنده عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر
قال: قال عمر: لو تقدمت فيها لرجمت، يعني المتعة، وهذا القول منه قبل نهيه عنها،
وهو تغليظ ليرتدع الناس وينزجروا عن سوء مذهبهم وقبيح تأويلاتهم.
واحتمال أنه لو تقدم
بإقامة الحجة من الكتاب والسنة على تحريمها لرجمت.. ضعيف لا يصح إلا على من وطئ
حراماً، لم يتأول فيه سنة ولا قرآناً.
وروى ابن مزين عن عيسى
بن دينار، وعن يحيى بن يحيى، عن ابن نافع: أنه يرجم من فعل ذلك اليوم إن كان
محصناً، ويجلد من لم يحصن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
54/
وقال ابن حبيب، عن
مطرف، وابن الماجشون: وأصبغ، عن ابن القاسم: «لا رجم فيه، وان دخل على معرفة منه بمكروه ذلك، ولكن يعاقب
عقوبة موجعة لا يبلغ بها الحد».
وروى عن مالك أنه قال: يذكر فيه الحد، ويعاقب إن كان عالماً بمكروه ذلك.
وجه قول عيسى بن دينار،
ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك للناس، وخطبهم به، وخطبه تنتشر، وقضاياه
تنتقل، ولم ينكر ذلك عليه أحد ولا حفظ له مخالف.
ووجه القول الثاني ما احتج به أصبغ: أن كل نكاح حرمته السنة، ولم يحرمه القرآن، فلا
حد على من أتاه عالما عامداً، وإنما فيه النكال، وكل نكاح حرمه القرآن، أتاه رجل
عالماً عامداً فعليه الحد، قال: وهذا الأصل الذي عليه ابن القاسم.
قال الباجي: وعندي أن ما حرمته السنة، ووقع الإجماع والإنكار على
تحريمه، يثبت فيه الحد، كما يثبت فيما حرمه القرآن.
قال: والذي عندي في
ذلك، أن الخلاف إذا انقطع، ووقع الإجماع على أحد أقواله بعد موت قائله، وقبل رجوعه
عنه، فإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
55/
الناس مختلفون فيه،
فذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا ينعقد الإجماع بموت المخالف، فعلى هذا حكم الخلاف
باقٍ في حكم قضية المتعة، وبذلك لا يحد فاعله.
وقال جماعة: ينعقد الإجماع بموت إحدى الطائفتين، فعلى هذا وقع الإجماع
على تحريم المتعة، لأنه لم يبق قائل به، فعلى هذا يحد فاعله. وهذا على أنه لم يصح
رجوع ابن عباس عنه.
ومما يدل على أنه لم ينعقد الإجماع على تحريمه: أنه يلحق به الولد. ولو انعقد الإجماع بتحريمه،
وأتاه أحد عالماً بالتحريم لوجب أن لا يلحق به الولد، إلى أن قال:
وقال محمد في موطأه،
بعد أثر الباب، وقول عمر رضي الله عنه: لو كنت تقدمت فيها لرجمت إنما نضعه من عمر
رضي الله عنه على التهديد، وهذا قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا(1).
ونقول:
إننا نلفت النظر إلى أن
ما ذكره آنفاً لا يمكن قبوله
ـــــــــــــــ
(1)
أوجز المسالك ج 9 ص 410 و 411.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
56/
لأسباب عديدة، لعل
أكثرها قد اتضح، ويتضح من خلال ما ذكرناه ونذكره في هذا الكتاب، غير أننا نشير هنا
إلى بعض النقاط التي قد لا تكون نالت ما تستحقه من التوضيح، فنقول:
1 ـ
إن هؤلاء يريدون أن ينعقد الإجماع على تحريم المتعة قبل قول عمر الآنف الذكر: «لو تقدمت لرجمت» أو «لا أجد رجلاً نكحها [أي المتعة] إلا رجمته بالحجارة» من أجل أن يصح التوعد
بالرجم، بسبب أن الإجماع إذا انعقد صح الرجم، وصح التوعد به، ولأجل ذلك فسروه بأنه
لو بيّن عمر ما عنده من النص لانعقد الإجماع، وصح له عند ذلك أن يرجم الفاعل..
ولكن بما أن الخلاف باق
فإنه لا يستطيع أن يبادر إلى الرجم..
ونلاحظ
على هذا التأويل:
أولاً:
إنه رغم بيان عمر لما عنده، فإن الناس لم يقبلوا منه ذلك، بل استمروا على القول
بالحلية، وعلى ممارسة هذا الزواج.
ثانياً: إن هذا التأويل لا ينسجم مع نسبة عمر المنع عن هذا الزواج
إلى نفسه، لا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
57/
بل هو قد قرر أن هذا
الزواج كان حلالاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنه هو الذي يحرمه من
عند نفسه.
ثالثاً: إن حكم الرجم تابع لثبوت الحكم بالدليل القاطع، سواء أكان
الدليل هو قول الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو الآية، أو الإجماع، أو غير ذلك،
وليس تابعاً لخصوص الإجماع..
2 ـ
وأما الاحتمال الثاني القائم على أساس قاعدة: «إن الأحكام لا تجري عند الخلاف، إلا على ما رآه الإمام، الذي
يحكم في ذلك، لا سيما إذا كان عنده في ذلك من النص، أو وجه التأويل ما يمنع قول
المخالف..».
فمن المعلوم: أن هذه القاعدة غير سليمة، والذي أطلقها هو الخليفة نفسه،
وقد عارضه في ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) وردها عليه..
فقد روي: أن عمر بن الخطاب كان يعسّ ذات ليلة بالمدينة فلما أصبح قال
للناس: «أرأيتم لو أن اماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة
فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
58/
قالوا: إنما أنت إمام.
فقال علي بن أبي طالب: [ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، إن الله لم
يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود](1).
ثم تركهم ما شاء الله
أن يتركهم، ثم سألهم. فقال القوم مثل مقالتهم الأولى. وقال علي مثل مقالته الأولى»(2).
هذا إذا كان النظر إلى
ما هو من قبيل الموضوعات الخارجية والتطبقيات، وأما في الأحكام، فالأمر فيها أكثر
حساسية، وأعظم خطراً، فإذا لم يقبل ذلك في الموضوعات، فإن عدم قبوله في الأحكام
يكون أولى.
أضف إلى ذلك: أن النص من شأنه أن يمنع قول المخالف، لكن كيف يمنع وجه
التأويل، بل قول من يخالفه في التأويل، ومن الذي يحسم الأمر في مواضع الخلاف على
هذا الأمر أيضاً.
ثم إنه لا يعقل أن يكون
هذا الأمر العام والشامل، الذي يتعاطاه الناس استناداً إلى الآية الكريمة، وإلى
أقوال رسول
الله
ـــــــــــــــ
(1) راجع السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص 144 والمصنف
للصنعاني ج8 ص 340.
(2) الفتوحات الإسلامية [للسيد زيني دحلان] ج2 ص 466 وراجع: الاستغاثة ص 92 و93. وراجع كنز
العمال ج5 ص 457 ط مؤسسة الرسالة بيروت ـ لبنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
59/
(صلى الله عليه وآله) لا
يعقل أن ينفرد في حكم نسخه رجل بعينه، بحيث يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله)
قد اختصه بالنص الناسخ، ولا يمكن قبول ذلك ممن يدعي النص الناسخ، وإلا لفتح باب
خطير ينال مختلف التشريعات الإلهية، ويجعلها موضع ترديد وريب، بل قد يدفع ذلك
الكثيرين لادعاءات نصوص ناسخة لمختلف الأحكام. لو عرفوا أن ذلك يقبل منهم.
على أن كلام ابن عبد
البر يمنع هذا الإحتمال، ويمنع الإحتمال السابق أيضاً، فليتفق هؤلاء على تفسير
بعينه ليمكن النظر فيه.
3 ـ
وأما عدم إنكار الصحابة على عمر حين هدد بالرجم، فقد ذكرنا مراراً أن عدم اعتراضهم
عليه، ربما كان مخافة منه، ولعمر سوابق عديدة في إعلان أمور لا يجرؤ أحد على
الاعتراض عليه فيها، مثل صلاة التراويح، وغيرها.
أضف إلى ذلك: أن الكثيرين قد اعترضوا عليه في ذلك، وذلك لإعلانهم عن
رفضهم لقراره هذا، وقد قال عمران بن حصين: «قال رجل برأيه ما شاء» وتقدم موقف علي (عليه السلام)، وابن
عباس، من أنه لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
60/
إلا شقي أو إلا شفا،
وغير ذلك كثير جداً، تقدم في فصل النصوص والآثار، فما معنى قوله: «ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا حفظ له مخالف»!!.
4 ـ واما
قولهم: كل نكاح حرمته السنة، ولم يحرمه القرآن، فلا حدّ على من أتاه عالماً،
عامداً، وإنما فيه النكال..
فهو
غير صحيح:
أولاً:
ما هو الفرق بين التحريم بالسنة، وبين التحريم بالقرآن؟.
ثانياً: إن هذا يبطل ما يزعمونه، من أن آيات حفظ الفروج، والعدة،
والطلاق، والميراث، وغيرها قد حرمت زواج المتعة..
ثالثاً: ما الدليل على هذه القاعدة المدعاة، فهل دلت عليها آية، أو
رواية، أو غير ذلك؟!.
رابعاً: قال الباجي المالكي: «عندي أن ما حرمته السنة، ووقع الإجماع والإنكار على تحريمه
يثبت فيه الحد، كما يثبت فيما حرمه القرآن». وهو ما ذكر في المتن السابق نقله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
61/
بعد أن ظهر أن عمر بن
الخطاب هو الذي حرّم زواج المتعة، ولم يعد يمكن إنكار ذلك، حتى قال ابن القيم: إن
طائفة من الناس يقولون: «إن
عمر هو الذي حرمها، ونهى عنها، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باتّباع ما
سنه الخلفاء الراشدون إلخ..»(1) ـ نعم بعد أن أظهر ذلك ـ تعددت الافتراضات،
والتفسيرات حول سر، وسبب إقدام عمر بن الخطاب على تحريم زواج المتعة، والظروف التي
رافقت هذا النهي.
ولعل
منشأ ذلك هو اختلاف رواياتهم في ذلك:
1 ـ فيرى ابن حزم، وتبعه الباقوري: أن سبب تحريم
عمر للمتعة، هو ما رآه من إسراف الناس في الإقبال عليها(2).
وذلك يعني: أنه لم يحرمها، بل حرم الإكثار منها، والإسراف فيها.
2 ـ
ويرى البعض الآخر: أن عمر إنما حرم المتعة، التي لا
ـــــــــــــــ
(1) زاد المعاد ج 2 ص 184.
(2) المحلى ج 9 ص 519 و 520، ومع القرآن ص 174.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
62/
يشهد فيها الشهود، ولا تجمع
الشرائط، كما ربما يظهر من بعض الروايات المتقدمة، وكمـا يظهر ذلك أيضاً من كلام
الباقوري، وابن حزم، الذي قال: «وعن
عمر بن الخطاب: أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وأباحها بشهادة
عدلين»(1).
3 ـ
وهناك أسباب أخرى ذكرتها بعض الرويات في هذا المجال(2) لكن بعض رواتها
متهمون؛ فلا مجال للتوقف عندها، ولا سبيل إلى تأييدها، ولأجل ذلك أهملنا التعرض
لها..
4 ـ
ويرى العلامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم: أن سر ذلك يرجع إلى: «.. أن بعض المسلمين أساؤوا استعمال هذا التشريع،
ودفعه في سورةٍ عاطفية إلى هذا التحريم المطلق، وقد ذكر اسم عمرو بن حريث في هذا
المجال، وما ندري تفصيل قصتة، غير أننا ذكرنا قصته بالتفصيل في فصل: النصوص
والآثار، فراجع.
ـــــــــــــــ
(1) راجع: المصدرين السابقين..
(2) راجع: بحار الأنوار ج 100 ص 303 و 304 وج 53 ص
28.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
63/
ويبدو أن هذا التشريع: وهو جديد على المسلمين، إذ لم يسبق له نظير في أية شريعة
سابقة، دينية، أو مدنية لم يسهل تقبله ـ وهو في البداية ـ لأن الناس لا يتقبلون أي
تشريع يتعلق بشؤون الجنس بسهولة، وربما قابلوه واستنكروه في اعماقهم، ولم تمر عليه
بعد مدة كافية لترويض نفوسهم لتقبله، واعتباره شريعة»(1).
ونذكر القارئ الكريم هنا: بأن ما ذكره من أن هذا التشريع كان جديداً على
المسلمين هو الحق الذي لا محيص عنه، فإن القرآن الكريم، وكذلك النبي العظيم (صلى
الله عليه وآله)، لم يكن ليشرع شيئاً من أمر الجاهلية، أو يقبل بالزنا، ويحلله
للناس..
وذلك يوضح: عدم صحة ما ذكره أنيس النصولي في مقال له في جريدة الرأي
العام، وموسى جار الله في كتابه: الوشيعة ص 32: من أن المتعة من أنكحة الجاهلية.
ومما يدل على عدم صحة هذه الدعوى أيضاً: أن
ـــــــــــــــ
(1) الزواج المؤقت ص 40 و 41، وقصة عمرو بن حريث
التي أشار إليها قد ذكرنا تفصيلها في فصل: النصوص والآثار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
64/
عائشة قد حصرت أنكحة
الجاهلية في أربعة، وليس نكاح المتعة منها، فراجع(1).
5 ـ
أما العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، فيرى: أن عمر قد استنكر قصة في واقعة، مما أوجب تأثره، وتهيجه
الشديد، فرأى أن من المصلحة المنع عنها مطلقاً، خوفاً من تكرار مثل تلك الواقعة
الخاصة، اجتهاداً منه ورأياً، تمكن من ذهنه، فهو قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها
بنظره، في زمانه، ووقته، فمنع من استعمال المتعة منعاً مدنياً، لا دينياً.
ولكن بعض معاصريه، ومن
جاء بعده من المحدثين البسطاء، لم يلتفتوا إلى الحقيقة، فارتبكوا، وتحيروا،
وحاولوا إيجاد مخرج من هذا الأمر، وتصحيح ما صدر من الخليفة الثاني(2).
فكان ما كان.. ولفقت الحجج، وبذلت المحاولات، التي لم
ـــــــــــــــ
(1) راجع: صحيح البخاري، وسنن أبي داود، وتيسير
الوصول ج 2 ص 330 ط الهند، وغير ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
65/
تسمن، ولم تغن، بل زادت
الطين بلة، والأمر إشكالاً..
ومهما يكن من أمر: فإننا وإن كنا نوافق إلى أن الوقائع المختلفة، التي أشير
إليها في الروايات المتقدمة تدل على أن عمر، قد اقدم على هذا النهي، بسبب أمر
أهاجه، وأثاره، ثم تكرر هذا النهي لتكرر العودة إلى ممارسة هذا الزواج، فكان ثمة
إصرار على ممارسته والتأكيد على حليته، يقابله إصرار على المنع، وذلك في مناسبات
ووقائع مختلفة، حسبما أشرنا إليه..
نعم،
إننا وإن كنا نوافق على ذلك لكننا نقول: إن ذلك لا يبرر التعدي على التشريع، وتناوله بالتغيير
والتبديل، كما لا يبرر الانفعال من واقعةٍ بعينها وادعاء الألوهيه أو النبوة من قبل
أي كان من الناس، فينصب نفسه للتلاعب بالأحكام، والابتداع وللتشريع وفق أهوائه
وميوله.. فإن على من يواجه أمراً يحرجه أن يدفع ثمن التخلص من الإحراج من جيبه هو،
ومن حسابه الخاص، لا أن يتعدى على التشريع، ويتصرف فيه كما يحلو له.
وأما دعوى: أنه أراد بذلك مصلحة المسلمين، فلا أدري ما هي مصلحة
المسلمين السياسية أو غيرها في المنع عن متعة الحج، التي حرمها مع متعة النساء في
مقام واحد..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
66/
وذلك يجعلنا نطمئن إلى
أن القضية ترتبط بالانفعالات العاطفية، والتذوق الشخصي لبعض الأمور واستساغتها،
أكثر مما ترتبط بمصلحة الإسلام العليا، أو بمصلحة المسلمين..
وقد حاول البعض أن يقول: إن تحريم الخليفة لزواج المتعة إداري لا ديني، والعقاب كما
يكون على مخالفة الأمر الديني الشرعي، كذلك يكون على مخالفة الأمر الإداري.
وقد يؤيد هذا القول ما رواه الطبري حيث قال: «حدثني
محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا
عيسى بن يزيد بن دأب، عن عبد الرحمن بن ابي زيد، عن عمران بن سواد، قال: صليت
الصبح مع عمر فقرأ سبحان، وسورة معها، ثم انصرف، وقمت معه، فقال: أحاجة ؟ قلت:
حاجة. قال: فالحق، قال فلحقت. فلما دخل أذن لي، فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء.
فقلت نصيحة. فقال: مرحباً بالناصح غدواً وعشياً.
قلت: عابت أمتك منك
أربعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
67/
قال: فوضع رأس درته في
ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هات.
قلت: ذكروا أنك حرمت
العمرة في أشهر الحج ولم يفعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ابو بكر
(رض)، وهي حلال.
قال: هي حلال، لو أنهم
اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية عن حجهم، فكانت قائبة قوب عامها. فقرع حجهم، وهو
بهاء من بهاء الله، وقد اصبت.
قلت: وذكروا انك حرمت
متعة النساء، وقد كانت رخصة من الله، نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.
قال: إن رسول الله(صلى
الله عليه وآله) أحلها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس الى السعة، ثم لم أعلم أحداً
من المسلمين عمل بها، ولاعاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضةٍ وفارق عن ثلاث بطلاق
وقد اصبت.
قال: قلت: وأعتقت الأمة
إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها.
قال: الحقت حرمة بحرمة،
وما أردت إلا الخير واستغفر الله.
قلت: وتشكو منك نهر
الرعية، وعنف السياق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
68/
قال: فشرع الدرة ثم
مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد الخ»(1).
ونقول:
إن
لنا تحفظاً على هذا الاعتذار نوضحه فيما يلي:
1 ـ
إن التحريم الإداري لا يقتضي العقوبة بالرجم، بل الذي يقتضي ذلك هو خصوص التحريم
الشرعي؟.
2 ـ
إن سياق كلام الخليفة لا يتلائم مع هذا التخريج، لأنه قد حرم متعة الحج أيضاً،
وكذلك حي على خير العمل في الأذان في نفس الوقت.. ولا نجد وجهاً للتحريم الإداري
لهما.
3 ـ
إن تشريعها لحالات الضرورة، يقتضي عدم المنع عنها بصورة مطلقة. إلا بعد دراسة كل
حالة على حدة، والتحقق من عدم وجود الضرورة فيها..
4 ـ
سيأتي الحديث عن أن القول بأن تشريعها لأجل الضرورة لا يصح.
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الأمم والملوك ج3 ص 290 و291 وشرح النهج
للمعتزلي ج12 ص 121 والجواهر ج30 ص 146 والغدير ج6 ص 212.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
69/
ولعل البعض يقول: إن ما تقدم من أن عمر لم يحرم المتعة دينياً، وإنما حرمها
تحريماً مدنياً، وقتياً، حسبما أدى إليه اجتهاده، ورأيه، بسبب أن البعض قد أساء
استعمال هذا التشريع، أو بسبب ثورة عاطفية كما يراه الحكيم، هو الصحيح، والحق
الصريح، الذي لا محيص عنه، ولا مجال لإنكاره وله شواهد كثيرة.
فنلاحظ في الروايات المتقدمة: أن فيها ما يشير إلى ارتباك في تعليل النهي، وفي
مورده من قبل الناهي نفسه..
فتارة:
ينهى عن أن يتزوج المحصن متعة.
وتارة:
ينهى عنها، لعدم الإشهاد الصحيح، والكافي بنظره.
وثالثة: بسبب أن البعض قد ولد لهم من المتعة، ولم يلتفتوا إلى أولادهم،
أو أنكروا الأولاد.. وهكذا.. فقد تعددت واختلفت التعليلات باختلاف وتعدد الوقائع،
حسبما قدمنا.
وهذا ما يؤيد، ويؤكد: أن النهي لم يكن على سبيل التشريع، أو جعل الحكم، بل على
سبيل الاستفادة من هيبة الحكم، وشوكة السلطان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
70/
ومما يدل على ذلك: أن لدينا تصريحاً بهذا الأمر من قبل عمر نفسه، واعترافاً
منه بأنه لم يحرم المتعة اصلاً، بل يعترف: أنه ليس لعمر أن يحرم ما أحل الله، فقد
روى: أحمد بن عيسى، عن القاسم، عن أبان، عن إسحق، عن الفضل، قال: سمعت أبا عبد
الله (عليه السلام) يقول: «بلغ
عمر: أن أهل العراق يزعمون: أن عمر حرم المتعة، فأرسل إليهم فلاناً ـ سماه ـ فقال:
أخبرهم: إنّي لم أحرمها، وليس لعمر أن يحرم ما أحل الله، ولكن عمر قد نهى عنها..»(1).
وهذا التفريق بين النهي
والتحريم، كان موجوداً منذ ذلك الحين.
فقد روى: في الكافي بسنده عن علي بن يقطين قال: «سأل المهدي أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمر،
هل هي محرمة في كتاب الله عز وجل، فإن الناس إنما يعرفون النهي عنها، ولا يعرفون
التحريم لها، فقال له أبو الحسن: بل هي محرمة في كتاب الله إلخ..»(2).
ـــــــــــــــ
(1) البحار ج 100 ص 319، وفي هامشه عن: نوادر أحمد
بن محمد بن عيسى ص 66، ومستدرك الوسائل ج 2 ص 87، عن النوادر أيضاً.
(2) الكافي ج 6 ص 406 والبحار ج 48 ص 149.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
71/
ونقول:
إن
ذلك كله لا يصلح شاهداً على ذلك، وذلك لما يلي:
1 ـ
إن عمر قد قال في خطابه لهم بالتحريم: إن المتعتين وحي على خير العمل قد كانتا
حلالاً في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو يحرمها جميعاً.. والحديث هو عن
التحريم المقابل لتحليل رسول الله (صلى الله عليه وآله).
2 ـ
إننا لا نجد وجهاً للتحريم الإداري لمتعة الحج، وحي على خير العمل..
3 ـ
إن التهديد بعقوبة الرجم يشير إلى ذلك أيضاً.
4 ـ
محاولات عمر بعد ذلك: نسبة التحريم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن من
يتمتع فإن عليه أن يأتي بأربعة يشهدون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أحلها
بعد إذ حرمها.. وغير ذلك مما تقدم. يشهد على أن عمر قد حرم ما أحل الله، ولم يكن
ما فعله مجرد منع إداري.
ولعله، حين ظهرت
الاعتراضات عليه، وتفاقمت الأمور ضده.. قد حاول أو حاول محبوه تلطيف الأجواء،
والتخفيف من وقع وهول ما جرى. فكانت التأويلات والتعليلات..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
72/
ومهما يكن من أمر، فإننا لو سلمنا: أن تحريم عمر للمتعة كان تحريماً إدارياً لظروف
معينة اقتضت ذلك، فإن ذلك يدل على أنه لا مسوّغ لاستمرار القول بالتحريم، لأن التدبير
الإداري ينتهي بانتهاء ظرفه، ولا مجال بعد ذلك للاستمرار فيه.
وإن كان تحريمه: لأن لديه رواية في التحريم عن النبي (صلى الله عليه وآله)،
فإن ذلك يتعارض مع قوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أحرمهما، حيث نسب
التحريم إلى نفسه، لا إلى رواية رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بالإضافة
إلى النصوص الأخرى التي تدل على بقاء الحلية بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
بالإضافة إلى شواهد أخرى: أشرنا إلى كثير منها فيما سبق.
وإن كان تحريمه بسبب: أنه يرى أن له الحق في الاجتهاد في مقابل النص، فذلك أمر
يرجع إليه وحجته فيه قائمة عليه، وليس حجة على سواه، والله ورسوله أولى بالاتباع
من عمر، ومن كل أحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
73/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
74/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
75/
إننا قبل أن نشرع في
الحديث نشير إلى أن الرازي قد ذكر أن عمر قد أقر بحلية زواج المتعة، وأن قوله هذا
حجة للقائلين بتحليل المتعة.
فهو يقول: «الحجة الثالثة: ما روي: أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر:
متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا أنهى عنهما:
متعة الحج ومتعة النكاح».
وهذا..
منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله)
وقوله: «وأنا أنهى عنهما» يدل على أن الرسول (صلى الله
عليه وآله) ما نسخه، وإنما عمر هو الذي نسخه، وإذا ثبت هذا..
فنقول:
هذا الكلام يدل على أن
حل المتعة كان ثابتاً في عهد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
76/
الرسول (صلى الله عليه وآله)،
وأنه ما نسخه، وأنه ليس ناسخ إلا نسخ عمر، وإذا اثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخاً
بنسخ عمر، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: «إن الله أنزل في المتعة آية، وما نسخها بآية
أخرى، وأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمتعة، وما نهانا عنها، ثم قال رجل
برأيه ما شاء..
يريد: أن عمر نهى عنها»(1).
وبعد هذه الحجة
الظاهرة، وهذا الاعتراف الصريح، ومن أحد أشد المدافعين عنه، ندخل في الحديث عن
اعتذاراتهم عن عمر في تحريمه لهذا الزواج المشروع، فنقول:
يقول الطحاوي: «فهذا
عمر رضي الله عنه قد نهى عن متعة النساء، بحضرة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه
وآله) فلم ينكر ذلك
ـــــــــــــــ
(1) التفسير الكبير ج 10 ص 54.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
77/
عليه منهم منكر، وفي
هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه من ذلك، وفي إجماعهم على النهي في ذلك
عنها دليل على نسخها، وحجة»(1).
ونقول:
1 ـ لماذا
ينقم الناس إذن على عمر تحريمه لزواج المتعة، حسبما ذكرته رواية الطبري؟! لقد كان
ينبغي لهم ـ لو كان ثمة نهي ديني ـ أن ينقموا على الله ورسوله، والعياذ بالله، لا
على عمر بن الخطاب.
2 ـ
ما ذكره الطحاوي من متابعة الصحابة لعمر، وإجماعهم على ما نهى، عجيب وغريب وفي
الفصول المتقدمة إجابة شافية وكافية على هذا القول.
3 ـ
وإذا كان الصحابة مجمعون على التحريم، فلماذا استمر أهل مكة والمدينة واليمن على
القول بحلية هذا الزواج، بل إن ابن جريج قد تمتع بسبعين أو بتسعين امرأة حسبما
تقدم.
ـــــــــــــــ
(1) شرح معاني الآثار ج 3 ص 27.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
78/
قد تبذل محاولة لتبرئة عمر على اعتبار: أنه صحابي، وقول الصحابي حجة. فلابد من
التسليم..
والجواب:
أولاً: لا دليل على حجية قول الصحابي.
ثانياً: لو سلمنا حجيته، فإنما هي في صورة عدم وجود نص على خلافه،
فكيف إذا صرح الصحابي نفسه بوجود النص وبتعمد مخالفته؟!.
ثالثاً: إذا كان قول عمر حجّة، لأنه صحابي، فليكن قول علي أمير
المؤمنين (عليه السلام)، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، و.. و.. حجة
لأنهم من الصحابة أيضاً..
أو على الأقل ليكن قول
هؤلاء معارضاً لقول الخليفة وحده، وليتساقط القولان، فيرجع إلى أصالة الحلية.
ولعل بعضهم يتخيل: أن هذه سنة عمر، وهو من الخلفاء الراشدين، ويجب أن يعضوا
عليها بالنواجذ، كما أمرهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
79/
الرسول (صلى
الله عليه وآله).
أولاً: إن
هذا الحديث موضع ريب وشك.
ثانياً: إن
ما سنه الخلفاء فيه الكثير من التناقض والاختلاف فهل يؤخذ به وهو على هذه الصفة.
ثالثاً: إن
ما سنوه إذا خالف النص كان ابتداعاً وليس سنة.
رابعاً: لو
سلمنا، فمن الذي قال: إن المقصود هم الخلفاء الأربعة.. بل الظاهر أن المقصود هم
الأئمة الاثنا عشر، الذين تحدث عنهم جابر بن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)
كما في الصحاح حيث عبر عنهم في ذلك الحديث: بالخلفاء.
خامساً: لو
سلمنا، فلماذا لا يأخذون بسنة علي (عليه السلام) في التحريم؟! مع أنه من الخلفاء
الراشدين أيضاً.
إن القول: إن عمر وحده هو الذي عرف وروى التحريم عن رسول الله (صلى
الله عليه وآله)، فيه اتهام لكبار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
80/
الصحابة، بل للصحابة
جميعاً، بالتقصير في تبليغ أحكام الله، أو بالجهل، أو بعدم الاهتمام بتوجيهات
الرسول (صلى الله عليه وآله).
ولربما يحلو للبعض: أن يعتبر سكوت الصحابة وعدم اعتراضهم على عمر بن الخطاب حين
تحريمه لهذا الزواج.. يدل على أنهم كانوا يرون حرمة هذا الزواج أيضاً(1).
وسيأتي كلام الفخر
الرازي حول هذا الموضوع بالذات أيضاً، فانتظر.
ونقول:
أولاً:
قد تقدم أن عمران بن حصين قد أنكر على عمر هذا الأمر، كما أنكره عليه آخرون،
وأصروا على مخالفته، واستمروا على ممارسة هذا الزواج بالرغم من تهديده ووعيده،
ـــــــــــــــ
(1) مجلة الهلال المصرية عدد13 جمادى الأولى
سنة1397 هـ.
ق. أول مايو سنة 1977م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
81/
وهذا يعتبر أبلغ اعتراض
عليه بل ليس ثمة من إنكار أعظم من ذلك.
ثانياً: إن هذا لا يصلح دليلاً على ذلك، لا سيما مع تهديد عمر لهم
بالعقاب الذي كان يمارسه ضدهم في كل المواقع التي أقدم فيها على مثل هذا، فقد كان
يضرب الناس على الصلاة بعد العصر(1) وقد تهدد أبا موسى الأشعري في حديث الاستئذان(2)، وكان يضرب من يحدث عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
وقد ذكر الجاحظ كلاماً يجيب به على سؤال: كيف لم ينكر الصحابة على أبي بكر في حكمه
الخاطئ بدفع الزهراء عن الميراث، فإن في رضاهم وإمساكهم عن النكير عليه دليلاً على
صوابه.. فكان مما قاله الجاحظ: «وكيف
جعلتم ترك النكير حجة قاطعة، ودلالة واضحة،
ـــــــــــــــ
(1) أحكام الأحكام لابن حزم ج 5 ص 821.
(2) راجع مسند أحمد ج3 ص19 وسنن الدارمي ج2 ص274
ومشكل الآثار ج1 ص499 والغدير ج6 ص 158 عنهم وعن المصادر التالية: صحيح مسلم ج2 ص
234 كتاب الآداب وصحيح البخاري ج3 ص 837 ط الهند وسنن ابي داود ج2 ص 340.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
82/
وقد زعمتم: أن عمر قال
على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله): متعة النساء
ومتعة الحج، أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما، فما وجدتم أحداً أنكر قوله، ولا
استشنع مخرج نهيه، ولا خطّأه في معناه، ولا تعجب منه، ولا استفهمه؟!.
وكيف تقضون بترك
النكير، وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
الأئمة من قريش، ثم قال في شكاته: لو كان سالم حياً ما تخالجني فيه شك، حين أظهر
الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى، وسالم عبد لامرأة من الأنصار،
وهي أعتقته، وحازت ميراثه.
ثم لم ينكر ذلك من قوله
منكر، ولا قابل إنسان بين قوله، ولا تعجب منه.
وإنما يكون ترك النكير
على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله وصواب عمله.
فأما ترك النكير على من
يملك الضعة والرفعة، والأمر والنهي، والقتل والاستحياء، والحبس والإطلاق، فليس
بحجة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
83/
تشفي، ولا دلالة تضيء»(1).
كما أنهم لم ينكروا
منعه عن متعة الحج، ولا منعه من كتابة ورواية حديث رسول الله (صلى الله عليه
وآله).
ومن أراد الاطلاع على
شواهد كثيرة في هذا المجال، فليراجع كتاب الغدير ج 6 باب نوادر الأثر في علم عمر..
وغير ذلك..
والخلاصة: أننا لو سلمنا أنهم لم ينكروا عليه؛ فلعل عدم إنكارهم عليه
يعود إلى بعض الأمور التالية:
1 ـ
إنهم قد فهموا، أن نهيه لم يكن تحريماً تشريعياً مؤبداً، وإنما كان لمصلحة وقتية..
ويرون أن للحاكم أن يقدم على هذا لمصلحة يراها بنظره، وسيأتي الشاهد على ذلك من
كلام عمر نفسه..
2 ـ
خوفهم من بطشه، ولا سيما بملاحظة ما نعلمه من هيبة عمر وشدته على من خالفه، لا
سيما مع ما يرونه من إصراره على المنع، وتهديده العنيف لمن يخالف.
ـــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 265 و 266،
والشافي ج 4 ص 86 و 87.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
84/
3 ـ
ولو سلمنا، فإننا نقول: إن اقتناعهم بأنه لا فائدة من الاعتراض.. ما دام أنه يصرّح
لهم بأنه يعلم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أحل هذا الزواج وشرعه ـ نعم
في اقتناعهم هذا ـ يجعلهم ينصرفون عن الاعتراض عليه، حيث يرون أن ذلك لا يجدي ولا
يفيد..
وهذا هو الفارق بين هذا
المقام، وبين الموارد التي رجع فيها إلى آراء الصحابة، حيث لم يكن عالماً بالحكم
هناك وهو عارف به هنا.
كما أنه هناك كان يبدي
استعداداً للعمل بما يقال له، أما هنا فهو يبدي إصراراً وعناداً على الخلاف
والمنع..
وثالثاً: لا يستطيع أحد أن يدعي أن ثمة من رجع منهم عن القول
بالحلية، بل غاية ما يدعى هو امتناعهم عن الممارسة وعن الجهر بالخلاف، وهذا لا
يلازم ذلك..
قال الفخر الرازي: الحجة الثانية ـ أي في تحريم المتعة ـ ما روي عن عمر بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
85/
الخطاب رضي الله تعالى
عنه أنه قال في خطبته: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا
أنهى عنهما، وأعاقب عليهما) ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد.
فالحال ههنا لا يخلو من إشكال: إما أن يقال: إنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة
فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا
إباحتها، ولا حرمتها فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك.
والأول: هو المطلوب.
والثاني: يوجب تكفير عمر، وتكفير الصحابة، لأن من علم أن النبي (صلى
الله عليه وآله) حكم بإباحة المتعة ثم قال: إنها محرمّة محظورة من غير نسخ لها فهو
كافر بالله تعالى، ومن صدّقه عليه مع علمه بكونه مخطئاً كان كافراً أيضاً، وهذا
يقتضي تكفير الأمة، وهو على ضد قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت
للناس).
والقسم الثالث: وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
86/
مباحة أو محظورة فلهذا
سكتوا، فهذا باطل أيضاً(1) لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح.
وإحتياج الناس إلى
معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل.
ومثل هذا يمنع أن يبقى
مخفياً بل يجب أن يشتهر العلم به فكما أن الكل كانوا عالمين بأن النكاح مباح وأن
إباحته غير منسوخة وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك.
ولما بطل هذان القسمان: ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر (رض) لأنهم
كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الإسلام(2).
وإن شئت قلت: إن المتعة كانت حلالاً في الإسلام بلا خلاف والخلاف إنما هو
في الناسخ.
فلو كان الناسخ موجوداً
لعلم بالتواتر أو بالآحاد، ولو كان بالتواتر لكان علي، وابن
عباس، وابن الحصين منكرين لما علم
ـــــــــــــــ
(1) وهو يقتضي تكفير عمر، إذا كان عالماً بعدم
الحرمة، ومع ذلك يصر على التحريم.
(2) التفسير الكبير ج 10 ص 52.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
87/
بالتواتر، وذلك يوجب
تكفيرهم، وهو باطل قطعاً.
ولو كان بالآحاد: للزم نسخ المقطوع بالمظنون، وهو باطل..
وأجاب
الرازي بما يلي:
أولاً: لعل بعضهم سمع الناسخ ثم نسيه، ثم تذكروه بتذكير عمر لهم،
فسلموا له وقبلوا.
فإن قيل: إن عمر أضاف
النهي إلى نفسه.
قلنا: لو كان مراده: أن
المتعة حلال في شرع محمد، وأنا أنهى عنها.. لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه
وينازعه من الصحابة حتى علي (عليه السلام)،
فلا بد أن يكون مراده: أنها كانت مباحة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنا
أنهى عنها لما ثبت عندي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نسخها(1).
وهذا هو السبب: في سكوت الصحابة عن الاعتراض على عمر، أي لأنهم صاروا
عالمين بأن المتعة منسوخة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ـــــــــــــــ
(1) راجع المصدر السابق: ص 52 و 53 و 54.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
88/
ونقول:
قد تقدم بعض ما يدل على
عدم صحة ما ذكروه فيما يرتبط بعدم اعتراض الصحابة عليه، ونعود هنا لنؤكد على ما
تقدم ولنشير إلى مؤاخذات أخرى تسقط كلام الرازي عن الاعتبار، وهي التالية:
أولاً:
إن عمر بن الخطاب قد نسب الحرمة إلى نفسه صراحة معترفاً بأن المتعتين: كانتا على
عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: «وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما».
فلو كانت المتعة محرمة
على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لقال: متعتان حرمهما رسول الله، فأنا
أعاقب عليهما ـ لأنني صاحب السلطة..
ثانياً: من الذي قال: إن جميع الصحابة قد سكتوا ولم يعترضوا؟! فإنه
لا يوجد نص ينفي ذلك، غاية الأمر أن ذلك لم ينقل إلينا، والدواعي متوفرة على
إخفائه لو كان..
ثالثاً: قد تقدم في فصل النصوص والآثار: أن عمران بن حصين قد واجهه
في نفس المجلس الذي أعلن فيه تحريم المتعة، كما أن الروايات قد صرحت بعدم قبول
الكثيرين منهم هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
89/
التحريم منه، ومنهم علي
(عليه السلام)، وابن عباس، وجابر، وابن مسعود، وحتى معاوية إلى أخر القائمة الكبيرة
من الصحابة ممن قدمنا شطراً من أسمائهم، وأقوالهم وممارساتهم وأفعالهم في فصول هذا
الكتاب فلا نعيد..
بل إن رواية الطبري
تشير إلى أن الأمة كانت تعيب عليه تحريمه للمتعة، فراجع قول عمران بن سواد له: «عابت أمتك
أربعاً»: وقد ظهر من جواب
عمر: أنه يرى أن النبي (صلى الله عليه وآله) أحلها للضرورة.
فالمعيار: هو أن يسكت الصحابة ويقبلوا بما قال.. والنصوص تثبت عكس
ذلك، فإن الكثيرين منهم قد أصروا على الجهر بحلية هذا الزواج، ومارسوه عملياً إلى
درجة أنه أصبح شائعاً كثيراً في أهل مكة، والمدينة، واليمن كما ذكرناه فيما سبق.
رابعاً: من قال: إن الصحابة كانوا حاضرين جميعاً في ذلك المجلس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
90/
هناك من يقول: إن نهي عمر، وموافقة أكثر الصحابة له، يدل على أن التحريم للمتعة
كان ثابتاً عندهم، كما كان ثابتاً عند عمر.. وأما فتوى ابن عباس وغيره بالحلية،
كما أن عمل بعض الناس بها في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) وزمن أبي بكر، وعمر،
فهو عمل فردي، لا يصلح حجة على صدور الإباحة العامة والمستمرة، ولا يصلح دليلاً
على خطأ عمر فيما أقدم عليه.
ويرد
عليه:
أن قول ابن مسعود: «كنا
نغزو مع رسول الله (صلى الله عليه وآله).. ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى
أجل».
وقول عمران بن الحصين: «تمتعنا
مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، وقول جابر: «كنا نستمتع»، «واستمتعنا».
وقول غيره: «ما
كنا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) زانين ولا مسافحين..» وما إلى ذلك.
إن ذلك كله: سواء يدل على أنهم يتحدثون عن ظاهرة عامة لا تقتصر على
أفراد قليلين لم يبلغهم النهي..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
91/
خصوصاً مع دعوى أن النهي
قد صدر في تجمعات كبيرة مثل خيبر، والفتح، وحجة الوداع، وحنين، وأوطاس، وتبوك..
وقد اعتذر البعض: عن تلك الروايات، بأن من الممكن أن يكون النهي النبوي لم
يبلغ جابراً، ولا غيره من الصحابة الذين نقل عنهم استمرارهم على تحليل هذا الزواج
بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى أن نهى عمر عنه، بل قد احتمل ذلك في حق علي
(عليه السلام) أيضاً(1).
ونقول:
إن ما تقدم من تصريح
الروايات بأن عمر يضيف النهي إلى نفسه، يجعل هذا الاعتذار
على درجة كبيرة من الوهن والضعف.
ويزيده وهناً: تصريحهم بأن هذا الزواج كان حلالاً في
ـــــــــــــــ
(1) فتح الباري ج 9 ص 149، وراجع ص 147، حول احتمال
بلوغ النهي لعلي (عليه السلام) يوم خيبر، وراجع: شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 47،
وشرح معاني الآثار ج 3 ص 27.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
92/
عهد رسول الله (صلى
الله عليه وآله) وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر..
كما أن إصرارهم على: عدم قبول ذلك من عمر، يجعل من هذا الاعتذار مثاراً
للاستخفاف، وجنوحاً إلى السخرية والاستهزاء.
تباعد الأمصار دعا
لإعادة إبلاغ الحرمة:
ويزعم بعضهم: أن ما صدر عن عمر بن الخطاب لم يكن سوى إبلاغ للحكم الذي
صدر من النبي (صلى الله عليه وآله)، لأن تباعد الأمصار الإسلامية مع عدم توفر
وسائل إعلام، قد جعل وصول الحكم إلى الناس صعباً، فاحتاج إلى تعدد التذكير
والتحذير..
ونقول:
1 ـ
لماذا اختص هذا الإبلاغ بهذين الأمرين متعة النساء، ومتعة الحج، أو الثلاثة،
بإضافة المنع من «حي على خير العمل» في الأذان.
فإن الأحكام الشرعية
فوق حد الحصر.. ولم يحصل فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
93/
ما حصل لهذه الأمور
الثلاثة.
2 ـ
إن الذين يعترضون على التحريم، ويرفضون الأمر الذي أصدره عمر لهم هم من الصحابة،
بل هم من كبارهم، ولم يكونوا من أهل الأمصار الأخرى..
3 ـ
إن الكلام الذي صدر عن الخليفة الثاني يأبى عن هذا التفسير، فإنه قال: أنا
أحرمهما، وأعاقب عليهما..
بالإضافة إلى صراحة
النصوص الأخرى في استمرار هذا التشريع من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى
زمن عمر..
4 ـ
على أن الأمر لو كان كذلك لاقتضى تكرار هذا الإبلاغ من غير الخليفة الثاني أيضاً،
فلماذا لم يبلغهم ذلك أبو بكر قبله، ولماذا سكت عمر إلى مضي النصف من خلافته؟!.
وتتميماً
لما سبق نقول:
1 ـ ثم
لماذا لم ينكروا على عمر تحريمه لمتعة الحج؟! مع أنه يتحداهم، ويقول كما يروي ابن
عباس: إني لأنهاكم عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
94/
المتعة، وإنها لفي كتاب
الله، ولقد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يعني العمرة في الحج(1).
نعم، إنه يتحداهم على
هذا النحو الصريح والفاضح، ولا يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه، رغم إعترافه صراحة
بأن ما ينهاهم عنه موجود في القرآن، وقد فعله النبي (صلى الله عليه وآله).
2 ـ وإذا
كانوا قد وجهوا نهي عمر عن متعة النساء، بأن هذا الزواج قد نسخ، فلماذا لا يحمل
نهيه عن متعة الحج على النسخ أيضاً، فإن الخليفة الثاني قد حرمهما ونهى عنهما بلفظ
واحد، وفي مقام واحد، فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما.. إلخ.
ـــــــــــــــ
(1) سنن النسائي ج 5 ص 153، وقد تقدم أن تفسير
الراوي للمتعة بـ
«متعة الحج»
كان اجتهاداً منه، لحاجة في نفسه قضاها!!.. وليراجع: الغدير ج 6 ص 205، فإن فيه
رواية أخرى بهذا المضمون، وفيها دلالة أيضاً على أن ذلك كان اجتهاداً من عمر، فلا
يصح نسبة ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله)..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
95/
وقال البيهقي: «نحن
لا نشك في كونهما على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكنا وجدناه نهى عن
نكاح المتعة عام الفتح، بعد الإذن فيه، ثم لم نجده أذن فيه بعد النهي عنه، حتى مضى
لسبيله (صلى الله عليه وآله) فكان نهي عمر بن الخطاب (رض) عن نكاح المتعة، موافقاً
لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخذنا به.
ولم نجده (صلى الله
عليه وآله) نهى عن متعة الحج، في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر (رض) ما دل
على أنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة، ليكون أتم لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج
على التنزيه، وعلى اختيار الإفراد على غيره، لا على التحريم»(1).
وقال الترمذي: «وأهل
الحديث يختارون التمتع بالعمرة والحج وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق»(2).
ـــــــــــــــ
(1) السنن الكبرى ج 7 ص 206 وراجع: شرح الموطأ
للزرقاني ج 4 ص 46.
(2) الجامع الصحيح ج2 ص 159 ذيل حديث ص 823.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
96/
ونقول:
إن
كلامهم هذا لا يمكن قبوله:
أولاً:
لما عرفناه من أن المتعة قد بقيت حلالاً، وبقي الصحابة يعملون بها إلى زمان عمر
نفسه.
وما قيل من أن النهي
عنها قد كان عام الفتح، قد تقدم أنه لا يصح.
ثانياً: كيف يصح ما ذكره البيهقي وغيره من أن نهي عمر عن متعة الحج،
قد كان للتنزيه، لا للتحريم، ونحن نجد أن عمر قد حرمهما «الحج والنساء»
معاً، وتوعد بعقاب الفاعل لهما والمخالف فيهما على حد سواء؟.
فهل يصح العقاب على
مخالفة الأمر التنزيهي؟!.
وثالثاً: بالنسبة للرواية التي نقلها البيهقي عن عمر بن الخطاب، ونسب
فيها النهي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتكذبها الرواية التي ذكرها
البيهقي نفسه، عن عمر نفسه أيضاً، ويصرح فيها بأنه لو تقدم بالنهي عن متعة النساء
لرجم فاعلها.
رابعاً: إذا كانوا قد حملوا نهيه عن متعة الحج على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
97/
الكراهة، والتنزيه، بل
عن بعضهم الإجماع على الجواز فيها(1) مع توعده كذلك بالعقاب على فاعلها ـ فليحمل
نهيه عن متعة النساء على الكراهة أو التنزيه أيضاً..
وكيف خالفوه في تحريمه
متعة الحج، وقبلوا منه تحريم متعة النساء؟! مع أنه قد حرمهما معاً! فكان ينبغي
الموافقة فيهما معاً، أو المخالفة فيهما معاً، حتى لا يكون ثمة إيمان ببعض القول،
وكفر ببعض..
خامساً: وإذا كان نهيه عن متعة الحج اجتهاداً منه، حتى لا يعرسوا بهن
في الأراك، ثم يهلوا بالحج ورؤوسهم تقطر كما يقول(2) فليكن تحريمه لمتعة
النساء أيضاً، اجتهاداً منه، كما اعترف به هو نفسه في رواية الطبري المتقدمة، حيث
قال فيها:
«إن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) أحلها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس إلى السعة».
ـــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام ج 30 ص 146.
(2) وذلك معروف ومشهور، فراجع: مسند أحمد ج1 ص49
و50 وسنن النسائي ج5 ص153 وعن صحيح مسلم ج4 ص45 وغير ذلك. وراجع: الغدير ج 6 ص 204
و 205، فإنه قد ذكر روايات تفيد: أن عمر بن الخطاب نفسه قد اعترف بأنه قد حرم متعة
الحج لذلك، اجتهاداً منه، وقد اعترف بذلك ابنه عبد الله أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
98/
وما ذكره عمر: في سبب نهيه عن متعة الحج، يوضح عدم صحة قولهم: إنه إنما
نهى عن متعة الحج لأجل ألا يعطل البيت في غير أشهر الحج ـ كما عن عروة بن الزبير،
ويوسف بن ماهك، وكما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.
ثم هو يوضح أيضاً: عدم صحة قولهم إن العمرة في الحج كانت خاصة لأصحاب محمد لكي
يخالفوا ما عليه أهل الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، لأن النبي (صلى الله
عليه وآله) قد أمر الصحابة بالإحرام بالحج ثم أمرهم بفسخه إلى العمرة ليبطل ما كان
عليه أهل الجاهلية.
ولسوف نشير إلى أعذار أخرى: اعتذروا بها لعمر في تحريمه لهذا الزواج، ولسوف
نرى: أن نسبة ذلك إليه ـ على بعض تلك الوجوه ـ لا تستلزم تكفيراً له..
على أن الحديث عن لوازم
كهذه لا يبطل الاستدلال، ولا يوجب رفع اليد عن التشريع الثابت بالدلالة القطعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
99/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
100/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
101/
قد خصصنا هذا الفصل للحديث عن مقولة: «إن تشريع
المتعة إنما كان للمضطر» ثم نسخ هذا التشريع. وقد كان من الممكن تلخيص كلماتهم،
والإجابة عنها مرة واحدة.. ولكننا وجدنا في الصياغات المختلفة لهذه المقولات
حيثيات تختلف وتتفاوت، ولربما يحسب بعض القراء أننا لم نلتفت إليها ولم نراعها في
مقام المناقشة، الأمر الذي يترك نوعاً من التشويش والقلق فيما يرتبط بدقة
المناقشات أو باستيفائها للشروط الموضوعية.
فكان هذا الأمر: حافزاً لنا إلى أن نتركها على حالها ونوجه مناقشتنا إليها
مباشرة من دون أي تصرف أو إخلال بحرفية نصوصها.. الأمر الذي نشأ عنه الإحساس بأن
ثمة تكراراً ـ لو يسيراً ـ في بعض الأحيان. مما قد يعتبره البعض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
102/
حالة سلبية من الناحية
الفنية أو إخلالاً لا مبرر لتحمله، أو الرضا به.
ولأجل ذلك كان لابدّ من: تقديم العذر عن هذا الأمر، وإعلام القارئ الكريم بأن ثمة
تعمداً دعت إليه ضرورة والتزام أدبيّ تجاه القارئ الكريم..
وبناءً
على ما تقدم فإننا نستهل حديثنا:
مع المقبلي في تأويلاته
وتوجيهاته:
فنقول:
لقد حاول المقبلي
الخروج من المأزق الذي نشأ من تحريم عمر للمتعة، فقال ما ملخصه:
إنك إذا رميت هيبة
الناس، واقتصرت على المتيقن تجد:
1 ـ إن
الأصل هو المنع، لأنه رخصة خلاف النكاح المعروف في الشرع، وهو الدائم.
2 ـ
إنهم لم يروا حلية المتعة على الإطلاق، بل لم يروا وقوعها إلا لمضطر، وذلك هو
السبب في تحليلها وتحريمها، فهي تحل عند الحاجة وتمنع عند انقضائها.
وذلك ليس من باب النسخ
ليقال: أحلت، ثم نسخت، ثم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
103/
أحلت، ثم نسخت.
3 ـ
ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم ثبتوا عليها، يراد منه ثباتهم على تحليلها
للمضطر.. ولأجل ذلك لم يرو عن أحد أنه فعلها في غير هذه الحال. كما أنه لم يرو عن
أحد أنه قال: إنها تفعل حال الرفاهية، بل غاية ما روي هو الإطلاق، والواقع.
مع أن ما كان يجري على
أرض الواقع وقول ابن عباس يمنعان هذا الإطلاق.
4 ـ..
قال: والذين عدهم ابن حزم في جملة القائلين بحلية المتعة لم يرو عنهم ما يدل على
اعتقادهم إطلاق التحليل وتعميمه لغير المضطر.
بل غاية ما روي عنهم
أنهم فعلوها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كقول أسماء: فعلناها، على عهد
رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم تزد على ذلك.
وأشدها إيهاماً قول جابر: تمتعنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
إلخ.. وهو الذي حمل ابن حزم على قوله: رواه جابر عن الصحابة، اغتر بضمير الجمع في
قوله: «فعلناها» ولعل جابراً لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
104/
يبلغه النسخ.. ثم لم
يبلغه إلى أن نهى عنها عمر، واعتقد أن الناس باقون على ذلك.
ولا بد من الحمل على
هذا، وإلا لكان فعل عمر تشريعاً، لأن النسخ تشريع ليس بالرأي، ولو كان كذلك فكيف
يوافقه جميع الصحابة والتابعين.
فعمر والجمهور قد علموا
بالنسخ، ولم يعلمه أقوام، فاتفق من بعضهم التمتع، فأشاع عمر بيان النسخ، فتوهم من
لم يعلم بالنسخ أن الناس جميعاً إنما وافقوا عمر(1).
ونقول:
أولاً:
قد عرفت أن الروايات التي تحدثت عن تحليل المتعة مطلقة غير مقيدة، والذين قيدوا
التحليل بالاضطرار ـ كما نسب إلى ابن عباس ـ لو صح النقل عنهم، لا يكون رأيهم هذا
حجة على غيرهم، فإن سائر الصحابة قد أطلقوا القول بالحلية، وكذلك فإن ما ورد من
نصوص عنهم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله)، وكذلك الآية القرآنية ـ قد جاء مطلقا
غير
ـــــــــــــــ
(1) راجع: المنار في المختار من جواهر البحر الزخار
ج 1 ص 46 و 464.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
105/
مقيد، لا باضطرار ولا
بغيره، فحمله كلامهم على صورة الاضطرار لمجرد كون ابن عباس، وفلان، وفلان ـ لو صح
النقل عنهم ـ يخصون التحليل بهذه الصورة لا مبرر له، ولا منطق يساعده، وهو محض
تحكم ممقوت، وممجوج.
ثانياً: قال: إن سبب تحليلها وتحريمها هو وجود الاضطرار وارتفاعه،
فلو صحّ ذلك، فلماذا تحرم على المضطر في زماننا هذا، فإن الاضطرار إذا كان سبباً
في التحليل، فليكن سبباً في التحليل مطلقاً وفي كل زمان.
ثالثاً: إن قوله: إن الأصل هو المنع، لأنه رخصة على خلاف النكاح
المعروف، المشرّع، وهو الدائم..
ما هو إلا كلام شاعري
لا يرجع إلى قاعدة مقبولة أو معقولة، فإن هذا النكاح مشرّع، وذاك أيضاً نكاح
مشرّع، وهذا معروف، وذاك أيضاً معروف، فلماذا كان هذا أصلاً، وذاك على خلاف الأصل،
وهل مجرد عادة الناس، على أمر تجعل هذا الأمر أصلاً، وتجعل غيره فرعاً؟!.
رابعاً: قوله: إن الذين عدهم ابن حزم في جملة القائلين بحلية المتعة
لم يرو عنهم ما يدل على اعتقادهم إطلاق التحليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
106/
وتعميمه إلخ..
مثير للدهشة حقاً، فهل
روي عنهم أنهم خصّوا التحليل بالمضطر؟! سوى ما نسب إلى ابن عباس مما قد عرفت عدم
صحته أكثر من مرة، وستعرف المزيد من ذلك أيضاً في هذا الفصل بالذات.
خامساً: قوله: ولعل جابراً لم يبلغه النسخ..
يجاب عنه: أنه هو نفسه
قد ادعى في بداية كلامه: أن هذا ليس من قبيل النسخ، ليقال: أحلت ثم نسخت.. أي أن التحليل
للمضطر، إنما هو ترخيص، ثم منع منه بعد ارتفاع الضرورة. وذلك يعني: أن الاضطرار
يرفع المنع كلما وجد، كما هو الحال في أكل الميتة لحفظ النفس من الهلاك، فإن التزم
بهذا فعليه أن يفتي بحلية المتعة للضرورة في كل عصر ومصر، وإن التزم بالنسخ وقع في
محذور التهافت بين كلاميه.
سادساً: لماذا لا يكون نهي عمر هو الناشئ عن عدم معرفته بتأخر
الإجازة، والتحليل.. لا سيما إذا علمنا أن الصحابة لم يقبلوا منه هذا المنع والذين
قبلوه إنما قبلوه مرغمين خوفاً من بطشه، وحذراً من تنفيذ تهديداته برجم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
107/
وعقاب الفاعل.
ولأجل ذلك: استمر أهل مكة وغيرهم في زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم
على استعمال هذا الزواج.
سابعاً: بل إن ثمة نصوصاً تقدمت عن عمر، يصرح هو فيها: أن المتعة كانت
حلالاً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي عهد أبي بكر.
ثامناً: قوله: لا بد من الحمل على عدم معرفة الناس بالنسخ والمنع
حتى أعلمهم عمر به، وإلا لكان فعل عمر تشريعاً.. غير مقبول، لأننا رأينا عمر يقوم
بالتشريع والأمر في أكثر من مناسبة، ولا يتمكن أحد من الاعتراض عليه، كما في صلاة
التراويح وغيرها.
وهناك إيرادات أخرى على
كلام المقبلي تعرف مما ذكرناه في ثنايا هذا الكتاب، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد
الرشد والهداية.
وقد تحدث المدّعون
للتحريم عن أن المتعة كانت رخصة في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
108/
سفر، ولا دليل أبداً
على أنها كانت معمولاً بها في حالات الإقامة(1)، فإباحتها كانت
للضرورة، في خصوص السفر فلا يتوسع بها، لأن ما جاء على خلاف القياس فغيره به لا
يقاس..
ونقول:
1 ـ
إن النصوص الكثيرة والمتضافرة، وكذلك الآية الشريفة، قد اثبتت حلية المتعة مطلقاً،
ومن دون تقييد، فتقييدها بالضرورة، في خصوص السفر هو الذي يحتاج إلى إثبات..
2 ـ
إن قول علي (عليه السلام) وابن عباس، لولا تحريم عمر للمتعة ما زنا إلا شفا، أو
إلا شقي، وكذلك قول عمران بن الحصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ثم لم تنزل
آية تحرمها إلخ.. واستمتاع معاوية وابناء خلف. وابن أم أراكة، وسعيد بن جبير، بل
واستمتاع ابن جريج بسبعين امرأة، وذهاب فقهاء مكة والمدينة واليمن.. وعشرات من
الصحابة وغيرهم إلى التحليل المطلق لهذا الزواج، وغير ذلك مما ذكرناه في فصل النصوص
ـــــــــــــــ
(1) الاعتبار ص 176.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
109/
والآثار وغيره ـ إن ذلك
كله ـ يدل على أن تشريع المتعة لم يكن مقيداً بسفر ولا بضرورة، وهذا هو الذي فهمه
الصحابة، وغيرهم..
3 ـ
لو سلمنا: فإن الضرورة لم ترتفع فاللازم الحكم ببقاء التشريع، خصوصاً في حالات
السفر حسبما يدعيه هؤلاء. فهل يقبل هؤلاء بذلك؟! فإنهم ينكرون حليتها مطلقاً في
السفر وفي الحضر، وفي الضرورة وغيرها!!.
4 ـ
على أن الضرورة قد تكون في الحضر أشد منها في السفر، وليس في السفر خصوصية في صنع
حالات الضرورة، فإن بين عنواني الضرورة والسفر عموماً وخصوصاً من وجه. فإن كان
الملاك هو الضرورة، فإنها قد تحقق في الحضر أيضاً، وإن كان الملاك هو السفر، فقد
لا يكون فيه ضرورة للنساء أيضاً، وإن كان الميزان الضرورة، والسفر معاً أي الضرورة
في خصوص السفر فهو يحتاج إلى إثبات وهو دعوى عهدتها على مدعيها..
وقد زعم الشوكاني: أن النكاح الذي جاءت به الشريعة هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
110/
ما كان بشهود، وما كان
بِوَلي..
وما يحصل به التوارث، ويثبت به النسب، ويترتب عليه الطلاق، والعدة.
وعلى هذا فالمتعة: ليست بنكاح شرعي، وإنما هي رخصة للمسافر مع الضرورة، ثم لا
خلاف في ثبوت الحديث المتضمن للنهي عن هذا النكاح إلى يوم القيامة، وليس بعد هذا
شيء، ولا يصلح معارضته بشيء مما زعموه.
وما ذكروه من: أن بعض الصحابة قد استمتع بعد موته (صلى الله عليه وآله) لا
يجدي؛ إذ قد يخفى الحكم على بعض الصحابة إلخ..(1) انتهى ملخصاً..
وقد تقدم في فصل النصوص والآثار: في رواية عمران بن سوادة: أن عمر قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحلها في
زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة».
وعن الشفاء بنت عبد الله: أن عمر بن الخطاب نهى عن المتعة، فأغلظ فيها
القول: ثم قال: إنما كانت المتعة ضرورة(2).
ـــــــــــــــ
(1) راجع: السيل الجرار ج 2 ص 267 و 268.
(2) كنز العمال ج 22 ص 94 عن ابن جرير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
111/
ونقول:
1 ـ
قد عرفت أنه لا معنى لنفي كون المتعة نكاحاً شرعياً، وحصرها بكونها رخصة، للمسافر
عند الضرورة!! لأن ذلك يختزن القول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد رخص بالزنا
في حالات الضرورة!!.
2 ـ
أما بالنسبة لإشتراط إذن الولي، وكذلك الإشهاد، وثبوت النسب، وثبوت العدة، فقد
ذكرنا غير مرّة: أنها أحكام لا يفرق فيها بين الزواج الدائم، والمنقطع.
3 ـ
أما الطلاق فهو حكم ثابت للدائم فقط، لأن نفس الدوام هو الذي اقتضى الطلاق.
أما زواج المتعة فإن طبيعة
التوقيت، ترفع موضوع الطلاق.
4 ـ
أما الإرث: فقد اقتضاه الدوام في الزواج الدائم أيضاً، الأمر الذي يفرض هذا
التكافل المتبادل، وليس الأمر كذلك في الزواج المؤقت.
5 ـ
قد تقدم أنه لا توارث في نكاح الإماء حتى ولو كان دائماً، وحدوث القتل أيضاً، يمنع
من التوارث في الدائم، كما أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
112/
الكافر لا يرث المسلم،
بالإضافة إلى موارد أخرى لا يتوارث فيها الزوجان في الدائم..
6 ـ
قد تقدم أن حكم الضرورة غير قابل للنسخ..
7 ـ
على أن الضرورة إذا اقتضت الترخيص في السابق، فلماذا لا تقتضيه في اللاحق، وإلى
يومنا هذا..
8 ـ
وأما بالنسبة إلى أنه قد يخفى الحكم على بعض الصحابة، فبينه عمر لهم.
فنقول:
أ ـ
إن عمر نسب التحريم إلى نفسه.
ب ـ
إن عمران بن الحصين قد اعتبر ذلك رأياً لعمر.
ج ـ
إنه حتى بعد نهي عمر فإن كثيراً من الصحابة، والتابعين، وأهل مكة، واليمن، وأكثر
أهل الكوفة، وغيرهم، قد استمروا مصرّين على موقفهم.
وقد نسب إلى ابن عباس،
أنه إنما أفتى بها من باب أكل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
113/
الميتة، أي أنها زنا قد
شرعه الله ورسوله لأجل الضرورة.
ومن الواضح: أن الزنا قد حرم منذ بدء الإسلام وقد ورد تحريمه في السور
المكية قبل سورة المؤمنون، والإسراء، والمعارج، والفرقان وغيرها، وقد قال تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء). ولا يحل نسبة التحليل إلى الله
تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله)، لأجل العجز عن توجيه التحريم الصادر من عمر بن
الخطاب.
وقد يحاول البعض أن
يستشهد بقول بعض المنسوبين إلى مذهب التشيّع، وأنه يقول: إن حلية زواج المتعة تختص
بحالات الضرورة، وهذا يمثل تراجعاً، أو فقل: إعترافاً بصوابية القول بالتحريم..
ونقول:
1 ـ
إنه لا قيمة لقول هذا البعض، بعد أن حكم مراجع الشيعة، وأكابر علماء المذهب بأن
أقاويله تمثل خروجاً على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
114/
قواعد مذهب أهل البيت
(عليه السلام)، بل حكموا عليه بأنه ضال مضل، وبأنه خارج عن طريقة المذهب الاثني
عشري.
2 ـ إن
هذا البعض لم يعترف له أحد من العلماء ذوي الشأن بأنه في مستوى يؤهله للفتوى، بل
لم يعترفوا له بالعلمية، ولا بالاجتهاد، فضلاً عما سوى ذلك من مراتب ومقامات،
وإنما هو ادعى لنفسه هذه المراتب، وسوقها بين العامة، بأساليبه الخاصة، والغريبة
والعجيبة..
3 ـ
إن الاحتجاج بأقوال الأشخاص لا مبرر له، بل لا بد من الرجوع أولاً إلى مصادر
التشريع لمعرفة ما قرره الشرع الحنيف أولاً، ثم تقاس أقوال الناس عليها، ليعرف من
خلال ذلك المحق من المبطل، والمتبع من المبتدع.
نحن
نقول:
قال الله (عز وجل) ورسوله (صلى الله عليه وآله) فهم الحجة، وقولهم
الفصل، وحكمهم العدل؛ فلا معنى للقول في مقابل ذلك: قال فلان من الناس: هذا، وقال
فلان الآخر: ذاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
115/
لقد ادعى البعض: أن زواج المتعة إنما شرّع للمضطر فقط، على سبيل الرخصة، ثم
نسخت هذه الرخصة إلى الأبد.
ولتوضيح
ذلك نقول:
لقد رووا عن أبي ذر رحمه الله، أنه قال: «إن
كانت المتعة لخوفنا وحربنا»(1).
وقالوا أيضاً: نسب لزيد بن علي قوله: «المتعة مثل الميتة، والدم، ولحم الخنزير».
وسئل عنها فقال: «رخصة
نزل بها القرآن وحرمها لما نزلت العدة والمواريث، وهذا إجماع أهل البيت، فقيل: يا
ابن رسول الله، وما الآي التي نسختها؟
فقال: قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون ـ إلى قوله ـ العادون).
ـــــــــــــــ
(1) سنن البيهقي ج 7 ص 207، وفتح الباري ج9 ص148،
ونيل الأوطار ج6 ص270.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
116/
فلم يستثن الله تعالى
إلا الزوجة أو ملك اليمين فقط»(1).
ونسب ذلك لعلي (عليه السلام)
أيضاً(2) وقال: إنها كانت رخصة لمن لم يجد، فلما أنزل
الله تعالى النكاح والطلاق والميراث بين المرأة وزوجها نسخت(3).
وقالوا: إنها كانت في أول الإسلام رخصة لمن اضطر إليها، وعلى حد
تعبير البعض، أنها كالميتة والدم، ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين بعد.. نقل ذلك
عن أبي عمرة(4).
وتقدم قول ابن كثير وغيره: «روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول
بإباحتها
ـــــــــــــــ
(1) راجع: مسند زيد ص304/305 هامش.
(2) سنن البيهقي ج 7 ص 207، والجامع لأحكام القرآن
ج 5 ص130، وكتاب العلوم لأحمد بن عيسى بن زيد ج 3 ص 13، ومجمع الزوائد ج 4 ص 265
عن الطبراني في الأوسط وتحريم نكاح المتعة ص 55.
(3) تحريم نكاح المتعة ص 56 و 55 وسنن الدارقطني ج
3 ص 359.
(4) صحيح مسلم ج 4 ص 134 وسنن البيهقي ج 7 ص 205،
ونصب الراية ج 3 ص 177، والمصنف للصنعاني ج 7 ص 502، وكتاب العلوم لاحمد بن عيسى
بن زيد ج 3 ص 13، وشرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 45، وراجع مرقاة المفاتيح ج 3 ص 423،
وشرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 180، وتحريم نكاح المتعة ص 115 و 116.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
117/
للضرورة، وهو رواية عن
الإمام أحمد»(1).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «لا
تحل المتعة إلا لمضطر»(2).
وقال ابن كثير أيضاً عن ابن عباس: «.. وأما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في
الأسفار. وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية، والوجدان.
وقد تبعه على ذلك: طائفة من أصحابه، وأتباعهم. ولم يزل ذلك مشهوراً عن علماء
الحجاز الى زمن ابن جريج، وبعده.
وقد حكي عن الإمام أحمد
رواية كمذهب ابن عباس. وهي ضعيفة، وحاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الامام
بمثل ذلك. ولا يصح أيضاً»(3).
بل نسب ذلك: إلى ابن عباس أيضاً، وإلى طائفة من
ـــــــــــــــ
(1) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 474.
(2) الاعتبار للحازمي ص180 وتحريم نكاح المتعة
للأهدل ص255 عنه وعن المقدسي في رسالة تحريم نكاح المتعة ص113.
(3) البداية والنهاية ج4 ص 194.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
118/
أصحابه(1) فقد رووا بسند ضعيف(2) عن سعيد بن جبير، قال:
قلت لابن عباس: هل ترى ما صنعت، وبما أفتيت؟ سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه
الشعراء، قال: وما قالوا؟ قال: قالوا:
قد
قلت للشيخ لما طال مجلســه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
في
بضّةٍ رخصة الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى مرجع النـــاس
فقال: إنا لله وإنا
إليه راجعون. لا والله، ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللت منها إلا ما أحل
الله من الميتة، والدم،
ـــــــــــــــ
(1) راجع صحيح البخاري ج 3 ص 158، وفتح الباري ج 9
ص 148 عن الخطابي والفاكهي والبيهقي، ووكيع في الغرر، ونيل الأوطار ج 6 ص 268 و
270، وراجع البناية في شرح الهداية ج 4 ص 98، وراجع البحر المحيط ج 3 ص 218، وراجع
الدر المنثور ج 2 ص 140، والبداية والنهاية ج 4 ص 194، ومجمع الزوائد ج 4 ص 265،
وشرح معاني الآثار ج 3 ص 26 و 27، والتمهيد ج 9 ص 121، وسنن البيهقي ج 7 ص 205،
وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص474، وعون المعبود ج 6 ص 84، وشرح النووي على
صحيح مسلم ج 9 ص 180، والتفسير الكبير للرازي ج 10 ص 49، وغاية المأمول شرح التاج
الجامع للأصول ج 2 ص 335، وذكره عن ابن عباس في مرقاة المفاتيح ج 3 ص 322.
(2) راجع: نكاح المتعة للأهدل ص253.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
119/
ولحم الخنزير..(1).
وقد أضاف أمين محمود
خطاب قوله: «كان ابن عباس يتأول إباحته للمضطر إليه، بطول
العزبة، وقلة اليسار، والجدة، ثم توقف عنه، أو أمسك عن الفتوى به»(2).
أما أصل مشروعية نكاح
المتعة، فهو أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في قلة تقضي عليهم بمناضلة أعدائهم
باستمرار، وهذه حالة لا يستطيعون معها القيام بتكاليف الزوجية وتربية الأسرة،
خصوصاً أن حالتهم المالية كانت سيئة إلى أقصى مدى،
ـــــــــــــــ
(1) فتح القدير ج 1 ص 455، وراجع: التمهيد ج 9 ص
121، وفتح الملك المعبود ج 3 ص 226 و 227، ومجمع الزوائد ج 4 ص 265عن ابن جرير في
تهذيبه وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، والاستذكار ج 16 ص 300، والاعتبار في
الناسخ والمنسوخ ص 179، وسنن البيهقي ج 7 ص 205، وفتح الباري ج 9 ص 148، وتحريم
نكاح المتعة ص 116 و 117 و 91 و 92، وفيه أنه خرج يوم عرفة فقال للناس إلخ..، وعن
معالم السنن للخطابي ج 3 ص 191، وراجع: لباب التأويل ج 1 ص 343، وزاد المعاد ج 2 ص
204، وعون المعبود ج 6 ص83 و84، والمنار في المختار ج1 ص461 و462، والمرأة في
القرآن والسنة ص179، والتفسير الحديث ج9 ص53، والمنتقى للفقي ج2 هامش صفحة518 و520
و521، وفقه السنة ج2ص43، وجواهر الأخبار ج4 ص23، وإرواء الغليل ج 6 ص 319، ونكاح
المتعة للأهدل ص252 و253 عن فتح الباري ج9 ص171 وعن التلخيص الحبير 2/1/158.
(2) فتح الملك المعبود ج 3 ص 225.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
120/
فليس من المعقول أن
يشغلوا أنفسهم بتدبير الأسرة من أول الأمر.
وإلى جانب هذا: إنهم كانوا حديثي عهد بعاداتهم التي ربوا عليها قبل الإسلام،
وهي فوضى الشهوات في النساء. حتى كان الواحد منهم يجمع تحته ما شاء من النساء.
فيقرب من يحب، ويقصي من يشاء، فإذا كان هؤلاء في حالة حرب فماذا يكون حالهم؟
إلا أن الطبيعة
البشرية. لها حكمها، والحالة المادية لها حكمها كذلك. فيجب أن يكون لهذه الحالة
تشريع مؤقت يرفع عنهم العنت، ويحول بينهم وبين تكاليف الزوجية.
وذلك هو نكاح المتعة،
أو النكاح المؤقت، فهو يشبه الحكم العرفي المؤقت بضرورة الحرب. وذلك لأن الجيش
يحتوي على شباب لا زوجات لهم، ولا يستطيعون الزواج الدائم، كما لا يستطيعون مقاومة
الطبيعة البشرية. وليس من المعقول في هذه الحالة مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام،
كما ورد في حديث آخر، لأن المحارب لا يصح إضعافه بأي وجه، وعلى أي حال. فهذه
الحالة هي الأصل في تشريع نكاح المتعة، يدل على ذلك ما رواه مسلم عن سبرة، قال:
أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمتعة عام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
121/
الفتح، حين دخلنا مكة،
ثم لم نخرج حتى نهانا عنها، فهذا صريح في أنه حكم مؤقت اقتضته ضرورة القتال.
وروى ابن ماجة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «يا
أيها الناس إني كنت أذنت في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة».. إلى
أن قال: «أما ما روي من أن ابن عباس قال: إنه جائز..
فالصحيح أنه قال ذلك قبل أن يبلغه نسخه. وقد وقعت بينه وبين ابن الزبير مشادة في
ذلك، فقد روي أن ابن الزبير قال: ما بال أناس أعمى الله بصائرهم كما أعمى أبصارهم
يقولون بحل نكاح المتعة ـ يعرض بابن عباس، لأنه كف بصره ـ فقال ابن عباس: إنك جلف
جاف، لقد رأيت إمام المتقين رسول الله يجيزه، فقال له ابن الزبير، والله إن فعلته
لأرجمنك.
فظاهر هذا: أن ابن عباس لم يبلغه النسخ، فلما بلغه عدل عن رأيه، فقد
روى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس قام خطيباً، فقال: إن المتعة
كالميتة، والدم ولحم الخنزير، وذلك مبالغة في التحريم.
وبهذا كله يتضح: أن نكاح المتعة أو النكاح المؤقت باطل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
122/
باتفاق المسلمين، وما نقل
من إباحته في صدر الإسلام، فقد كان لضرورة إقتضتها حالة الحرب والقتال»(1).
وقال السيد سابق: «أما ابن عباس فإنه سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة
والضرورة، ولم يبحها مطلقاً، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع، وكان يحمل التحريم
على من لم يحتج إليها»(2).
والقول بأنها إنما أحلت
للمضطر تجده في العديد من المصادر(3).
ويرى البعض: أن ابن عباس «لم
يقل بحلها مطلقاً، بل في صدر الإسلام» وذلك إستناداً لما رواه الترمذي عنه أنه
قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل
يقدم البلدة، ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم،
ـــــــــــــــ
(1) الفقه على المذاهب الأربعة ج 4 ص 90 و 91 وراجع
ص 93.
(2) فقه السنة ج 2 ص 23، والمنتقى ج 2 هامش ص 521.
(3) راجع تحفة المحتاج شرح المنهاج للهيثمي ج 7 ص
224، وشرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 180.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
123/
فتحفظ له متاعه، وتصلح
له شيئه حتى إذا نزلت الآية: (إلا على أزواجهم، أو ما ملكت
أيمانهم) قال ابن عباس: فكل فرج سواها فهو حرام»(1).
قال العسقلاني عن هذا الحديث: «إسناده
ضعيف، وهو شاذ مخالف لما تقدم من علة إباحتها»(2) أي أن هذا مخالف
لقولهم إنها أبيحت في السفر لاشتداد العزوبة عليهم.
وقال في غاية المأمول عن زواج المتعة: «كان
جائزاً في صدر الإسلام للضرورة، ثم نسخ»(3).
وراجع أيضاً ما عن
القاضي عياض(4).
ـــــــــــــــ
(1) الجامع الصحيح للترمذي مطبوع مع تحفة الأحوذي ج
4 ص 269 وعن الحازمي في الاعتبار ص 178، وغاية المأمول في شرح التاج الجامع للأصول
ج 2 ص 335، والمنار في المختار ج 1 ص 461، ونيل الأوطار ج 6 ص 268 و 269، وفتح
الباري ج 9 ص 148.
(2) فتح الباري ج 9 ص 148.
(3) غاية المأمول شرح التاج الجامع للاصول ج2 ص
334، وراجع: الفواكه الدواني، لابن مهنا النفراوي المالكي شرح رسالة أبي زيد
القيرواني ج 5 ص 33.
(4) مرقاة المفاتيح ج 3 ص 423.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
124/
وقال ابن القيم: «لكن
الحظر هل هو تحريم بات، أو هو مثل تحريمه الميتة، والدم ونكاح الأمة، فيباح عند
الضرورة، وخوف العنت، وهذا الذي لحظه ابن عباس فأفتى بحلها للضرورة فلما توسع
الناس فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها»(1).
وقال الحازمي: «إنما
كان ذلك يكون في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي (صلى الله عليه وآله) أباحه لهم،
وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة، ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة، حتى حرّمه
عليهم في آخر أيامه (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا
تأقيت»(2).
وعن الطحاوي: ما يقرب من هذا فراجع(3).
وقال آخر: «..
وقيل لم يحرمها (صلى الله عليه وآله) مطلقاً، بل عند الاستغناء عنها، وأباحها عند
الحاجة إليها، أي خوف الزنا،
ـــــــــــــــ
(1) تعليقات محمد الفقي على بلوغ المرام ص 207.
(2) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي ص 176،
وتحفة الأحوذي ج 4 ص 268، عن الاعتبار ومرقاة المفاتيح ج 30 ص 423، وفتح الملك
المعبود ج 3 ص 225، ونيل الأوطار ج 6 ص 270 و 272.
(3) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 131.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
125/
وبذلك كان يفتي ابن
عباس، وفي كلام فقهائنا: والنهي عن نكاح المتعة في خبر الصحيحين، الذي لو بلغ ابن
عباس لم يستمر على القول بإباحتها لمن خاف الزنا، مخالفاً في ذلك لكافة العلماء»(1).
وقال الحازمي: «أما
ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه، بطول العزبة، وقلة
اليسار، والجدة، ثم توقف عنه، وأمسك عن الفتوى به، ويوشك أن يكون سبب رجوعه عنه
قول علي رضي الله عنه، وإنكاره عليه إلخ..»(2).
وقال الألباني: «إن
ابن عباس (رض) روى في المتعة ثلاثة أقوال: الأول: الإباحة مطلقاً. الثاني: الإباحة
عند الضرورة. والآخر [الحرمة ظ] مطلقاً، وهذا مما لم يثبت عنه صراحة بخلاف
القولين الأولين»(3).
ـــــــــــــــ
(1) بجيرمي على الخطيب ج 3 ص 336.
(2) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص 178 و 179.
(3) إرواء الغليل ج 6 ص 319.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
126/
وقال آخر: «في كلام
ابن عباس ما يشعر بإنكار إباحتها على الإطلاق، بل في الحال الشديدة، فينحصر دعوى
الإجماع فيها. وأيضاً لم يرو فقط أنها وقعت إباحة في غير ذلك الحال..»(1).
وقيد البعض: التحليل بالغزو(2)، أو لعزبة كانت في الناس(3).
وقالوا: إنما كان ذلك
في الجهاد [أو في الحال الشديد]، والنساء قليل، كما عن مولى لابن عباس، وصدّقه ابن عباس
نفسه كما يدّعون(4).
ـــــــــــــــ
(1) المنار في المختار ج 1 ص 461.
(2) راجع الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130، والمنتقى
ج 2 هامش ص 519.
(3) الاستذكار ج16 ص293، ونيل الأوطار ج6 ص270، وفتح
الباري ج9 ص147 و148.
(4) سنن البيهقي ج 7 ص 204 و 205، والبخاري في
الصحيح ج 3 ص 158، وراجع فتح الباري ج 9 ص 147 و 148، ونيل الأوطار ج 6 ص 268 و
269، والمنار في المختار ج 1 ص 461.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
127/
ونقول:
إن
ذلك كله لا يصح، لما يلي:
1 ـ
إنهم يروون أن ابن أبي عمرة سأل ابن عباس عن متعة النساء، فرخص له فيها، فقال مولى
له: «إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال
ابن عباس: نعم»(1).
فالقول بأنها أحلت
للضرورة ليس هو قول ابن عباس، وإلا، لم يكن لقول ابن أبي عمرة معنى.
2 ـ
قولهم: إن ابن عباس قد رجع حين رأى اكثار الناس منها، عجيب وغريب، فهل يصح أن يجعل
اكثار الناس من أمر سبباً في الرجوع عن حكم الله تعالى فيه؟!.
3 ـ
إن هذا التعليل للرجوع معناه: أن ابن عباس قد اجتهد في مقابل النص.
4 ـ
إن من البديهي: أن الرخصة لأجل الضرورة، لا تجعل
ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار ج 6 ص 134 ط دار الحديث ـ القاهرة.