سلمان الفارسي
في مواجهة التحدي

السيد جعفر مرتضى العاملي


الطبعة الثانية: 1423ـ 2002 بيروت لبنان


مقدمة الناشر (الطبعة الأولى):

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الموفق للصواب، وأفضل الصلاة وأتم التحية على محمد وآله الأطياب، وعلى من أخلص الطاعة لهم من الأصحاب.

وبعد: فان الناظر في تاريخ نبينا الأعظم وأهل بيته عليه عليهم أفضل الصلاة يخلص إلى قضية وهي: أن كل واحد من هذه الشخصيات الربانية كان بمثابة الشمس الساطعة تحيط بها الكواكب المتكاثرة تستمد من فيض شعاعها ما تعكسه على المتحيرين من البشر وهم يسيرون في حنادس هذه الدنيا المظلمة، كما قال تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}.

ومن نجوم الهداية الزاهرة التي استنارت من منبعي النور النبوي والولوي سلمان الفارسي الذي كان بحق محمديا في أخلاقه وسيرته وحسن جديلته.

وقد تفضل سماحة المحقق والعلامة المدقق صاحل التصانيف المعرف السيد جعفر مرتضى العاملي ـ رفع الله شأنه ـ بكتابة مستفيضة سلط فيها الأضواء على هذه الشخصية الفذة من جميع جوانبها، مجليا للمبهمات التي علقت بحياته الكريمة.

وقد تصدت مؤسستنا ـ ولله الحمد ـ لطبع هذا السفر المبارك ونشره وتقديمه للقراء الكرام، سائلين الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه وخدمة الدين انه نعم المولى ونعم المعين.

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


(4)

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

 فان هذا الذي نقدمه بين يدي القارئ ليس كتابا، أريد له أن تتكامل فصوله، وتتشابك مطالبه، وتنسجم مباحثه.

وإنما هو بحوث، أو بالأحرى مطالب ربط فيما بينها، نفس ذلك الذي أثارها، أعني سلمان المحمدي (الفارسي) رضي الله تعالى عنه، وسلام منه عليه وبركات.

ولا نريد: أن نطيل على القارئ الكريم في تاريخ ربما لا يهتم بأمره كثيرا..

فان الحقيقة هي: أن هذه مجموعة مطالب كتبت في بادئ الأمر، لتكون جزءا من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم (الطبعة الأولى 1403)، وبالتحديد لتكون جانبا من الجزء الخامس منه، والذي لا يزال قيد الإعداد.

ولكن.. حين اتضح لدينا: أن هذه المطالب قد اتسعت تضخمت، وأصبحت تشغل حيزا كبيرا من كتاب: الصحيح، يجعله يخرج عن حالة التناسق، والانسجام، ولو بمستوى الحد الأدنى منه، ـ فإننا ـ لم نجد مناصا من أفرادها عنه، لنقدمها على شكل كتاب (أو كتيب) مستقل عنه. على أمل أن يغض الأخوة القراء والباحثون الطرف عن الهنات، التي ألمحنا إليها آنفا، فلربما يجدون عوضا عنها بعضا من القيمة، في جوانب أخرى منه، لعلهم سوف يرتاحون لإثارتها، وتعجبهم المبادرة لمعالجتها.

ومهما يكن من أمر.. فإننا نقدم هذه البضاعة المزجاة إليهم، وقد تقدمنا بالعذر على ما يجدونه فيها من تقصير أو قصور.. فان الكمال لله وحده، وهو ولينا.. وهو الهادي إلى سواء السبيل.

قم المشرفة: 24 شهر رجب 1409 هـ.ق 12 اسفند 1367هـ. ش

جعفر مرتضى العاملي


(5)

الباب الأول
فصول من حياة سلمان

(7)

الفصل الأول: سلمان المحمّدي في سطور..

(9)

بداية:

إن دراسة حياة الأفذاذ من الرجال، إنّما تصبح ضرورة ملحة، حينما تكون فرصة لاستيعاب كثير من المعاني البناءة، وللتعرف على حقائق الحياة، والوقوف على عميق أسرارها، من خلال دراسة فكر ورؤية، ثم حركة وموقف هؤلاء القمم؛ ليكون ذلك رافداً ثرّاً للجانب العاطفي، ومسهماً في تعميق الوعي العقيدي، المهيمن على هذا الإنسان في كل شؤونه، ومختلف أحواله وأطواره..

وليس ضرورياً دراسة حياة أي كان من الناس، إذا كانت هذه الدراسة تنطلق من مبدأ عبادة الأشخاص، وتسمح للإنسان بالانسياق في متاهات التعظيم والتبجيل لهم دون هدف، وبلا ضابطة، أو معيار.. سوى إرضاء الهوى، والاستجابة إلى النزعات التي، لا تسمو بالإنسان، ولا هي تمنحه الفرصة ليسمو هو بها على الاُقل..

بل هي تكبله بما شاءت من قيود، وحدود، وتشده إلى الأرض؛ ليخلد إليها. وليتعامل ـ من ثم ـ مع كل شيء، بنظرة ضيقة، وعقلية متحجرة، وروح ممسوخة، وقاسية، وحتى حاقدة أيضاً..

وليواجهك ـ من ثم ـ بكل الأساليب الملتوية، والممارسات الخاطئة، والمواقف المهزوزة، والمشينة في كثير من الأحيان..


(10)

دراستنا لسلمان المحمّدي:

ومن هنا.. فإننا لن نسمح لدراستنا لحياة سلمان المحمّدي، أن تتخذ إلا طابع الاستفادة من التجربة الفاضلة، لتسمو بنا، ونسمو نحن بها، لتكون ربيعاً لنا نتخير من أزهاره، ونجني من أثماره، ونلتذ بأفانين تغريد أطياره.

ونكون نحن لها التجسيد الحي، والنموذج الفذ، والمثل الأعلى..

ولكننا.. إذ نؤمن بأن قضايا التاريخ، مما لا يمكن حسم الأمر فيها، بسهولة، الأمر الذي يتخذ صفة الضرورة، قبل أن يمكن استيحاء العبرة والفكرة من أية قضية.. فإننا وجدنا أنفسنا تائهين في آفاق التحقيق والتقصي، لا نكاد نلتفت إلى أنفسنا، ولا أن نعي موقعنا حتى يشدنا تيار تحقيقي آخر إليه، لنصبح ـ من ثم ـ أسرى بين يديه..

ولأجل ذلك.. فقد أصبح من الطبيعي أن نقدم دراسة تكاد تكون متمحضة في هذا الاتجاه، لولا لفتات هنا، ولمحات ولمعات هناك..

ولكننا قبل أن نقدم إلى القارىء الكريم حصيلة تلك الجولة نود أن نقدم إليه باقة من حياة سلمان، على شكل معلومات أولية، من دون ذكر مصادر لها فعلاً (1).

ما دمنا نشعر بالحاجة إلى التعرف ـ نسبياً ـ على بعض مفاصل حياته رضوان الله وسلامه عليه.. فنقول:

معلومات أولية:

اسمه: سلمان.

ــــــــــــ

(1) ويكفي للاطلاع على جانب من حياته رحمه الله مراجعة كتاب بحار الأنوار وكتاب سفينة البحار، وكتاب نفس الرحمن في فضائل سلمان.


(11)

كنيته: أبو عبد الله‏، أو أبو الحسن، أو أبو إسحاق.

ولادته: لا مجال لتحديدها.

وفاته: سنة أربع وثلاثين للهجرة.

عمره: قيل: عاش ثلاث مائة سنة، وقيل: أقل، وقيل: أكثر.

بلده: جي (قرية في أصفهان). وقيل: إنه من رامهرمز، من فارس.

محل دفنه: المدائن.. بلد قرب بغداد، فيه قبره رحمه الله، وقبر حذيفة بن اليمان..

أبوه: كان أبوه دهقان أرضه.

عداده: وهو يعدّ من موالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان قد تداوله بضعة عشر رباً، حتى أفضى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان قد قرأ الكتب في طلب الدين.

حرفته: كان يسفّ الخوص، ويبيعه ويأكل منه، وهو أمير على المدائن.

إسلامه: عدّ في بعض الروايات هو وعلي عليه السلام من السابقين الأولين. كما قال ابن مردويه ويقال: بل أسلم أوائل الهجرة، كما سيأتي.

مشاهده: روي: أنه شهد بدراً وأحداً، ولم يفته بعد ذلك مشهد.

عطاؤه: خمسة آلاف، وكان يتصدق به، ويأكل من عمل يده.

بيت سكناه: لم يكن له بيت يسكن فيه، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، حتى أقنعه البعض بأن يبني له بيتاً، إن قام أصاب رأسه سقفه، وإن مدّ رجليه أصابهما الجدار.

من خصائص سلمان:

قد عرفنا من بيت سكناه ومن حرفته، ومما يصنعه بعطائه زهد سلمان، وعزوفه عن الدنيا، ولا نريد استقصاء ذلك هنا أكثر من ذلك..


(12)

وقد وصفه البعض بأنه: كان خيراً فاضلاً، حبراً عالماً، زاهداً، متقشفاً (1). وكانت له عباءة يفرش بعضها، ويلبس بعضها..

كان يحب الفقراء ويؤثرهم على أهل الثروة والعدد.

وكان ـ حسبما يقال: يعرف الاسم الأعظم.

وكان من المتوسمين.

والإيمان عشر درجات، وكان سلمان في الدرجة العاشرة.

وكان يحب العلم والعلماء.

إن سلمان ـ حسبما روي عن الإمام الصادق عليه السلام ـ كان عبداً صالحاً، حنيفاً، مسلماً، وما كان من المشركين. وفي حديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: لا تغلّطنّ في سلمان، فان الله تبارك وتعالى أمرني أن أطلعه على علم البلايا والمنايا والأنساب، وفصل الخطاب..

وقد أدرك العلم الأول والآخر، وهو بحر لا ينزف.

وقد أخبر عن مصارع الشهداء في كربلاء، وعن أمر الخوارج..

منزلته ومقامه:

بعض ما سبق يشير إلى علو مقامه، وسامق منزلته، ولا نرى أننا بحاجة إلى المزيد، ولكننا مع ذلك نقول:

قال صاحب الاستيعاب: لقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من وجوه، أنه قال:

لو كان الدين عند الثريا لناله سلمان.

قال: وقد روينا عن عائشة، قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ينفرد به بالليل، حتى يكاد يغلبنا على رسول الله

ــــــــــــ

(1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص58، وسفينة البحار ج1 ص647.


(13)

صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).

وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حسبما سيأتي ـ: سلمان منّا أهل البيت.

وعن الصادق عليه السلام: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمير المؤمنين صلوات الله عليه يحدثان سلمان بما لا يحتمله غيره، من مخزون علم الله، ومكنونه.

ويأتيه الأمر: يا سلمان، إئت منزل فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإنها إليك مشتاقة، تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنة..

وعلمته صلوات الله وسلامه عليها أحد الأدعية أيضاً..

وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: سلمان منّي، ومن جفاه فقد جفاني، ومن آذاه فقد آذاني الخ.

وقال الصادق عليه السلام لمنصور بن بزرج ـ حسبما روي ـ: لا تقل: سلمان الفارسي، ولكن قل: سلمان المحمّدي.

من لطائف الإشارات:

ونذكر من لطائف الإشارات، وطرائف الأحداث:

أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بين سلمان، وأبي ذر، وشرط على أبي ذر: أن لا يعطي سلمان..

ومع أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان قد رفض تزويج سلمان بشكل أو بآخر، وصدر منه التعبير عن هذا الرجل الفذ: بـ «الطمطماني».

فانه ـ لأسباب معينة، قد ولاه المدائن، كما سنرى إن شاء الله تعالى..

ــــــــــــ

(1) الإستيعاب هامش الإصابة ج2 ص59 وسفينة البحار ج1 ص648.


(14)

ويقال: إن تاج كسرى وضع على رأس سلمان، عند فتح فارس، كما قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وحين زفاف فاطمة، ركبت فاطمة عليها السلام بغلة النبيّ الشهباء، وأمر صلّى الله عليه وآله وسلّم سلمان أن يقودها، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يسوقها.

وكان سلمان رحمه الله أحد الذين بقوا على أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد وفاته..

وكان رحمه الله من المعترضين على صرف الأمر عن علي أمير المؤمنين إلى غيره، وله احتجاجات على القوم في هذا المجال، هو وأبي بن كعب رحمه الله.

وفاة سلمان:

وحين توفي سلمان تولى غسله وتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وقد جاء من المدينة إلى المدائن من أجل ذلك. وهذه القضية من الكرامات المشهورة لأمير المؤمنين عليه الصلاة.

وقد نظم أبو الفضل التميمي هذه الحادثة؛ فقال:

سمعت مني يســيراً من عجائبه * وكـل أمر عليٍ لم يزل عــجبا
  أدريت في ليلة سار الـوصي إلى * أرض المدائن لما أن لـها طلـبا
  فألحد الطهر سلمانـاً، وعـاد إلى * عراص يثرب والاصباح ما قربـا

كآصف قبل ردّ الطرف من سبأٍ * بعرش إبليس وافى تخرقي(1) الحجبا  

في آصف لم تـقل أأنـت بـلى * أنا بـحيدر غـال أورد الكـذبـا

لعل الصحيح:

(فأنت في آصف لم تغل قلت بلى * أنا بحيدر غال، إن ذا عجباً)

إن كان أحمد خـير المرسلين فذا * خير الوصيين،أو كل الحديث هبا

ــــــــــــ

(1) لعل الصحيح: يخرق.


(15)

وقلت ما قلت من قول الغلاة فما * ذنب الغلاة إذا قالوا الذي وجبا(1)

المستنصر بالله، وابن الأقساسي:

ويذكر هنا: أن الخليفة العباسي، المستنصر بالله، خرج يوماً إلى زيارة قبر سلمان رحمه الله، ومعه السيد عزالدين بن الأقساسي.

فقال له الخليفة في الطريق: إن من الأكاذيب: ما يرويه غلاة الشيعة من مجيء علي بن أبي طالب عليه السلام من المدينة إلى المدائن لما توفي سلمان، وتغسيله إياه، ومراجعته في ليلته إلى المدينة.

فأجابه ابن الاقساسي، فقرأ له الأبيات المتقدمة:

انكرت ليلة إذ جاء الوصي إلى * أرض المدائن لما أن لها طلبا

الأبيات (2).

والظاهر هو: أن ابن الأقساسي قد استشهد بالأبيات المذكورة؛ لاُن المستنصر بالله إنما ولد في سنة 589 هـ أي بعد وفاة ابن شهرآشوب بسنة واحدة (3).

ختام:

كانت تلك باقة رائقة، اخترناها من آلاف الأزاهير الفيحاء، المنتشرة في واحات خمائله الغناء.

ولعل فيما صرفنا النظر عنه الكثير مما هو أعطر وأزكى، ولعل فوّاح أريجه كان أطيب، وأبهج وأذكى..

ــــــــــــ

(1) مناقب آل أبي طالب ج2 ص302.

(2) راجع: مجالس المؤمنين ج1 ص507. وراجع أيضاً: هامش البحار ج99 ص278/279.

(3) راجع أيضاً: هامش البحار ج99 ص279.


(16)

ولعل القارئ يجد في بعض ما يأتي من فصول هذا الكتاب بعض ما صفا من جواهره، ونماذج مما راق من لآلئه..

ونستميح القارئ العذر على التقصير، فان الإحاطة بكل ذلك مما يخرج عن حدود الطاقة، ويجلّ عن الوسع، ويأبى عن الإحاطة، فلا محيص لنا عن الاقتصار على ما يسمح لنا به الوقت، وإتاحته لنا الفرصة. فإلى ما يلي من فصول ومطالب..


(17)

الفصل الثاني: حديث الإسلام والحرية

(19)

حديث إسلام سلمان:

في السنة الأولى من الهجرة وبالذات في جمأدى الأولى منها، ـ كما قيل(1) ـ كان إسلام سلمان المحمّدي، المعروف بسلمان الفارسي، رحمه الله، ورضي عنه، وحشرنا معه وفي زمرته، والذي كان قد هاجر من بلاده وتحمل المشاق الكثيرة، والمصاعب الكبيرة، حتى لقد ابتلى بالرق وذلك في سبيل طلب الدين الحق، فهداه الله إليه، وكانت له المنة في ذلك عليه.

وحكاية كيفية وصوله إلى المدينة، وما جرى عليه قبل ذلك، طويلة، وفيها شيء من الاختلاف، ولسنا هنا بصدد التحقيق في هذا الأمر..

ولكن ما لا شك فيه هو: أنّه قد استرقوه في سبيل ذلك، وأخذ إلى منطقة الحجاز، وبالتحديد إلى المدينة، ويقال: مكة، أو وادي القرى، ثم انتهى أمره إلى المدينة.

وكان قد عرف: أن نبياً سيخرج، وأنه لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، فحينما التقى بالنبي (ص) في قباء قدّم إليه رطباً على أنها صدقة؛ فلاحظ: أن النبيّ (ص) قد أمر أصحابه بأن يأكلوا، ولم يأكل هو؛ لأنها صدقة.

فعدها سلمان واحدة.

ــــــــــــ
(1) راجع: تاريخ الخميس ج1 ص351.


(20)

ثم التقى به (ص) في المدينة.

فقدم له ـ رطباً على أنها هدية، فلاحظ: انه (ص) قد أكل منها هذه المرة..

ثم التقى به (ص) في بقيع الغرقد، وهو في تشييع جنازة بعض أصحابه، فسلم عليه، ثم استدار خلفه؛ فكشف صلّى الله عليه وآله له عن ظهره، فرأى خاتم النبوة؛ فانكب عليه يقبله ويبكي، ثم أسلم، وأخبره بقصته (1).

ثم كان تحريره من الرق، حسبما سيأتي.

نحن.. وحديث الإسلام هذا:

ويلاحظ هنا: أن سلمان لم يسلم بدافع عاطفي أو مصلحي، ولم يسلم أيضاً استجابة لضغوط عليه، أو لجو معين.. وإنما دخل في الإسلام عن قناعة فكرية خالصة، وبعد أن هاجر في طلب الدين الحق، ولاقى الكثير من المصاعب والمتاعب، حتى ابتلي بالرق والعبودية.. مع أنه كان من أول الأمر مظهراً للشرك مبطناً للايمان، كما في بعض الروايات الآتية.

وذلك إن دلّ على شيء، فانما يدل على أن التدين أمر فطري؛ وأنه مما يدعو له العقل السليم، فعن هذا الطريق توصل سلمان إلى الإيمان بالله، وبأنبيائه، وشرائعه.

متى تحرّر سلمان؟

ويقولون: إن تحرير سلمان من رق العبودية بصورة كاملة، قد كان في

ــــــــــــ
(1) مصادر هذا الذي ذكرناه كثيرة جداً، وما سيأتي في هذا الفصل كله، قد ذكر هذا الحديث، فلا حاجة إلى ذكرها، ومع ذلك نقول: راجع: الإصابة ج2 ص62 وقاموس الرجال ج4، والإستيعاب وأسد الغابة، والبحار ج22، ونفس الرحمن والمصنف لعبد الرزاق ج8 ص418 وتاريخ الخميس والدرجات الرفيعة وروضة الواعظين، ووو الخ..


(21)

أوّل السنة الخامسة من الهجرة النبوية الشريفة(1).

وذلك قبل وقعة الخندق، التي يرى عدد من المؤرخين: أنها كانت سنة خمس، في ذي القعدة منها(2).
ولكننا بدورنا نقول:

إن ذلك مشكوك فيه من ناحيتين:

الأولى: في تاريخ وقعة الخندق.

والثانية: في تاريخ عتق سلمان..

تاريخ غزوة الخندق:

فأما بالنسبة للناحية الأولى، اعني تاريخ الخندق؛ فإننا نقول:

1 ـ لو سلم: أنها كانت في السنة الخامسة فإن مجرد ذلك لا يكفي، في تعيين زمان عتقه على النحو المذكور، إذ قد يكون العتق قد تم بعد أحد بأشهر يسيرة، في السنة الرابعة مثلاً، ثم حضر الخندق، بعد ذلك بسنة، أو أكثر، أو أقل.

2 ـ لقد جزم البعض بان الخندق كانت في سنة أربع، وصححه النووي في الروضة، وفي شرحه لصحيح مسلم(3).

ــــــــــــ

(1) الثقات ج1 ص257 وتاريخ الخميس ج1 ص352 و 468.

(2) راجع: البداية والنهاية ج4 ص53 وتاريخ الأمم والملوك للطبري ط الاستقامة ج2 ص333 والكامل في التاريخ ج2 ص178 وتاريخ الخميس ج1 ص179 والمحبر ص 113 وفتوح البلدان ج1 ص23، وليراجع: صفة الصفوة ج1 ص455 ـ 459 ومختصر التاريخ لابن الكازروني ص42 والسيرة الحلبية ج2 ص328 وشذرات الذهب ج1 ص11 والتنبيه والأشراف ص115 والبدء والتاريخ ج4 ص216 ومغازي الواقدي ج2 ص440 و441 والمصنف للصنعاني ج5 ص67 وطبقات ابن سعد ج2 قسم 1 ص47 قسم 1 ص60 وتاريخ بغداد ج1 ص170، وانساب الأشراف ج1 (قسم حياة النبيّ «ص») ص343.

(3) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31 والجامع لابن أبي زيد القيرواني ص 279 وراجع: فتح الباري ج7 ص302 والمحبر ص113 وعنوان المعارف في ذكر الخلائق ص12 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص 76 وشرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج8 ص64 ونقله في وفاء الوفاء ج1 ص300 وفي تاريخ ابن الوردي ج1 ص160 عن النووي في الروضة، وأصر عليه ابن خلدون في كتابه: العبر، وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم2 ص29 و33 وراجع: صحيح البخاري ج3 ص20.


(22)

بل لقد قال ولي الدين العراقي عن غزوة الخندق: «المشهور أنها في السنة الرابعة للهجرة» (1).

وقال عياض: «إن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية، التي أصابته، وذلك سنة أربع بإجماع أهل السير، إلا شيئاً قاله الواقدي» (2).

فقوله: «بإجماع أهل السير» يحتمل رجوعه إلى سنة أربع، فيكون قد ادعى الإجماع على كون الخندق في سنة أربع، ويحتمل رجوعه إلى موت سعد بن معاذ بعد الخندق، وتكون كلمة «وذلك سنة أربع» معترضة، ولا تعبر إلا عن رأيه..

ومما يدل على أن الخندق قد كانت سنة أربع:

1 ـ إنهم يذكرون بالنسبة لزيد بن ثابت: أن أباه قتل يوم بعاث وهو ابن ست سنين، وكانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين(3) وقدم النبيّ (ص) المدينة، وعمر زيد احدى عشرة سنة(4).

ــــــــــــ

(1) تاريخ الخميس ج1 ص480 والمواهب اللدنية ج1 ص110.

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج10 ص226 وفتح الباري ج8 ص360.

(3) تهذيب الكمال ج10 ص27 و30 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 وراجع: شذرات الذهب ج1 ص54، وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.

(4) مجمع الزوائد ج9 ص345 عن زيد نفسه. وتهذيب التهذيب ج3 ص399 والثقات ج3 ص136 وصفة الصفوة ج1 ص704 وسير إعلام النبلاء ج2 ص 427 / 428 وتهذيب الكمال ج10 ص 25 و27 وتهذيب الأسماء ج1 ص 200 / 201 والإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص 551 وشذرات الذهب ج1 ص54 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.


(23)

ثم يقولون: إن أول مشاهد زيد الخندق (1)، لاُن النبيّ (ص) قد أجازه يوم الخندق (2) وهو ابن خمس عشرة سنة (3).

والخندق إنما كانت في شوال سنة أربع (4).

ويروى عن زيد قوله: أجازني رسول الله (ص) يوم الخندق، وكساني قبطية (5).

وعنه: أجزت يوم الخندق، وكانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين (6).

وعنه: لم أجز في بدر، ولا في اُحد، وأُجزت في الخندق (7).

وتوفي زيد سنة ثمان وأربعين، وسنه تسع وخمسون سنة (8).

وقال الواقدي: مات سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة(9) وذلك يؤيّد ما قلناه.

وقد استدل النووي، وابن خلدون، وربما يظهر ذلك من البخاري على: أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع (10) بأنهم قد أجمعوا على أن حرب اُحد، كانت

ــــــــــــ

(1) تهذيب الكمال ج10 ص 30 و31 ومستدرك الحاكم ج3 ص421، وتذكرة الحفاظ ج1 ص30 وشذرات الذهب ج1 ص54 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449 وراجع: تهذيب التهذيب ج3 ص399 عن الواقدي..

(2) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص446 ومجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31.

(3) تهذيب الكمال ج10 ص30 و31 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 ومجمع الزوائد ج9 ص31.

(4) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31 وتقدمت طائفة أخرى من المصادر.

(5) سير إعلام النبلاء ج2 ص432 وفي هامشه عن الطبراني، وتهذيب الكمال ج10 ص29 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص449.

(6) سير إعلام النبلاء ج2 ص433 ومستدرك الحاكم ج3 ص421 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص 449 وتهذيب الكمال ج10 ص30.

(7) الإصابة ج1 ص561.

(8) مجمع الزوائد ج9 ص345 وتهذيب الكمال ج10 ص31.

(9) صفة الصفوة ج1 ص 704 / 705.

(10) راجع: فتح الباري ج7 ص302 وشرح صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج8 ص64 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم 2 ص29 و33 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص480 والمواهب اللدنية ج1 ص110 وصحيح البخاري ج3 ص20 ط سنة 1309 هـ. فانه نقل في عنوان الباب: عن موسى بن عقبة: أن الخندق كانت سنة أربع.


(24)

سنة ثلاث، ولم يجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ابن عمر أن يشترك فيها؛ لاُن عمره كان أربع عشرة سنة، ثم أجازه في وقعة الخندق؛ لأنه كان قد بلغ الخامسة عشرة (1)؛ فتكون الخندق بعد اُحد بسنة واحدة..

وقد حاول البعض الإجابة على ذلك بطرح بعض الاحتمالات البعيدة، وقد أجبنا عنها في كتابنا: «حديث الإفك» ص96 ـ 99؛ فليراجعه من أراد..

ومهما يكن من أمر؛ فان احتمال أن يكون تحرر سلمان من الرق قد تم قبل السنة الخامسة من الهجرة، يصبح على درجة من القوة..

وأما بالنسبة لتحديد.

تاريخ الحريّة:

فإننا نكاد نطمئن إلى أنه قد تحرر في السنة الأولى من الهجرة.. بل لقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه قد اعتق في مكة (2).

ويدل على تحرره في السنة الأولى:

1 ـ إن روايات عتقه يدل عدد منها على أنه قد أعتق عقيب إسلامه بلا فصل، وهو إنما أسلم ـ أو فقل: أظهر إسلامه ـ في السنة الأولى من الهجرة (3).

ــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة ج2 ص850 ومسند الإمام أحمد بن حنبل ج2 ص17، وصحيح البخاري ج3 ص20 وج2 ص69 وصحيح مسلم ج6 ص30، والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج5 ص 310 / 311 وطبقات ابن سعد ج4 ص105 وأنساب الأشراف (قسم حياة النبيّ «ص») ج1 ص343 / 344 بإضافة كلمة: واشف منها، والمواهب اللدنية ج1 ص110.

(2) راجع: مستدرك الحاكم ج3 ص 603 / 604 وغيره وستأتي رواية أخرى تدل على أنه كان هو المشير بدعوة أبي بكر إلى الإسلام.

(3) راجع: نفس الرحمن ص20، وهو ظاهر إن لم يكن صريح الرواية التي ذكرها ص5 ـ 6 واعتبرها أصح الروايات، وهي موجودة في إكمال الدين ص162ـ 165 وفي روضة الواعظين ص275 وص 278 والبحار ج22 ص355 ـ 359 والدرجات الرفيعة ص203 ونقلها النوري أيضاً عن الدر النظيم، وعن قصص الأنبياء للراوندي، وعن الحسين بن حمدان.


(25)

2 ـ قد صرح البعض ـ كتاريخ گزيدة ـ بأن الرسول (ص) قد اشتراه في السنة الأولى من هجرته(1).

وسيأتي التصريح بذلك عن الشعبي، وعن بريدة.. وذلك حين الكلام على كونه من موالي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم..

3 ـ ومما يدل على أن سلمان قد تحرر في أول سني الهجرة.

كتاب النبيّ (ص) في مفاداة سلمان:

حيث يقولون: إن النبيّ (ص) قد أملى كتاب مفاداة سلمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو ـ والنص لأبي نعيم ـ كما يلي:

هذا ما فأدى محمّد بن عبد الله‏، رسول الله، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الاُشهل اليهودي، ثم القرظي، بغرس ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية ذهب؛ فقد برىء محمّد بن عبد الله‏ رسول الله لثمن سلمان الفارسي، وولاؤه لمحمّد بن عبد الله‏ رسول الله، وأهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل.

شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم.

وكتب علي بن أبي طالب الأثنين في جمأدى الأولى، مهاجر محمّد بن عبد الله‏ رسول الله (ص)


(26)

وقد ذكرت بعض المصادر هذا الكتاب من دون ذكر الشهود(1).

تأمّلات في الكتاب:

«قال الخطيب: في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله (ص) غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة، لم يفته شيء من المغازي مع رسول الله (ص).

وأيضاً.. فان التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله (ص)، وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته»(2).

وقال العلامة المحقق الأحمدي: «وأما الشهود فان فيهم أبا ذر الغفاري (ره) وهو لم يأت المدينة إلا بعد خندق، مع أن صريح الكتاب: أن ذلك كان في السنة الأولى من الهجرة.

وتوصيف أبي بكر بالصديق يخالف رسوم كتب صدر الإسلام» (3).

قال هذا حفظه الله بعد أن ذكر: أن الخطيب قد تنظر في الكتاب، وأنه لم يذكر الشهود.

كما وذكر حفظه الله أن ابن عساكر ونفس الرحمن لم يذكرا الشهود أيضاً (4).

ــــــــــــ

(1) ذكر أخبار اصفهان ج1 ص 52، وتاريخ بغداد ج1 ص170 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص199 ومجموعة الوثائق السياسية ص328 عن الأولين وعن جامع الآثار في مولد المختار، لشمس الدين محمّد بن ناصر الدين الدمشقي وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص 226 / 227، ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 20 / 21، عن تاريخ گزيدة ومكاتيب الرسول ج2 ص409 عن أكثر من تقدم، وقال: «وأوعز إليه في البحار عن الخرائج».

(2) تاريخ بغداد ج1 ص170.

(3) مكاتيب الرسول ج2 ص410.

(4) المصدر السابق.


(27)

الردّ على الشكوك المشار إليها:

ونقول:

إنّ لنا هنا ملاحظات.. سواء بالنسبة لما ذكره الخطيب، أو بالنسبة لما ذكره العلامة الأحمدي..

فأما بالنسبة إلى ما ذكره الخطيب فنشير إلى ما يلي:

أولاً: قوله: إن أول مشاهد سلمان الخندق، وذلك ينافي ما ورد في الكتاب من أنه قد كوتب في السنة الأولى للهجرة..

هذا القول.. لا يصح؛ وذلك لما يلي:

1 ـ إن من الممكن أن يتحرر في أول سني الهجرة، ثم لا يشهد أياً من المشاهد، لعذرٍ مّا، قد يصل إلينا، وقد لا يصل..

2 ـ إن مكاتبته في السنة الأولى لا تستلزم حصوله على نعمة الحرية فيها مباشرةً، إذ قد يتأخر في تأدية مال الكتابة، فتتأخر حريته.. وإن كنا قد ذكرنا آنفاً: أن سلمان لم يكن كذلك، بدليل نفس ما ورد في ذلك الكتاب الآنف الذكر، وأدلة أخرى.. ولكننا نريد أن نقول للخطيب: إن ما ذكرته ليس ظاهر اللزوم في نفسه، ولا يصح النقض به، مجرداً عن أي مثبتات أخرى، كما يريد هو أن يدعيه..

3 ـ إن البعض قد ذكر: أن سلمان قد شهد بدراً وأحداً أيضاً (1).

ويظهر من سليم بن قيس عدّ سلمان في جماعة أهل بدر (2).

­ـــــــــــ

(1) الإستيعاب ج2 ص58 بهامش الإصابة. وراجع: الإصابة ج2 ص62 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص35 والبحار ج22 ص390 وتهذيب التهذيب ج4 ص139 والدرجات الرفيعة ص206 ونفس الرحمن ص20.

(2) راجع سليم بن قيس ص 52، ونفس الرحمن ص20 عنه.


(28)

ولعل هذا يفسر لنا سبب فرض عمر له، خمسة آلاف، الذي هو عطاء أهل بدر(1).

وقد حاول البعض: أن يقول: إن مراد القائلين بحضوره بدراً: أنه حضرها وهو عبد، ومراد القائلين بأنه قد شهد الخندق فما بعدها: ولم يحضر بدراً أنه لم يحضرها وهو حر (2).

ونقول: إن هذا جمع تبرعي، لا يرضى به لا أولئك، ولا هؤلاء، لان مدار النفي والإثبات هو أصل الحضور والشهود، من دون نظر إلى الحرية، والعبودية، ولذا تجد في بعض العبارات المنقولة التعبير بأنه: لم يفته مشهد بعد الخندق، فانه يكاد يكون صريحاً في فوات بعض المشاهد، قبل ذلك..

وثانيا: قول الخطيب: إن التاريخ الهجري لم يكن في عهد الرسول، وأن عمر بن الخطاب هو أول من أرّخ به.

لا يمكن قبوله، فقد أثبتنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ (ص): أن النبيّ هو واضع التاريخ الهجري، وقد أرّخ به هو نفسه (ص) أكثر من مرة، وهذا الكتاب يصلح دليلاً على ذلك أيضاً.

وأما بالنسبة لكلام العلامة البحاثة الأحمدي، فنحن نشير إلى ما يلي:

أ: قوله: إن الخطيب، وابن عساكر، ونفس الرحمن لم يذكروا الشهود، ليس في محله، كما يعلم بالمراجعة.

ب: إن ما ذكره حول توصيف أبي بكر بالصديق.. صحيح، وقد تحدثنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم (الطبعة الأولى 1403) ج2 ص 263 ـ 268: أن تلقيبه بهذا اللقب، لا يصح لا في الإسراء والمعراج، ولا في

ــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ج12 ص215 وراجع ج18 ص35 وذكر أخبار أصبهان ج1 ص48 والإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص58 وقاموس الرجال ج4 ص424 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص614.

(2) راجع: نفس الرحمن ص20 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص566.


(29)

أول البعثة، ولا في قضية الغار، حسب اختلاف الدعاوى.. وذكرنا هناك: أن الظاهر: هو أن هذا اللقب قد خلع عليه بعد وفاة النبيّ (ص) بمدة ليست بالقصيرة.

ونضيف إلى ذلك: أنه إن كان أبو بكر نفسه قد كتب هذه الكلمة على كتاب عتق سلمان، فنقول:

إن من غير المألوف: أن يطلق الإنسان على نفسه ألقاب التعظيم والتفخيم، بل إن الإنسان العظيم، الذي يحترم نفسه، يعمد في موارد كهذه إلى إظهار التواضع، والعزوف عن الفخامة والأبهة.

وإن كان الآخرون هم الذين أطلقوا عليه لقب «الصديق»، وأضافوه إلى الكتاب من عند أنفسهم، تكرماً وحباً، ورغبة في تعظيمه، وتفخيمه..

فذلك يعني: أنهم قد تصرفوا بالكتاب، وأضافوا إليه ما ليس منه، دون أن يتركوا أثراً يدل على تصرفهم هذا، وهو عمل مدان، ومرفوض، إن لم نقل: انه مشين، لاسيما وأنهم أهملوا صديقه عمر بن الخطاب؛ فلم يصفوه بالفاروق، كما وأهملوا غيره أيضاً..

ولا يفوتنا التذكير هنا: بأن النوري قد أورد الكتاب في: نفس الرحمن، عن: تاريخ گزيده وليس فيه وصف أبي بكر بـ «الصديق»، بل وصفه بـ «ابن أبي قحافة» وهو الأنسب، والأوفق لظاهر الحال.

ج: وأما قولهم: إن أبا ذر لم يكن قد قدم المدينة حينئذٍ؛ لأنه إنما قدمها بعد الخندق.

فإننا نقول:

المراد: أنه إنما قدمها مستوطنا لها بعد الخندق. أما قبل ذلك، فلعله قدمها للقاء رسول الله (ص)، أو لبعض حاجاته؛ فصادف كتابة هذا الكتاب؛ فشهد عليه، ثم عاد إلى بلاده. وثمة رواية أخرى، تشير إلى حضوره (1)؛ فلتراجع.

ــــــــــــ

(1) راجع: البحار ج22 ص358 وإكمال الدين ج1 ص 164 / 165 وروضة الواعظين ص276 ـ 278 والدرجات الرفيعة ص203 عن إكمال الدين، ونفس الرحمن ص6 وص22 عن الحسين بن حمدان وص5 وصححها عن إكمال الدين، وعن الراوندي في قصص الأنبياء، وعن روضة الواعظين، وعن الدر النظيم.


(30)

د: أضف إلى ذلك: أن وصف بلال بأنه مولى أبي بكر، قد يكون من تزيُّد الرواة أيضاً؛ إذ قد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (الطبعة الأولى 1403) ج2 ص 34 ـ 38: أن بلالاً لم يكن مولى لأبي بكر..

وأخيراً.. فان مما يدل على أن الرواة والكتّاب قد زادوا شيئاً من عند أنفسهم: إضافة عبارة: «رضي الله عنهم» إلى الشهود؛ إذ لا شك في أن ذلك قد حصل بعد كتابة ذلك الكتاب. بل ويحتمل أن يكون الشهود جميعاً قد أضيفوا بعد ذلك، وإن كان هذا احتمالاً بعيداً جداً..

حديث الحرية.. بطريقة أخرى:

وقد جاء في بعض الروايات: أن الرق قد شغل سلمان، حتى فاته بدر واُحد، حتى قال له رسول الله (ص): كاتب يا سلمان، فكاتب سيده على ثلاث مائة نخلة (وقيل: على مائة وستين فسيلة، وقيل خمس مائة وقيل على مائة فقط، و و) يحييها له، وأربعين أوقية من ذهب.

فقال رسول الله (ص): أعينوا أخاكم بالنخل.

فأعانه أصحاب النبيّ (ص) بالخمس والعشر، حتى اجتمعت عنده؛ فأمره (ص) أن يفقّر لها، ولا يضع منها شيئاً حتى يكون النبيّ (ص) هو الذي يضعها بيده؛ ففعل، فجاء رسول الله (ص)؛ فغرسها بيده؛ فحملت من عامها.

وقال (ص) له: إذا سمعت بشيء قد جاءني؛ فائتني، أغنيك بمثل ما بقي من فديتك. فبينا رسول الله (ص) ذات يوم في أصحابه، إذ جاء رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب. فقال (ص): ما فعل الفارسي المكاتب؟.

فدعي له سلمان؛ فقال: خذ هذه؛ فأدِ بِها ما عليك يا سلمان..


(31)

إلى أن تقول الرواية: فأخذها، فأوفى منها حقهم كله: أربعين أوقية (1)، وفي بعض المصادر: أنه بقي منها مثل ما أعطاهم.

وأعتق سلمان، وشهد الخندق، ثم لم يفته معه مشهد (2).

مناقشات لا بدّ منها:

إننا نشك في بعض ما جاء في هذه الرواية:

1 ـ لأنها تقول: إنه هو الذي كاتب سيده، وأعانه الصحابة على أداء دينه، وأعانه الرسول أيضاً بالذهب..

مع أن صريح كتاب المفاداة: أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي أدى جميع ما على سلمان، وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد اشتراه، واعتقه، وأن ولاءه لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأهل بيته.. وقد دلت على ذاك نصوص أخر ستأتي إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــ

(1) الأوقية: وزن أربعين درهما..

(2) راجع: الثقات ج1 ص256 / 257 وتاريخ الخميس ج1 ص468 وحلية الأولياء ج1 ص195 وتاريخ بغداد ج1 ص169 (وراجع ص 163 و164) وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص209 ـ 222 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص213 ـ 219 وسيرة ابن هشام ج1 ص228 ـ 236 ط ليدن، وأسد الغابة ج2 ص 330 وطبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص56 ـ 58 والشفاء لعياض ج1 ص332 وشرح الشفاء للقاري ج1 ص384 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص197 ـ 199 عن أبي يعلى، والمصنف للصنعاني ج8 ص418 و420 وتهذيب الأسماء ج1 ص227 ومجمع الزوائد ج9 ص335 ـ 337 و340 وقاموس الرجال ج4 ص427 و428 وانساب الأشراف (سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) (الطبعة الأولى 1403) ج1 ص487 و486 والبحار ج22 ص265 و367 و390 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج18 ص35 وص39 والإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص57 وصفة الصفوة ج1 ص532 / 533 عن أحمد، وفي هامشه عن ابن هشام وعن الطبراني في الكبير، وعن الخصائص للسيوطي ج1 ص48 عن دلائل البيهقي، ونفس الرحمن ص12 و16 عن قصص الأنبياء للراوندي وعن المنتقى للكازروني وعن السيرة الحلبية، وعن سيرة ابن هشام وراجع: مسند أحمد ج5 ص438 و439 و440 و441 ـ 444.


(32)

2 ـ إن كونه قد اُعتق في السنة الخامسة، أو الرابعة، مشكوك فيه أيضاً، وقد قدمنا بعض ما يرتبط بذلك وأنه قد اُعتق في أول سني الهجرة..

3 ـ قول الرواية: إنه قد فاته بدراً وأحداً.. قد عرفنا: أنه أيضاً غير مسلم، فقد قيل: أنه حضرهما أيضاً..

أضف إلى ذلك: أن رواية ابن الشيخ تنص على أنه قد أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بأنه قد كاتب سيده، فور إسلامه، حين مجيء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة مباشرة (1).

كما أن القول بأن الصحابة قد أعانوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على أداء دينه فيما يرتبط بفداء سلمان.. هو الآخر لا يصح، إذ قد كان على الراوي أن يقول ذلك، ويصرح به، وكان على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: أن يطلب منهم أن يعينوه هو، لا أن يعينوا أخاهم سلمان، كما هو صريح الرواية..

الرواية الأقرب إلى القبول:

ولعل الرواية الأقرب إلى القبول هي: أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد غرس النوى، وكان علي عليه السلام يعينه؛ فكان النوى يخرج فوراً، ويصير نخلاً، ويطعم بصورة إعجازية له صلّى الله عليه وآله وسلّم.

كما ظهرت معجزته صلّى الله عليه وآله وسلّم، في وزن مقدار أربعين اُوقية ذهباً، من حجر صار ذهباً(2) أو من مثل البيضة أيضاً، أو من مثل وزن نواة.

ــــــــــــ

(1) طبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص215.

(2) نفس الرحمن ص21 والبحار ج22 ص367 والخرايج والجرايح ج1 ص144 وذكر غرس النوى في حديث آخر، فراجع: روضة الواعظين ص278 والبحار ج22 ص358 وإكمال الدين ص 165 والدرجات الرفيعة ص203 ونفس الرحمن ص6 عن بعض من تقدم، وعن قصص الأنبياء للراوندي، وعن الحسين بن حمدان، وعن الدر النظيم.


(33)

النخلة التي غرسها عمر:

ونجد في بعض المصادر: أن عمر بن الخطاب قد شارك في غرس نخلة: واحدة، ولكنها لم تعش، فانتزعها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وغرسها بيده، فحملت (1).

وفي رواية أخرى: أن التي لم تعش كان سلمان هو الذي غرسها (2).

أما عياض، فلم يسم أحداً، وان كان قد ذكر غرس غيره أيضاً (3).

ولعلها كانت فسيلةً حاضرةً لدى عمر، أو سلمان، فأحب المشاركة في هذا الأمر، فغرسها، ولعله غرس نواةً، كانت في حوزته، وإن كانت الروايات قد صرحت بالأول لا بالنواة.. فيتعين ذلك الاحتمال..

وقد حاول البعض الجمع بين الروايتين المشار إليهما، أعني رواية غرس عمر للنخلة التي لم تعش، ورواية غرس سلمان لتلك النخلة:

بأن من الممكن أن يكونا ـ عمر وسلمان ـ قد اشتركا في غرسها، فصح نسبة ذلك لهذا تارة، ولذاك أخرى (4).

ــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد ج9 ص 337 عن أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وتاريخ الخميس ج1 ص468 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج18 ص35 والإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص58 وقاموس الرجال ج4 ص227 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص198 / 199 وشرح الشفاء لملا علي القاري ج1 ص384 ومزيل الخفاء، في شرح الفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء نفسه) ج1 ص332 والبحار ج22 ص390، والدرجات الرفيعة ص205 ونفس الرحمن ص16.

(2) طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص 57 / 58 وشرح الشفاء للقاري ج1 ص384 عن البخاري، ومزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج1 ص332 عن البخاري في غير صحيحه، ونفس الرحمن ص16 ومسند أحمد ج5 ص440.

(3) الشفاء ج1 ص 332.

(4) شرح الشفاء لملا علي القاري ج1 ص384 ومزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج1 ص332.


(34)

«ويجوز أن يكون كل واحد من سلمان وعمر غرس بيده النخلة، أحدهما قبل الآخر»(1).

ولنا أن نعلق على ذلك: بأنه بعد نهي النبيّ لسلمان عن ذلك؛ فلا يعقل أن يقدم على مخالفة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وسلمان هو من نعرف في انقياده، والتزامه المطلق، بأوامر الله سبحانه، ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فلا يمكن أن نصدق: أنه قد خالف أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم..

وكيف لم يتدخل في غرس مائتين وتسع وتسعين، وتدخّل في خصوص هذه الواحدة، دون سواها؟!

هذا بالاضافة إلى صحة سند ما روي عن عمر.. وكثرة الناقلين له، وعدم نقل ذلك عن سلمان إلا عند ابن سعد في طبقاته..

وإذا كان الراجح ـ إن لم يكن هو المتعين ـ أن سلمان لم يتدخل في هذا الأمر، ولا خالف النهي المتوجه إليه من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم..

وإذا كان النهي إنما توجه إلى سلمان، لا إلى عمر، فان إقدام عمر على هذا الأمر، يصبح أكثر معقولية، وأقرب احتمالاً..

فهو قد أراد أن يجرب حظه في هذا الأمر أيضاً، ولعله يريد إظهار زمالته، للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو القائل «أنا زميل محمّد» (2) فكما أن النخل يثمر على يد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فانه يثمر على يده أيضاً.. وكما أن الرسول يقوم ببعض الأعمال؛ فان غيره أيضاً قادر على أن يقوم بها؛ فليس ثمة كبير فرق ـ فيما بينهم، وبينه صلّى الله عليه وآله وسلّم، على حدّ زعمه، أو هكذا خُيّل له على الأقل..

ــــــــــــ

(1) نفس الرحمن ص16.

(2) راجع: تاريخ الأمم والملوك للطبري ج3 ص291 ط الاستقامة.


(35)

وأما أنه لماذا لم يغرس سوى نخلة واحدة، فلعله يرجع إلى أنه حين رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ينهى سلمان عن أن يغرس شيئاً منها، فانه قد تردّد في ذلك، وحاذر من أن يتعرض لغضب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنكاره.. ثم تشجع أخيراً، وجرب حظه في نخلة واحدة.. الأمر الذي تفرد فيه دون سائر الصحابة الآخرين، ولم يقدم عليه لا أبو بكر، ولا غيره.. وقد يكون السبب في ذلك هو أنه لم يكن في حوزته سوى هذه النخلة.

ولكن قد شاءت الإرادة الإلهية: أن يحفظ ناموس النبوة، وأن تخيب كل الطموحات، وتتحطم كل الآمال، التي تريد أن تنال من ذلك الناموس، أو تستفيد منه في مسارٍ انحرافي آخر، لا يلتقي معه، ولا ينتهي إليه. وتجلى هذا اللطف الإلهي في أن النخل قد أثمر كله، سوى هذه، حتى أعاد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم غرسها بيده الشريفة من جديد، فظهرت البركات، وتجلت الكرامة الإلهية..

دور خليسة في عتق سلمان:

وقد جاء في بعض روايات عتق سلمان: أنه كان لامرأة اسمها خليسة، كانت قد اشترته، ثم بعد أن أسلم سلمان أرسل إليها رسول الله (ص) علياً عليه السلام، يقول لها: إما أن تعتقي سلمان، وإما أن أعتقه؛ فان الحكمة تحرمه عليك.

فقالت له: قل له: إن شئت، أعتقته، وإن شئت فهو لك.

قال رسول الله: اعتقيه أنت؛ فأعتقته.

قال: فغرس لها رسول الله (ص) ثلاث مائة فسيلة..

وفي لفظ آخر: فقالت: ما شئت؛ فقال: إعتقته.. (1).

ــــــــــــ

(1) راجع: تاريخ الخميس ج1 ص469 وأسد الغابة ج5 ص440 والإصابة ج4 ص286 عن ابن مندة، وقالوا: أخرجه أبو موسى، في الاحاديث الطوال.. ونفس الرحمن ص22 عن المنتقى، وأشار إلى ذلك في تهذيب التهذيب ج4 ص138 / 139 عن العسكري.


(36)

ونقول:

1 ـ إن الرواية التي قدمناها في مكاتبته لمولاه على غرس النخل، حتى تطعم، وعلى أربعين أوقية.. وغير ذلك مما دل على أن الرسول (ص) قد اشتراه، واعتقه، ينافي ذلك..

2 ـ إن كتاب المفاداة المتقدم ينافي ذلك أيضاً، لأنه كتب باسم عثمان بن الأشهل القرظي..

إلا أن يدعى: أن خليسة كانت زوجة لعثمان هذا، أو من أقاربه، أو غير ذلك، فلا مانع من كتب الكتاب باسمه نيابة عنها.

ولكن ذلك يبقى مجرد احتمال، يحتاج إلى شاهدٍ وعاضد، وهو مفقود.

3 ـ لماذا يأمرها النبيّ (ص) بعتق سلمان، ولم يأمر غيرها؛ من الذين كانوا يملكون أرقاء مسلمين (1)؟ !.

4 ـ ما معنى قوله: إما أن تعتقيه أنت، أو أعتقه أنا؛ فهل يريد (ص) استعمال ولايته في هذا المجال؟ !.

5 ـ وإذا كانت قد أسلمت قبل أن يرسل إليها بهذا الأمر (2)؛ فما معنى قوله (ص): فان الحكمة تحرمه عليك؟ !.

فهل كانت قد تزوجته، ولا يصح تملك المرأة لزوجها؟ أم أنه كان اباً لها؟ ! أم ماذا؟ !.

هذا مع أنه حتى لو فرض ذلك، فانه ينعتق عليها قهراً في الفرض الثاني، وينفسخ النكاح في الفرض الأول..

ـــــــــــ

(1) قد يقال بعدم وجود أرقاء مسلمين في أيدي غير المسلمين. ولكن يرد عليه: أن خليسة قد أسلمت حسب نص الرواية فلماذا يوجب عتقه عليها.

(2) راجع: تاريخ الخميس ج1 ص469.


(37)

6 ـ وإذا كانت لم تملكه لأنه كان حراً، وقد ظلموه؛ فباعوه لها؛ فان ذلك لو صح أنه كافٍ في ذلك؛ لمنع من أصل عبوديته؛ فلا حاجة بعد ذلك لعتقه، لا من قبله (ص)، ولا من قبلها..

7 ـ وإذا كانت تملكه، ولا بد من عتقه؛ فلماذا لا يشتريه منها؟ أو لماذا لا تكاتبه هي؟ !. ولماذا تؤمر بعتقه من الأساس؟ ! إلا على سبيل الحث والترغيب في الأجر، لا على سبيل التهديد، وبأسلوب القهر..

8 ـ وما معنى التناقض في رواية عتقها له تارة، وعتق النبيّ (ص) نفسه له تارة أخرى؟ !.

بقي علينا أن نعرف:

من الذي حرّر سلمان؟:

هناك نصوص كثيرة تفيد: أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي حرّر سلمان من الرق.

1 ـ وقد عدّه كثير من العلماء والمؤرخين من موالي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).

2 ـ وعن بريدة: «كان لليهود؛ فاشتراه رسول الله (ص) بكذا وكذا درهما، وعلى أن يغرس له نخلاً، يعمل فيها سلمان حتى تطعم، فغرس رسول الله (ص) النخل» (2).

ــــــــــــ

(1) رجال ابن داود ص175 وخلاصة الأقوال للعلامة ص41 والفهرست للشيخ الطوسي ص158 وتاريخ الأمم والملوك ط الاستقامة ج2 ص419 وراجع المصادر التالية: ذكر أخبار أصبهان ج1 ص54 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص34 ومصابيح الأنوار ج1 ص356 عن القرطبي، والإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص57 وقاموس الرجال ج4 ص433 عنه، والبحار ج22 ص390 وحلية الأولياء ج1 ص195 ونفس الرحمن ص20 و21 عن بعض من تقدم، والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص171.

(2) مجمع الزوائد ج9 ص337 عن أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح. وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج18 ص35، وشرح الشفاء لملا علي القاري ج1 ص384.


(38)

3 ـ وسئل الشعبي: هل كان سلمان من موالي رسول الله؟ قال: نعم. أفضلهم. كان مكاتباً؛ فاشتراه؛ فأعتقه (1).

4 ـ وقال الخطيب البغدادي: «أدى رسول الله (ص) كتابته، قهر إلى بني هاشم» (2).

5 ـ وقال المبرد: «وكان (ص) أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول الله (ص)؛ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: سلمان منّا أهل البيت» (3).

6 ـ وقال أبو عمر: «.. وقد روي من وجوه: أن رسول الله (ص) اشتراه على العتق» (4).

7 ـ وتقدم كتاب المفاداة، الذي ينص على أن ولاء سلمان هو لمحمّد بن عبد الله‏ رسول الله، وأهل بيته، فليس لأحد على سلمان سبيل..

8 ـ وفي مهج الدعوات، في حديث حور الجنة، وتحفها، مسنداً عن فاطمة عليها السلام، قالت: فقلت للثالثة: ما اسمك؟ قالت: سلمى. قلت: ولم سميت سلمى؟ قالت: خلقت أنا لسلمان الفارسي، مولى أبيك رسول الله (ص) (5).

9 ـ وفي رسالة سلمان إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، كتب له سلمان: من سلمان مولى رسول الله (ص) (6).

10 ـ وروى الحاكم أن علي بن عاصم ذكر في حديث إسلام سلمان: أنه كان عبداً؛ فلمّا قدم النبيّ (ص) المدينة، أتاه، فأسلم؛ فابتاعه النبيّ (ص)، واعتقه (7).

ــــــــــــ

(1) أنساب الأشراف (قسم حياة النبيّ «ص») ج1 ص487 وقاموس الرجال ج4 ص429 عنه.

(2) تاريخ بغداد ج1 ص164 و163.

(3) الكامل ج4 ص14.

(4) الإستيعاب، بهامش الإصابة ج2 ص57.

(5) نفس الرحمن ص21.

(6) الاحتجاج ج1 ص185 ونفس الرحمن ص21 عنه.

(7) معرفة علوم الحديث ص198.


(39)

11 ـ وفي حديث سلام سلمان على أهل القبور، قال رحمه الله: سألتكم بالله العظيم، والنبيّ الكريم، إلا أجابني منكم مجيب؛ فأنا سلمان الفارسي، مولى رسول الله (ص) (1).

12 ـ وعن ابن عباس قال: رأيت سلمان الفارسي رحمه الله في منامي؛ فقلت له: يا سلمان، ألست مولى النبيّ (ص)؟

قال:؛ بلى؛ فإذ عليه تاج من ياقوت الخ.. (2).

13 ـ هذا بالإضافة إلى الحديث الذي يقول سلمان في آخره: فأعتقني رسول الله (ص)، وسماني سلماناً.. (3).

أبو بكر وعتق سلمان:

وبعد كل ما تقدم، فإننا نعرف:

أن دعوى: أن أبا بكر قد اشترى سلمان، فأعتقه (4)، لا يمكن أن تصح بأي وجه..

ويكفي في ردها حديث كتاب المفاداة المتقدم، بالإضافة إلى النصوص الآنفة الذكر.. إلى جانب النصوص الأخرى، التي تدعى: أنه قد أعانه الصحابة ورسول الله (ص) حتى أدى ما عليه من مال الكتابة، وإن كان اتضح: أنها أيضاً غير خالية عن المناقشة..

ــــــــــــ

(1) نفس الرحمن ص 21 عن فضائل شاذان بن جبرائيل القمي.

(2) روضة الواعظين ص281 ونفس الرحمن ص21 عنه.

(3) روضة الواعظين ص278 والبحار ج22 ص358 والدرجات الرفيعة ص203 وإكمال الدين ص165، ورواه في نفس الرحمن ص6 عن بعض من تقدم، وعن قصص الأنبياء للراوندي، وعن الحسين بن حمدان، وعن الدر النظيم.

(4) تاريخ الخميس ج1 ص469 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص199 عن البيهقي، ونفس الرحمن ص21 عن المنتقى والحديث بطوله في مستدرك الحاكم ج3 ص599 ـ 602.


(40)

لماذا يكذبون:

ولعل أهمية سلمان، وعظمته وجلالته في المسلمين، قد جعلت البعض يرغبون في ان يجعلوا للشخصيات التي يحترمونها، ويهتمون في حشد الفضائل لها، نصيباً في هذا الرجل الفذ، وفضلاً لها عليه.. حتى ولو كان ذلك على حساب كرامات وفضائل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه، فان الإغارة على بعض فضائله وكراماته صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونسبتها إلى غيره، لا تنقص من شأنه ـ بزعمهم ـ شيئاً؛ إذ يكفيه شرفاً: أنه النبيّ الهادي لهذه الأمة، وأنه رسول الله.

كما أن ذلك يمكن أن يكون ردة فعل على تلك الرواية التي لا يجدون دليلاً ملموساً على ردها وتكذيبها، والتي تقول:

إنه أسلم في مكة، وحسن إسلامه؛ وأن النبيّ (ص) شاوره ـ امتحاناً له ـ فيمن يبدأ بدعوته في مكة، فجال سلمان في أهل مكة يخبرهم، ويشيرهم، ويجتمع مع النبيّ (ص) وأبي طالب لهذا الغرض، ثم أشار بدعوة أبي بكر؛ لأنه معروف بين العرب بتعبير الأحلام، وهم يرون فيه ضرباً من علم الغيب، مع معرفته بتواريخ العرب، وأنسابها، بالإضافة إلى أنه معلم للصبيان، ويطيعه ويجله من أخذ عنه من فتيانهم، ولكلامه تأثير فيهم؛ فإذا آمن فلسوف يكون لذلك أثره، ولسوف تلين قلوب كثيرة.. لاسيما وان معلمي الصبيان راغبون في الرياسة، فاستصوب النبيّ (ص)، وأبو طالب ذلك، وشرع سلمان في دلالة الرجل، وإدخاله في الإسلام (1).

فلعل سلمان ـ كما تدل عليه هذه الرواية، ويظهر من غيرها ـ كان في بدء

ــــــــــــ

(1) راجع: نفس الرحمن ص48 عن بعض الكتب المعتبرة وص 27 / 28 عن كتاب الكشكول فيما جرى على آل الرسول للعبيدلي.


(41)

أمره في مكة وأسلم هناك، ثم انتقل إلى المدينة.

وعن تقدم إسلام سلمان، نجد عدداً من الروايات تشير إلى ذلك (1). ومن ذلك: أن إعرابياً سأل النبيّ (ص) عنه فقال: أليس كان مجوسياً، ثم أسلم؟ ! فقال (ص): يا أعرابي، أخاطبك عن ربي، وتقاولني؟! إن سلمان ما كان مجوسياً، ولكنه كان مضمراً للإيمان، مظهراً للشرك (2).

ــــــــــــ

(1) راجع: ذكر أخبار أصبهان ج1 ص51 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص193 والبحار ص355 ـ 359، وإكمال الدين ص162 ـ 165 وروضة الواعظين ص275 ـ 278 والدرجات الرفيعة ص203 ونفس الرحمن ص 5 ـ 6 عن بعض من تقدم وعن غيرهم.

(2) الاختصاص ص222 والبحار ج22 ص347 وقاموس الرجال ج4 ص429 ونفس الرحمن ص4.


(43)

الفصل الثالث: وعي.. ومسؤولية

(45)

بداية:

هناك الكثير من الروايات التي تؤكد، على علم سلمان وفضله، ومقامه الشامخ في الإيمان، والإسلام، والمعرفة.. وعلى زهده، وتقواه، وعلى كريم خصاله، وحميد فعاله..

وهناك أيضاً أحداث، وقضايا، ومواقف كثيرة تثبت ذلك، وتؤكده، كما وتثبت بُعد نظره رحمه الله، وثاقب فكره، ونفاذ بصيرته..

ولا نريد هنا: أن نستقصي ذلك كلّه بالدراسة والتحليل، فانه أمر متعسر، بل متعذر علينا فعلاً، وإنما نريد ذكر نموذج من ذلك، تذكرة لأنفسنا، ووفاء منا للحقيقة وللتاريخ، ونترك سائر ذلك إلى جهد الباحثين، وعناء الدارسين.. فنقول:

إذا اقتتل القرآن والسلطان:

قال سلمان لزيد بن صوحان: كيف أنت يازيد إذا اقتتل القرآن والسلطان؟!

قال: أكون مع القرآن.

قال: نعم الزيد أنت إذن (1)..

ــــــــــــ
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص16.


(46)

إن هذا النص يعطينا: أن سلمان قد وضع إصبعه على أمر دقيق، وهام للغاية، وله دور أساس ورئيسي في تكوين شخصية الإنسان المسلم، وله تأثير مباشر، وقوي فيما يتخذه من مواقف، وفيما يقوم به من أعمال.

ثم هو يمس بالتالي، مستقبل الأمة الإسلامية، ومصيرها، ومستوى ومنطلق ونوع تعاملها في القضايا الكبرى، التي تواجهها، هذا.. عدا عن مساسه بالتركيبة السياسية، التي لا بد وان تترك آثاراً كبيرة وعميقة على المجتمع المسلم، وعلى جميع خصائصه، وأوضاعه بصور عامة.

وذلك لان إلقاء نظرة فاحصة على حالات الناس وأفكارهم، وخصوصاً في تلك الفترة، توضح لنا: أن الناس كانوا على حالات شتى.

ففريق منهم لا يرى الحق والخير، إلا من خلال ذاته، ونفسه، فهو المعيار، والميزان، والمحور لذلك، فبمقدار ما يجلب له نفعاً، ويدفع عنه ضراً في هذه الحياة الدنيا، فهو خير، وحق، وحسن ومقبول، تجب نصرته على كل أحد، ولا ضير في أن يضحي الآخرون بكل غالٍ، ونفيس، ـ حتى بأنفسهم ـ من أجله، وفي سبيله.. شرط أن لا تصل النوبة إلى شخص هؤلاء بالذات، لاُن المفروض هو أن المسؤولية، كل المسؤولية، تقع على عاتق الآخرين دونهم.

وهكذا.. فان القرآن والإسلام لا يمثل لهذا النوع من الناس شيئاً، إلا بالمقدار الذي يتفق مع هذه النظرة، ويحقق لهم هذه النتائج، حتى إذا رأوا: أن مصالحهم الخاصة ومآربهم الشخصية تتعرض للخطر، فان على القرآن، والإسلام، والحق أن يتراجع، وأن يعترف بأنه مخطئ، بل ومسرف في الخطأ، وحيث لابد من احترام القرآن والإسلام، فلا أقل من اتهام المسلمين، والعلماء، وغيرهم بالخطأ، أو بتعمد الخطأ في فهمهما..

وفريق آخر: يرى: أن الحق كل الحق دائماً في جانب القوي، ومعه؛ فلابد من اعطاء الحق لذي الحق مهما كلف الأمر، ومهما تكن النتائج.

وذلك بسبب ضعف في نفوس هذا النوع من الناس، وانهزام في ذواتهم


(47)

وشخصياتهم..

وفريق ثالث: قد أحاط الحاكم بهالة من الاحترام والقداسة، لا لشيء إلا لأنه حاكم ومتسلط، ويدين الله بالخضوع له، والالتزام بأوامره، والانتهاء إلى نواهيه؛ وذلك لأنه قد خدع بما حاول الحكام أن يشيعوه، من أن سلطتهم سلطة إلهية، مفروضة على الناس، لا يمكن لهم الخلاص منها، لان تلك هي إرادة الله سبحانه ومن هنا.. فإن الله سبحانه قد طلب من الناس أن يُدخلوا في عقائدهم وأحكامهم، عقيدة عدم جواز الخروج على السلطان، من كان، ومهما كان، لأنه يمثل إرادة الله سبحانه على الأرض، فمعصيته، والاعتراض عليه يوجب العقاب والعذاب الأليم يوم القيامة.. بل لقد حاول البعض أن يقول: إنه ليس على السلطان ـ الخليفة ـ عذاب ولا عقاب يوم القيامة (1)، مهما فعل من موبقات، ومهما اقترف من جرائم.

وبعد ذلك كله.. فقد كان سلمان يعي وجود هذه التيارات المنحرفة في المجتمع الإسلامي، ويعرف في المسلمين ما يعطي أن كثيراً منهم يتعامل مع الأمور من خلال هذه النظرة، أو النظرية، أو تلك..

وهو يعتبر: أن ذلك انحراف عن الخط الإسلامي القويم، لان الإسلام يرفض: أن يعتبر الإنسان نفسه وذاته كشخص محوراً للحق والباطل، والخير والشر.

ويرفض أيضاً: أن يصبح الإنسان المسلم على درجة من الضعف والانهزام، إلى حدّ أن يعتقد: أن الحق للقوي، ومعه..

ويرفض كذلك: تقديس الحاكم لمجرد كونه حاكماً، فان القداسة ما هي إلا بالتزام طريق الاستقامة والتقوى، والعمل الصالح..

كما ويرفض أيضاً: نظرية الجبر الإلهي، في حاكمية الطغاة، والجبارين،

ــــــــــــ

(1) البداية والنهاية ج9 ص232.


(48)

والمستبدين، والمنحرفين..

نعم.. إن سلمان يعي ذلك كله.. فينطلق من موقع المربي، والمسؤول، في محاولة اكتشاف أي خلل أو خطل حتى في مثل شخصية زيد الرجل العظيم، والمتميز، فيحاول أن يثير فكره ووعيه، وأن يرصده بدقة ليعرف إن كانت شخصيته قد تلوثت بهذه الأوبئة، وتأثرت بهاتيك الانحرافات.. من أجل أن يعالجه بالدواء الناجع، بعد معرفة الداء، أن كان..

التوازن في شخصية الإنسان المسلم:

ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يتعامل فيها سلمان مع إخوانه من موقع المربي والناصح والمسؤول، فهناك مواقف كثيرة له، لها هذا المنحى التربوي الهادف، ولا نريد استقصاء ذلك في حياته رضوان الله تعالى عليه..

بل نكتفي هنا بتسجيل حادثة واحدة له، مع زيد بن صوحان، ولعلها أيضاً ـ تكررت له مع أبي الدرداء، حسبما ورد في بعض النصوص الأخرى.

فإننا نجد سلمان ـ قد اكتشف في زيد جنوحاً إلى العبادة، والعزوف عن الدنيا بصورة تجاوز فيها حالة الاعتدال، الأمر الذي من شأنه أن يحدث خللاً ـ غير مسموح به ـ في تعامله مع ما ومن يحيط به.. ويفقد معه قسطاً كبيراً من حالة التوازن، التي يفترض أن تكون قائمة في مجال الاستفادة من أعمال البر والخير، بحيث لا يؤثر ذلك على تعامله مع جهات أخرى لا بد له من تحقيق مستوى معين من التعامل معها..

وواضح: أن مسألة التوازن مسألة حساسة وخطيرة، تمس شخصية الإنسان المسلم في العمق، وترتبط بمجمل مواقفه، وسلوكه، وكل شؤون حياته. وأن الإخلال بها معناه حدوث نقص في الدين، لابد من التحرز منه، والمبادرة إلى تصحيحه قبل أن يتحول إلى كارثة حقيقية..

نعم.. وقد أحس سلمان أيضاً: أن زيداً قد بدأ يتعامل مع العبادات


(49)

الدينية تعاملاً قشرياً، يجعله يستغرق بالحقحقة، حتى يبتعد عن روح الشريعة، ويحبس نفسه في قمقمٍ جدب، ومقفل؛ ويحرم نفسه من العيش في رحاب الله سبحانه، فلا يوفق للانطلاقة الهادفة في آفاقه الرحبة، الزاخرة بالعطاء، الغنية بالمواهب.

نعم.. إن سلمان حينما أحسّ أن زيد بن صوحان يتعرض لهذا الخطر الاكيد، ويوشك أن تزل به قدمه.. فانه من موقع المربي المشفق، يعمل على تصحيح الخطأ، واعادة الأمور إلى نصابها..

يقول النص التاريخي عن زيد:

إنه: «كان يقوم الليل، ويصوم النهار، وإذا كانت الجمعة أحياها، وإنه ليكرهها إذا جاءت، لما يلقى بها؛ فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه،

فقال: أين زيد؟

فقالت امرأته: ليس ههنا.

قال: فاني أقسم عليك: لمّا صنعت طعاماً، ولبست محاسن ثيابك.

ثم بعث إلى زيد، فقرب إليه الطعام، وقال له:

كل يا زيد.

فقال: إني صائم.

فقال: كل يازيد، لا تنقص دينك، إن شر السير الحقحقة، إن لعينك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً.

فأكل زيد، وترك ما كان يصنع (1).

وقريب من ذلك يروى لسلمان مع أبي الدرداء أيضاً (2).

ـــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص15 وتاريخ بغداد ج8 ص439 وقاموس الرجال ج4 ص426 عنه.

(2) راجع: حلية الأولياء ج1 ص188 وإحياء علوم الدين ج1 ص347 والإستيعاب بهامش الإصابة ج2ص60/61 والمحجة البيضاء ج2 ص377/378 وفي هامشه عن صحيح البخاري ج2 ص63.


(50)

الأرض لا تقدّس أحداً:

وفي مجال رفض المفاهيم الخاطئة، ورفض التعامل مع القضايا الدينية تعاملاً قشرياً وسطحياً، يفقدها مضمونها الرسالي العميق، نجد لسلمان رحمه الله تعالى موقفاً آخر من أبي الدرداء أيضاً..

فقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة ـ أي بلاد الشام ـ.

فكتب إليه سلمان يعلمه: أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله (1).

واقعية زهد سلمان:

وقد يعتبر الكثيرون: أن الزهد معناه هو معاناة حالة من التقشف، ومقاساة شظف العيش، بصورة شاقة وقاسية.

ولكن سلمان الفارسي ـ الذي أدرك علم الأول والآخر، إنما يريد أن يربي نفسه على الزهد الواقعي، ويفرغ قلبه عن التفكير بالدنيا بصورة حقيقية، ولا يريد أن يدخل في صراع مع نفسه، ولو مرة واحدة، بل هو يريد أن يجعلها تطمئن، لينصرف بكل عقله وفكره، وجوارحه، وباستمرار إلى الله سبحانه، لا يشغله شيء عنه سبحانه.

فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته، حتى يحضر عطاءه من قابل.

فقيل له: أنت في زهدك ! تصنع هذا !! وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم، أو غداً؟!..

ـــــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص209 وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج13 ص318 و331 و340.


(51)

فقال: ما لكم لا ترجون لي البقاء، كما خفتم عليّ الفناء؟ ! أما علمتم: ـ يا جهلة ـ أن النفس قد تلتاث على صاحبها، إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه؛ فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت (1).

فهذا النص يؤكد لنا:

1 ـ أن سلمان لا يريد ولو لمرة واحدة: أن ينشغل بنفسه وينصرف عن الله سبحانه.

2 ـ إنه يتعامل مع طموحات نفسه وميولها، من موقع العارف والواعي، الذي يفكر بعمق بالداء وبالدواء على حد سواء، ويكون علاجه للحالة التي يعاني منها أساسياً وواقعياً..

3 ـ يلاحظ: أن المعترضين ـ يشهدون له بالزهد والعزوف عن الدنيا، ولكنهم لم يعرفوا سر تعامله ذاك، فوقعوا بالحيرة.

4 ـ إنه قد الفتهم إلى خطأهم في طرح المعادلة التي بنوا عليها نظريتهم تلك وكان تقييمه لتلك المعادلة الفكرية قائماً على أساس النظرة الواقعية أيضاً، لا على أساس المظاهر الخادعة، والشعارات البراقة.

وهناك أمور أخرى يمكن استخلاصها من النص المذكور، ولكننا لا نرى ضرورة للتعرض لها في عجالة كهذه.. فنكتفي بهذا القدر، ونوفر الفرصة للحديث عن جوانب أخرى، في شخصية وحياة هذا الرجل الفذ.

هكذا ينجو المخفون:

عن كتاب المحاسن: وقع حريق في المدائن؛ فأخذ سلمان مصحفه وسيفه، وخرج من الدار، وقال:

ــــــــــــ

(1) قاموس الرجال ج4 ص425/426 عن الكافي


(52)

«هكذا ينجو المخفون» (1).

و«قيل دخل عليه رجل؛ فلم يجد في بيته إلا سيفاً ومصحفاً، قال: ما في بيتك إلا ما أرى؟! قال: إن أمامنا منزل كؤود، وأنا قد قدمنا متاعنا إلى المنزل» (2).

ومما يمكن اعتباره في هذا السياق، ما روي بسند معتبر: عن أبي عبد الله‏ عليه السلام، قال:

«كان لعلي عليه السلام بيت ليس فيه شيء، إلاّ فراش، وسيف، ومصحف، وكان يصلي فيه ـ أو قال: كان يقيل فيه..»(3).

فلماذا السيف والمصحف، دون سواهما، يا ترى؟ ماذا نستوحي من ذلك؟ وكيف نستفيد العبرة منه؟!

سؤال لابد وان يراود أذهان الكثيرين!! وتتشوف نفوسهم إلى معرفة الجواب عنه، بصور مقنعة، ومقبولة.

ولسوف نحاول هنا معالجة الإجابة عنه، رغم اقتناعنا بأن توفيته حقه، تتطلب فرصة أوفر، وتوفراً أتم.. ولكننا سوف نكتفي هنا بإشارة خاطفة ومحدودة، تصلح لان تكون مدخلاً مناسباً للاجابة التامة والمقبولة، فنقول:

إن الله سبحانه، حينما أوجد هذا الكائن، قد أراد له أن يكون إنساناً بالدرجة الأولى، ثم هو أراد له أن يكون حرّاً..

فكل ما يتنافى مع هذه الإنسانية، ومع تلك الحرية، ويحدّ من فاعليتها، يكون مناقضاً لفطرة الإنسان وغير منسجم معها، ولا متوافق مع ما يريده الله سبحانه لهذا الإنسان..

ــــــــــــ

(1) قاموس الرجال ج4 ص425 والدرجات الرفيعة ص215 ونفس الرحمن ص140 عن الأنوار النعمانية.

(2) الدرجات الرفيعة ص215 ونفس الرحمن ص140 عن الأنوار النعمانية.

(3) المحاسن للبرقي 612 والبحار ج73 ص161 والوسائل ج3 ص555.


(53)

(والبحث عن هذه الحرية، وحقيقتها، وحدودها، وضوابطها بنظر الإسلام، دقيق، وعميق، وهام، ولكن ليس محله هنا؛ فلابدّ من إحالة ذلك إلى فرصةٍ أخرى، ومجال آخر، إن شاء الله تعالى..).

وبالنسبة إلى الجانب الآخر نقول:

لقد بعث الله سبحانه الرسل، وأنزل الكتب؛ ليطهر الناس، وليزكيهم، ويربيهم من جهة.. وليعلمهم الكتاب والحكمة من جهة ثانية..

ثم أنزل الحديد فيه بأس شديد..

قال تعالى: في مقام بيان هذه العناصر: {.. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}(1).

وقال: {َقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ..}(2).

وعن دعوة إبراهيم وإسماعيل، قال تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}»(3).

وقال تعالى أيضاً: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}(4).

المرحلة الأولى:

إنه حينما يرسل الله سبحانه رسله إلى الناس؛ فان الناس يواجهونهم بالاستغراب، والإنكار؛ فتمس الحاجة إلى إظهار البينات، المشار إليها في آية

ــــــــــــ

(1) الجمعة 2.

(2) الحديد 25.

(3) البقرة 129.

(4) آل عمران 164.


(54)

سورة الحديد، والحجج والبراهين الدامغة، والقاهرة، التي تثبت صحة ما يقولون، سواء أكان ذلك من قبيل المعجزات، وخوارق العادات أو من قبيل توجيه الناس نحو التفكر في عجائب الكون، وغرائب الخلقة، أو من قبيل التذكير بأيام الله، وبما جرى على الماضين، أو بالبشارات التي تتحقق، أو بغير ذلك من الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة..

وهذه البينات تكون بمثابة صدمة قوية، لابد وأن يذعن العقل معها للحق، وينصاع له.. ولعل قسماً من هذه البينات تبينه الآيات التي يتلوها عليهم، كما أشارت إليه آيات سورة الجمعة ـ والبقرة، وآل عمران، الآنفة الذكر ـ حيث قرن تعليم الكتاب بتلاوة الآيات الإلهية عليهم..

المرحلة الثانية:

وبعد.. أن يذعن العقل للحق، يأتي دور التزكية، وبث الفضائل والمزايا الخيّرة، والنبيلة في نفس الإنسان، ثم تصفيتها من الرواسب والشوائب، وإقناع الإنسان بأن عليه أن لا يستكبر، ولا يعلو، وأن لا يكون حقوداً، ولا حريصاً، ولا جباناً.. الخ.. «ويزكيهم».

فيبذر في نفسه بذور الخير، والبركة، والصلاح، الأمر الذي يهيؤه لمزيدٍ من الفهم، ولمزيد من التعقل والوعي لأحكام الدين وتشريعاته ويجعله على استعداد لان يبذل جهده في سبيل تطبيق هذه الأحكام على نفسه ويعمل، ويجدّ، ويتحمل المشاق لتطبيقها، على مجتمعه؛ فان الأخلاق هي أساس الدين، ولابد للدين منها؛ وذلك لأن عبادة الله سبحانه، لا تتلاءم مع الاستكبار: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته»(1).

ولولا استكبار فرعون لكان آمن، وقبل الحق.. وكذلك إبليس.

ــــــــــــ

(1) الأعراف 206.


(55)

كما أن عبادة الله سبحانه، لا تتلاءم مع سائر الرذائل الأخلاقية، كالكذب، والعلو، والظلم، والختر، والمكر السيء، وغير ذلك..

فالذي لا يتخلص من رذائل الأخلاق، وإن كان قد يستيقن بالحق؛ نتيجة لما يتلى عليه من الآيات، ويراه من البينات الظاهرة، والقاهرة، ولكنه يكون من الجاحدين، الذين قال الله عنهم: «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً» (1).

ومما يشير إلى دور الأخلاق في قبول الحق، والإذعان، والتسليم له، قوله تعالى:

{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ..} (2).

فقد قررت الآية دور الحسد في الصد عن قبول الحق الظاهر والبيّن لهم.

ثم تأتي المرحلة الثالثة:

وهي تعليم الكتاب، ونشر معارفه؛ عملاً بقوله تعالى: «يعلمهم الكتاب»؛ وذلك من أجل أن يعطيه الرؤية الصحيحة، والوعي الكافي لمعالجة مشكلات الحياة، والقضايا التي تواجهه، ويمنحه القدرة على تقييمها، بصورة صحيحة وسليمة، لكي ينطلق في مجال العمل عن وعي، وعن معرفة تامة بما يريده الله سبحانه منه؛ فيعمل بما يأمره به، ويجتنب عما ينهاه الله عنه.

المرحلة الرابعة:

ثم تأتي مرحلة، إثارة دفائن العقول، والابتعاد عن الجمود، وإعطاء العقل دوره وأصالته، بتعليم من الله سبحانه، وفق الضوابط والقواعد الصحيحة،

ــــــــــــ

(1) النمل 14.

(2) البقرة 109.


(56)

والسليمة، عملاً بقوله تعالى: «والحكمة» و «الميزان»، الذي لعله تعبير آخر عن الحكمة، التي تعني وضع الشيء في موضعه، من غير زيادة، ولا نقيصة..

وذلك لأنه لابد من التعامل مع الأمور بروح الحكمة، ولاسيما فيما يرتبط بالحياة الاجتماعية، التي تحتاج، إلى مزيد من الوعي، وإلى التدبر، ومن ثم إلى الموقف العادل والصحيح «ليقوم الناس بالقسط».

ويلاحظ هنا: أنه قد نسب القيام بالقسط إلى الناس. وهذا القيام إنما هو النتيجة الطبيعية لوعيهم، ولتكاملهم.

نعم.. إن التعامل مع الأمور، لابد أن يكون على أساس الحكمة، التي تعني إدراك الواقع أولاً، ثم التعامل معه بما يستحقه، فلا يظلمه بأن يبخسه حقه، ولا يعتدي عليه، بأن يتخمه بالعطاء، حتى يفسد حياته، ويرهق وجوده..

إنزال الحديد.. لماذا؟!

وطبيعي: أن قيام الناس بالقسط ـ كما أشارت إليه الآية ـ لسوف يصطدم بكثير من العقبات. ولسوف يلقى معارضة قوية وساحقة من قبل الطواغيت والجبارين، والمستأثرين بمقدرات الأمم.

ولسوف يصطدم أيضاً بأولئك الذين يكبلون الناس بمختلف أنواع القيود؛ بهدف أن يبقى المجال مفسوحاً، والباب مفتوحاً، أمامهم لاستغلال الناس، وامتصاص دمائهم..

كما ويمنعونهم من ممارسة حرياتهم في مختلف الشؤون، التي يرون أنها يمكن أن تؤثر على تلك الامتيازات الظالمة، التي يجعلونها لأنفسهم، في مختلف مجالات الحياة.

فينزل الله سبحانه الحديد، فيه بأس شديد، ومنافع للناس؛ من أجل أن يصبح هذا الحديد سيفاً قاطعاً، يدافع عن منجزات القرآن، في صنعه لإنسانية الإنسان، ويؤمّن للإنسان حريته، التي جعلها الله سبحانه وتعالى له حريته في أن يفكّر ويقرر، ثم في ممارسة حريته بالعمل طبق قناعاته وقراراته، بتعليم من الله


(57)

سبحانه، ووفق شرائعه وأحكامه.

ويكون هذا السيف، هو الأداة لنصرة الإنسان المؤمن، وإعطائه هويته الإنسانية، والذي هو في الحقيقة نصر لله سبحانه، ولرسله بالغيب؛ لان في ذلك نصراً لمبادىء الله سبحانه، ولأهدافه، وسننه في الكون، وفي الحياة. وفيه أيضاً نصر لرسله، في تحقيق الأهداف، التي عملوا، وجاهدوا، وضحوا من اجلها، بكل غال ونفيس.

فهل يمكن أن نستوحي من ذلك كله: خصوصية للسيف والمصحف في بيت علي عليه السلام، وعند سلمان رحمه الله؟!

ففي المصحف الآيات البينات، التي تحكي لنا ما جرى للماضين، مما فيه عبرة وذكرى. وفيه الكثير من العظات، والأمثال، والبشائر. وهو الذي يربي، ويزكي، وهو الذي يعلّم، ويفهِّم. وهو الذي يثير دفائن العقول، ويعلم الناس الحكمة.. وهو نفسه معجزة خالدة، وآية بينة، وتحدٍّ خالد..

والسيف.. هو الحديد الذي فيه بأس شديد، باستطاعته أن يحمي منجزات القرآن، في صنع إنسانية الإنسان، وهو الذي يدافع عن حرية هذا الإنسان، وعن كرامته، التي أكرمه الله تعالى بها.

وهكذا.. فإننا نستوحي من علي عليه السلام، ومن سلمان: المغزى العميق للآيات القرآنية الشريفة، دون أن ينبسا ببنت شفة..

ويكون سلمان المحمدي غصناً من تلك الدوحة ـ دوحة الإسلام الباسقة ـ ويكون محمدياً حقاً، ومن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليه وعليهم..

سلمان يفسر لنا المراد من: الصحابي:

عن أبي البختري، قال: جاء الأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله‏ البجلي إلى سلمان (رض)؛ فدخلا عليه، في خصّ، في ناحية المدائن؛ فأتياه؛ فسلّما عليه، وحيّياه، ثم قالا: أنت سلمان الفارسي؟ !


(58)

قال: نعم.

قالا: أنت صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

قال: لا أدري.

فارتابا، وقالا: لعله ليس الذي نريد.

فقال لهما: أنا صاحبكما الذي تريدان. قد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجالسته، وإنما صاحبه من دخل معه الجنة؛ فما حاجتكما.. الخ (1).

فإذا كان من الجائز أن لا يكون الأشعث وجرير قد تعرفا على سلمان قبل ذلك، فان ما يلفت نظرنا هنا.

هو فهم سلمان للصحابي، ونظرته إليه؛ فهو يرى فرقاً واضحاً بين من يرى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ويجالسه، وبين صاحب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنيسه، فقد يراه ويجالسه، حتى الكافر والمنافق، فضلاً عن من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً..

ولكن صاحبه الذي يأنس به، ويرتاح إليه، هو خصوص ذلك الذي تؤهله أعماله الصالحة لذلك، في الدنيا والآخرة على حد سواء..

وهذا لا ينسجم مع ما هو شائع ومعروف لدى البعض، من أن الصحابي هو كل من رأى النبيّ مميزاً مسلماً، حتى أنه لو ارتد لذهبت صحابيته، فان عاد عادت، كما يذكرونه عن طليحة بن خويلد..

مهمّات كبيرة:

وبعد.. فان التاريخ قد ذكر لنا أشياء كثيرة، تشير إلى أن سلمان الفارسي قد كانت له نشاطات، وأعمال على جانب كبير من الأهمية..

فعدا عن أنه قد كان له موقف معارض في مسألة السقيفة، التي أنتجت

ــــــــــــ

(1) حلية الأولياء ج1 ص201 تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص209 عن الحافظ والطبراني.


(59)

عدم وصول الخلافة إلى صاحبها الشرعي أمير المؤمنين علي عليه السلام، رغم تأكيدات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على أن علياً هو وليّ الأمر بعده..

فانه ـ أعني سلمان ـ قد تولى على المدائن من قبل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بالذات، واستمر والياً عليها سنوات كثيرة وإلى أن توفي رحمه الله..

أضف إلى ذلك: أنه قد كُلّف باختيار موضع الكوفة، ففعل، وصلى فيه ركعتين، ودعا بدعاء (1).

وعدا عن أنهم يقولون: إنه هو الذي أشار بحفر الخندق (2) فإنهم يقولون أيضاً: إنه حين رأى بعض مواضعه ضيقاً، بحيث يمكن للخيل أن تثب عنه، ويصل الأعداء إلى المسلمين. أمر بتوسعة ذلك الموضع منه، حتى فوَّت الفرصة على المشركين (3).

وقد نصب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منجنيقاً على الطائف، اتخذها سلمان الفارسي ويقال أيضاً: إنه هو الذي أشار بنصبها (4).

هذا كله.. بالإضافة إلى مشاركته في الغزو، وافتتاحه بعض البلاد (5).

وكان المسلمون قد جعلوه رائد الجيش، وداعية أهل فارس (6).

فرحم الله سلمان الفارسي، وأسكنه من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً؛ إنه وليّ قدير.

ــــــــــــ

(1) نور القبس ص 232 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص41 و42.

(2) راجع: أنساب الأشراف للبلاذري (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص343، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص566 ومغازي الواقدي ج2 ص445 وقاموس الرجال ج4 ص424.

(3) راجع: مغازي الواقدي ج2 ص465.

(4) انساب الأشراف (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص366 و377 وراجع: قاموس الرجال ج4 ص429 عنه.

(5) مسند أحمد ج5 ص444 و440 و441 وحلية الأولياء ج1 ص189 وراجع: طبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص235 وذكر أخبار أصبهان ج1 ص55.

(6) تاريخ الأمم والملوك ج4 ص14 وراجع ج3 ص489.


 (61)

الفصل الرابع: يعارضهم.. ويشاركهم!!

(63)

مشاركة المعارضة في الحكم:

ولعله يصح لنا: أن نعتبر أمثال سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والأشتر وو.. الخ. من الفئة التي كانت تعارض الحكم القائم آنذاك وتنتقده، على اعتبار: أن هؤلاء، ونظائرهم، كانوا يرون: أن الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، هي من حق علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام؛ استناداً إلى كثير من المواقف، والأقوال، والنصوص، التي رأوها وسمعوها من النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ويرون أيضاً أن الآخرين قد تعدّوا وظلموا علياً عليه السلام في هذا الأمر، واستأثروابه دونه..

بل إن المعتزلي الحنفي يروي لنا: عن البراء بن عازب: أنه حين بويع أبو بكر رآه ـ البراء ـ أقبل ومعه عمر، وأبو عبيدة، وجماعة؛ لا يرون أحداً إلا خبطوه، وقدموه؛ فمدوا يده؛ فمسحوها على يد أبي بكر، يبايعه، شاء ذلك أم أبى.

قال البراء: «فأنكرت عقلي، وخرجت أشتد، حتى انتهيت إلى بني هاشم، والباب مغلق.. إلى أن قال:

فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل: المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعماراً، وهم يريدون أن


(64)

يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين» (1).

إلى غير ذلك من نصوص أخرى توضح معارضة هؤلاء لانحراف الأمر عن علي عليه السلام، فليراجعها من أراد.

السؤال الصريح:

وهنا يرد سؤال، لابد من الإجابة عليه، وهو:

أننا نرى هؤلاء وسواهم، ممن هم على رأيهم، في مواقع قيادية في هيكلية نفس هذا الحكم الذي يعارضونه، ولا يرون مشروعيته (2)، فهذا يلي الكوفة، كعمار، وذاك يلي المدائن، كسلمان، وذلك كالاشتر وحذيفة يتولى قيادة الجيوش، أو يشارك في الحروب.. وهكذا..

مع أن المعروف والمتوقع من الفئة المعارضة، هو أن تقاطع الحكم، وترفض المشاركة فيه.. كما أن الفئة الموالية هي التي تستأثر بالمراكز، ولا تسمح للخصوم بالمشاركة والوصول إليها ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.. فما هو السر في مشاركة هؤلاء؟، وما هو السر في قبول أولئك؟

إجابة واضحة:

ونحن في مقام الإجابة على ذلك نشير إلى النقاط التالية:

أ: إن هؤلاء الأشخاص، وهم النخبة الخيِّرة، والطليعة الواعية، من صحابة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى رأسهم سيدهم، وأميرهم، وقائدهم علي عليه السلام.. قد رباهم الإسلام، وذابوا وانصهروا في تعاليمه، ولم

ــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة، للمعتزلي الخنفي ج1 ص219 / 220 وج2 ص51 / 52.

(2) استدل بذلك المعتزلي الحنفي في شرح نهج البلاغة ج18 ص39 واستنتج: أن هؤلاء لم يكونوا من المعارضة، وإلا لما شاركوا في السلطة.


(65)

يكن يهمهم إلاّ رضا الله سبحانه، وظهور الدين، وفلج الحق، ولا يغضبون إلا لله تعالى، ولا يرضون إلا لرضاه، مهما كان ذلك صعباً، ومراً بالنسبة إليهم..

وإذا كان علي أمير المؤمنين عليه السلام على استعداد لتحمل الهجوم عليه في بيته، وضرب زوجته، وهي بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإسقاط جنينها، وإستصفاء أموالها ـ بل لقد روي أن عثمان قد ضرب علياً نفسه مباشرة (1) ـ إلى غير ذلك مما واجهه عليه السلام، من الإهانات الكثيرة، والرزايا الخطيرة، مما هو معروف، ومشهور ومسطور.

إذا كان علي عليه السلام على استعداد لتحمل ذلك.. فانه هو نفسه ذلك الذي يشهر سيفه بعد خمس وعشرين سنة من تحمل الظلم، ويخوض الحروب الطاحنة، التي تستأصل عشرات الألوف من الناس.

ما ذلك إلا لأنه رأى في السكوت أولاً رضا الله سبحانه؛ فيرضى به؛ ويقول: لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ويرى في الحرب أخيراً عملاً بالتكليف الشرعي، فلا يتوانى فيه؛ ولا يتردّد..

وكذلك الحال بالنسبة لهؤلاء الصفوة الأخيار من أصحابه عليه السلام، فإنهم لا يقدمون إلاّ على ما يرون فيه رضا الله سبحانه، وظهور دينه، وصلاح عباده..

ب: وبعد.. فان علياً عليه الصلاة والسلام، وأصحابه الأكارم رضوان الله تعالى عليهم يرون: أن الإسلام يرفض السلبية، من أجل السلبية نفسها؛ فإنها تعني العجز، والانهزامية، والهروب من مواجهة الواقع، وتحمل مسؤولياته، لان هذه سلبية مضرة وهدامة، وممقوتة.

كما أن هؤلاء الصفوة لا يرون في الحكم مكسباً شخصياً، ولا مطلباً فردياً، لابد من التضحية بكل شيء من أجله، وفي سبيله، وإنما يرون فيه مسؤولية،

ــــــــــــ

(1) الموفقيات ص 612 القسم الضائع من الموفقيات. وشرح النهج للمعتزلي ج9 ص16.


(66)

وفرصة لتحقيق رضا الله سبحانه بخدمة عباده، ورعايتهم وهدايتهم.

ويرون كذلك: أن الايجابية هي أساس الحياة، ورائد العمل، وطريق النجاة.. وحتى حينما يتخذون بعض المواقف، التي تكون سلبية بظاهرها، فإنما تكون سلبية من موقع المسؤولية، يراد لها: أن تتمخض عن إيجابية بنّاءة وخيِّرة، تعود بالخير وبالبركات، حينما يقصد منها: أن تكون أسلوباً لتذليل الصعوبات، وإزالة الموانع من طريق العمل والعاملين.

ولأجل ذلك: نجد أمير المؤمنين عليه السلام، الذي ذاق الأمرين، من غصب حقه، والهجوم على بيته، ومنع زوجته إرثها ونحلتها من أبيها.. إلى كثير من الإهانات والموبقات الكثيرة التي ارتكبت في حقه صلوات الله وسلامه عليه، من قبل الذين بيدهم أزمة الأمور بالفعل، الأمر الذي يجعل الجميع يتوقعون منه السلبية المطلقة في تعامله مع هؤلاء الذين غصبوه حقه، وصغروا عظيم منزلته على حد تعبيره.

نعم.. إننا نجده عليه السلام يخالف كل التوقعات، ويتجاوز جميع التصورات، فهو يهتم بإقامة علاقات مع نفس هؤلاء الغاصبين، تكاد تكون طبيعية، ويشارك في كثير من الأمور بمستوى معين، ويقدم لهم النصح، ويعطي رأي الإسلام الأصيل في كل كبيرة وصغيرة، كلما أمكنته الفرصة، ووجد إلى ذلك سبيلاً، ولا يألوا جهداً في تقديم العون لهم في كل ما فيه نصرة للدين، وخير ومصلحة المسلمين.. ولعلهم كانوا غير راغبين كثيراً بالاستجابة لمبادراته هذه..

ثم هو يعطي الضابطة لمسلكيته هذه، حين يقول:

«.. فوالله، لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ علي خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه» (1).

ــــــــــــ

(1) نهج البلاغة بشرح عبده ج1 ص120 / 121، الخطبة رقم 71.


(67)

ولكن هذه المعونة وتلك المشاركة.. قد رافقها الحفاظ على أصالة خطه الرسالي، ومواصلة إظهار المظلومية، والشكوى من انحرافهم عن الجادة، ومخالفتهم للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم..

نعم.. وهذه هي المشاركة البنّاءة، والتي هي في خط الرسالة وخدمة لها.

وأما حين تكون المشاركة إمضاءً لممارسات الحكم اللامشروعة، وسبباً، أو فقل: عاملاً مساعداً في تركيز الانحراف، وفي زيادة البعد عن الخط الإسلامي الأصيل.. وحيث يصبح الإنسان أداةً بيد الحكم، يستفيد منها لتكريس انحرافاته، وتبرير أخطائه، أو يتخذ منه واجهة تختفي وراءها شتى أنواع الفساد والظلم، والهرطقة، واللادينية.. فان هذه المشاركة تصبح خيانة للأمة، وللدين، ولإنسانية الإنسان، مهما كان ذلك الرجل شريفاً، ونبيلاً في نفسه، ومستقيم الطريقة في سلوكه الشخصي، وفي ملكاته النفسية الخاصة..

ولأجل ذلك نجد الأئمة عليهم السلام، ليس فقط لا يشاركون في الحكم الأموي والعباسي، ولا يمدون لهما يد العون.. وإنما يعتبرون أدنى عون، أو تأييد له، حتى ولو بمثل أن يؤجّر الرجل جماله للحاكم؛ ليحج عليها، الأمر الذي يستلزم أن يحب بقاء ذلك الحاكم الظالم حياً، إلى حين انتهاء مدة الإجارة (1) يعتبرون حتى هذا القدر، من الذنوب الكبيرة، والجرائم الخطيرة، التي لا يمكن التساهل فيها، أو الإغضاء عنها..

ج: وأما في صدر الإسلام، حيث دور التأسيس، وتركيز وتعميق القيم والمفاهيم الإسلامية الحقة، والأساسية، وحيث كان لابد من تأصيل الأصول، ونشأة العقائد وتكونها، الأمر الذي يستدعي طرح وتركيز العقائد الصحيحة، ورعايتها، والحفاظ عليها، وطرد كل ما هو دخيل، وغريب.. فان أي انحراف، أو تساهل، لسوف يترك أثره على اصل الإسلام وأساسه، ومفاهيمه ومبانيه،

ــــــــــــ

(1) اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي ص441 وقاموس الرجال ج5 ص127.


(68)

ولسوف لا يختص ذلك بجيل دون جيل، ولا بأمة دون أخرى، بل ستبقى تلك الآثار على مر الدهور، وفي جميع العصور.

وذلك يؤكد ضرورة وجود شخصية قوية وفاعلة، واضحة الاتجاه، سليمة الخط، لا تذوب في الآخرين، ولا تنفذ إرادات الحكم بصورة عمياء، بل تزن كل شيء بميزان الحق والشرع، وعلى أساس ذلك يكون الرفض أو القبول..

ثم يسجل التاريخ ذلك، إلى أن يأتي اليوم الذي تعي فيه الأمة أحداث الماضي، وتصبح قادرة على وضع الأمور في نصابها، وتجد الدوافع، وتتهيأ الظروف للتعرف على الإسلام الحقيقي، ولو بصورة تدريجية، كما حصل ذلك، ولا يزال يحصل بالفعل..

د: ولا يتأتى القيام بهذه المهمة، إلاّ بشيء من المرونة والايجابية، ضمن حدود، وبالمقدار الذي لا تضيع معه معالم الخط السياسي الأصيل، ولا تذوب فيه هذه الفئة الصالحة، ولا تستهلك أفكارها ورؤيتها في خضم التيار، وإنما تطرح نفسها، وأفكارها، وطروحاتها الواقعية، التي تختزل التيار، وتحتويه؛ ليكون تياراً واعياً ومسؤولاً، ولو على المدى البعيد، بعد حين..

وإذا كانت سياسة الحكم والحكومات، قد كانت تتجه إلى إيجاد بدائل لأهل البيت، ولصحابتهم الأخيار، الذين كانوا علماء الأمة، وأكابر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والذين كان لأقوال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيهم، وفي بيان فضلهم، وعلمهم، وتقواهم، أثر كبير في توجيه الناس نحو الأخذ والاستفادة منهم، واتخاذهم قدوة وأسوة، فان السلطة، والقرشيين بالذات، قد عملت على أن ينسى الناس أهل البيت، وكل الأخيار، من أصحابهم، وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.. ليحل محلهم آخرون، ينسجمون مع طروحات الحكم وطموحاته.. فكان أن مجدوا هؤلاء البدائل وعظموهم وأطروهم، بما لا مزيد عليه، حتى ليخيل للناظر:


(69)

أن هؤلاء، وهؤلاء فقط، هم شخصيات الإسلام، ورجالاته، وعظماء الأمة وروادها.

مهما كانوا ـ في واقع الأمر ـ منحرفين عن الإسلام وجاهلين بأحكامه، وبعيدين عن مفاهيمه وتعاليمه..

حتى لقد نسي الناس أهل البيت، وخبت نارهم، وانقطع صوتهم وصيتهم، وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الحقيقة، وهو يتحدث عن الفتوحات، التي لولا مشاركة الأخيار من الصحابة فيها، لكانت وبالاً على الدين، وشراً على المسلمين. ولكن مشاركة هؤلاء قد هيأت الفرصة لتعرف الكثيرين من غير العرب على تعاليم الإسلام، بل لم تمض بضعة عقود من الزمن حتى أصبح علماء وفقهاء الإسلام، ومفكروه من نفس هؤلاء الذين كان الحكم يريد أن يستعبدهم، ويتخذهم خولاً وأموالهم دولاً كما سنرى..

نعم لقد أشار أمير المؤمنين إلى هذه الحقيقة، وهو يتحدث عن هذه الفتوحات؛ فقال: «فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف» (1).

ويكفي أن نشير هنا: إلى مكانة وموقع الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام في الأمة، هي من الأمور الواضحة، التي لا يكاد يجهلها أحد، وكانت الأمة قد سمعت ورأت الكثير من أقوال ومواقف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تجاههما.. ورغم أنهما قد عاشا بعد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم حوالي أربعين إلى خمسين سنة أو أكثر، فإننا لا نجد فيما بأيدينا من نصوص إلاّ ما ندر وشذ: أنهما قد سئلا، أو نقل عنهما شيء من أمور الفقه، والمعارف

ــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ج20 ص299.


(70)

الإسلامية.. رغم أنهما كانا يعيشان مع الناس، ويتعاملان معهم، وكانت الأمة تعرف موقعهما ومكانتهما وحقهما.

هذا مع أن الجهل بالإسلام وبتعاليمه قد بلغ حداً جعل أمير المؤمنين عليه السلام يعتبر: أنه لم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، ومن الدين إلا رسمه.

كما أن البعض قد أوضح أنه لم يبق من الدين إلاّ الأذان بالصلاة، إلى غير ذلك من نصوص ذكرنا شطراً منها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في تمهيد الكتاب ـ.

وخلاصة الأمر: أن سياسة الحكام وقريش بالذات كانت هي إبعاد أهل البيت عليهم السلام والأخيار من صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الساحة، وإيجاد بدائل عنهم في مختلف المجالات.

وقد كانت مصلحة الإسلام تقضي بمقاومة هذه السياسة وإفشالها، ولا أقل من إبقاء صوت أهل البيت، والخلَّص من رجالات الإسلام، الذي هو صوت الدين والحق والخير، بحيث يسمعه الناس البسطاء، الذين يسعدهم أن يسمعوا شيئاً عن نبيهم، ويعرفوا ما جاء به، إذ لماذا يسمعون فقط من صنائع الحكم ومن أصحاب الأهواء والمآرب السياسية وغيرها، من أمثال سمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وكعب الأحبار، وابن سلام، وأبي هريرة، والوليد بن عقبة وغيرهم؟ !

نعم.. لماذا يسمعون فقط من هؤلاء ويتركز في أذهانهم مفهوم خاطىء، وهو أن هؤلاء يمثلون النموذج الحي لتربية الإسلام وهم المصدر لمعارفه وتعاليمه؟ !

ولماذا لا يتعرفون على عمار بن ياسر، وعلى سلمان، وغيرهما من أخيار الصحابة، وأبرار الأمة وعلماء الإسلام الحقيقيين؟! وليرجع الناس إلى فطرتهم، وإلى عقولهم، فإنهم لسوف يكونون قادرين ـ ولو بعد حين ـ على التمييز، والتعرف، ثم


(71)

اختيار العلماء الحقيقيين، والأخيار، والابتعاد عن المزيفين، أصحاب الأهواء، ووعاظ السلاطين، الذين هم صنائع الحكم والحاكمين.

وأمّا بعد أن تأسّس أساس الإسلام، واتضحت معالمه، وظهرت شرائعه وأحكامه كما هو الحال في زمن الأمويين والعباسيين، فان المشاركة في الحكم لا تعني إلا الإعانة على الظلم والانحراف، وتبرير جرائم الحكم والحكام، والموبقات التي يرتكبونها.. وليكون هؤلاء الواجهة التي تختفي وراءها كل المفاسد، والمعول الذي يهدم به أساس الإسلام، وإذن.. فلا تجوز المشاركة، ولا مدّ يد العون لهم، ولو بمثل أن يكري الرجل جمله للحاكم ليحج عليه.. اللهم إلاّ أن يكون في موقع حساس يسمح له بأن يقوم بخدمة كبرى للإسلام وللمسلمين، كأن يمنع من استئصال شأفة المؤمنين، ويحفظ لهم ولو الحد الأدنى من وجودهم، إما مباشرة، أو بأن يكون في مركز يخوله الاطلاع على خطط الحكم ومؤامراته، ليمكن مواجهتها بالموقف المرن والمسؤول، ومن موقع الوعي والحذر..

هذا كلّه.. بالنسبة لمشاركة هؤلاء في الحكم.. وأما بالنسبة لإشراك الحكام لهؤلاء فيظهر: أنه كان لأهداف غير حميدة، ولعل المراد إسكاتهم، أو تلويثهم، أو إظهار مشروعية حكمهم.. إلى غير ذلك من أهداف، لسنا هنا بصدد تتبعها ولعل فيما ذكرنا ـ حول أهداف المأمون من تولية الإمام الرضا عليه السلام العهد بعده ـ ما يفيد في هذا المجال.

بل لقد قال ابن شهرآشوب: «كان عمر وجّه سلمان أميراً إلى المدائن، وإنما أراد له الختلة، فلم يفعل إلاّ بعد أن استأذن أمير المؤمنين، فمضى فأقام بها إلى أن توفي، وكان يحطب في عباءة يفترش نصفها.. الخ» (1).

ـــــــــــــ

(1) الدرجات الرفيعة ص215.


(73)

الباب الثاني
سياسات.. ونتائج..

(75)

الفصل الأول: في مواجهة التحدّي

(77)

بداية:

التمييز العنصري معناه: أن يُعطى أحد امتيازاً على أساس العرق، أو اللون، أو ما إلى ذلك، ويحرم الآخرون، أو يظلمون على هذا الأساس أيضاً..

وهو من الأمور القبيحة، التي ترفضها الفطرة، ويدينها العقل، ويأباها، وينكرها الوجدان، حتى من قبل الكثيرين، من الذين يمارسونه عملاً، ويحاولون إعطاءه طابعاً تضليلياً، أو لوناً حضارياً خادعاً..

وليس التمييز العنصري هذا بالأمر الجديد، والمستحدث، وإنما هو قديم، قديم، حتى لقد أعطي صفة القداسة، والبس لباس الشرعية، حينما اعتبره اليهود، أحد تعاليمهم الدينية الأساسية، التي يتعاملون مع الآخرين على أساسها..

الإسلام يرفض سياسة التمييز العنصري:

إن من الواضح: أن رأي الإسلام الواقعي هو أنه ليس لعربي على أعجمي فضل إلاّ بالتقوى، كما قرره نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجة الوداع (1).

ــــــــــــ

(1) العقد الفريد ج3 ص404 و408 وتاريخ اليعقوبي ط النجف ج2 ص91 ومجمع الزوائد ج3 ص 366 و272 وزاد المعاد ج2 ص226 والغدير ج6 ص188 والبيان والتبيين ج2 ص33.


(78)

كما أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد اعتبر أن كل: من ولد في الإسلام فهو عربي، ومن دخل في الإسلام طوعاً فهو مهاجري (1) ورويت الفقرة الأولى التي تشير إلى معيار العروبة للإنسان عن الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام (2).

وعن أبي هريرة، رفعه، قال: «من تكلم بالعربية فهو عربي ومن أدرك له أبوان (أو اثنان) في الإسلام، فهو عربي (3).

وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنه صعد المنبر يوم فتح مكة، وقال: «أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها. إلا إنكم من آدم، وآدم من طين. ألا إن خيار عباد الله عبد اتّقاه، إن العربية ليست بأب والد، ولكنها لسان ناطق، فمن قصر به عمله، لم يبلغه حسبه.. الخ»(4).

وسيأتي في جواب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقيس بن مطاطية قوله: من تكلم بالعربية فهو عربي..

وعن أنسب بن مالك، قال:

«كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم موليان: حبشي، وقبطي؛ فاستبّا يوماً؛ فقال أحدهما: يا حبشي. وقال الآخر: يا قبطي.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا تقولوا هكذا.. إنما أنتما رجلان من آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم (5).

وبعد.. فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(6).

ــــــــــــ

(1) راجع: الجعفريات ص185 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص207 عنه ومستدرك وسائل الشيعة ج2 ص268 عن روضة الكافي.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم ص168.

(3) المصدر السابق.

(4) الكافي ج8 ص246 والبحار ج21 ص137 و138.

(5) المعجم الصغير ج1 ص207.

(6) الحجرات 13.


(79)

وقد علمنا: أن رسول الله قد قال عن سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت.

ثم إنه قد ورد النهي للصحابة عن أن يقولوا: سلمان الفارسي، ولكن قولوا سلمان المحمّدي..

إلى غير ذلك من نصوص ومواقف معبرة وصريحة في هذا الأمر، ولا مجال لتأويلها، ولا للتلاعب فيها.. وهي كثيرة جداً لا طاقة لنا بجمعها وإحصائها في عجالة كهذه..

التمييز العنصري بين الجبر والاختيار:

وإذا كان معنى التمييز العنصري هو: أن يجعل العرق، أو اللون، أو الطبقة، أو نحوها أساساً للتمييز والتفاضل بين البشر، فبملاحظته يستحق هذا امتيازاً؛ فيعطى له، ولا يستحقه ذاك، فيحرم منه ـ إذا كان كذلك ـ.

فإن من الواضح.. أن هذا أمر يأباه العقل، وترفضه الفطرة، ويدينه الوجدان، لأن الإنسان أغلى من كل شيء في الوجود، لان كلّ شيء مخلوق من أجله ومسخّر له، فلا يصح أن نضحي بإنسانية الإنسان وبكرامته من أجل أي شيء آخر مهما غلا فكيف إذا كان تافهاً وحقيراً، من قبيل اللون، والعرق، والجغرافيا، وما إلى ذلك..

أضف إلى ذلك: أن اللون، أو العرق، ليسا من الأمور الاختيارية، التي تساهم إرادة الإنسان في صنعها، وإيجادها. كي تدفعه في حركته الدائبة نحو الحصول على خصائصه، وكمالاته الإنسانية، وباتجاه هدفه الأسمى، الذي وجد من أجله..

كما أنهما لا يحلان للإنسان أية مشكلة، ولا دور لهما في تغلبه على المصاعب والمتاعب، ولا في إزالة العوائق، التي تعترض طريق تقدمه، نحو هدفه المنشود..

وكذلك فإنهما لا يساهمان في سعادة الإنسان بالحياة، فلا يجعلانه يلتذ بها،


(80)

ويأنس، أو يتعب من أجلها ويضحي، أو يأمل بها ويطمح.. وما إلى ذلك..

ومن هنا.. فقد كان من الطبيعي أن يرفض الإسلام إعطاء الامتيازات، وتفضيل الناس، بعضهم على بعض على أساس العرق أو اللون، أو غير ذلك مما لا خيار فيه للإنسان، ولا هو خاضع لإرادته.

ولكنه جعل التفاضل بين الناس في أمر يمكن أن يكون له دور رئيس في تكاملهم، وفي تحقيق سعادتهم، ويؤثر في حركتهم الدائبة نحو هدفهم الأسمى.. وهو في نفس الوقت أمر اختياري للإنسان، يمكنه، أن يحصل عليه، ويمكنه أن لا يحصل عليه.. ألا وهو التقوى، والعمل الصالح، والسجايا الفاضلة، والعلم النافع المعطاء؛ فقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (1).

وقال: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}(2).

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}(3).

وقال: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ}(4).

وقال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ}(5).

وقال: {قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}(6).

إلى غير ذلك من آيات كثيرة، لا مجال لإيرادها هنا..

وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلاّ بالتقوى (7).

وإذا كان كل ما تقدم هو المنطلق للتفاضل، والحصول على الامتيازات والأوسمة؛ فان من شأنه: أن يقود الإنسان نحو الكمال، ويجعل التسابق باتجاه

ــــــــــــ

(1) الحجرات 13.

(2) الزمر 9.

(3) إبراهيم 24.

(4) إبراهيم 26.

(5) النساء 95.

(6) المائدة 100.

(7) مجمع الزوائد ج3 ص266 و272 والبيان والتبيين ج2 ص33 والعقد الفريد ج3 ص408 والغدير ج6 ص187 / 188 عن عدد من المصادر.


(81)

كل ما هو خير، وصلاح، وفلاح: «فاستبقوا الخيرات» (1) «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض» (2) «ومنهم سابق بالخيرات» (3).

نعم.. وهذه هي الحركة الطبيعية، التي تنسجم مع فطرة الإنسان السليمة والصافية، ومع طموحاته الواقعية، وأمانيه الواسعة، وآماله العراض..

سلبيات ظاهرة:

وبعد.. فان من أبسط نتائج سياسات التمييز على أساس: الطبقة، والدم واللون، والعرق، واللغة، والبلد، وو.. الخ.. هو ظهور نزعات الكراهية بين الناس، وسحق كراماتهم بلا مبرر معقول، وتضييع حقوقهم الإنسانية، دونما سبب، ومعاملتهم بطريقة شاذة، لا يقرها شرع، ولا عقل، ولا ضمير..

وبدلاً من أن يكون المؤمنون إخوة، يتعاونون على الخير، وتسودهم روح المحبة، والمودة والوئام، ويشد بعضهم إزر بعض في مجال التغلب على مصاعب الحياة، وتجنب شدائدها، ويكون كل منهم مكملاً للآخر، ومن أسباب قوته، وعزه، وسعادته..

نعم.. بدلاً من ذلك.. يصبحون أعداء متدابرين، يعمل كل منهم على هدم الآخرين، واستغلال طاقاتهم، وإمكاناتهم، والاستئثار بها، وتقويض سعادتهم، وتبديد قدراتهم. تسودهم روح الضغينة والحقد، بأسهم بينهم شديد، ومخيف.

ويصبح اللون، والعرق، واللغة، والطبقة وو.. الخ، وسيلة تستخدم في سبيل تجزئة الناس وتمزيقهم، بدلاً من جمعهم وتوحيدهم، وذلك بالتركيز على الفوارق والمميزات التافهة، والعقيمة، وتجاهل موارد الاشتراك، والوفاق،

ــــــــــــ

(1) البقرة 148 والمائدة 48.

(2) آل عمران 133.

(3) فاطر 32.


(82)

وهي الأجدر والأجدى، والأحق بالاهتمام والعناية، لأنها الأسمى، والأنفع، والأصح، والأكثر أصالة، والأبعد أثراً في تكامل الإنسان وسموه، وتذليل كل العقبات، التي تعترض طريقه في حياته..

سلمان في مواجهة التمييز العنصري أيضاً:

1 ـ «أسند الإمام مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، فقال:

هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل، فما بال هذا؟

فقام إليه معاذ بن جبل، فأخذ تلبيبه، ثم أتى به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأخبره بمقالته. فقام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قائماً.. يجر رداءه، حتى أتى المسجد، ثم نودي: إن الصلاة جامعة [فحمد الله، وأثنى عليه].

وقال: يا أيها الناس، إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية؛ فهو عربي.. الخ» (1)..

2 ـ وأخرج أيضاً عن أبي هريرة، أنه قال: تخطى سلمان الفارسي حلقة قريش، وهم عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مجلسه؛ فالتفت إليه رجل منهم فقال: ما حسبك؟ وما نسبك؟ وبم اجترأت أن تتخطى حلقة قريش.

قال: فنظر إليه سلمان؛ فأرسل عينيه؛ وبكى، وقال: سألتني عن حسبي، ونسبي، خلقت من نطفة قذرة، أما اليوم ففكرة وعبرة، وغداً جيفة منتنة، فإذا

ــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص200 وحياة الصحابة ج2 ص523 عن كنز العمال ج7 ص46 والمنار ج11 ص258 ـ 259 واقتضاء الصراط المستقيم ص169 عن السلفي.


(83)

أنشرت الدواوين، ونصبت الموازين، ودعي الناس لفصل القضاء؛ فوضعت في الميزان، فان أرجح، فأنا شريف كريم، وان انقص الميزان؛ فانا اللئيم الذليل، فهذا حسبي، وحسب الجميع، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: صدق سلمان، من أراد أن ينظر إلى رجل نوّر قلبه، فلينظر إلى سلمان (1).

ويلاحظ هنا: أن هذه القضية تشبه كثيراً، ما سيأتي في سبب قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: سلمان منّا أهل البيت، لكن هذه العبارة لم تذكر فيها.. والمناسب ذكرها، فان من الطبيعي أن يغضب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من كلام ذلك القرشي الجافي، وينتصر لسلمان بأكثر من هذه الكلمة الهينة اللينة، المذكورة في آخر الرواية..

«وأخرج أيضاً من طريق البيهقي، وعبدالرزاق، عن قتادة، قال:

كان بين سعد بن أبي وقاص وسلمان شيء؛ فقال سعد، وهم في مجلس: انتسب يا فلان، فانتسب، ثم قال: للآخر: إنتسب. فانتسب.. حتى بلغ سلمان. فقال: انتسب يا سلمان، فقال: ما أعرف لي أبا إلا الإسلام، ولكن سلمان بن الإسلام، فنمي ذلك إلى عمر. فقال عمر لسعد: انتسب. فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، وكأنه عرف. فأبى أن يدعه حتى انتسب، ثم قال للآخر، حتى بلغ سلمان، فقال: انتسب، فقال: انعم الله علي بالإسلام؛ فأنا ابن الإسلام.

فقال عمر: قد علمت قريش: أن الخطاب كان أعزهم في الجاهلية، وأنا عمر بن الإسلام، أخو سلمان بن الإسلام أما والله، لولاه لعاقبتك عقوبة يسمع بها أهل الأمصار.. الخ» (2).

4 ـ وثمة نص يفيد: أن سلمان المحمدي قد تعرض لمحاولة تحقير وامتهان من

ــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص200 وراجع البحار ج22 ص355 عن أمالي الصدوق.

(2) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص205 والمصنف ج1 ص438.


(84)

قبل البعض، فانتصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم له، وأدان المنطق الجاهلي والتعصب القبلي بصورة صريحة.. تقول الرواية:

«إن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ دخل مجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات يوم؛ فعظموه، وقدموه، وصدروه؛ إجلالاً لحقه، وإعظاماً لشيبته، واختصاصه بالمصطفى وآله..

فدخل عمر؛ فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب؟

فصعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المنبر؛ فخطب، فقال:

إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى. سلمان بحر لا ينزف، وكنز لا ينفد، سلمان منّا أهل البيت.. الخ (1).

وقفات:
الأولى: سلمان منّا أهل البيت:

لعل هذه الرواية الأخيرة ليست بعيدة عن الحقيقة؛ فان عمر بن الخطاب كان يجهر بتفضيل العرب على العجم، وكانت سياسته في خلافته تسير في هذا الاتجاه، وستأتي قصة امتناعه من تزويج سلمان، وسنشير إلى نبذة من سياساته تجاه غير العرب في فصل مستقل، إن شاء الله تعالى.

ولأجل ذلك، فنحن نستبعد الرواية التي تذكر أن السبب في إطلاق كلمته صلّى الله عليه وآله وسلّم الشهيرة:

سلمان منّا أهل البيت.

أنه حين اشتغال المسلمين بحفر الخندق، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله

ــــــــــــ

(1) الاختصاص ص 341 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص29 والبحار ج22 ص348.


(85)

وسلّم قد قطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، يعملون فيها، وكان سلمان قوياً في عمله، احتج المهاجرون والأنصار.

فقال المهاجرون: سلمان منّا.

وقال الأنصار: سلمان منّا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: سلمان منّا أهل البيت (1).

ورواية أخرى تقول:

إنه حين حفر الخندق، وكان المسلمون ينشدون سوى سلمان، رأى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك؛ فدعا الله: أن يطلق لسان سلمان، ولو ببيتين من الشعر، فأنشأ سلمان ثلاثة أبيات:

مالي لسان فأقـول شعرا * أسـأل ربـي قـوة ونصرا

على عدوي وعدو الطهرا * مـحمّد الـمختار حاز الفخرا

حتى أنال في الجنان قصرا* مع كل حوراء تحاكي البدرا

فضج المسلمون، وجعل كل قبيلة يقول: سلمان منّا.

فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: سلمان منّا أهل البيت (2).

نعم.. إننا لنستبعد ذلك، ونميل إلى صحة الرواية المتقدمة حول موقف عمر من سلمان.. وذلك بسبب النهج الذي عرفناه عن الخليفة الثاني، في معاملته لغير العرب، والروح العدائية التي كانت تملي عليه مواقف سلبية وقاسية ضدهم، كما سيتضح في فصل مستقل يأتي إن شاء الله تعالى..

ــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج4 قسم 1 ص59، وراجع: اُسد الغابة ج2 ص331 وذكر أخبار أصبهان ج1 ص54 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص200 ونفس الرحمن ص34 / 35 عن مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: اللّهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء. وعن السيرة الحلبية، ومستدرك الحاكم ج3 ص598.

(2) راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج1 ص85 وقاموس الرجال ج4 ص424 عنه والدرجات الرفيعة ص218 ونفس الرحمن ص43. ويلاحظ ما في الأبيات من الهنات..


(86)

هذا بالإضافة إلى أن هذا الذي ذكروه في سبب إطلاق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كلمته الخالدة، لا يعدو عن أن يكون أمراً عادياً، بل وتافهاً، لا يبرر هذا الموقف منه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ولعل الهدف من إيراد أمور كهذه هو التقليل من قيمة هذا الوسام العظيم، الذي شرفه صلّى الله عليه وآله وسلّم به..

إذ أن ذلك لا يعدو عن أن يكون قضية الاستفادة من قوة سلمان البدنية، في حفر الخندق، هي محل تنافس الفرقاء، وما كان من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ أن بادر إلى حسم النزاع، بأسلوب تحويل سلمان إلى القسم الذي كان صلّى الله عليه وآله وسلّم يعمل هو وأهل بيته فيه؛ فكانت تلك الكلمة إيذاناً بذلك..

ولأجل ذلك؛ فان هذه الكلمة تفقد قيمتها، وأهميتها، وواقعيتها.. ولا يبقى مبرر لما نلاحظه في كلمات أئمة أهل البيت عليهم السلام من التركيز على هذا الوسام العظيم، وتأكيد واقعيته ومصداقيته فيه رضوان الله تعالى عليه..

ونفس هذا الكلام تقريباً يأتي فيما يقال عن تنازعهم في سلمان، حينما قال الشعر، على النحو الذي ذكرناه فيما سبق.

لان إطلاق هذه الكلمة منه صلّى الله عليه وآله وسلّم في مناسبة كهذه، تجعل سلمان جزءاً من فئة تحسن التكلم باللغة العربية، وتحب أن تكرمه، لأنه نطق بلغتها، لا لأجل علمه، أو دينه، ولا لغير ذلك من صفات الخير والصلاح فيه..

حنبلي يثبت العصمة لسلمان !!:

قال محيي الدين ابن العربي الحنبلي:

«.. فلا يضاف إليهم إلاّ مطهر، ولابدّ أن يكون كذلك، فان المضاف إليهم هو الذي يشبههم؛ فلا يضيفون لأنفسهم إلاّ من حكم له بالطهارة والتقديس.


(87)

فهذه شهادة من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لسلمان الفارسي بالطهارة، والحفظ الإلهي، والعصمة؛ حيث قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

سلمان منّا أهل البيت.

ذلك أن قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: سلمان منّا أهل البيت لم يجعله من أهل البيت حقيقة ونسباً؛ فان الاتصال نسباً لا يكون إلاّ بأسبابه المقررة في محله، وإذن.. هو منهم تنزيلاً: لتشابه الصفات، بعضها، أو كلها، تلك الصفات التي يمكن أن تجعله من الملهمين.

وشهد الله لهم بالتطهير، وذهاب الرجس عنهم؛ فهم المطهرون، بل عين الطهارة. وهم المطهرون بالنص؛ فسلمان منهم بلا شك.. فكان من أعلم الناس بما لله على عباده من الحقوق، ولأنفسهم، والخلق عليهم من الحقوق، وأقواهم على أدائها، وفيه قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

لو كان الإيمان بالثريا لناله رجل من فارس، وأشار إلى سلمان..» (1).

الوقفة الثانية: دفاع عمر عن سلمان:

هذا.. وإذا عدنا إلى الرواية الثالثة المتقدمة، فنجدها قد ذكرت: أن عمر قد دافع عن سلمان في قبال سعد..

وهذا أمر يثير العجب من ناحيتين:

الأولى: أن عمر قد وصف أباه الخطاب بأنه: كان أعزّهم في الجاهلية..

مع أننا قلنا في الجزء الثاني من كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله (الطبعة الأولى 1403) ص58 / 59 و96 ـ 100: أن هذا الكلام لا يصح، وأنهم كانوا أقل وأذلّ بيت في قريش..

ــــــــــــ

(1) سلمان الفارسي للسبيتي ص40 ونفس الرحمن ص32 كلاهما عن: الفتوحات المكية.


(88)

بنو عدي في الجاهلية:

ويكفي أن نذكر هنا:

أ: أنهم يقولون: إنه لم يكن في بني عدي سيد أصلاً (1).

ب: أن عمر بن الخطاب نفسه يعترف بذلك، ويقول: «كنا أذلّ قوم؛ فأعزنا الله بالإسلام» (2).

ج: وفي رسالة من معاوية إلى زياد بن أبيه، يذكر فيها أمر الخلافة، فيقول:

«.. ولكن الله عزّ وجلّ أخرجها من بني هاشم، وصيرها إلى بني تيم بن مرة، ثم خرجت إلى بني عدي بن كعب، وليس في قريش حيان أذل منهما ولا أنذل الخ» (3).

د: وقال أبو سفيان حين فتح مكة; حين رأى عمر بن الخطاب، وله زجل: «.. لقد أمِرَ أمرُ بني عدي، بعد ـ والله ـ قلة، وذلة الخ..» (4).

هـ: وقال عوف بن عطية:

وأما الألأمان: بنو عدي * وتيم حين تزدحم(5) الأمور

فلا تشهد بهم فتيان حرب * ولكن أدن من حلب وعير(6)

ــــــــــــ

(1) المنمق ص146.

(2) مستدرك الحاكم ج1 ص61 و62 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصححه على شرط الشيخين.

إلا أن يقال: إن مقصوده: هو أن العرب كانوا أذل أمة بين الأمم المجاورة، ولكنه احتمال بعيد، فانه قد عنف أبا عبيدة، باعتبار أن غيره لو قال هذا ـ أي طلب منه أن لا يقوم بعمل فيه مهانة ـ، لكان له وجه.. أما أن يقوله أبو عبيدة العارف بالحال والسوابق، فانه غير مقبول منه. راجع: نفس النص في مصدره.

(3) كتاب سليم بن قيس ص140.

(4) مغازي الواقدي ج2 ص821 وكنز العمال ج5 ص295 عن ابن عساكر، عن الواقدي.

(5) لعل الصحيح: مزدحم، بالميم؛ ليضاف إلى ما بعده، فيناسب البيت التالي.

(6) طبقات الشعراء لابن سلام ص38.


(89)

الثانية: إدانة سعد غير واقعية:

وبالنسبة إلى إدانة عمر لسعد، في محاولته تحقير سلمان؛ فلا نراها تنسجم مع سائر مواقف عمر، وتوجهاته، وسياساته مع غير العرب، وحتى مع سلمان بالذات، الذي لم يقبل عمر: أن يزوجه حينما خطب إليه، بسبب أنه غير عربي.. وسنذكر نبذة من سياسات عمر هذه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.

ومن هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى القول: إن تقريض عمر لأبيه الخطاب قد جاء على سبيل الافتخار بأمر نسبي، فعل الخطاب أبا عمر كان أعز من سلف سعد مثلاً، أو لعله قد استفاد من هيبة الخلافة، وسلطان الحكم؛ فادعى ذلك؛ ليرضي سلمان وغيره، ممن لا يرتاحون لمنطق سعد، المخالف للإسلام.

مع اطمينانه بأن سلمان، الذي لم يكن قد عاش في المنطقة العربية، في زمن الجاهلية، وأوائل البعثة، كان لا يعرف حقيقة الأمر في هذا المجال.. بالإضافة إلى علم الخليفة بعدم جرأة أحد على الرد عليه، وتفنيد مزاعمه.

وقد تكون هذه العبارة قد دست في الرواية، بهدف إبعاد الشبهة عن الخليفة في سائر مواقفه من سلمان بالذات، ومن غير العرب بصورة عامة.

والله هو العالم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآل..

هذه الرواية وسياسات الخليفة:

ولكن المهم هو: أن هذه الرواية قد تبدو منافية لما عرف وشاع، وذاع من مواقف للخليفة الثاني تجاه غير العرب، والتي كانت تقضي بحرمان غير العرب من كثير من الحقوق الإنسانية والإسلامية على حد سواء.

ولكننا نقول:

إن من الطبيعي: أن لا يقدم الخليفة في أوائل أمره على تطبيق سياساته تلك، ويتحاشى الجهر في ذلك، بانتظار استحكام أمره، وتثبيت حكمه. بل لم يكن ثمة داعٍ لإعلان تلك المواقف، وتطبيق هاتيك السياسات،


(90)

ما دام أنه لا توجد ضرورة لذلك، حيث لم يكن ثمة فتوح، ولا احتكاك للعرب بغير العرب، ووجود سلمان، وبلال، وصهيب مثلاً فيما بين ظهراني المسلمين قد بدأ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأصبح حقيقة واقعة، وأمراً مقبولاً، ومفروضاً من قبله صلّى الله عليه وآله وسلّم مباشرة..

وكان على عمر أن يتجنب الجهر بآرائه تلك في هذه المرحلة، ويقف من سعد ذلك الموقف، ولاسيما بالنسبة إلى سلمان «المحمّدي» الذي كان يحظى باحترام وتقدير كبير لدى الناس عامة، ولدى الصحابة بصورة خاصة بالإضافة إلى مكانته المتميزة لدى أهل البيت، وأمير المؤمنين علي عليه السلام على وجه التحديد.

وكفى للتدليل على هذه المكانة لسلمان، بسبب سلوكه المتميز، وبسبب ما صدر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حقه: أن نذكر: أنه لما زار سلمان دمشق.

«.. صلّى الإمام الظهر، ثم خرج، وخرج الناس يتلقونه، كما يتلقى الخليفة، فلقيناه قد صلّى بأصحابه العصر، وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، ولم يبق فيها شريف إلاّ عرض عليه بيته» (1).

كما أنه لما قدم سلمان إلى المدينة، قال عمر للناس: «اخرجوا بنا نتلق سلمان» فخرجوا معه إلى مشارف المدينة، ولم نعرف عمر صنع مثل هذا مع عامل من عماله، أو مع أحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، رغم أن سلمان قد اعترض على ما جرى في السقيفة، وقوله: «كرديد ونكرديد» معروف ومشهور عنه (2).

ــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج1 ص190، وأنساب الأشراف ج1 (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ص 487 / 488.

(2) راجع كتاب: سلمان الفارسي ص39 تأليف العلامة الشيخ عبد الله‏ السبيتي رحمه الله، ونفس الرحمن ص148 و149، والبحار ج22 وأشار إلى تلقّيه في: ذكر أخبار أصبهان ج1 ص56 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص205.


(91)

أي إنكم فعلتم أمراً وهو البيعة لأبي بكر، ولكن كأنكم ما فعلتم شيئاً، حيث لم يكن فعلكم في موضعه، كقولك لم يصدر منه أمر لا يؤثر شيئاً ما صنعت شيئاً (1).

وسيأتي أن ابن عمر قال لعمرو بن العاص، حين كانا يدبران الحيلة لصرف سلمان عن خطبته بنت عمر بن الخطاب: «.. هو سلمان ! وحاله في الإسلام حاله !!».

وعدا عن ذلك كله.. فلعل الخليفة الثاني في قوله هذا المناقض لمواقفه تلك يرى: أنه لابد من التفريق بين السياسة والموقف، وبين الإعلام له..

فحين يكون الإعلام مضراً بالموقف؛ فلا بد من تسجيل الموقف على الأرض، ثم تجاهله، أو إنكاره، وحتى تهجينه إعلامياً إن اقتضى الأمر، كما هو منطق سياسة أهل الدنيا، التي تستفيد من الحكم كوسيلة لنيل ما تصبوا إليه من مكاسب وامتيازات، على المستوى الشخصي، أو القبلي، أو الفئوي.

وأخيراً..

فان هناك رواية تقول: إن عمر بن الخطاب نفسه قد سأل سلمان عن نفسه، وذلك في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقال: أنا سلمان بن عبد الله‏، كنت ضالاً فهداني الله بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وكنت مملوكاً فاعتقني الله بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا حسبي ونسبي، ثم شكا سلمان ذلك إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«يا معشر قريش، إن حسب الرجل دينه ومروته، وأصله عقله، قال الله تعالى:

ــــــــــــ

(1) في بعض المصادر أنه قال: كرواذ وناكرواذ، أي عملتم، وما عملتم، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، راجع انساب الأشراف ج1 ص591.


(92)

«إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (1).

يا سلمان، ليس لأحدٍ من هؤلاء عليك فضل إلاّ بتقوى الله، وإن كان التقوى لك عليهم؛ فأنت أفضل» (2). أو نحو هذا..

وقد تقدم أن لعمر مواقف أخرى مع سلمان في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لها هذا الطابع أيضاً.

فلعل القضية قد حرفت لصالح الخليفة، وخدمة له، ولعل الخليفة نفسه قد وقف هذين الموقفين المختلفين سياسة منه وحنكة، وكانت سياسة بارعة وذكية، وما ذلك في الحياة السياسية للخليفة بعزيز، ولا نادر.

الوقفة الثالثة: أنا سلمان ابن الإسلام:

كثير من الحيوان يولد مستكملاً لخصائصه، التي تحقق هويته وحقيقته وذاته؛ فيمارس دوره في حدود ما أهل له بمجرد خروجه إلى عامل الدنيا.

أما الإنسان، فيولد فاقداً لكل مقومات شخصيته كانسان يمتلك فعلاً خصائصه الإنسانية، وملكاته، وقواه، وغرائزه.. سوى هذا الاستعداد الفطري، الموجود فيه، الذي قد يُلَبّىُ نداءُ حاجته، كاملاً أو منقوصاً، وقد لا يلبّىُ ذلك النداءُ أصلاً، فيبقى فاقداً وفقيراً، ولا يصل إلى شيء، ومن ثم فهو لا يرتقي إلى درجة الإنسانية أصلاً..

فهو يولد فاقد القوة؛ والعقل، والإرادة، كما أنه لا يملك التمييز بين الأشياء، حتى المحسوسة منها، ويفقد العلم، والمعرفة، ويفقد خصال الخير وسواها،

ــــــــــــ

(1) الحجرات: 13.

(2) قاموس الرجال ج4 ص416 واختيار معرفة الرجال ص14 والكافي ج8 ص181 وروضة الواعظين ص283 والبحار ج22 ص381/382 عنه وأمالي الشيخ ج1 ص146 وعن الكشي والدرجات الرفيعة ص205 / 206 ونفس الرحمن ص132.


(93)

كالشجاعة، والكرم، والحبّ، والبغض، والحسد والرياء، والطموح و.. الخ.. ويفقد غريزة الجنس، وغيرها، وهو عاجز حتى عن الكلام بل هو في عجز شامل، عن أي شيء وفي حاجة حقيقية لكلّ شيء، لا يستطيع دفع أي مكروه عن نفسه، ولا جلب أي منفعة لها على الإطلاق.

ثم هو يبدأ بالحصول على كل ذلك وسواه تدريجاً، وبمساعدةٍ خارجة عن ذاته وحقيقته، وقد يتعرض في فترات نموّه وتكامله لعوامل، أو لنكسات تعيق حصوله على هذا الأمر أو ذاك. أو يكون ذلك الحصول تاماً، أو ناقصاً، أو زائداً على قدر الحاجة فيتسبب في حدوث خلل أساسي في تكوين شخصيته كانسان، صالحٍ لاستخلاف الله سبحانه وتعالى له على الأرض بكل ما لهذه الكلمة من معنى..

ثم.. وبعد أن يصل إلى مرحلةٍ معينة، فإنه يتولى هو أمر السيطرة على ما حصل عليه من قوى، وملكات، وغرائز وقدرات، وتسييرها، وتقوية الضعيف وتعويض النقص، أو كبح جماح القوي منها، واستثمارها في مجال الحصول على درجات الكمال، في التخلق بأخلاق الله سبحانه، ثم في تأكيد إنسانيته، وسموها ورقيها في سبل الهدى، والخير، والرشاد.

ولكن من الواضح: أن هذا الإنسان الذي يراد له أن يتعامل مع كل ما ومن يحيط به، وما سخره الله لخدمته، أو أخضعه لإرادته، وخوّله صلاحية الاستفادة منه ـ إنه ـ بسبب جهله بكثير من أسرار الكون والحياة ودقائقهما، لا يستطيع أن ينجز مهمته تلك، بصورة صحيحة وسليمة؛ فيقع مع الخطأ، ويبتلى بالانحراف، الأمر الذي قد يترك سلبيات كبيرة وخطيرة على حياته، وعلى مستقبله ومصيره، بصورة عامة.

وإذن.. فلا بدّ له من أن يتجه نحو صانع الوجود ومبدعه، ومسيّره ومدبّره، والعارف بكل الأسرار والدقائق، والآثار والحقائق؛ لأنه وحده العالم بكل النظم والضوابط، التي تهيمن على مخلوقاته، وتحكمها، ويعرف حقيقة تأثير


(94)

وتأثر كل شيء في أي شيء، وكيفية ذلك ومداه، ونوعه، ومستواه ـ نعم لابدّ وأن يتجه إليه؛ فيمتثل أوامره، وينتهي بنواهيه، التي أبلغه إياها الأنبياء والرسل، الذين أقيمت حجتهم، وظهرت معجزتهم.

وهذا فقط، هو السبيل الوحيد، والطريق الأسلم، الذي يمكّن الإنسان من أن يكمل مهمته، في الحصول باختياره وإرادته، على خصائصه الإنسانية الإلهية، ويجعله يهيمن عليها، ويوازن بينها، ويحفظ لها تعادلها، وخطها الصحيح، بعيداً عن كل السلبيات، والإخطار، بلا زيف، ولا حيف، ولا تضليل، ولا خداع.

ولقد أدرك سلمان هذه الحقيقة، ووجد أن الإسلام هو الذي وهبه إنسانيته، وخصائصها الملكوتية؛ فهو الأب الحقيقي له ـ أما الأب النسبي؛ فلربما يكون قد ساهم ـ عن عمد، أو عن غير عمد في تشويه ذاته، وفي إبقائه في مستوى الحيوان الأعجم، وإبعاده عن الكمال، الذي أهله الله لاُن يصل إليه، ويحصل عليه.. وهذا هو السر في أنه كان إذا قيل له: من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام (1) وتقدم قوله لسعد: ما أعرف لي أبا إلاّ الإسلام، ولكن سلمان ابن الإسلام.

الزواج.. والسياسة العنصرية:

هذا.. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد من التحدي، بل استمر سلمان يواجه المصاعب والمتاعب، نتيجة لسياسات التمييز العنصري، التي كانوا يواجهونه بها، ونذكر هنا ما يلي:

1 ـ خطب سلمان الفارسي إلى عمر بن الخطاب (رض) ابنته؛ فلم

ــــــــــــ

(1) الإستيعاب بهامش الإصابة ج2 ص57 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص34 وانساب الأشراف ج1 ص487.


(95)

يستجز ردّه؛ فانعم له، وشق ذلك عليه، وعلى ابنه عبد الله‏ بن عمر؛ فشكا ذلك عبد الله‏ إلى عمرو بن العاص، فقال:

افتحب أن اصرف سلمان عنكم؟.

فقال: هو سلمان، وحاله في الإسلام حاله!!

قال: أحتال له، حتى يكون هو التارك لهذا الأمر، والكاره له.

قال: وددنا أنك فعلت ذلك.

فمر عمرو بن العاص بسلمان في طريق؛ فضرب بيده على منكبه، وقال: هنيئاً لك يا أبا عبد الله‏!!.

قال له: وما ذاك؟.

قال: هذا عمر يريد أن يتواضع بك؛ فيزوجك !.

قال: وإنما يريد أن يزوجني، ليتواضع بي؟!.

قال: نعم.

قال: لا جرم والله، لا أخطب إليه أبداً (1).

والظاهر هو: أن سلمان إنما خطب إليه، ليجرّبه بذلك، فردّه. ثم لما أخبره بأنه إنما أراد تجربته، عاد، فأنعم له، ليتلافى الآثار السيئة لذلك؛ فقد:

2 ـ روي في نص آخر: أن سلمان اختبر عمر بخطبته إليه ابنته، في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فرفض عمر، ثم شكا عمر إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم جرأة سلمان على ذلك؛ فأنكر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على عمر ذلك؛ فسكت.. وبعد ذلك قام عمر حزيناً (2).

ــــــــــــ

(1) لطف التدبير ص199 وراجع: عيون الأخبار لابن قتيبة ج3 ص268/269 والعقد الفريد ج6 ص90 وقاموس الرجال ج4 ص 427 ونفس الرحمن ص141 عن التذكرة للعلامة.

(2) نفس الرحمن ص47 عن الحسين بن حمدان.


(96)

3 ـ وفي نص آخر عن خزيمة بن ربيعة، قال: خطب سلمان إلى عمر؛ فردّه، ثم ندم، فعاد إليه، فقال: إنما أردت أن أعلم: ذهبت حمية الجاهلية من قلبك، أم هي كما هي؟ (1).

4 ـ وفي نص آخر، عن ابن عباس، قال: قدم سلمان من غيبةٍ له، فتلقاه عمر، فقال: أرضاك ‏لله عبداً.

قال: فزوجني.

فسكت عنه.

فقال: أترضاني ‏لله عبداً، ولا ترضاني لنفسك؟

فلما أصبح أتاه قوم؛

فقال: حاجة؟.

قالوا: نعم.

قال: وما هي؟.

قالوا: تضرب عن هذا الأمر، يعنون خطبته إلى عمر.

قال: أما والله، ما حملني على هذا إمرته ولا سلطانه، ولكن قلت: رجل صالح، عسى الله أن يخرج منه ومني نسمة صالحة(2).

5 ـ وفي مناسبة أخرى نجد: أن أبا الدرداء قد «ذهب مع سلمان، يخطب عليه امرأة من بني ليث، فدخل فذكر فضل سلمان، وسابقته، وإسلامه، وذّكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة؛ فقالوا: أما سلمان فلا نزوجه، ولكنا نزوجك.

ــــــــــــ

(1) راجع: اختيار معرفة الرجال ص15 ونفس الرحمن ص141 عنه والدرجات الرفيعة ص215 والبحار ج22 ص350 وقاموس الرجال ج4 ص417.

 (2) صفة الصفوة ج1 ص545 و546، وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص206 وحلية الأولياء ج1 ص186 وقاموس الرجال ج4 ص427 وحياة الصحابة ج2 ص753 عن مجمع الزوائد ج4 ص291 عن أبي نعيم والطبراني.


(97)

فتزوجها، ثم خرج، فقال له: إنّه قد كان شيء، وأنا أستحيي أن أذكره لك.

قال: وما ذاك؟

فأخبره الخبر..

فقال سلمان: أنا أحقّ أن أستحي منك، أن أخطبها، وقد قضاها الله لك (1).

فبنو ليث إذن.. يرفضون تزويج سلمان، ويفضلون أبا الدرداء عليه. ويبدو أن منشأ رفضهم، هو نفس المنشأ الذي تسبب بالمشقة والهمّ لعمر، حينما خطب إليه سلمان ابنته، وهو نفس الذي حمل عمرو بن العاص، وجماعة، على التدخل لإقناع سلمان بالعدول عن خطبتها، حسبما تقدم..

وفِعل سلمان هذا، لا يدع مجالاً للشك في أنه، كان يرى: أن من حقه، ومن حق غيره: أن يتزوج بغير العربية، وبالعربية، وحتى بالقرشية، بل وحتى بابنة خليفة المسلمين بالذات، ثم هو يعتبر: أن رفض الخليفة لهذا الأمر ناشئ عن حمية الجاهلية، التي رفضها القرآن، وأدانها، وأنب عليها..

لا نؤمكم.. ولا ننكح نساءكم:

وعليه.. فما ينسب إلى سلمان، من أنه طلب إليه: أن يصلي إماماً بجماعة من الصحابة، كانوا وإيّاه في سفر، فقال:

«لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله هدانا بكم».

ثم تذكر الرواية: كيف أن الذي صلى بهم، قد أتمّ الصلاة، مع أن

ــــــــــــ

(1) صفة الصفوة ج1 ص537 وحلية الأولياء ج1 ص200 ومجمع الزوائد ج4 ص275 عن الطبراني، ورجاله ثقات. وحياة الصحابة ج2 ص754، ونفس الرحمن ص141 عن ربيع الأبرار.


(98)

اللازم هو القصر، لأنهم مسافرون، فاعترض سلمان عليه لذلك (1).

وكذا ما ينسب إليه من أنه قال لأهل المدائن: إنا امرنا أن لا نؤمكم، تقدم يا زيد (أي ابن صوحان) فكان هو يؤمنا، ويخطبنا(2).

وكذا ما رووه عنه، من أنه قال: «نفضلكم بفضل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، يعني: العرب، لا ننكح نساءكم(3)».

وكذا ما ينسب إليه، من أنه قال: «نهانا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ أن ننكح نساء العرب..(4)».

وعنه: «فضلتمونا يا معاشر العرب باثنتين: لا نؤمكم في الصلاة، ولا ننكح نساءكم(5)».

نعم.. إن كل هذا الذي ينسب إلى سلمان أنه قاله، لا يصح قطعاً ـ إذا كان بهذه الصورة ـ؛ إذ أنه هو نفسه قد خطب إلى العرب أكثر من مرة، حتى لقد خطب إلى خليفتهم بالذات، وقد ردّوه، ورفضوا تزويجه، واعتبر هو ردّهم له من حمية الجاهلية، حسبما أسلفنا.

وهو بذلك يكون قد ساهم في فضح، وإدانة سياسات التمييز العنصري، التي كان الحكام، ومن يدور في فلكهم يمارسونها، سراً، وعلناً، حسبما تقتضيه ظروفهم.

وإذا كان لهذا الأمر الذي أشير إليه بقوله: «أمِرنا».. الخ.. أساس من

ــــــــــــ

(1) المصنف للصنعاني ج6 ص154 وج2 ص520 والسنن الكبرى ج7 ص134 وج2 ص144 وحلية الأولياء ج1 ص189 وطبقات ابن سعد ط صادر ج4 ص90 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص208 ومجمع الزوائد ج4 ص275 وحياة الصحابة ج3 ص148.

(2) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص15.

(3) مجمع الزوائد ج4 ص275 عن الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.

(4) مجمع الزوائد ج4 ص275 عن الطبراني في الأوسط.

(5) اقتضاء الصراط المستقيم ص159 عن العدني وعن سعيد بن منصور في سننه وغيرهما وبمعناه في ص158 عن البزار.


(99)

الصحة؛ فلابد وأن لا يكون من الأوامر الإلهية، ولا النبوية، وإلا لكان سلمان قد أذعن له، والتزم به..

فلعله أمر قد صدر فعلاً، ولكن ليس عن النبيّ، وإنما عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب..

ولعل الإصرار على أن يكون هذا الحكم الظالم، جارياً على لسان خصوص سلمان، ثم يصوّره الراوي على أنه صادر من غير قائله الحقيقي، وبالذات من شخص رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.. لعل ذلك ـ للتغطية على هذه المخالفة التي صدرت من الخليفة في حق سلمان، وجعلها في معرض الشك والترديد، شرط أن يساهم ذلك في تقوية ركائز هذه السياسة الظالمة، ويعطيها شرعية قائمة على أساس التعبد والدين..

ومما يؤيّد أن تكون هذه الكلمة، التي تُقَرر عدم التزويج بين العرب وغيرهم، قد صدرت من نفس الخليفة، عمر بن الخطاب:

ما روي عن يزيد بن حبيب، قال: قال عمر بن الخطاب لسلمان:

يا سلمان، ما أعلم من أمر الجاهلية بشيء، إلا وضعه الله عنا بالإسلام، إلا أنّا لا ننكح إليكم، ولا ننكحكم؛ فهلمّ، فلنزوجك ابنة الخطاب. قال: أفرّ ـ والله ـ من الكبر.

قال: فتفرّ منه، وتحمله علي؟!، لا حاجة لي به(1).

فإذا كان عمر هو الذي قال عبارة: «أفرّ ـ والله ـ من الكبر»، كما هو ظاهر؛ فمعنى ذلك: أنه يريد أن يتواضع بتزويج سلمان ابنته، على حد ما تقدم عن عمرو بن العاص حينما تدخل لصرف سلمان عن الخطبة.

وجواب سلمان له ـ والحالة هذه ـ يتناسب مع جوابه لعمرو بن العاص، الذي تقدم..

ــــــــــــ

(1) الزهد، والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص52.


(100)

وإذا كانت عبارة: «أفرّ ـ والله ـ من الكبر» من كلام سلمان.. وتكون العبارة التي بعدها، وهي قوله: «فتفر منه، وتحمله علي.. الخ». هي جواب عمر له ـ إذا كان كذلك ـ فإنها أيضاً صريحة في أن الخليفة يريد أن يفر من الكبر، بواسطة تزويجه ابنته لسلمان.. فمعنى ذلك هو أن ما قاله عمرو بن العاص لسلمان: من أن الخليفة يريد أن يتواضع بتزويجه ابنته، يكون صحيحاً..

فالنتيجة تكون واحدة على كلا الحالتين، وهي أنه يعتبر تزويج غير العربي تواضعاً، وتنزلاً في مقام الشرف والكرامة..

نعم.. وهذا ما يتناسب مع أفكار وسياسات الخليفة، بالنسبة للعرب، وللموالي..

تماماً على عكس سياسات علي أمير المؤمنين، والأئمة من ولده، عليهم الصلاة والسلام، ثم شيعتهم الأخيار؛ فإنهم كانوا لا يرون لبني إسماعيل فضلا على بني إسحاق..

وقد كان لكل من السياستين آثارهما، الايجابية والسلبية، ولسوف نوضح ذلك فيما يأتي من مطالب إن شاء الله تعالى..

ولسوف نجد: أن نهج الخليفة الثاني، هو الذي استأثر بالعناية والرعاية، سواء في عهد الدولة الأموية، أو بعدها.. ثم لم نزل نجد ملامحه وآثاره تختفي تارة، وتظهر أخرى، عبر العصور وحتى يومنا هذا..

عجمة سلمان أسطورة:

عن أبي عثمان، قال: كان سلمان لا يفقه كلامه، من شدة عجمته. وكان يسمي الخشب: خشبان(1).

ــــــــــــ

(1) راجع: ذكر أخبار أصبهان ج1 ص55 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص211 والفائق ج1 ص372 والنهاية في اللغة ج2 ص32 وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص224 وفي هامشه عن: غريب الحديث لابن قتيبة ج2 ص268.


(101)

ونقول: إن ذلك لا يصح، ولعله وضع بدوافع عنصرية، للحط من شأن سلمان رحمه الله. وذلك لما يلي:

1 ـ إن ابن قتيبة قال: أنا أنكر هذا الحديث. ثم استدل على ذلك بقوله: «وقد قدمنا من كلامه ما يضارع فصحاء العرب»(1).

ثم ذكر: أن «خشبان» في اللغة صحيح جيد، وأنه جمع لجمع خشب، كجمل، وجملان وسلق وسلقان(2).

وقال الزمخشري، وابن الأثير: «قد أنكر هذا الحديث، لأن كلامه يضارع كلام الفصحاء والخشبان في جمع الخشب صحيح، ومروي. ونظيره: سلق، وسلقان، وحمل وحملان، وقال:

كأنهم بجنوب القاع خشبان

ولا مزيد على ما يتعاون على ثبوته القياس، والرواية..» (3).

2 ـ قد تقدم في رواية الإمام مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، قد انتصر لسلمان، وبلال، وصهيب، ورد على قيس بن مطاطية؛ فكان مما قاله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

«.. إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم، من أب، ولا أم. وإنما هي اللسان؛ فمن تكلم بالعربية؛ فهو عربي»(4).

ــــــــــــ

(1) راجع غريب الحديث ج2 ص262، على ما ورد في هامش طبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص224.

(2) راجع هامش طبقات المحدثين ج1 ص224 عن غريب الحديث لابن قتيبة ج2 ص268 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص211.

(3) الفائق ج1 ص372 وراجع: النهاية لابن الأثير ج2 ص32.

(4) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص200 وحياة الصحابة ج2 ص253، عن كنز العمال ج7 ص46، والمنار ج11 ص258 ـ 259 واقتضاء الصراط المستقيم ص169 عن السلفي.


(102)

فلعله يمكن أن يستفاد من جواب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا: أن هؤلاء لأنهم كانوا يتكلمون بالعربية، فهم عرب إذن، فلا يصح لقيس بن مطاطية أن يفتخر عليهم بعروبته، فالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يريد أن يفند دعوى أفضلية العرب عليهم، عن طريق إدخالهم في جملة العرب، لأنهم يحسنون التكلم بلغتهم.

وهذا.. ما لعله قد أشير إليه بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فمن تكلم بالعربية فهو عربي. مستفيداً من فاء التفريع، التي يمكن دعوى ظهورها في ذلك.

3 ـ وكيف يمكن أن نتصور إنساناً ـ كسلمان ـ في فهمه وعلمه، ودقة ملاحظته، يعيش في المجتمع العربي عشرات السنين، فلا يتعلم لغته، حتى كان لا يفهم كلامه من شدة عجمته؟! وعجيب حقاً.. فهل ذلك من شدة الفهم، أو من شدة البلادة؟!!

4 ـ وتقدم: أيضاً: أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين حفر الخندق قد دعا الله سبحانه: أن يطلق لسان سلمان، ولو ببيت من الشعر، فأطلق الله لسانه بثلاثة أبيات.

5 ـ وفي حديث إسلامه رضوان الله عليه، نجد نصاً يقول في ضمن حديث: إن جبرئيل تفل في فيه، فجعل سلمان يتكلم بالعربية الفصيح (1).

6 ـ وبعد.. فان لسلمان ـ كما قال ابن قتيبة ـ رسائل، وخطباً، وكلمات نقلها المؤرخون، والمحدثون عنه تعتبر في غاية الفصاحة والبلاغة(2). وهي وحدها كافية في ردّ مدعى أبي عثمان وغيره.

هذا.. وأما ما نجده في رواية أخرى، رواها المحاملي، عن أبي سليمان، قال: لما ورد علينا سلمان الفارسي المدائن، أتيناه نستقريه،

ــــــــــــ

(1) الدرجات الرفيعة ص205 عن شواهد النبوة، ونفس الرحمن ص15.

(2) راجع: نفس الرحمن، والاحتجاج ج1 والبحار، وتهذيب تاريخ دمشق، وقاموس الرجال وغير ذلك من المصادر.


(103)

يعني: نقرأ عليه. فقال: إن القرآن عربي؛ فاستقروه رجلاً عربياً.

فكان يقرينا زيد، ويأخذ عليه سلمان، فإذا أخطأ ردّ عليه (1).

إن هذه الرواية، لا تضر، فان فصاحة سلمان، لا يلزم منها أن تكون لهجته سليمة في الغاية، فلعل شيئاً من اللهجة الفارسية، كان لا يزال فيها. ولم يكن يحب أن يتأثروا حتى ولو بهذا المقدار، كما أن استقراءهم إياه يدل دلالة واضحة، على أنّهم يرونه أهلاً لذلك، ولا يرون فيه عجمة إلى حد تمنع من ذلك.

نعتقد: أن السبب في هذه التهمة هو عمر بن الخطاب، فانه هو الذي قال عن سلمان «الطمطماني» (2) وذلك في محاولة لانتقاص شخصية سلمان، واستجابة لرغبة أكيدة في الحطّ من قدره رحمه الله.

ولعله قد كان ثمة لكنة لدى سلمان، ولكنّها لا تصل إلى حد الطمطمانية والعجمة، لما ذكرناه آنفاً.

الحقد الأعمى:

وأخيراً.. فإننا لا نستغرب كثيراً حين نجد المستشرقين، يطعنون في ديننا، ويهاجمون مقدساتنا، ويشككون في أبده بديهيات الإسلام والقرآن وأجلاها، وأشدها وضوحاً لدى العقل، وأقواها رسوخاً في الفطرة.

فقد عرفنا: أنهم العدو الحاقد والطامع، والمستعمر الذي يعمل بكل ما أوتي من قوة وحول من أجل تدميرنا، والاستئثار بمقدراتنا، والعبث بمقدساتنا، والسخرية بمثلنا وقيمنا.

وقد يستخدم ـ هذا العدو المستعمر ـ من أجل تحقيق أهدافه الشريرة: الحديد، والنار تارة.. وقد يلجأ إلى أسلوب التضليل، والتشكيك، والمكر والحيلة، تارة أخرى..

فلا عجب إذن.. إذا رأيناهم يعتبرون سلمان الفارسي شخصية قلقة، أو

ــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص15 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج10 ص460 وج12 ص192.

(2) ستأتي المصادر لذلك إن شاء الله.


(104)

أسطورة تاريخية، أو أنه من الموالي لا يحق له التصدي لبعض الأمور، أو ما إلى ذلك (1).. فإنهم يحاولون ما هو أعظم من ذلك وأخطر، وهو النيل من رسول الإسلام الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، والعبث بالقرآن ومفاهيمه، وتشويه حقائقه، ومسخ تشريعاته وتهجينها.

نعم.. لا عجب من ذلك كله.. وإنما العجب كل العجب: من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم، ويعتبرهم الناس مسلمين، ويحملون هوية الإسلام، ويرفعون شعاراته، حيث نجدهم: أشد كيداً للإسلام، وأكثر إصراراً على تشويه معالمه، وأعظم أثراً في تقويض دعائمه.

ولا نريد حشد الشواهد والأدلة الكثيرة، على أن هؤلاء قد تربوا على أيدي أولئك، وتخرجوا من مدرستهم، وتأثروا بأفكارهم ومفاهيمهم، ونفثوا فيهم سمومهم المهلكة؛ فان ذلك كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار.

ولعل ذلك كان أمراً طبيعياً ما دام أن هؤلاء حين اتصلوا بأولئك الشياطين المهرة، لم يكونوا قد استضاءوا بنور العلم، ولا كانت لديهم حصانة كافية، ولا وعي للإسلام ومفاهيمه يمكّنهم من الصمود في وجه الهجمة الشرسة، التي تستهدف تشويه شخصيتهم، ومسخ كل وجودهم، وتدمير كل طاقاتهم، من قبل تلك الوحوش الكاسرة.. هذا إلى جانب شعور بالحقارة، وإحساس بالضعف، وانبهار تام بمظاهر الحضارة الخادعة، التي وجدوها عندهم.. فضاعوا، وأضاعوا وضلوا الطريق وأضلوا، وعجزوا عن فهم الأمور، وعن تقييمها، ولم يمكنهم وضع الأمور في نصابها، بوعي، وبمسؤولية، وتعقل..

فكان أن وجد فيهم أولئك الأعداء الحاقدون، غاية أمانيهم، ومنتهى مقاصدهم؛ وأصبحوا دمية طيعة في أيديهم، يوحون إليهم زخرف القول غروراً..

وكان أن سمعنا ورأينا من هؤلاء، الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلام،

ــــــــــــ

(1) راجع: سلمان الفارسي، للعلامة السبيتي، ابتداءً من 49.


(105)

كل عظيمة، وارتكبوا في حق دينهم وأمتهم، أبشع الجرائم، وأفظعها، ولا نريد أن نفيض في ذكر نماذج من جرائمهم تلك، فان ذلك يفوق حد الإحصاء.. ولكننا نقول ـ على سبيل الإجمال ـ:

إنه لم يَسلَم منهم شيء على الإطلاق.. فهم قد شككوا في العقائد، وأثاروا الشبهات حول كثير منها في أذهان الكثيرين من البسطاء والسذج وشوهوا الكثير من التعاليم والمفاهيم الإسلامية، أو كذبوا بها، ومسخوا المعاني القرآنية، وعبثوا بتعاليمه وأحكامه..

وفيما يرتبط بالشخصيات الإسلامية فقد حاولوا تصغير شأنها، والمس بكراماتها، والنيل منها، وبصورة، أو بأخرى.. وكان لسلمان ـ موضوع بحثنا ـ نصيب دَسِم في هذا المجال، حتى لقد قالوا عنه: إنه يظهر أنه من خصوم الإسلام الباطنيين (1).

ولا ندري كيف اكتشفوا هذا السر المكنون، الذي لم يكتشفه أحد سواهم، وأين وما هي تلك النشاطات الهدامة، التي كان يمارسها سلمان، والتي استحق لأجلها هذا الوسام الخطير.. وتلك هي حياته، وتلك هي مواقفه، وممارساته، فليراجعها الباحثون، وليعكف عليها الدارسون، فهل يمكن أن يكتشفوا من خلالها إلا كل خير وصلاح، واستقامة وفلاح، وغيرةٍ على الإسلام، وتفانٍ في سبيله؟!

وبعد.. فانهم قد وصفوا الاشتر بـ «المارق»(2).

أما أبو ذر، فقد اعتبروه جلفاً، جافاً، قاسياً، واعرابياً(3).

بل لم يسلم منهم الحسنان عليهما السلام(4) ولا امهما فاطمة صلوات الله

ــــــــــــ

(1) وصفه بذلك محمد عبد الله‏ عنان. راجع: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج2 ص238.

(2) الصواعق المحرقة ص38.

(3) أبو ذر.. والحق المر ص 20.

(4) راجع: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ج2 ص49 و201 و202 و35 و36.


(106)

وسلامه عليها..(1).

كل ذلك بغضاً بعلي عليه السلام، وبكل من يتعاطف معه، وينسج على منواله، وانتصاراً للخليفة الثالث عثمان الذي كان لأبي ذر، والأشتر موقف منه معروف.

ولسلمان ذنب آخر.. وهو أنه لم يكن عربياً، فلابد وأن يتعرض أيضاً لرياح الحقد العنصري البغيض لأن أسيادهم المستشرقين هكذا يريدون(2)، فان ذلك محقق لرغبتهم، ويصب في مصلحتهم.

ــــــــــــ

(1) راجع الموسوعة العربية الميسرة ص1267 والبداية والنهاية ج5 ص249 و250 و289.

(2) راجع سلمان الفارسي، للعلامة السبيتي حينما ينقل كلام ماسينيون حول سلمان.


(107)

الفصل الثاني: التمييز العنصري أحداث.. ومواقف

(109)

توطئة لابدّ منها:

إننا لا نريد هنا: أن نؤرخ لقضية التمييز العنصري، لدى الشعوب المختلفة، ولا استكشاف جذوره وآثاره قبل الإسلام وبعده، ولا دراسة دوافعه النفسية، ومناشئه، ولا معالجة النظريات التي جاءت لتقرر، وتبرر، لا لتبني وتحرّر..

وإنما نريد أن نلمح إلى بعض ما يرتبط بهذه القضية ـ على سبيل الإيجاز والإشارة ـ وفي حدود ما يمس الواقع الذي عاشه المسلمون، بعد وفاة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما عانوه من آثار وسلبيات، أنتجتها، وخلفتها سياسات لها هذا الطابع، وتصب في هذا الاتجاه..

فنقول:

إن تاريخ هذه السياسة بعد ظهور الإسلام، يرجع إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وهو المخطط والمؤسس لها، والمصرّ على تنفيذها، ثم سار الأمويون على نهجه، ونسجوا على منواله، ونفذوا ما رسمه لهم بكل دقة وأمانة، وحزم..

وقبل أن نلم ببعض ما حفظه لنا التاريخ من مواقف، وتشريعات، وقرارات، من قبل ذلك المؤسس القوي والعتيد، نلمح إلى بعض ما تمس الحاجة إلى الإلماح إليه، من ملاحظات، وأفكار، ترتبط بهذه السياسة، في الفترة التي تلت عهد مؤسسها، ورائدها الأول.. وبالتحديد.. في عهد


(110)

الأمويين، على أساس أن نعتبر هذا فصلاً تمهيدياً، لذلك الفصل الذي نتحدث فيه عن سياسات الخليفة الثاني في هذا المجال.

وبما أن سياسة التمييز هذه، لم تلق معارضة جدية وحقيقية إلا من قبل أهل البيت عليهم السلام، وعلى رأسهم سيدهم علي أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.. فإننا سوف نذكر نبذة يسيرة عن هذا الأمر أيضاً ونتلمس بعض آثارها.. كل ذلك على سبيل الإيجاز والإشارة بحول ا‏لله وقوته، ومنّه وكرمه..

فلنبدأ هنا ببعض ما يرتبط بالسياسة الأموية وما تلاها، وما يرتبط بها، فنقول:

الأمويون وسياسة التمييز العنصري:

لقد كانت السياسة الأموية تقوم على أساس التمييز بين العرب وغيرهم، ممن يعبرون عنهم بـ «الحمراء» تارة، بملاحظة اختلاف لون بشرتهم، وبـ «الموالي» أخرى (1).

بل لقد تعدت السياسة الأموية ذلك إلى إثارة النعرات القبلية بين العرب أنفسهم، كالقيسية، والمضرية، واليمانية؛ فتارة يؤيدون هؤلاء، وأخرى يؤيدون أولئك، حسبما تقتضيه مصالحهم الخاصة، وطموحاتهم في التسلط، وبسط نفوذهم على البلاد والعباد.

وقد استمروا على تأييد اليمانية إلى زمان هشام بن عبد الملك، الذي عدل إلى المضرية فقربهم، واستمروا على ذلك إلى حين سقوط الدولة الأموية، على يد أبي مسلم الخراساني والعباسيين، الذين اتخذوا جانب اليمانية، حتى لقد أرسل إبراهيم الإمام، الزعيم العباسي إلى داعيته أبي مسلم، يأمره بإكرام

ــــــــــــ

(1) الموالي هم: إما أسرى استرقوا، ثم اعتقوا، وهم قلة.. وإما هم من غير العرب، دخلوا الإسلام؛ فحالفوا بعض القبائل العربية؛ لضمان الحماية اللازمة، أو لغير ذلك.. مع العلم بأن محالفتهم لهذه القبيلة، أو لتلك، يفيدها في تعزيز دورها وتأكيده بصورة عامة بين سائر القبائل.


(111)

اليمنيين، وأن يبيد خضراء مضر، ولا يدع على الأرض منهم دياراً (1).

ضريبة الانحراف عن الخطّ الإسلامي:

وهذا التمييز، وإن كان له جذور عميقة في تاريخ البشر قبل ظهور الإسلام، لدى قدماء اليونان، ولدى غيرهم أيضاً..

ثم ظهر الإسلام في الجزيزة العربية، وأعلن حرباً لا هوادة فيها على هذه النزعة، وعلى كل مظاهرها ورموزها، حتى اضطرها إلى التراجع والانحسار أمام قوة اندفاعه، وعمقها..

ولو أن الإسلام بقي هو صاحب القرار على الساحة، لاقتلعت كل جذورها، وعفيت جميع آثارها.. وإلى أبد الآبدين..

غير أنّه بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، حينما استطاعت فئة معينة أن تختلس القرار السياسي من أصحابه الشرعيين، ولم تكن معظم المواقع في هيكلية الحكم التي أقامتها تمتلك المناعات الكافية، ولا الدوافع الحقيقية في مجال الالتزام والحركة، ولا القدرات الفكرية أو العلمية الغنية، والقوية، والأصيلة في فهم الإسلام وتشريعاته، لا في المجال النظري، ولا على صعيد العمل والموقف.. الأمر الذي أفسح المجال لكثير من النزعات، والانحرافات للظهور، والإعراب عن نفسها من جديد. ووجدت الكثيرين على استعداد لدعمها، وتوفير الشرعية لها، عن طريق جعل الحديث على لسان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ ليصبح الانحراف ديناً، والهوى شريعة..

ــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج3 ص267 / 268 وتاريخ الأمم والملوك ج7 ص344 والكامل في التاريخ ج5 ص348 والإمامة والسياسة ج2 ص137 وراجع: البداية والنهاية ج10 ص28 والعقد الفريد ج4 ص479 والنزاع والتخاصم ص45 وضحى الإسلام ج1 ص32.


(112)

العرب.. والفتوحات:

ثم.. وبعد أن فتح العرب البلاد، واستجاب لدعوة الإسلام العباد، وارتبط الناس من غير العرب بكثير من القبائل العربية برابطة الولاء، ورأى العرب: أنهم المنتصرون، وأنهم المتفضلون، وأنهم يملكون جميع مصادر القوة، وقد ذل لهم العزيز، وضعف لديهم القوي.. فإنهم قد بدأوا يعاملون هؤلاء الناس من موقع السيادة والهيمنة، والاستئثار، والغطرسة، والاستهتار..

ولم يقتصر الأمر في ذلك على الحكام، بل قد تعداهم إلى مختلف فئات الشعب، وطبقاته.. حتى لقد ظهرت آثار ذلك في الفتاوى الفقهية، والنظريات العقائدية لدى كثر من الذين تصدوا للفتوى، وللتنظير في مجال الاعتقادات..

وقد حفظ التاريخ لنا الكثير الكثير، مما يثبت حقيقة هذه النظرة، ويعطي صورة واضحة عن هذا التعامل القبيح، والرذل، سواء على مستوى السياسة المعتمدة والمدروسة في واقع الحكم، أو على مستوى التعامل العفوي، واليومي لدى عامة الناس، وفي مختلف المواضع والمواقع..

تمحل الأعذار لا يجدي:

ولئن حاول البعض: اعتبار ما ورد مما يشير إلى ظاهرة احتقار العرب للموالي، من قبيل الحالات النادرة، التي يسجلها العلماء؛ لما فيها من صفة الندرة والشذوذ، كما وشكك في بعض ما يذكر من إرهاق الموالي بالضرائب، وحرمانهم من العطاء وغير ذلك..

لئن حاول هذا البعض ذلك.. (1).

ــــــــــــ

(1) عبد العزيز الدوري: الجذور التاريخية للشعوبية ص16 ـ 20.


(113)

فإنها كانت محاولة فاشلة وعقيمة، وليس لها أية قيمة علمية، وذلك لأنها ـ لو صحت ـ فلسوف تعني، لنا: أننا سوف لن نستطيع إثبات أية حقيقة تاريخية على الإطلاق، بل إننا سوف نشك حتى في وجود معاوية، وعلي عليه السلام، وفي واقعة صفين، والجمل، وكربلاء. ولسوف لن نصدق بعد الآن.. بحدوث الطوفان، ولا بسقوط الأندلس، ولن يمكن أيضاً إثبات صفة الكرم والشجاعة للعرب، ولا غير ذلك من أمور..

وذلك لان ما نقل إلينا حول مسألة التمييز العنصري ـ إن كان لا يثبت هذا الأمر، وهو بهذه الكثرة العجيبة والمفرطة ـ فإنه لا يمكن إثبات أي شيء من الحقائق المشار إليها آنفاً، على الإطلاق.

وكيف يمكن اعتبار الفتاوى الفقهية، المتأثرة بهذه النزعة، والتي تعمل بموجبها فرق كبيرة، ومنتشرة في طول البلاد وعرضها ـ كيف يمكن اعتبارها ـ من الأمور الشاذة والنادرة؟ ! ولسوف يأتي بعض من ذلك في مسائل الزواج، والإرث، فانتظر..

هذا إلى جانب هذا الأمر زخماً عقائدياً، كان ولا يزال راسخاً في عقل السواد الأعظم من الناس، ولمدة قرون عديدة؛ حتى لنجد ابن تيمية يقرر ذلك بصورة صريحة وواضحة، ويرسله إرسال المسلمات؛ فيقول:

«.. فان الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد: أن جنس العرب أفضل من جنس العجم؛ عبرانيهم وسريانيهم، رومهم وفرسهم، وغيرهم(1)..» واستدل على ذلك بان العرب أفهم من غيرهم، واحفظ، وأقدر على البيان(2).

هذا.. ولسوف نجد في هذا الفصل، وفي الذي يليه طائفة كبيرة من النصوص، عن كثير من المصادر، تظهر التنوع والاختلاف الشديد في الموارد، وفي طبيعة الأمور، التي ظهرت فيها هذه النزعة اليهودية البغيضة!! فان من

ــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم ص148.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم ص160.


(114)

الواضح: أنه لا يمكن أن يربط بين هذه المتفرقات، ويجمع تلك المختلفات، إلا عصبية راسخة، وبواعث لا شعورية عميقة.

هذا كله.. إلى جانب نصوص كثيرة، لم نتعرض لها؛ لأننا لسنا بصدد دراسة مستوعبة وشاملة لهذه القضية، وإنما هدفنا مجرد الإلماح والإشارة.. مع تأكيدنا على أن دراسة مختلف مظاهر هذا الاتجاه، وما كان له من آثار عبر التاريخ على المجتمعات، وفي الحروب، والحركات، حتى ليقال:

إن تمييز العرب على غيرهم، كان هو السبب في ضياع الأندلس، فضلاً عما سوى ذلك من قضايا كبيرة، وأحداث خطيرة، عانى منها العالم الإسلامي عبر التاريخ..(1).

نعم.. إن دراسة كهذه، تحتاج إلى مزيد من التتبع والاستقصاء، وإلى كثير من الوقت والجهد، لسنا الآن مهيئين له، ولا قادرين على توفيره..

تطوير أسلوب الصراع:

وأخيراً.. فلا يفوتنا التنبيه على أن هذا الصراع قد اتخذ طابعاً نظرياً فكرياً أيضاً، فأقيمت الحجج والبراهين، وكتبت الرسائل والبحوث، لإثبات فضل العرب، على غيرهم. وقد استمر ذلك إلى عهود متأخرة، وقد أدلى ابن تيمية (2) بدلوه في هذا المجال، كما صنع غيره.

وقد كان من الطبيعي: أن يجهد أولئك المضطهدون، والمهدورة كراماتهم، والمسلوبة حقوقهم، في سبيل إثبات مساواتهم للعرب، وإقناعهم: بأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والعمل الصالح..

ولكننا لم نجد شيئاً ذا بال، في هذا الاتجاه في عهد الأمويين، ولعل ذلك

ــــــــــــ

(1) راجع: الإسلام والمشكلة العنصرية ص97 ـ 103.

(2) راجع: اقتضاء الصراط المستقيم ص142 ـ 170.


(115)

يرجع إلى أنهم ما كانوا يجرؤون على الظهور في أيامهم(1)، لأنهم كانوا من أشد الناس في هذا الأمر، وكانوا يفرضون سياساتهم على الناس بالقوة والقهر..

أما بعد ذلك، فنجد الدعوة إلى التسوية قد نشطت، وكتبت في ذلك الرسائل، واحتجوا لها بمختلف الحجج(2).

ولكن ذلك لا يعني: أن الدولة العباسية لم تكن حساسة تجاه هذا الأمر، بل الأمر على عكس ذلك تماماً؛ فإنها منذ بداياتها قد تصدت لهؤلاء، ولكن بذكاء، وحنكة، وتحت شعارات خادعة، وماكرة، من قبيل الاتهام بالزندقة، كما سنشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى..

الشعوبية هم دعاة التسوية:

وقد عرف دعاة التسوية هؤلاء باسم: «الشعوبية».

قال ابن تيمية: «ذهبت فرقة من الناس: إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء، يسمون: الشعوبية»(3).

قال الجاحظ: «.. ونبدأ على اسم الله، بذكر مذهب الشعوبية، ومن يتحلى باسم: التسوية..»(4).

وقال ابن عبد ربه: «.. قول الشعوبية، وهم أهل التسوية..»(5).

وقال ابن منظور، وغيره: «الشعوبي: الذي يصغر شان العرب، ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم»(6).

ــــــــــــ

(1) راجع: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني، جزء 4 ص344 عن الأغاني ج4 ص125.

(2) راجع: العقد الفريد ج3 ص403 ـ 417 والفهرست لابن النديم ص124 ونوادر المخطوطات ج1 ص331 إلى آخر الكتاب. والبيان والتبيين ج3 ص5 فما بعدها، وغير ذلك.

(3) اقتضاء الصراط المستقيم ص149.

(4) البيان والتبيين ج3 ص5.

(5) العقد الفريد ج3 ص403 وراجع ص405 و408 وراجع: الجذور التاريخية للشعوبية ص9.

(6) لسان العرب ج1 ص500 وأساس البلاغة ص236 والنهاية في اللغة ج2ص478.


(116)

أي أن من لا يرى للعرب فضلاً على غيرهم؛ فهو يصغر من شأنهم؛ فهو إذن: شعوبي.

ويدل على ذلك قول الخليل: «الشعوبي: الذي يصغر شأن العرب، فلا يرى لهم فضلاً»(1) حيث عطف بالفاء.

هذا.. وقد شذ من أخذته العصبية منهم، ففضل العجم على العرب، كابن غرسية، وإسماعيل بن يسار(2).

أما في عصرنا هذا، فقد أصبح لفظ «الشعوبية» يطلق على خصوص من يفضل العجم على العرب (3).

نماذج عنصرية أموية:

ونحن نذكر هنا نماذج قليلة من النصوص، التي توضح سياسة الدولة الأموية، وكذلك مواقف الناس وتوجهاتهم، في مجال التمييز العنصري، في تلك الحقبة من الزمن فنقول:

1 ـ قالوا: إنّ الحجاج قد أمر أن لا يؤم في الكوفة إلاّ عربي (4).

2 ـ ولما ولىّ الحجاج سعيد بن جبير قضاء الكوفة، قال أهل الكوفة:

لا يصلح للقضاء إلاّ عربي!!

فاستقضى الحجاج أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، وأمره أن لا يقطع أمراً

ــــــــــــ

(1) العين ج1 ص263.

(2) راجع: رسالة ابن غرسية في نوادر المخطوطات ج1 ص329 ـ 330، وأجوبتها الأربعة من قبل علماء الأندلس، في نفس الكتاب، والفهرست لابن النديم ص118 و133 و137والحيوان ج4 ص 448 / 449 حول يونس بن أبي فروة، وكذا في أمالي المرتضى ج1 ص132.

(3) راجع: الإسلام والمشكلة العنصرية ص93.

(4) ضحى الإسلام ج1 ص24، والعقد الفريد ج2 ص233 وراجع ص235 وراجع أيضاً: وفيات الأعيان، لابن خلكان ج2 ص373 وراجع: شذرات الذهب ج1 ص109.


(117)

دون سعيد بن جبير(1).

3 ـ «وهو [أعني الحجاج] أول من نقش على يد كل رجل اسم قريته، ورده إليها، وأخرج الموالي من بين العرب» (2).

4 ـ ويذكرون: أنه طرد غير العرب من البصرة، والبلاد المجاورة لها، واجتمعوا يندبون: وا محمّدا، وا أحمدا، ولا يعرفون أين يذهبون، ولا عجب أن نرى أهل البصرة يلحقون بهم، ويشتركون معهم في نعي ما نزل بهم من حيف وظلم (3).

5 ـ بل لقد قالوا: لا يقطع الصلاة إلاّ كلب، أو حمار، أو مولى (4).

وذكر في بعض النصوص: المرأة، بدل المولى، وهذا الاحتقار للمرأة مأخوذ من اليهود، كما يعلم بالمراجعة إلى كتبهم الدينية.

6 ـ وقد أراد معاوية أن يقتل شطراً من الموالي، عندما رآهم قد كثروا؛ فنهاه الأحنف عن ذلك (5). وقيل: إن زياداً هو الذي أراد ذلك (6).

7 ـ وتزوج رجل من الموالي بنتاً من أعراب بني سليم؛ فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة، وواليها يومئذٍ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فشكا إليه ذلك، ففرق الوالي بين المولى وزوجته، وضربه ماءتي سوط، وحلق رأسه، وحاجبه، ولحيته؛ فقال محمد بن بشير في جملة أبيات له:

ــــــــــــ

(1) وفيات الأعيان ج2 ص373، وضحى الإسلام ج1 ص24، وراجع: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص343.

(2) الأوائل ج2 ص61 وراجع: العقد الفريد ج3 ص 316 / 317 وشذرات الذهب ج1 ص109 وضحى الإسلام ج1 ص24.

(3) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص56/57 والكامل لابن الأثير ج4 ص465 وراجع: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الأول جزء 2 ص274 وراجع: ربيع الأبرار ج3 ص600 وضحى الإسلام ج1 ص24 عن محاضرات الأدباء ج1 ص 218.

(4) العقد الفريد ج3 ص413 وتاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ج4 ص341.

(5) المصدران السابقان.

(6) محاضرات الأدباء ج1 ص350.


(118)

قضيت بسنة وحكمت عدلاً * ولم ترث الخلافة من بعيد(1)

8 ـ وكان طاووس لا يأكل ذبيحة الزنجي، وكان يقول: وهل رأيت في زنجي خيراً قط؟ (2).

9 ـ ويقول: هو عبد مشوه الخلق (3).

10 ـ ولم تفشل ثورة المختار، إلاّ لأنه استعان فيها بغير العرب، فتفرق العرب عنه لذلك (4).

وكان من جملة ما نقموه عليه أن قالوا: «.. ولقد أدنى موالينا؛ فحملهم على الدواب، وأعطاهم فيئنا»(5).

11 ـ ويقول أبو الفرج: «.. كان العرب إلى أن جاءت الدولة العباسية، إذا جاء العربي من السوق؛ ومعه شيء، ورأى مولى، دفعه إليه؛ فلا يمتنع» (6).

12 ـ بل كان لا يلي الخلافة أحد من أبناء المولدين، الذين ولدوا من أمهات أعجميات (7).

13 ـ ويذكرون من أسباب ثورة زيد بن علي بن الحسين عليه السلام: ما جرى بينه وبين هشام بن عبد الملك، الذي قرر عدم صلاحية زيد للخلافة؛

ــــــــــــ

(1) الأغاني ج14 ص150 وضحى الإسلام ج1 ص23 و24 وراجع: محاضرات الأدباء ج1 ص350.. ما هو بهذا المعنى.

(2) المصنف للصنعاني ج4 ص485 وراجع: الإلمام ج1 ص186.

(3) الإلمام ج1 ص186.

(4) راجع: الأخبار الطوال ص299 و300 و304 والكامل في التاريخ ج4 ص227 و231 و 268 / 269. والسيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص40 وراجع: تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الأول جزء 2 ص 282 / 283.

(5) الكامل في التاريخ ج4 ص231 وتاريخ الأمم والملوك ج6 ص44 ط دار المعارف بمصر.

(6) ضحى الإسلام ج1 ص25.

(7) راجع: العقد الفريد ج6 ص 130 / 131 وضحى الإسلام ج1 ص25 وتاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص343.


(119)

لأنه ابن أمة..

وقد ردّ عليه زيد رضوان الله تعالى عليه بالنقض بإسماعيل عليه السلام، الذي لم يمنع كونه ابن امة: أن بعثه ا‏لله تعالى نبياً، فراجع نص الحوار بينهما في مصادره (1).

14 ـ وقدم نافع بن جبير بن مطعم، رجلاً من أهل الموالي، يصلي به؛ فقالوا له في ذلك؛ فقال: إنما أردت أن أتواضع ‏ بالصلاة خلفه (2).

15 ـ «وكان نافع بن جبير هذا إذا مرت به جنازة، قال: من هذا؟ فإذا قالوا: قرشي، قال: وا قوماه، وإذا قالوا: عربي، قال: وا بلدتاه (وا مادتاه) وإذا قالوا: مولى: قال: هو مال الله، يأخذ ما شاء، ويدع ما شاء» (3).

وقال ابن عبد ربه:

16 ـ وكانوا لا يكنونهم بالكنى، ولا يدعونهم إلاّ بالأسماء والألقاب.

17 ـ ولا يمشون في الصف معهم.

18 ـ ولا يقدمونهم في الموكب.

19 ـ وإن حضروا طعاماً، قاموا على رؤوسهم.

20 ـ وإن أطعموا المولى، لسنه، وفضله، وعلمه، أجلسوه في طرف الخوان؛ لئلا يخفى على الناظر: أنه ليس من العرب.

21 ـ ولا يدعونهم يصلون على الجنائز، إذا حضر أحد من العرب، وإن كان الذي يحضر غريراً.

22 ـ وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها، ولا إلى أخيها، وإنما

ــــــــــــ

(1) راجع: إرشاد المفيد ص268 والبحار ج46 ص186 / 187 والعقد الفريد ج6 ص128 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص23 و24 وعمدة الطالب ص 255 / 256 والبيان والتبيين ج1 ص310 وربيع الأبرار ج3 ص33 ومروج الذهب ج3 ص206 وتاريخ الأمم والملوك ج7 ص165 والكامل في التاريخ ج5 ص232 وبهجة الآمال ج4 ص232 وقاموس الرجال ج4 ص260.

(2) العقد الفريد ج3 ص 412 / 413.

(3) العقد الفريد ج3 ص413 والكامل للمبرد ج4 ص15.


(120)

يخطبها إلى مواليها، فان رضي، زوِّج؛ وإلا رُدَّ؛ فان زَوَّج الأب والأخ بغير رأي مواليه، فسخ النكاح، وإن كان قد دخل بها، وكان سفاحاً غير نكاح.

23 ـ وحينما كلّم حمران، مولى عثمان، عامر بن عبد القيس، المعروف بزهده، وعبادته، وتقشفه، وإخباته، ونسكه ـ كلّمه ـ عند عبد الله‏ بن عامر صاحب العراق، في تشنيعه على عثمان، أنكر عامر ذلك؛ فقال له حمران: لا كثَّر الله فينا مثلك..

فقال له عامر: بل كثَّر الله فينا مثلك.

فقيل له: أيدعو عليك، وتدعو له؟ !

قال: نعم، يكسحون طرقنا، ويخرزون خفافنا، ويحوكون ثيابنا.

فاستوى ابن عامر جالساً، وكان متكئاً؛ فقال: ما كنت أظنك تعرف هذا الباب؛ لفضلك، وزهادتك.

قال: ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه، لا أعرفه.

24 ـ وكان عقيل بن علّفة المري، يصهر إليه الخلفاء، وقال لعبد الملك بن مروان؛ إذ خطب إليه ابنته الجرباء: جنبني هجناء ولدك.

25 ـ ودخل أحد بني العنبر على سوار القاضي، فقال: إن أبي مات، وتركني، وأخاً لي، وخط خطين. ثم قال: وهجينا. ثم خط خطاً ناحية، فكيف يقسم المال؟

فلما أخبره سوار: أن المال بينهم أثلاثاً، قال: ما أحسبك فهمت عني، إنه تركني، وأخي، وهجيناً؛ فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا، وكما يأخذ أخي؟ !

قال: أجل..

فغضب الأعرابي، ثم اقبل على سوار، فقال: والله، لقد علمت: أنك قليل الخالات بالدهناء.


(121)

قال سوار: لا يضرني ذلك عند الله شيئاً (1).

26 ـ ويروى: أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه: اللهم اغفر للعرب خاصة، وللموالي عامة، وأما العجم فهم عبيدك، والأمر إليك (2).

27 ـ ولما فرغ الحجاج من بناء واسط، أمر بإخراج كل نبطي بها، وقال: لا يدخلون مدينتي؛ فإنهم مفسدة (3).

28 ـ ولم وصل بسر بن أبي أرطأة إلى صنعاء قتل مائة شيخ من أبناء فارس؛ لان ابني عبيد الله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم، تعرف بابنة بزرج (4).

29 ـ وحول اهتمام معاوية بالعرب، تأسياً بسياسة سلفه عمر بن الخطاب، نجد عمرو بن عتبة يقول:

«.. ما استدرّ لعمي كلام قط، فقطعه، حتى يذكر العرب بفضل، أو يوصي فيهم بخير» (5).

وسيأتي المزيد من الشواهد على هذه السياسة حين الكلام على اتجاه الموالي نحو العلوم وتحصيلها فانتظر، هذا بالإضافة إلى ما سوف نورده حين الكلام على سياسة الخليفة الثاني في هذا المجال..

بقي أن نشير إلى أن ظاهرة تولية بني أمية الدواوين للموالي، دون العرب لا تشكل خرقاً لهذه السياسة، وذلك لأنهم كانوا مجبرين على ذلك، بسبب أن العرب كانوا لا يكتبون، ولا يحسبون (6).

ــــــــــــ

(1) راجع: العقد الفريد ج3 ص412 ـ 415.

(2) الكامل للمبرد ج4 ص16.

(3) معجم البلدان ج5 ص350 ومحاضرات الأدباء ج1 ص350.

(4) الغدير ج11 ص27.

(5) العقد الفريد ج3 ص323. وينقل عمر بن عتبة عن عمه معاوية أموراً أخرى في هذا المجال، فلتراجع في المصدر المذكور.

(6) تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني جزء 4 ص342 عن المسعودي ج2 ص114.


(122)

في عهد العباسيين:

أما في عهد العباسيين، فقد كانت التقلبات السياسية، التي كان لغير العرب دور كبير فيها وفي صنعها، وتوجيهها ـ كان لها ـ تأثير بارز على ظهور التعصبات العرقية، والعنصرية بين حين وآخر، على درجات متفاوتة من القوة والضعف، وقد صاحب ذلك تهيؤ الفرصة أمام غير العرب، للتعبير عن رأيهم في هذه القضية، والدفاع عن مبدأ المساواة بين الناس، بقوة وبحرية..

ولكن موضوع التمييز العرقي، والشعور العنصري، بقي له دوره في كثير من المواضع والمواقع، وكان له تأثيره في كثير من التقلبات، والمواقف، ولا نريد هنا تقصي هذا الأمر، وإنما نريد فقط الإلماح إلى مورد أو موردين ظهر فيهما هذا الأمر جلياً وواضحاً، ونكل أمر تقصي ذلك إلى من يهمه هذا الأمر.

فنقول: إنه عدا عن الفتن العرقية والثورات العنصرية التي ظهرت في أكناف وأطراف الدولة الإسلامية هنا وهناك، وهي كثيرة جداً (1) فإننا نجد:

1 ـ إنه يظهر: أن سياسة الاتهام بالزندقة، التي تعني لزوم قتل المتهم بها، ـ هذه السياسة ـ يرجع تاريخها إلى عهد بني أمية، ثم تبناها العباسيون بصورة أكثر فعالية، وحزماً، وتشدداً. وكانت هذه التهمة تمثل أسلوب الانتقام الناجح من الخصوم، من دون أن يثير أية سلبيات ظاهرة، بل إن فيها ايجابية إظهار الهيئة الحاكمة حريصة على الشريعة، مهتمة بأمر الدين، متجلببة جلباب التقوى، والخشية والورع.

وقد طالت هذه التهمة الموالي بالدرجة الأولى، وخصوصاً المثقفين والواعين منهم، ويظهر من بعض النصوص: أن الموالي كانوا مستهدفين ـ هم والشيعة ـ

ــــــــــــ

(1) راجع: على سبيل المثال الفتن والحروب التي جرت في عهد الرشيد ما بين سنة 170 و185 فإن في ذلك مقنعاً وكفاية، لمن أراد الرشد والهداية.


(123)

بصورة رئيسية، وأساسية، يقول الجاحظ:

«.. فان عامة من ارتاب بالإسلام، إنما كان ذلك أول رأي «الشعوبية»، والتمادي فيه، وطول الجدال المؤدي إلى القتال؛ فإذا أبغض شيئاً، أبغض أهله.. الخ» (1).

وقد ادعى البعض: أن أغلب الزنادقة، كانوا من الموالي، أما العرب؛ فلم يوصف منهم بالزندقة سوى أربعة أشخاص، لا غير(2)!!

2 ـ ويذكر المؤرخون: أن الخليفة الراضي لم يكن يتناول شيئاً من أسود (3).

3 ـ وقد قرروا: أن ضياع الأندلس كان سببه التمييز بين العرب، وغيرهم (4).

قوالب حضارية خادعة:

هذا.. وقد استمر هذا الاتجاه بالظهور والاختفاء بين حين وآخر، حتى لقد دافع ابن تيمية بحرارة، عن عقيدة أهل السنة والجماعة، في أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، حسبما تقدم ولكن أصبح الجهر بهذا الأمر صعباً، ومستهجناً، وثقيلاً. فكان أن ظهر أخيراً في قوالب حضارية (!!)، وشعارات خادعة، وتحت أسماء مضللة، ومطاطة، وغائمة.. إن اختلفت في عباراتها وطروحاتها في الظاهر، فهي متفقة من حيث المضمون والجوهر، ثم من حيث الآثار والنتائج، وهذه القوالب من قبيل: الغرب، والشرق، والأوربية، والآسيوية، والقومية والوطنية.

ــــــــــــ

(1) الحيوان: ج7 ص220، الجذور التاريخية للزندقة والشعوبية عن البيان والتبيين: ج‌3 ص14 ولم نجده فيه، ولعلّه قد اشتبه عليه الأمر.

(2) الزندقة والشعوبية ص21.

(3) الإلمام ج1 ص186.

(4) راجع: الإسلام والمشكلة العنصرية ص97 ـ 103.


(124)

ونحو ذلك..

وذلك لأنّ شعار القومية العربية مثلاً، والقومية الفارسية، والقومية الكردية.. وما إلى ذلك من أمور، تعطى على أساسها الامتيازات، وترسم انطلاقاً منها السياسات.. ـ إن هذه الشعارات ـ ما هي إلاّ ذلك التعبير الفني الخادع، الذي يستبطن التمييز العرقي، والعنصري، بأبشع أنواعه.

ولعل أول من استخدام كلمة «القومية» ـ فيما نعلم ـ هو أبو يحيى بن مسعدة، في رسالته التي كتبت في القرن السادس الهجري، وردّ فيها على ابن غرسية (1).

وبعد.. فان من الواضح: أن التعصب للوطن بما هو وطن، وللكردية والفارسية، والعربية والأوربية وغيرها، وإعطاء الامتيازات، ثم حرمان الآخرين، على أساس هذا الانتماء، أو ذاك، وعدمه، لا يبعد في مضمونه الحقيقي عن واقع التمييز العنصري، ما دام أن إعطاء الامتيازات على أساسه، يؤول إلى جعل أمر غير اختياري منشأ للامتيازات، وللحرمان منها.. الأمر الذي لن يكون قادراً على المساهمة في تكامل الإنسان في إنسانيته، وملكاته الخيرة والنافعة، لا من قريب، ولا من بعيد، تماماً كما هو الحال في التمييز على أساس الجمال، أو اللون، أو اللغة، أو الطبقة، أو ما إلى ذلك..

ومن هنا.. فان الحاجة تمس إلى توضيح ذلك للناس، وبيان خلفياته وإبعاده المختلفة؛ ليكون الناس على بصيرة من أمرهم، وليتأكد لهم صحة وسلامة النظرة الإسلامية الواقعية في هذا المجال، ولتلتزم البشرية بتعاليم الإسلام، وبهديه القويم، في اعتبار التقوى أساساً للتفاضل، ومعياراً لتقييم الإنسان في إنسانيته، وفي ما يصدر عنه من أعمال ومواقف.

ـــــــــــــ

(1) راجع: نوادر المخطوطات ج1 ص277.


(125)

الفصل الثالث: سياستان: لا تلتقيان..

(127)

الخليفة الثاني وسياسة التمييز العنصري:

إنه عدا عن أننا نجد اتهاماً صريحاً موجهاً من قبل العباس بن عبد المطلب إلى عمر بن الخطاب، بأنه كان ينطلق في مواقفه من أبي سفيان حينما طالب بقتله في فتح مكة من الروح القبلية والتعصب لعشيرته، فقد قال له العباس: مهلا يا عمر، أما والله، أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت: انه من رجال بني عبد مناف (1).

نعم.. عدا عن ذلك، فان لدينا الكثير من النصوص التي تدل على أنّ الخليفة الثاني كان يصر على تمييز العرب على كل من عداهم، وأن كل همه كان منصرفاً إلى تأكيد ذلك وتثبيته؛ ليكون سياسة متبعة بعده، يأخذها الخلف عن السلف.

ومن جهة أخرى فإنه كان يبخس غير العرب حقوقهم، ويمتهن كراماتهم، ويعتدي على شخصيتهم في سياساته، وتشريعاته، ومواقفه، في الظروف، والمناسبات، والأحوال المختلفة.

ولبيان طرف من ذلك نشير إلى سياساته هذه في مجالين:

ــــــــــــ

(1) حياة الصحابة ج1 ص154 عن مجمع الزوائد ج6 ص167 وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح والبداية والنهاية ج4 ص291 عن البيهقي.


(128)

المجال الأول: تفضيل العرب:

فبالنسبة إلى سياسته في تفضيل العرب، فإننا نشير إلى ما يلي:

إن من كلماته المعروفة والمأثورة عنه، قوله: «ليس على عربي ملك» (1).

ويقول: «إنّي كرهت أن يصير السبي سنة على العرب» (2). وقد اعتق سبي اليمن، وهن حبالى، وفرق بينهن وبين من اشتراهن (3).

واعتق كل مصل من سبي العرب، وشرط عليهم: أن يخدموا الخليفة من بعده ثلاث سنين (4).

وكان في وصيته: أن يعتق كل عربي في مال ا‏لله. وللأمير من بعده عليهم ثلاث سنوات، يليهم مثلما كان يليهم عمر (5).

ولا ندري سرّ هذا الشرط، ولا مبرراته بالتحديد، إلا إذا كان يقصد خليفة معينا لديه، يعدّ العدة لفرضه على الناس، عن طريق اختراع شورى الستة أشخاص، الذين اختارهم بعناية فائقة، مما جعله يطمئن إلى حقيقة النتيجة، التي سوف ينتهون إليها.

وحدد فداء العربي مقداراً معيناً من الإبل، ولكن ما حدده قد اختلف أيضاً (6) ولعل ذلك يرجع إلى أنه قد تقلب رأيه وتبدل من وقت لآخر..

ــــــــــــ

(1) الأموال ص197 و198 و199 والإيضاح ص249 وقضاء أمير المؤمنين علي عليه السلام ص264 عنه وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص549 ط الاستقامة وسنن البيهقي ج9 ص73 و74 ونيل الأوطار ج8 ص150، والمسترشد في غمامة علي عليه السلام ص115 وراجع المصنف للصنعاني ج10 ص103 ـ 105 وج7 ص278 و279 والنظم الإسلامية لصبحي الصالح ص463.

(2) تاريخ اليعقوبي ج2 ص139.

(3) الإيضاح ص249.

(4) راجع: المصنف لعبد الرزاق ج8 ص380 و381 وج9 ص168وراجع المسترشد ص115.

(5) راجع المصنف للصنعاني ج8 ص380 و381 وج9 ص168.

(6) راجع في ذلك: المصنف للصنعاني ج10 ص104 و302 و103 وج7 ص278 و279 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص549 ط الاستقامة وغير ذلك.


(129)

ولذلك نظائر في آرائه وفي قراراته، كما في بعض مسائل الإرث (1).

ومما يروى عنه: أنه لما ولي قال: إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً، وقد وسع الله عزّ وجل، وفتح الأعاجم، واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام، إلا امرأة ولدت لسيدها.. الخ (2).

ورد سبي الجاهلية، وأولاد الإماء منهم أحراراً إلى عشائرهم، على فدية يؤدونها إلى الذين أسلموا وهم في أيديهم، قال: وهذا مشهور من رأيه (3).

كما أنه قد أمر بردّ سبي مناذر، وكل ما أصابوه منهم، على اعتبار: أنها من قرى السواد (4).

وردّ سبي ميسان، رغم أن بعضهم قد وطأ جاريته زماناً، فردّها ولا يعلم إن كانت حاملاً منه أم لا (5).

وكان إذا بعث عماله شرط عليهم شروطاً منها: «.. لا تضربوا العرب؛ فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تعتلوا عليها؛ فتحرموها»(6).

كما أنه قد أخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى العرب نصف العشر(7).

ولعل سياسة عمر هذه، هي التي دفعت البعض، لان يبادر إلى نسبة بعض الأقوال إلى رسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، تتضمن الأمر بحب العرب،

ــــــــــــ

(1) راجع: الغدير ج6.

(2) راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص382 وتاريخ الأمم والملوك ط الاستقامة ج2 ص549 وقضاء أمير المؤمنين علي عليه السلام ص 263 / 264.

(3) الأموال ص197.

(4) الأموال ص205 وفتوح البلدان ص 465.

(5) الأموال ص205.

(6) راجع: المصنف للصنعاني ج11 ص325 وتاريخ الأمم والملوك ط الاستقامة ج3 ص273 والمسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص115 ومستدرك الحاكم ج4 ص439 وحياة الصحابة ج2 ص82 عن كنز العمال ج3 ص148 عن البيهقي عن ابن أبي شيبة والنظم الإسلامية ص310 وعن البيهقي ج9 ص39 وج1 ص279.

(7) المصنف للصنعاني ج6 ص99.


(130)

وتحذر من بغضهم (1).

وبعضها يدعي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد اختص سلمان بالنهي عن بغض العرب (2).

كما أن سياسة عمر هذه تجاه العرب، لعلها هي التي جعلته يأمن جانبهم، حتى إنه ليقول: «قد كنت أظنّ: أن العرب لن تقتلني»(3).

وفي لفظ آخر: «ما كانت العرب لتقتلني»(4).

المجال الثاني: تجني الخليفة على غير العرب:

أما رأي عمر وسياساته تجاه غير العرب، فرغم أنه هو نفسه يقول: «إني تعلمت العدل من كسرى، وذكر خشيته وسيرته»(5).

ولم يتعلم ذلك من أي شخصية عربية، حتى من النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ورغم أننا لا نجد في سيرة كسرى هذا العدل المدعى، الذي تعلمه عمر، ولا تلك الخشية التي نسبها إليه !! وإن كنا ربما نجد اليسير من الظواهر الخادعة، التي تخفي وراءها الكثير من الظلم والجور، والفساد، والقسوة..

نعم.. إننا رغم ذلك نجد سياسة عمر تجاه غير العرب قد كانت قاسية وظالمة، وليس فيها ما يصحح وصفها بالعدل والإنصاف..

هذه السياسة التي طبقها الأمويون بعده بحذافيرها، واستمرت آثارها

ــــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال: ذكر أخبار أصبهان ج1 ص99 وكشف الأستار ج1 ص51 ولسان الميزان ج1 ص354 واقتضاء الصراط المستقيم ص148 و149 و155 و156 و157 و158 وتاريخ جرجان ص539 والعقد الفريد ج3 ص324 وميزان الاعتدال ج1 ص185 ومجمع الزوائد ج10 ص27 وج1 ص89 عن البزار والطبراني في الأوسط وحياة الصحابة ج2 ص415 وضحى الإسلام ج1 ص76.

(2) راجع: المصادر المتقدمة، فان بعضها قد ذكر ذلك.

(3) المصنف للصنعاني ج5 ص476.

(4) تاريخ عمر بن الخطاب ص240.

(5) أحسن التقاسيم ص18.


(131)

تتفاعل، وتتلاقح قروناً من الزمن بعد ذلك، بل إننا لا نزال نجد هذه الآثار تظهر بصورة أو بأخرى حتى يومنا هذا، حسبما المحنا إليه..

ونحن نذكر فيما يلي بعض النصوص التي توضح هذه السياسة، وهي التالية:

سياسات الخليفة بالتفصيل:

1 ـ تحريم المدينة على غير العرب:

«كان عمر لا يترك أحداً من العجم يدخل المدينة..»(1).

وحين طعن عمر، وعنف ابن عباس، لحبّه وأبيه كثرة العلوج بالمدينة، قال له أن شئت فعلت؛ أي قتلناهم. قال: كذبت. بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم، وحجوا حجكم؟!(2).

2 ـ بيع الجار النبطي:

وقد نقل المأمون العباسي: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من كان جاره نبطياً، واحتاج إلى ثمنه فليبعه(3).

3 ـ لا قود لغير العربي من العربي:

وقد طلب عبادة بن الصامت من نبطي: أن يمسك له دابته، فرفض،

ــــــــــــ

(1) مروج الذهب ج2 ص320 والمصنف للصنعاني ج5 ص474. وراجع: مجمع الزوائد ج9 ص75 عن الطبراني، وطبقات ابن سعد ط صادر ج3 ص349 والمجروحون ج3 ص350 وحياة الصحابة ج2 ص29 وتاريخ عمر بن الخطاب ص238 و241.

(2) تاريخ عمر بن الخطاب ص243.

(3) عيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص130 وكتاب بغداد لطيفور ص38 / 40 ط سنة 1388 هـ. والمحاسن والمساوي ج2 ص278 والزهد والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص52 ومحاضرات الأدباء ج1 ص 350، وقضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ص264 عن ابن قتيبة، والحموي، وراجع: الإيضاح لابن شاذان ص486.


(132)

فضربه عبادة؛ فشجه؛ فأراد عمر أن يقتص له منه؛ فقال له زيد بن ثابت:

أتقيد عبدك من أخيك؟.

فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية (1).

4 ـ زيّ العجم:

وقد كتب عمر إلى من كان مع عتبة بن فرقد بآذربايجان: «.. وإياكم والتنعم، وزيّ العجم»(2).

وليس ذلك لأجل أن في ذلك تشبهاً للمسلم بغير المسلم، فانه لم يكن بينهما هذا التمايز الواضح في الزي، بحيث يعدّ هذا زيّ مسلم، وذاك زيّ كافر، فإن الناس كانوا يتوافدون على الدخول في الإسلام من جميع الأمم، وما كانوا يؤمرون بتغيير زيّهم إلى زيّ آخر خاص بالمسلمين..

بل لقد ادعى ابن تيمية: إن الشريعة حين تنهى عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك الأعاجم الكفار والمسلمون معاً(3).

5 ـ رطانة الأعاجم، ونقش الخاتم بالعربية:

وعن عمر بن الخطاب، أنه قال: «لا تعلموا رطانة الأعاجم»(4).

وسمع ـ وهو يطوف ـ رجلين خلفه، يرطنان؛ فالتفت إليهما، وقال: ابتغيا

ــــــــــــ

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص446 وتذكرة الحفاظ ج1 ص31 وسنن البيهقي ج8 ص32 وسير إعلام النبلاء ج2 ص440 وكنز العمال ج7 ص303.

(2) السنن الكبرى ج10 ص14 والمصنف للصنعاني ج11 ص86 وحياة الصحابة ج2 ص801 عن كنز العمال ج8 ص58 عن البيهقي، وعن أبي ذر الهروي في الجامع.

(3) راجع: اقتضاء الصراط المستقيم ص162.

(4) السنن الكبرى ج9 ص234 وراجع: المصنف للصنعاني ج1 ص411 واقتضاء الصراط المستقيم ص199 و205 عن مصنف ابن أبي شيبة، والتراتيب الإدارية ج1 ص205 و206.


(133)

إلى العربية سبيلاً (1).

وعنه أنه قال: تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة (2).

فإذا كان التكلم بالعربية يزيد في المروءة بزعمه؛ فان التكلم بالفارسية يوجب ذهاب المروءة بنظره أيضاً.

فقد رووا عنه قوله: «من تكلم بالفارسية؛ فقد خبّ، ومن خبّ ذهبت مروءته» (3).

قال الكتاني: وقد استفسد ابن رشد ما جاء عن مالك، وعن عمر، من ذم تعاطي لغة الأعاجم (4).

وبعد.. فان الخليفة قد نهى أيضاً؛ أن ينقش في الخاتم بالعربية (5) ولعله ترفعاً باللغة عن الابتذال!!

تحفظ لابد منه:

وبعد.. فإننا نعتقد: أن أبا هريرة قد أراد التزلف إلى الخليفة وإلى من يسيرون على خطه، ويتبعون سياسته، حينما روى الحديث المرفوع: «أبغض الكلام إلى الله الفارسية»(6).

وذلك لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد تكلم بالفارسية مع أبي

ــــــــــــ

(1) المصنف للصنعاني ج5 ص496 / 497 وتاريخ جرجان ص486.

(2) ربيع الأبرار ج3 ص545.

(3) ربيع الأبرار ج1 ص796 وتاريخ جرجان ص486 واقتضاء الصراط المستقيم ص205 وراجع ص206 عن مصنف ابن أبي شيبة.

(4) التراتيب الإدارية ج1 ص205.

(5) راجع: طبقات ابن سعد ط صادر ج4 ص176 وج6 ص41 وط ليدن ج7 ص11 والفائق ج2 ص349 و350 وراجع: جامع البيان ج4 ص40.

(6) لسان الميزان ج1 ص406 وميزان الاعتدال ج1 ص230 والمجروحون ج1 ص129.

وذكر في: اقتضاء الصراط المستقيم ص205 نسبة الرواية التالية إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من كان يحسن: أن يتكلم بالعربية؛ فلا يتكلم بالفارسية، فانه يورث النفاق».


(134)

هريرة بالذات(1)، فضلاً عن موارد أخرى رويت عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم..

كما أننا لا نكاد نصدق ما يروى: من أن الملائكة حول العرش يتكلمون بالفارسية(2).

6 ـ ولاية المولى على العرب:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: خرجت مع عمر (رض) إلى مكة؛ فاستقبلنا أمير مكة: نافع بن علقمة (رض)، فقال:

من استخلفت على أهل مكة؟

قال: عبد الرحمن بن أبزى (رض).

قال: عمدت إلى رجل من الموالي؛ فاستخلفته على من بها من قريش، وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟.

قال: نعم. وجدته أقرأ للكتاب، ومكة أرض مختصرة؛ فأحببت أن يسمعوا كتاب ا‏لله، من رجل حسن القراءة.

قال: نعم ما رأيت، إن عبد الرحمن بن أبزى ممن يرفع ا‏لله بالقرآن(3).

فنراه يعتبر: أن كونه من الموالي من موجبات ضعته ونقصه، لولا أن رفعه ا‏لله بالقرآن.

7 ـ التفضيل بالعطاء:

وفيما يرتبط بتفضيله العرب على العجم في العطاء، فانه أمر معروف،

ــــــــــــ

(1) مسند أحمد ج2 ص390 والرصف ج1 ص83 وسنن ابن ماجة، في الطب، باب: الصلاة شفاء رقم 3458 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص248 وقد ذكر تكلمه مع جابر بالفارسية أيضاً.

وفي المعجم الصغير ج1 ص214 ما يدل على أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يعرف الفارسية أيضاً، فراجعه، وراجع سواه.

(2) المجروحون ج1 ص232.

(3) حياة الصحابة ج3 ص150 عن كنز العمال ج5 ص216 عن أبي يعلى. والمصنف للصنعاني ج11 ص439 وفي هامشه عن مسلم، وأبي يعلى، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج5 ص216.


(135)

ومشهور أيضاً (1) فانه كتب الناس على قدر أنسابهم؛ فلما انقضت العرب ذكر العجم (2).

قال ابن شاذان: «.. فلم تزل العصبية ثابتة في الناس، منذ ذاك، إلى يومنا هذا» (3).

وقد أجرى سياسة التمييز هذه حتى بالنسبة لنساء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال الجاحظ: «فضل القرشيات من نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على غيرهن» (4).

ويكفي أن نشير هنا إلى أنه قد أعطى جويرية ستة آلاف درهم، بينما أعطى عائشة اثني عشر ألف درهم، وقال: لا أجعل سبية كابنة أبي بكر الصديق (5).

8 ـ الكفاءة في النكاح:

أضف إلى جميع ما تقدّم: أنه نهى: أن يتزوج العجم في العرب، وقال: لأمنعن فروجهن إلا من الأكفاء (6).

وعند الجاحظ أنه قال: «زوجوا الأكفاء. وكان أشد منه (أي من أبي

ــــــــــــ

(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج8 ص111 والعثمانية للجاحظ ص211 والمسترشد في إمامة علي عليه السلام ص115 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص152 / 153 وبهج الصباغة ج12 ص202 وتلخيص الشافي ج4 هامش 14 / 15 عن مصادر عديدة. وراجع: طبقات ابن سعد ج3 ص122 و212 و216 والسنن الكبرى ج6 ص350 و349 ومجمع الزوائد ج6 ص3 و4 و6 وكنز العمال ج3 ص309 و315 وحياة الصحابة ج2 ص228 ـ 235 وتاريخ الأمم والملوك. وليراجع كل مورد تحدث فيه المؤرخون عن تدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب.

(2) راجع: اقتضاء الصراط المستقيم ص159.

(3) الإيضاح ص252.

(4) العثمانية ص 211.

(5) أنساب الأشراف، قسم سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ص442 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص614.

(6) الإيضاح ص 280 و286 وفي هوامشه عن عدد من المصادر، وراجع: الاستغاثة ص45 والمسترشد في إمامة علي عليه السلام ص114 والسنن الكبرى ج7 ص133 والمصنف للصنعاني ج6 ص152 و154 وراجع: نفس الرحمن ص29 ومحاضرات الأدباء، المجلد الثاني ج 3 ص208.


 (136)

بكر) في أمر المناكح» (1).

وصاروا يفرقون بين العربية والموالي (2).

وقد انعكس ذلك على الفقه أيضاً، فقد: قالت الحنفية: «قريش بعضها أكفاء لبعض، ومن كان له أبوان في الإسلام فصاعداً من الموالي، فهم أكفاء (3).

وفي التذكرة: أن الحنفية، وبعض الشافعية، قد أفتوا بأن العجم ليسوا أكفاء للعرب. أما الثوري، فكان يرى التفريق بين المولى والعربية وشدد فيه وله فتاوى عجيبة أخرى لا مجال لذكرها هنا (4).

وقال ابن رشد: «قال سفيان الثوري وأحمد: لا تزوج العربية من مولى، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تزوج قرشية إلا من قرشي، ولا عربية إلا من عربي»(5).

كما ويلاحظ هنا: أنهم قد وضعوا بعض ما يسمى بالروايات، ونسبوها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم(6).

ونكاد نظن: أن الخليفة الثاني، قد استفاد ذلك من كسرى، الذي تعلم منه العدل أيضاً.. وذلك لأن أنوشيروان اشترط على معدي كرب شروطاً، منها: أن الفرس تتزوج باليمن، ولا تتزوج اليمن منها.

وفي ذلك يقول الشاعر:

على أن ينكحوا النسوان منهم * ولا ينكحوا في الفارسينا(7)

ــــــــــــ

(1) العثمانية ص211.

(2) الإيضاح ص286.

(3) الإسلام والمشكلة العنصرية ص67 عن الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ص32 هامش كتاب الخراج لأبي يوسف ط بولاق.

(4) راجع: المصنف للصنعاني ج6 ص154 وكلام أبي حنيفة في ضحى الإسلام ج1 ص77 وكلام الشافعية في كتاب: الإسلام والمشكلة العنصرية ص67 عن كتاب: التنبيه في الفقه الشافعي ص95. وراجع: اقتضاء الصراط المستقيم ص159.

(5) بداية المجتهد: ج2 ص351.

(6) راجع: كشف الأستار ج2 ص161 ومجمع الزوائد ج4 ص275.

(7) مروج الذهب ج2 ص56. ويلاحظ: أن الشطر الثاني غير مستقيم. ولعل الصحيح: وألاّ ينكحوا في الفارسينا.


(137)

وبعد.. فإننا نجد عمر بن عبد العزيز الأموي يقتفي خطى عمر بن الخطّاب في هذا المجال؛ فهو يقول:

لا يتزوج من الموالي في العرب إلا الأشر البطر، ولا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطمع الطبع، وقال:

لا خير في طبع يهدي إلى طمع * وغفة من قوام العيش تكفيني(1)

وقال الجاحظ: «وقالت الزنج للعرب: من جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم؛ فلما جاء الإسلام رأيتم ذلك فاسداً»(2).

وزعم الأصمعي، قال: سمعت أعرابياً يقول لآخر:

أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة؟!

قال: أرى ذلك ـ والله‏ ـ بالأعمال الصالحة.

قال: توطأ ـ والله ـ رقابنا قبل ذلك (3).

9 ـ قرار يعجز الخليفة عن تنفيذه:

ولما ورد سبي الفرس إلى المدينة أراد عمر أن يبيع النساء، ويجعل الرجال عبيداً للعرب، وعزم على أن يحملوا الضعيف، والشيخ الكبير في الطواف حول البيت على ظهورهم.

ولكن أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام رفض ذلك، وأعتق نصيبه، ونصيب بني هاشم، فتبعه المهاجرون والأنصار، ففات على عمر ما كان أراده(4).

ــــــــــــ

(1) الفائق ج1 ص353.

(2) رسائل الجاحظ ج1 ص197.

(3) الكامل للمبرد ج4 ص16.

(4) نفس الرحمن ج144 ودلائل الإمامة ص81 و82 والبحار ج46 ص15 / 16 وج97 ص56 وج45 ص330 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص48.


(138)

10 ـ محاولة استئصال غير العرب:

وقد أرسل عمر إلى أبي موسى الأشعري، عامله بالبصرة حسب ما ورد في رسالة معاوية لزياد: «.. أعرض من قبلك من أهل البصرة؛ فمن وجدت من الموالي، ومن أسلم من الأعاجم قد بلغ خمسة أشبار؛ فقدمه؛ فاضرب عنقه»(1).

فشاور أبو موسى زياداً، فنهاه زياد عن ذلك، وأمره أن يراجع عمر في ذلك، فكتب إليه، وأرسل زياداً إليه بالكتاب، فلم يزل بعمر حتى ردّه عن رأيه، وخوفه فرقة الناس، فرجع..

وقال له: «ما يؤمنك، وقد عاديت أهل هذا البيت: أن يثوروا إلى علي؛ فينهض بهم، فيزيل ملكك؟!».

فكفّ عن ذلك.

ثم تذكر الرسالة سبب إقدام عمر على هذا الإجراء، وهي أمور هامة يجدر بالباحث الاطلاع عليها، ويقول فيها أيضاً معاوية لزياد:

«.. فلو كنت يا أخي لم ترد عمر عن ذلك لجرت سنته، ولاستأصلهم ا‏لله، وقطع أصلهم. وإذن.. لاستنت به الخلفاء بعده، حتى لا يبقى منه شعر، ولا ظفر، ولا نافخ نار الخ..» (2).

11 ـ أوامر وقرارات لا تطاق:

وقد جاء في رسالة معاوية لزياد بن أبيه، المشار إليها آنفاً: الأوامر والقرارات التالية:

«.. وانظر إلى الموالي، ومن أسلم من الأعاجم؛ فخذهم بسنة عمر بن

ــــــــــــ

(1) سليم بن قيس ص142 وراجع: نفس الرحمن ص144 وسفينة البحار ج2 ص165.

(2) راجع: كتاب سليم بن قيس ص142 ـ 143 ونفس الرحمن ص144.


(139)

الخطاب؛ فان في ذلك خزيهم وذلّهم:

أن تنكح العرب فيهم.

ولا تنكحوهم.

وأن يرثهم العرب.

ولا يرثونهم.

ولا تقصر بهم في عطائهم، وأرزاقهم..

وأن يقدموا في المغازي: يصلحون الطريق، ويقطعون الشجر.

ولا يؤم أحد منهم العرب في صلاة.

ولا يتقدم أحد منهم في الصف الأول، إذا حضرت العرب، إلا أن يتموا الصف.

ولا تولّ أحداً منهم ثغراً من ثغور المسلمين، ولا مصراً من أمصارهم.

ولا يلي أحد منهم قضاء المسلمين.

ولا أحكامهم.

فان هذه سنة عمر فيهم، وسيرته..».

إلى أن قال:

«.. وفي رواية أخرى: يا أخي لولا أن عمر سنّ دية الموالي على النصف من دية العرب ـ وذلك أقرب للتقوى ـ لما كان للعرب فضل على العجم.

فإذا جاءك كتابي هذا..

فإذلّ العجم.

وأهنهم.

وأقصهم.

ولا تستعن بأحد منهم.

ولا تقض له حاجة» (1).

ــــــــــــ

(1) راجع: كتاب سليم بن قيس ص140 و141 ونفس الرحمن ص144 وسفينة البحار ج2 ص165.


(140)

12 ـ الإرث:

قد أشير في الرسالة السابقة إلى أن عمر بن الخطاب قد قرر: أن العرب يرثون العجم والموالي، ولا يرث هؤلاء أولئك..

ولا يقتصر نقل ذلك عنه على ذلك النص، فقد صرحوا بقولهم:

أبى عمر: أن يورِّث أحداً من الأعاجم إلا أحداً ولد في العرب (1) زاد رزين: أو امرأة جاءت حاملاً؛ فولدت في العرب..(2).

وهو قول عثمان وعمر بن عبد العزيز أيضاً(3).

13 ـ تقليم أظفار العجم:

وكان ثابت بن قرة الحراني الصابي الفيلسوف يقول: «فضلت امة النبيّ العربي على جميع الأمم الخالية بثلاثة لا يوجد في من مضى مثلهن:

بعمر بن الخطّاب في سياسته؛ فانه قلّم أظفار العجم، ولطف في إيالة العرب، وتأتى لتدبير الحروب، وأشبع لبطون العرب»(4).

14 ـ الحمراء والتجارة:

«.. وفي العتيبة: قال مالك: قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتجارة، لا تفتنكم هذه الحمراء على دنياكم. قال أشهب: كانت قريش تتجر، وكانت العرب تحقر التجارة.

ــــــــــــ

(1) الموطأ ج2 ص60 والغدير ج6 ص187 عنه. وبداية المجتهد ج2 ص351 وراجع: المصنف للصنعاني ج10 ص300 و301 وعن كنز العمال ج6، وتيسير الوصول ج2 ص188.

(2) تيسير الوصول ج2 ص188.

(3) بداية المجتهد ج2 ص351 وراجع: المصنف للصنعاني ج10 ص300 و301 عن عثمان وعمر وراجع: كنز العمال ج6.

(4) البصائر والذخائر ج1 ص195.


(141)

والحمراء يعني: الموالي.

وفي المدخل لابن الحاج: ورد أن عمر بن الخطاب دخل السوق في خلافته؛ فلم ير فيه في الغالب إلاّ النبط، فاغتم لذلك؛ فلما أن اجتمع الناس أخبرهم بذلك، وعذلهم في ترك السوق؛ فقالوا: إن ا‏لله أغنانا عن السوق، بما فتح به علينا، فقال (رض): وا‏لله لئن فعلتم ليحتاج رجالكم إلى رجالهم، ونساؤكم إلى نسائهم» (1).

هذه نظرة عمر إلى الموالي، وهذا هو رأيه فيهم. بل لقد منعهم حتى من دخول السوق ! فقد روي عنه: أنه قال: لا يدخل الأعاجم سوقنا حتى يتفقهوا في الدين (2).

ولا ندري إن كان قد اشترط على العرب أيضاً هذا الشرط أم لا؟

بل إن الظاهر من رواية العتيبة، وابن الحاج: أنه كان لا يرغب في أن يرى الموالي في السوق، يتجرون، ويحصلون على المال دون العرب؛ فموقفه نابع من حبه الخير للعرب، دونهم. وقد رأينا فيما سبق كيف فضل العرب عليهم، في العطاء، وفي الزواج، وفي ما سوى ذلك من أمور.

وخطب عمر في الجابية، فكان مما قال: «وإياكم وأخلاق العجم.. إلى أن قال: وإياكم أن تكسبوا من عقد الأعاجم، بعد نزولكم في أرضهم. الخ» (3).

وأخيراً.. فان ولده عبد الله‏، الذي كان معجباً بأبيه، ومتأثراً به إلى حد بعيد ـ قد ورثه في احتقاره لغير العرب، فقد روي: أنه مرّ على زنجي؛ فقال له: السلام عليك يا جُعَل (4).

وبعد كل ما تقدم يتضح: أن ما روي من أن عمر بن الخطاب قد لام أبا موسى، لأنه حين قدم عليه قوم أعطى العرب منهم وترك الموالي(5) إنما هو لان عدم

ــــــــــــ

(1) التراتيب الإدراية ج2 ص20 وذكر في ص 21 نصوصاً أخرى: فلتراجع.

(2) التراتيب الإدارية ج2 ص17.

(3) حياة الصحابة ج3 ص488 عن كنز العمال ج8 ص207.

(4) الطبقات الكبرى، لابن سعد ج4 قسم1 ص117 ط ليدن.

(5) حياة الصحابة ج2 ص447 عن كنز العمال ج2 ص 319 و172.


(142)

إعطائهم شيئاً أصلاً من شأنه أن يثيرهم عليه، ويصبح ذلك بداية مشكلات كبيرة قد لا يكون أبو موسى قادراً على مواجهتها، وعليه.. فلا يكون ذلك مخالفاً لرايه الذي ذكرنا بعض شواهده وأدلته.

سياسة علي عليه السلام مع غير العرب:

ونجد في مقابل هذه السياسة العمرية سياسة أخرى علوية، فان سياسة علي عليه السلام جاءت لتجسد رأي الإسلام على أتم وجه، واوفاه، ويتضح ذلك بملاحظة ما يلي من نصوص:

1 ـ «قال مغيرة: كان علي عليه السلام أميل إلى الموالي، وألطف بهم، وكان عمر أشدّ تباعداً منهم»(1).

2 ـ كما أنه عليه السلام لم يكن يميز أحداً على أحد، لا في العطاء، ولا في غيره؛ وذلك لأنه لم يجد في القرآن لبني إسماعيل فضلاً على بني إسحاق على حد تعبيره في إجابته لتلك المرأة التي طالبته بأن يفضلها على أخرى غير عربية(2).

وقد كان ذلك من أهم أسباب تقاعد العرب عنه.

وقد أشير عليه أن يميّز البعض على غيره، من أجل أن تستقيم له الأمور؛ فرفض ذلك؛ حيث إنه لم يكن ليطلب النصر بالجور، على حد تعبيره صلوات ا‏لله وسلامه عليه(3).

ــــــــــــ

(1) الغارات ج2 ص499.

(2) راجع: الغارات ج1 ص70، وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص141 وسنن البيهقي ج6 ص349 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص183 والكافي (الروضة) ص69 وحياة الصحابة ج2 ص112 عن البيهقي، والبحار ج41 ص137 عن شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج1 ص215 ـ 217 والغدير ج8 ص240 وبهج الصباغة ج12 ص197 ـ 207 عن بعض من تقدم، وعن مصادر أخرى وفي هامش الغارات عن: الوسائل ج2 ص431 ط أمير بهادر وعن ثامن البحار ص739.

(3) راجع: الأمالي للشيخ المفيد ص175 / 176 والأمالي للشيخ الطوسي ج1 ص197 / 198 والغارات ج1 ص75 وبهج الصباغة ج12 ص196 والوسائل ج11 ص81 / 82 والكافي ج4 ص31 وتحف العقول ص126 والإمامة والسياسة ج1 ص153 ونهج البلاغة بشرح عبده ج2 ص10 وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص197 و203 والبحار ج41 ص133 و134.


(143)

وقد علمنا: أن من جملة ما نقمه عليه طلحة والزبير: أنه قد عدل عن سنة عمر بن الخطاب في العطاء وذلك معروف ومشهور (1).

2 ـ وسئل عليه السلام: أيجوز تزويج الموالي بالعربيات؟

فقال: تتكافأ دماؤكم، ولا تتكافأ فروجكم؟! (2).

3 ـ وقد أتى الموالي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، فقالوا: نشكو إليك هؤلاء العرب؛ إنّ رسول ا‏لله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يعطينا معهم العطايا بالسوية، وزوّج سلمان، وبلالاً، وأبوا علينا هؤلاء، وقالوا: لا نفعل..

فذهب إليهم أمير المؤمنين؛ فكلمهم، فصاح الأعاريب: أبينا ذلك يا أبا الحسن، أبينا ذلك.

فخرج وهو مغضب، يجر رداءه، وهو يقول: يا معشر الموالي، إن هؤلاء قد صيروكم بمنزلة اليهود والنصارى، يتزوجون منكم، ولا يزوجونكم، ولا يعطونكم مثل ما يأخذون؛ فاتجروا بارك ا‏لله لكم الخ.. (3).

وواضح: أن ذلك قد كان قبل البيعة له عليه الصلاة والسلام بالخلافة..

4 ـ وقال الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين عليه السلام، وهو على المنبر: يا أمير المؤمنين، غلبتنا هذه الحمراء على قربك!

قال: فركض على المنبر برجله. فقال صعصعة: ما لنا ولهذا ـ يعني الاشعث ـ ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر!!..

ــــــــــــ

(1) راجع على سبيل المثال المعيار والموازنة ص113 / 114: المناقب لابن شهرآشوب ج2 ص111.

(2) الاستغاثة ص45.

(3) الكافي ج5 ص318 / 319 وراجع: سفينة البحار ج2 ص165 ونفس الرحمن ص30 والبحار ج42 ص160.


(144)

فقال علي عليه السلام: من يعذرني من هؤلاء الضياطرة (1)، يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجّر قوم للذكر؛ فيأمرني أن أطردهم الخ.. (2).

وتوقعات صعصعة، التي تحققت، تدل على أن ذلك كان معروفاً من رأي علي عليه السلام وطريقته.

ذرية علي (عليه السلام) تسير على نهجه:

وقد سار وُلد علي أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته على نفس هذه السياسة أيضاً، واعتمدوا عين هذا النهج، ويكفي أن نذكر:

1 ـ إن السجاد عليه السلام قد أعتق ـ على ما قيل ـ خمسين ألفاً (3)، بل قيل: أعتق مائة ألف.. (4).

2 ـ وأعتق مولاته، ثم تزوجها، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره بذلك؛ فأجابه بكتاب جاء فيه: «.. وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وتم به النقيصة، وأذهب اللوم؛ فلا لوم على امرئ مسلم، إنما اللوم لوم الجاهلية».

ـــــــــــ

(1) الضيطر: هو الأحمر، العضِل، الفاحش.

(2) راجع: الكامل للمبرد 2 ص62 والغارات ج2 ص499 / 498 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج2 ص284 وج19 ص124 والفائق ج1 ص319 وكنز العمال ج4 ص397 عن ابن أبي شيبة، والحارث، وأبي عبيد، والدورقي، وابن جرير وصححة، والبزار وغريب الحديث ج3 ص484 والنهاية ج3 ص87 وراجع: تفسير العياشي ج1 ص361 / 360 والبحار ج41 ص118 وتفسير البرهان ج1 ص527 وتفسير الثقلين ج1 ص598 / 597 وقاموس الرجال ج2 ص99 وبهج الصباغة ج13 ص400. ومجلة نور علم سنة 2 عدد 6 ص 20 في مقال للعلامة المحقق الأحمدي الميانجي، عن بعض من تقدم، وعن نثر الدرر ج1 ص 299 / 300 وعن تهذيب الكامل للسباعي ج2ص 116 وعن شرح الكامل للمرصفي ج4 ص 194.

(3) زين العابدين، لعبد العزيز سيد الأهل ص47.

(4) المصدر السابق ص7.


(145)

وقد اعترف عبد الملك حينئذٍ: بأن السجاد يرتفع من حيث يتضع الناس (1).

وقد نسبت هذه القضية للإمام الحسين مع معاوية (2) فلا بد من تحقيق ذلك، ولا مجال لذلك في هذه العجالة..

3 ـ وحسب رواية أخرى: أن السجاد تزوج أم ولد عمه الحسن عليه السلام، وزوج مولاه أمه (ونعتقد: أن المراد بها مرضعته، لأن أمه قد توفيت، في نفاسها به) (3).

فلما بلغ ذلك عبد الملك كتبه إليه في ذلك، فكتب إليه السجاد:

فهمت كتابك، ولنا أسوة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقد زوج زينب بنت عمه زيداً مولاه. وتزوج مولاته صفية بنت حيي بن أخطب (4).

وحسبنا ما ذكرنا، فإننا لسنا بصدد تتبع ذلك واستقصائه..

الرافد الأول والأساس:

وأخيراً..

فان من الواضح: أن سياسات التمييز العنصري، سياسات غريبة عن الإسلام، بعيدة كل البعد عن تعاليمه، مناقضة لتشريعاته.

فهل تأثر روّاد هذه السياسة، وحماتها بغيرهم، ممن حرصوا عليها، حرصهم على أنفسهم، واعتبروها نهج حياة، وأساس تعامل؟ !

ـــــــــــ

(1) البحار ج46 ص164 / 165 والكافي ج5 ص344 / 345 وراجع ص361 وأئمتنا ج1 ص287 و288 عن: زين العابدين لعبد العزيز سيد الأهل ص60. والعقد الفريد ج6 ص128 وعن المناقب لابن شهرآشوب ج3 ص300.

(2) الإسلام والمشكلة العنصرية ص65 / 66 عن: الموالي في العصر العباسي ص39.

(3) عيون أخبار الرضا ج2 ص128 والبحار ج46 ص8 و9.

(4) راجع: الكافي ج5 ص346 و361. البحار ج46 ص139 / 140 والإسلام والمشكلة العنصرية ص66 عن الموالي في العصر الأموي ص66.


(146)

الجواب: نعم..

إن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، حينما أعلن عن آرائه وسياساته، تجاه غير العرب، وانتهج سياسة التمييز العنصري، لم يكن في الحقيقة قد ابتدع أمراً جديداً من عند نفسه، لم يكن من قبل.

بل لقد سبقه إلى هذا الأمر اليهود والنصارى؛ فلعله قد تأثر ببعض علمائهم، الذين كانوا مقربين إليه، وكان يرجع إليهم في كثير من القضايا الحساسة، من أمثال: كعب الأحبار، وعبد الله‏ بن سلام، وتميم الداري..

واليهود هم الذين قالوا: «نحن أبناء الله‏ وأحباؤه..»(1).

وقال تعالى: «قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله‏ من دون الناس فتمنوا الموت الخ»(2).

ونحن نذكر فيما يلي نماذج من النصوص العنصرية عند اليهود، وخصوصاً في تلمودهم؛ فنقول:

نصوص عنصرية يهودية:

«قريب اليهود هو اليهودي فقط، باقي الناس حيوانات في صورة إنسان. هم حمير، وكلاب، وخنازير».

«إذا ضرب أمي إسرائلياً، فكأنما ضرب العزة الإلهية» «فالأمي يستحق الموت»(3).

أما كونهم شعب ا‏لله المختار، فلان الله قد تزوج إسرائيل، وسجل عقد الزواج بينهما، وكانت السموات والأرض شهوداً على هذا العقد (4).

«ولليهودي في الأعياد أن يطعم الكلب، وليس له أن يطعم غير اليهود، والشعب المختار هم اليهود فقط، أما باقي الشعوب، فهم حيوانات.

ــــــــــــ

(1) المائدة 18.

(2) الجمعة 6.

(3) الكنز المرصود ص66 ومقارنة الأديان (اليهودية) ص272.

(4) مقارنة الأديان (اليهودية) ص212 و213.


(147)

ويروي: أنه لما قدم بخت نصّر ابنته إلى زعيم اليهود؛ ليتزوجها، قال له هذا الزعيم: إنّي يهودي ولست من الحيوانات الخ..»(1).

وجاء في تلمود أورشليم ص (94): أن النطفة المخلوق منها باقي الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية هي نطفة حصان(2).

ويلزم المرأة أن تعيد غسلها إذا رأت عند خروجها من الحمام شيئاً نجساً، ككلب، أو حمار، أو مجنون، أو أمي، أو جمل، أو خنزير» الخ (3).

«خلق ا‏لله الأجنبي على هيئة الإنسان؛ ليكون لائقاً لخدمة اليهود»(4).

إن اليهود يعتبرون أنفسهم جزءاً من ا‏لله (5). بل يعتبرون أنفسهم مساوين للعزة الإلهية (6).

«.. نحن شعب ا‏لله في الأرض. وقد أوجب علينا أن يفرقنا؛ لمنفعتنا؛ ذلك أنه لأجل رحمته ورضاه سخر لنا الحيوان الإنساني، وهم كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا؛ لأنه يعلم: أننا نحتاج إلى نوعين من الحيوان: نوع أخرس ـ كالدواب، والأنعام، والطير ـ ونوع ناطق، كالمسيحيين، والمسلمين، والبوذيين، وسائر الأمم من أهل الشرق والغرب؛ فسخرهم؛ ليكونوا مسخرين لخدمتنا، وفرقنا في الأرض؛ لنمتطي ظهورهم، ونمسك بعنانهم الخ..» (7).

وفي بروتوكولات حكماء صهيون، البروتوكول الخامس عشر، والحادي عشر نصوص أخرى؛ فلتراجع.. هذا عدا عما سوى ذلك، مما ورد في الموارد المختلفة.

وأخيراً.. فقد قال آدم متز: «كان أغلب تجار الرقيق في أوربا من اليهود.

ــــــــــــ

(1) مقارنة الأديان (اليهودية) ص272. الكنز المرصود ص67 و68 وعن: التلمود شريعة إسرائيل ص25.

(2) الكنز المرصود ص67 وراجع ص68.

(3) المصدر السابق.

(4) الكنز المرصود ص69.

(5) الكنز المرصود ص66 واليهود قديماً وحديثاً ص69 ومقارنة الأديان (اليهودية) ص272.

(6) الكنز المرصود في قواعد التلمود ص72.

(7) اليهود قديماً وحديثاً ص14 وتفسير الجواهر للطنطاوي ج2 ص136.


(148)

وكان الرقيق يجلب كله تقريباً من الشرق الأدنى»(1).

تحريض يهوديّ مبطن:

وإذا كان اليهود قد ساهموا في حمل الحكام على اتباع هذه السياسة، بصورة صريحة، أو مبطنة؛ فإنهم ولا شك، كانوا يرصدون الواقع، ويرقبون الأحداث؛ ويساهمون في توجيهها بحيث، تصب في مصلحتهم، ولا أقل، من الإعداد لمنع حدوث أية مضاعفات تسيءُ إلى مواقعهم، أو تحد من طموحاتهم..

ولا بدّ وأن يكونوا قد لاحظوا: أن أنباط يثرب كانوا أشد الناس على عثمان، حين الثورة عليه، كما سيأتي، وأن أنظار كل الناس ـ إبّان حصار عثمان وحين قتله ـ كانت متجهة صوب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، حتى لقد اتجهوا إلى بيعته، قبل أن يدفن الخليفة المقتول بشوق زائد، ولهفة ظاهرة، حتى وطئ الحسنان، وشق عطفاي، على حد تعبير علي عليه السلام نفسه..

مع سابق علمهم ويقينهم بأن سياسة وطريقة علي عليه السلام في التعامل مع مسألة التمييز والتفضيل، ومع غيرها من المسائل والقضايا، هي التجسيد الحي لسياسة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وطريقته.

فلا بدّ وأن يعيد الأمور إلى نصابها، ويعطي كل ذي حق حقه، ولسوف لا يرى فضلاً لبني إسماعيل على بني إسحاق، ولا عكس ذلك..

نعم.. إن اليهود، وأحبارهم، الذين اظهروا الإسلام، إذا كانوا يدركون كل ذلك، فان من الطبيعي أن نجدهم يتحركون لتلافي الأخطار المحتملة، فنجد الحبر اليهودي، الذي اظهر الإسلام، يظهر موقفه بأسلوب يستبطن إثارة المخاوف، والتحريض على العصيان..

ـــــــــــ

(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج1 ص301.


(149)

فقد روى مسلم بن إبراهيم، قال: أخبرنا سلام بن مسكين، قال: أخبرنا مالك بن دينار، أخبرني من سمع عبد الله‏ بن سلام يقول يوم قتل عثمان:

«اليوم هلكت العرب»(1).

فهو يريد أن يثير حفيظة العرب، بالتلويح بخسرانهم الامتيازات الظالمة، التي منحهم إياها الحكم، مع تحذير مبطن من أن الأمور تتجه نحو تحكيم أولئك الذين لا يرون فضلاً لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فما على العرب إذن إلا أن يتحركوا، وأن يدفعوا الأخطار المحتملة عن أنفسهم!!

وهكذا.. فان صانعي سياسة التمييز بين الناس، يحاولون الآن استثمار جهودهم، ونفث سمومهم، وتسديد ضربتهم للمسلمين وللإسلام في الصميم، فيثيرون عصبية العرب ضد غيرهم، ويصوّرون لهم: أنهم في خطر أكيد، وأمام عدو عنيد، قد أصبحت الحرب معه حرباً مصيرية، وأصبحت العداوة له قائمة على الثأر الدم، فهي إذن ثابتة وراسخة، لن يستطيع أحد إطفاء نارها، ولا التحرز من آثارها..

وإلا.. فلماذا يهلك العرب إذا قتل عثمان، ولا يهلك غيرهم من الناس؟!

وإذا كان عثمان جانياً وقتل، فلماذا يهلك الناس بسببه؟!.

وما هذه الغيرة الشديدة من سليل بني إسرائيل على العرب، وعلى مصيرهم؟ !

ــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد ج3 ص81 ط صادر.


(151)

الفصل الرابع: التمييز العنصري.. نتائج.. وآثار

(153)

من آثار ونتائج السياسة العمرية:

وبعد.. فلقد كان لسياسة التمييز العنصري التي تحدثنا عنها آثارها الخاصة بها، سواء بالنسبة إلى أولئك الذين هدرت كراماتهم، وسلبت حقوقهم، على أساسها، وهم الموالي، وغير العرب..

أو بالنسبة لمؤسسها ورائدها، الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وكل الذين ساروا على نهجه، ونسجوا على منواله..

ولكنها آثار لها طبيعتها الخاصة بها، بالنسبة إلى كل فريق من هذين، كما سنرى.

أضف إلى ذلك تلك الآثار الأخرى، ذات الطبيعة المتميزة أيضاً على ذلك الفريق الثالث، الذي عارض هذه السياسة، ورفضها، وأدانها، بقوة، وصلابة.. أعني عليّاً أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وأهل بيته الطاهرين، صلوات ا‏لله وسلامه عليهم أجمعين، ثم شيعتهم الأبرار الميامين، الذين ترسموا خطاهم، واتبعوا سبيلهم، الذي هو سبيل الإيمان والإسلام.

آثار سياسة عمر على العرب:

فأما بالنسبة لآثارها على العرب، وهم المنتفعون الأوائل من هذه السياسة، بصورة عامة فإننا نقول باختصار:

إن العرب قد حصلوا نتيجة لذلك على امتيازات كثيرة، وأصبحت لهم السابقة


(154)

والأرجحية في كل شيء، واختصوا لأنفسهم بكل مصادر الخير، والفضل، والتقدم في المجالات المختلفة وهم الذين كانوا إلى الأمس القريب لا يحلمون حتى بأن يحكموا أنفسهم، أو يملكوا أمرهم.

وكانوا يعيشون الحياة الصعبة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ويعانون من عقدة التخلف، والحقارة، والمهانة بصورة حقيقية..

وكانوا يتعاملون مع كل من يحيط بهم من الأمم، من موقع الحاجة، والضعف، والاستكانة، والفقر؛ فيقيسون ما هم فيه من ذل إلى ملك كسروي، وجبروت قيصري، فيرون البون الشاسع، والفرق الكبير؛ فأين الثريا من الثرى. وأين الحضيض من السها، قال قتادة: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأبينه ضلالةً، وأعراه جلوداً، وأجوعه بطوناً، معكومين على رأس حجر بين أسدين: فارس، والروم. لا وا‏لله. ما في بلادهم يومئذ شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات ردّي في النار. يؤكلون، ولا يأكلون. والله، ما نعلم قبيلاً يومئذٍ، من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظاً، وأدق فيها شأناً منهم، حتى جاء الله عزّ وجلّ بالإسلام، فورثكم به الكتاب واحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس» (1).

وهناك كلمات أمير المؤمنين المعبرة عن حالة العرب، وأنهم كانوا على «شر دين، وفي شر دار، بين حجارة خشن، وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب الخ» (2).

وله عليه السلام كلمات أخرى تعبر عن حالة العرب.. فليراجعها من أرادها.. وليراجع أيضاً كلام المغيرة بن شعبة في هذا المجال(3).

ـــــــــــ

(1) جامع البيان ج4 ص25 وضحى الإسلام ج1 ص18 عنه.

(2) نهج البلاغة، الخطبة رقم 25 بشرح محمد عبده.

(3) راجع في ذلك كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم (الطبعة الأولى 1403) ج1 ص47 / 48.


(155)

وإذا كانت هذه حالتهم، فإنهم لم يكن يمكن لهم أن يسمحوا لمخيّلتهم أن يمر فيها وَهمُ الخروج من حالتهم تلك، فضلاً عن أن يفكروا في السيطرة على الأمبراطورية الكسروية وغيرها، ويصبحوا بين يوم وآخر أسياد العالم وحكامه، والمسيطرين على قدراته وإمكاناته.

أضف إلى ذلك: أن الأكثرية الساحقة حين حصول هذا التحول الهائل في واقعهم، كانت لا تزال تعيش في ظل مفاهيمها الجاهلية، وتخضع للضوابط والمعايير القبلية، وتنطلق في مواقفها من أهوائها، وعصبياتها، ومصالحها الشخصية.

ولم يتهيأ لها، أو لم تكلف نفسها عناء العيش في ظل مفاهيم الإسلام وتعاليمه، ولم تتفاعل مع قيمه ومثله، ولا عاشت التجربة إلا في حدود الشعار، أو التوهج العاطفي، الذي لم يتأصل في وعيها، ولم يتجذر في فكرها، ولا تلاقى مع فطرتها، ولا لامس ضميرها ووجدانها..

وقد تجلى ذلك بصورة أوضح، بعد أن تعرضت الأمة بعد وفاة نبيها لمسحٍ إعلامي، وتثقيفي، عمل على إيجاد حالة جديدة، تستهدف تحويل الاتجاه في مرامي الطموح إلى مسار جديد ينسجم مع المصالح الطارئة، والتغيرات العارضة، التي جاءت كنتيجة طبيعية للتغيير غير الطبيعي الذي نال مركز القيادة بعد الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتسلّمت القيادة تلك الفئة التي خصتهم بامتيازات ما كانوا يفكرون فيها، ولا يحلمون بها.. فعكفوا على دنياهم، وغرقوا في زبارجها وبهارجها.

ولم يعد يهمهم، إلا أن يكرسوا لأنفسهم هذه الامتيازات، ويحوطوها، ويحافظوا عليها، ثم الحصول على المزيد منها، مهما كان ذلك ظالماً، ومدمراً للآخرين، أو مخالفاً للشرع، ولأحكام الدين، أو تمجه الأخلاق، وتأباه الفطرة..

وبعد كل ذلك، فان من الطبيعي: أن نجد: أن هؤلاء، قد ابتلوا بداء


(156)

الغرور، وبرذيلة الصلف والكبرياء، وما فتئوا يمارسون مختلف أنواع الظلم، والاضطهاد، والإذلال لمن كانوا بالأمس أسيادهم، وأصبحوا اليوم مواليهم وعبيدهم..

وكان من المتوقع كذلك بعد أن ملكوا الأموال، والضياع، والبلاد أن يسقطوا في حمأة الشهوات، وأن يستغرقوا بصورة بشعة، وغير معقولة ولا متزنة في الملذات، ما حلّ منها، وما حرم. وأن تسحرهم الجواهر والمظاهر وتأخذ عقولهم الدنيا وما فيها، من زبارج وبهارج. وتبدأ ملامح شخصيتهم الإنسانية بالانحسار والتلاشي، ليبرز عوضاً عنها ذلك المارد البهيمي الشرس، والضاري، الذي افلت من القمقم، حين كان يعيش في ظلمات نفوسهم..

هذا المارد العتي، الذي لم يكن ليرحم أحداً، يحاول أن يقف في وجهه، ولسوف يواجهه بالمزيد من المقت، والكراهية، والحقد، وبروح الإفناء والتدمير. لا يفرق بين نبي، أو ولي، ولا بين رسول ورسالة، ولا بين فضيلة أو تقوى، ولا بين فطرة أو عقل..

وهذا بالذات هو الذي يفسر لنا ما نال عليّاً عليه السلام وأهل بيته، وشيعته، على مدى التاريخ وما واقعة كربلاء عنا ببعيد، وهو أيضاً يعطينا التفسير الدقيق لدوافع الحرب التي لا تزال تشن دون هوادة، على الإسلام، والقرآن، وعلى كل ما هو شرف ودين، وكمال وفضيلة..

ذلك أن عليّاً عليه السلام وأهل بيته وشيعته، يلتزمون بتعاليم الإسلام، ويمثلون خط القرآن والإيمان، ويتحلون بفضائل الأخلاق، وكريم السجايا، ويهتدون بهدى العقل والفطرة.

عظمة عمر بن الخطاب في العرب:

وأما فيما يرتبط بآثار تلك السياسة على رائدها الأول، ومرسي قواعدها،


(157)

عمر بن الخطاب، فقد كان من الطبيعي، بعد أن فتحت الفتوحات، وأقبلت الدنيا على الناس، أرٍضِيَ غرور الإنسان العربي، واستجيب لأهوائه، وطموحاته في الحصول على المال، وعلى غيره.. ثم استثمر الإعلام ذلك لصالح فريق معين، على حساب كل ما ومن عداه. لقد كان من الطبيعي والحالة هذه: أن يتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين، وهو ما أشار إليه علي عليه السلام، حين قال في جملة كلام له: «.. ثم فتح ا‏لله عليها الفتوح؛ فأثرت بعد الفاقة، وتمولت بعد الجهد والمخمصة..».

إلى أن يقول:

«ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين عليها؛ فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين الخ..» (1).

نعم.. لقد كان من الطبيعي: أن يوجد ذلك التمييز والتفضيل للعرب، تياراً جارفاً من الحب، والتعظيم، والتبجيل لذلك الذي كان السبب في حصولهم على كل ما حصلوا عليه، وأن يصبح رأيه فيهم كالشرع المتبع، وتصبح سنته فيهم هي السنة الماضية.

وقد ذكرنا في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام ص86 ـ 90 بعض ما يفيد في هذا المجال، ونذكر هنا بعض النصوص الأخرى، لإظهار كيف أن قول الخليفة الثاني قد أصبح في الناس كالشرع المتبع، وهي التالية:

إنه يكفي أن نذكر: أنه قد بلغ من عظمة عمر بن الخطاب: أن عليّاً عليه السلام لم يستطع أن يمنع جنده من صلاة التراويح، قال عليه السلام:

«.. وتنادى بعض أهل عسكري، ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام، غيرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً، ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري» (2).

وفي نص آخر: أنهم سألوه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم نافلة شهر

ــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي ص20 ص299.

(2) الكافي ج8 ص59 ـ 63.


(158)

رمضان؛ فزجرهم، وعرفهم: أن ذلك خلاف السنة، فتركوه، واجتمعوا لأنفسهم، وقدموا بعضهم؛ فبعث إليهم ولده الحسن ليفرقهم؛ «فلما رأوه تبادروا إلى أبواب المسجد، وصاحوا: واعمراه» (1).

ولعل أول من صاح بذلك هو قاضيه شريح (2).

وحينما أراد أن يعزل شريحاً عن القضاء، قال له أهل الكوفة: «لا تعزله، لأنه منصوب من قبل عمر، وقد بايعناك على أن لا تغير شيئاً قرره أبو بكر وعمر» (3).

كما أن يزيد بن المهلب قد وعد الناس بالعمل بسنة العمرين (4). وليس سنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم !!

بل إن طلحة والزبير، الذين قاتلا أمير المؤمنين عليه السلام بأهل البصرة العراقيين، حينما قال لهما عليه السلام:

«.. ما الذي كرهتما من أمري، ونقمتما من تأميري، ورأيتما من خلافي؟!

قالا: خلافك عمر بن الخطاب، وأئمتنا، وحقنا في الفيء الخ..» (5).

ونادى أصحاب الجمل بأمير المؤمنين: «اعطنا سنة العمرين» (6).

وقال الخوارج لقيس بن سعد: «لسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر.

فقال: والله، ما نعلم على الأرض مثل عمر، إلا أن يكون صاحبنا».

وحسب نص الطبري: «ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ !» (7).

ـــــــــــ

(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج2 ص283 وج1 ص269 والصراط المستقيم ج3 ص26 وتلخيص الشافي ج4 ص58 والبحار ط قديم ج8 ص284.

(2) رجال المامقاني ج2 ص83.

(3) المصدر السابق.

(4) محاضرات الراغب المجلد الثاني ج3 ص188.

(5) المعيار والموازنة ص113.

(6) الكامل للمبرد ج1 ص144.

(7) الأخبار الطوال ص207 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص62 والكامل لابن الاثير ج3 ص343 وأنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج2 ص370 / 371 وبهج الصباغة ج7 ص143.


(159)

وحينما أراد الخوارج إقناع بعض زعمائهم، وهو زيد بن حصين، بقبول الولاية عليهم، اجتمعوا إليه، وقالوا له: «أنت سيدنا وشيخنا، وعامل عمر بن الخطاب على الكوفة، تولّ الخ..» (1).

كما أن نجدة بن عامر الحروري: قد تخلى عن فكرة مهاجمة المدينة، لما أن «أخبر بلبس عبد الله‏ بن عمر بن الخطاب السلاح؛ تأهباً لقتاله مع أهل المدينة، ذلك أن نجدة، وسائر الخوارج، كانوا يوقرون أباه عمر بن الخطاب توقيراً شديداً. وقد اختاره نجدة للإجابة على مسائله، فكتب إليه نجدة يسأله عن أشياء في الفقه لكنها كانت أسئلة عويصة؛ فترك الإجابة عنها إلى ابن عباس» (2).

ويذكرون أيضاً: إن ابن عباس، قد أشار على أمير المؤمنين عليه السلام بإبقاء معاوية على الشام، واحتج لذلك بقوله: «فان عمر بن الخطاب ولاه الشام في خلافته» (3).

وحينما عاتب أمير المؤمنين عليه السلام الخليفة الثالث عثمان بن عفان، في أمر تولي معاوية للشام، قال له عثمان: «أنكرت علي استعمال معاوية، وأنت تعلم: أن عمر استعمله؟ قال عليه السلام:

نشدتك بالله، ألا تعلم أن معاوية كان أطوع لعمر من يرفأ غلامه؟ إن عمر كان إذا استعمل عاملاً وطأ على صماخه الخ..»(4).

وفي نص آخر: أن عثمان قال له: «ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة، وليس هناك؟ قال: نعم. قال: أو لم يولّ معاوية؟ قال علي: أن معاوية كان أشد خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ. وهو الآن يبتز الأمور دونك الخ..»(5).

ــــــــــــ

(1) الثقات ج2 ص295 والخوارج والشيعة ص71.

(2) الخوارج والشيعة ص71.

(3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص49.

(4) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج9 ص24.

(5) انساب الأشراف ج5 ص60 والكامل لابن الأثير ج3 ص152 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص377 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم 2 ص143 والغدير ج9 ص160 عنهم وعن تاريخ أبي الفداء ج1ص168. والنصائح الكافية ص174.


(160)

هذا.. وقد احتج معاوية نفسه على صعصعة وأصحابه بنصب عمر له؛ فليراجع(1).

ولما خرجت الخوارج من الكوفة، أتى علياً أصحابه، وشيعته، فبايعوه، وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ فشرط لهم فيه سنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي، وكان شهد معه الجمل، وصفين، ومعه راية خثعم؛ فقال له: بايع على كتاب ا‏لله، وسنة رسوله.

فقال ربيعة: على سنة أبي بكر، وعمر..

فقال له علي عليه السلام: ويلك، لو أن بكر وعمر عملا بغير كتاب ا‏لله، وسنة رسوله، لم يكونا على شيء من الحق..

فبايعه ربيعة.

ونظر إليه علي عليه السلام، فقال: أما والله، لكأني بك، وقد نفرت مع هذه الخوارج، فقتلت، وكأني بك، وقد وطأتك الخيل بحوافرها..

فقتل يوم النهروان.

قال قبيصة: فرأيته يوم النهروان قتيلاً، قد وطأت الخيل وجهه، وشدخت رأسه ومثلت به. فذكرت قول علي، فقلت: لله‏ در أبي الحسن ما حرك شفتيه قط بشيء إلا كان كذلك (2).

وقال الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين عليه السلام فيما يرتبط بإرسال أبي موسى للتحكيم:

«.. وهذا أبو موسى الأشعري، وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلّى الله

ــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري ج3 ص316 والكامل لابن الأثير ج3 ص143 والغدير ج9 ص35. عن: شرح النهج للمعتزلي ج1 ص158 ـ 160 وعن تاريخ ابن خلدون ج2 ص387 ـ 389 وعن تاريخ أبي الفداء ج1 ص168.

(2) الإمامة والسياسة ج1 ص146 وراجع: تاريخ الطبري ج4 ص56، وبهج الصباغة ج7 ص179 وراجع كتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام ص والكامل لابن الأثير ج3 ص337.


(161)

عليه وآله وسلّم، وصاحب مغانم أبي بكر، وعامل عمر بن الخطاب..» (1).

أما في الاتجاه السلبي:

وفي الاتجاه السلبي، نجد أن هؤلاء المهدورة كراماتهم، والمسلوبة حقوقهم، من قبل الهيئة الحاكمة، وأعوانها على الخصوص، يصبحون أشد الناس على عثمان، حيث ثار الناس عليه، بسبب ما ظهر منه، في أيام خلافته، ولاسيما في السنوات الأخيرة منها.

1 ـ يقول ابن عبد ربه، وهو يتحدث عن حصر أهل المدينة، وأهل مصر عثمان بن عفان:

«.. وكان معهم من القبائل: خزاعة، وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من جهينة، ومزينة، وأنباط يثرب. وهؤلاء كانوا أشد الناس عليه» (2).

وحينما جاء عرب الكوفة إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، وطلبوا منه الخروج معهم على المختار، قال لهم عبد الرحمن:

«.. أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا. ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم، مثل فلان، وفلان. ثم معه عبيدكم، ومواليكم؛ وكلمة هؤلاء واحدة. ومواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم؛ فهم مقاتلوكم بشجاعة العرب، وعداوة العجم» (3).

3 ـ هذا.. بالإضافة إلى أن قتل الخليفة عمر بن الخطاب، إنما تم على يد شخص غير عربي، وهو أبو لؤلؤة، غلام المغيرة بن شعبة..(4) وذلك معروف ومشهور.

ـــــــــــ

(1) الإمامة والسياسة ج1 ص130.

(2) العقد الفريد ج4 ص300 والغدير ج9 ص169 عنه.

(3) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج6 ص45 ط دار المعارف بمصر. والكامل لابن الاثير ج4 ص231.

(4) راجع: تاريخ عمر بن الخطاب، لابن الجوزي ص 238 / 239 وأي كتاب تاريخي، يؤرخ لقتل الخليفة الثاني.


(162)

وذلك كله أمر طبيعي، فان الناس بشر، لهم أحاسيسهم، ومشاعرهم، ولهم كذلك كرامات، وطموحات، لابدّ من مراعاتها، والاستجابة لها، وإلا.. فان النار تحرق، والشجر يورق، والبحر يغرق.

آثار سياسة علي عليه السلام وأهل بيته:

هذا.. ولكن سياسة علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، قد أسفرت عن نتائج وآثار سلبية، وأخرى ايجابية..

فأما بالنسبة للسلبية منها؛ فان مساواة علي عليه السلام بين العرب وغيرهم، ولاسيما في العطاء، قد كان من أهم أسباب الخلاف عليه، وكانت قسمته بالسوية أول ما أنكروه منه، وأورثهم الضغن عليه(1).

وكان ذلك من أسباب خروج طلحة والزبير، ثم ما جرى في حرب الجمل (2).

وقد قال له عمار، وأبو الهيثم، وأبو أيوب، وسهل بن حنيف، وجماعة:

«إنهم قد نقضوا عهدك، واخلفوا وعدك، ودعونا في السر إلى رفضك. هداك ا‏لله لرشدك، وذاك لأنهم كرهوا الأسوة، وفقدوا الإثرة، ولما آسيت بينهم وبين الأعاجم أنكروا الخ..»(3).

وكتب ابن عباس إلى الإمام الحسن عليه السلام يقول له:

«.. وقد علمت أن أباك عليّاً، إنما رغب الناس عنه، وصاروا إلى معاوية؛ لأنه واسى بينهم في الفيء، وسوى بينهم في العطاء الخ..» (4).

بل لقد كان للعرب، كل العرب موقف سلبي من علي عليه السلام، قد عبر

ــــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج7 ص37.

(2) راجع: المعيار والموازنة ص 113 / 114.

(3) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج7 ص37 عن الاسكافي، وبهج الصباغة ج12 ص200.

(4) الفتوح لابن أعثم ج4 ص149 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج16 ص23 وعن جمهرة رسائل العرب ج2 ص1 وراجع: حياة الإمام الحسن بن علي للقرشي ج2 ص26.


(163)

عنه هو نفسه، حينما كتب لأخيه عقيل: «ألا وان العرب قد أجمعت على حرب أخيك، إجماعها على حرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل اليوم؛ فأصبحوا قد جهلوا حقه، وجحدوا فضله، وبادروه العداوة، ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وجروا إليه جيش الاحزاب الخ»(1).

وعلى الصعيد الايجابي فإننا نجد تعاطف غير العرب، مع أولئك الذين وجدوا فيهم التجسيد الحي لتعاليم الإسلام، وهم علي وأهل بيته عليهم السلام، وشيعته الأبرار؛ فقد كان من الطبيعي: أن تشدّهم إليهم أواصر المحبة، وأن ينظروا إليهم بعين الإكبار، والإجلال، والتقدير الفائق، وأن يجدوا فيهم الملجأ والملاذ لهم، في جميع ما ينوبهم..

ويكفي أن نذكر هنا:

1 ـ إن الموالي كانوا هم أنصار المختار، في حركته التي كانت ترفع شعار الأخذ بثارات الحسين عليه السلام، وكان ذلك ـ على ما يبدو ـ هو السبب في تخاذل العرب عنه (2).

2 ـ وكان لعثمان عبد، فاستشفع بعلي أن يكاتبه عثمان، فشفع له، فكاتبه (3).

3 ـ وقال السيد أمير علي: «وقد أظهر الإمام علي منذ بداية الدعوة الإسلامية كل تقدير ومودة نحو الفرس، الذين اعتنقوا الإسلام. لقد كان سلمان الفارسي ـ وهو أحد مشاهير أصحاب الرسول ـ رفيق علي وصديقه. كان من عادة الإمام أن يخصص نصيبه النقدي في الأنفال لافتداء الأسرى.

وكثيراً ما أقنع الخليفة عمر بمشورته، فعمد إلى تخفيف عبء الرعية في فارس. وهكذا.. كان ولاء الفرس لأحفاده واضحاً تمام الوضوح» (4).

ـــــــــــ

(1) شرح النهج للمعتزلي الحنفي ج2 ص119 والغارات ج2 ص431 والبحار ج8 ط قديم ص621 والدرجات الرفيعة ص156 ونهج السعادة ج5 ص302.

(2) الخوارج والشيعة 227 / 228.

(3) ربيع الأبرار ج3 ص22.

(4) روح الإسلام ص 306.


(164)

4 ـ ويرى فان فلوتن: أن من أسباب ميل الخراسانيين، وغيرهم من الإيرانيين إلى العلويين، هو أنهم لم يعاملوا معاملة حسنة، ولا رأوا عدلاً، إلا في زمن حكم الإمام علي عليه السلام (1).

5 ـ وأخيراً.. فقد رأينا السودان ـ وهو ليسوا من العرب ـ يثورون ضد ابن الزبير، انتصاراً لابن الحنفية. وكان فيهم غلام لابن عمر اسمه، رباح، فلما كلمه ابن عمر، متعجباً ومستفهماً عن سبب خروجه مع الثائرين، قال:

«والله، إنا خرجنا لنردكم عن باطلكم إلى حقنا..» (2).

هذا كله.. عدا عن أن هذه السياسة الإسلامية الخالصة، قد أسهمت في حفظ أصول الإسلام، وفي وعي تعاليمه، وترسيخ قواعده على المدى البعيد.. ثم في تعريف الناس على أولئك الذين يحملون همّ الإسلام للإسلام، لا لأجل مصالحهم الخاصة، ولا لتحقيق مآربهم في التسلط والهيمنة على الآخرين، واستغلالهم..

فهم يعيشون الإسلام قضيةً، وفكراً وطريقة، ومنطلقاً، وهدفاً. ويجسدونه رسالةً إلهية، وإنسانية، تنبض بالحياة، وتزخر بالمعاني السامية، والغنية في مضامينها كما هي غنية في عطائها، وروافدها.

غير العرب هم روّاد العلم والثقافة:

ورغم أن السياسة الأموية القاسية تجاه غير العرب، والتي لم تكن إلا استمراراً لسياسة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد أرهقت غير العرب، وحرمتهم من أبسط الحقوق الإنسانية والشرعية.. فان هؤلاء الناس قد اتجهوا نحو ما هو أهم ونفعه أعم، فحصلوا على المجد والرفعة عن طريق العلم والمعرفة، وأقبلوا على الإسلام، وعلى النهل من معين معارفه، وآدابه، والغوص في بحار

ــــــــــــ

(1) السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات.

(2) انساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج3 ص 295.


(165)

علومه وحقائقه بصورة مثيرة ومذهلة.

حتى لقد أصبحوا في مدة وجيزة هم علماء الأمة، وقراء الإسلام، ودعاته، ونحن نذكر هنا النصوص التالية:

1 ـ قال أبو هلال العسكري عن الحجاج:

«.. وهو أول من نقش على يد كل رجل اسم قريته، ورده إليها. وأخرج الموالي من بين العرب.. إلى أن قال:

وكان الذي دعاه إلى ذلك: أن أكثر القراء، والفقهاء، كانوا من الموالي. وكانوا جلّ من خرج عليه مع ابن الأشعث؛ فأراد أن يزيلهم من موضع الفصاحة والأدب، ويخلطهم بأهل القرى؛ فيخمل ذكرهم. وكان سعيد بن جبير منهم، وكان عبد رجل من بني أسد، اشتراه ابن العاص؛ فأعتقه، فلما أتي به الحجاج، قال:

يا شقي بن كسير، أما قدمت الكوفة، وما يؤم بها [إلا](1) عربي؛ فجعلتك إماماً؟ الخ..» (2).

2 ـ روى الحاكم بسنده عن الزهري، قال:

قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي:من أين قدمت يا زهري؟

قلت: من مكة.

قال: فمن خلفت يسود أهلها؟

قال: قلت: عطاء بن أبي رباح.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي.

ــــــــــــ

(1) هذه الكلمة ساقطة من كتاب الأوائل، لكنها موجودة في شذرات الذهب وفي وفيات الأعيان ج2 ص373.

(2) الأوائل للعسكري ج2 ص61 و62 وراجع: العقد الفريد ج3 ص416 / 417 وشذرات الذهب ج1 ص109. ولم يذكر في العقد قصة سعيد بن جبير. وهي في وفيات الأعيان ج2 ص373.


(166)

قال: وبم سادهم؟

قال: قلت: بالديانة والرواية.

قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا؛ فمن يسود أهل اليمن؟

قال: قلت: طاووس بن كيسان.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي؟

قال: وبم سادهم؟

قال: قلت: بما سادهم به عطاء.

قال: إنه لينبغي. فمن يسود أهل مصر؟

قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي.

قال: فمن يسود أهل الشام؟

قال: قلت: مكحول.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي، عبد نوبي، أعتقته امرأة من هذيل.

قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟

قال: قلت: ميمون بن مهران.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي.

قال: فمن يسود أهل خراسان؟

قال: قلت: الضحاك بن مزاحم.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي.


(167)

قال: فمن يسود أهل البصرة؟

قال: قلت: الحسن بن أبي الحسن.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من الموالي.

قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟

قال: قلت: إبراهيم النخعي.

قال: فمن العرب، أم من الموالي؟

قال: قلت: من العرب.

قال: ويلك يا زهري، فرجت عني وا‏لله، ليسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها !

قال: قلت: يا أمير المؤمنين، انما هو أمر ا‏لله ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط (1).

3 ـ وعن العباس بن مصعب، قال:

خرج من مرو أربعة من أولاد العبيد، ما منهم أحد إلا وهو امام عصره:

عبد الله‏ بن المبارك، ومبارك عبد.

وإبراهيم بن ميمون الصائغ. وميمون عبد.

والحسين بن واقد. وواقد عبد.

وأبو حمزة، محمد بن ميمون السكري وميمون عبد (2).

ثم ذكر الحاكم جماعة من كبار التابعين وأئمة المسلمين، كلهم من الموالي، فمن أراد الاطلاع على ذلك، فليراجع كتابه: معرفة علوم الحديث ص199 ـ 200.

4 ـ ودخل محمد بن أبي علقمة على عبد الملك بن مروان، فقال: من سيد الناس بالبصرة؟

ــــــــــــ

(1) معرفة علوم الحديث ص198 ـ 199.

(2) معرفة علوم الحديث ص199.


(168)

قال: الحسن.

قال: مولى، أو عربي؟

قال: مولى.

قال: ثكلتك أمك، مولى ساد العرب؟ !

قال: نعم.

قال: بم؟

قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا، وافتقرنا إلى ما عنده من العلم الخ (1).

وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى، وكان جائراً شديد العصبية: من كان فقيه البصرة؟

قلت: الحسن بن أبي الحسن.

قال: ثم من؟

قلت: محمد بن سيرين.

قال: فما هما؟

قلت: موليان.

قال: فمن كان فقيه مكة؟

قلت: عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار.

قال: فما هؤلاء؟

قلت: موالي.

قال: فمن فقهاء المدينة؟

قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المكندر، ونافع بن أبي نجيح.

ــــــــــــ

(1) ربيع الأبرار ج1 ص811.


(169)

قال: فمن هؤلاء؟

قلت: موالي.

فتغير لونه، ثم قال: فمن افقه أهل قباء؟

قلت: ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد.

قال: فما كانا؟

قلت: من الموالي.

فاربد وجهه، ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟

قلت: طاووس، وابنه، وهمام بن منبه.

قال: فما هؤلاء؟

قلت: من الموالي.

فانتفخت أوداجه، وانتصب قاعداً، ثم قال: فمن فقيه خراسان.

قلت: عطاء بن عبد الله‏ الخراساني.

قال: فما كان عطاء هذا؟

قلت: مولى.

فازداد وجهه تربداً، واسود اسوداداً، حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟

قلت: مكحول.

قال: فما مكحول هذا؟

قلت: مولى.

فازداد تغيظاً وحنقاً، ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟

قلت: ميمون بن مهران.

قال: فما كان؟

قلت: مولى.

قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟

قال: فوّالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة وعمار بن أبي سليمان.


(170)

ولكن رأيت فيه الشر؛ فقلت: إبراهيم، والشعبي.

قال: فما كانا؟

قلت: عربيان.

قال: ا‏لله أكبر.

وسكن جأشه (1).

6 ـ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله‏ بن عباس، وعبد الله‏ بن عمر، وعبد الله‏ بن الزبير، وعبد الله‏ بن عمرو بن العاص، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي:

فقيه مكة: عطاء.

وفقيه اليمن: طاووس.

وفقيه اليمامة: يحيى بن أبي كثير.

وفقيه البصرة: الحسن البصري.

وفقيه الكوفة: إبراهيم النخعي.

وفقيه الشام: مكحول.

وفقيه خراسان: عطاء الخراساني.

إلا المدينة؛ فان ا‏لله حرسها بقرشي، فقيه غير مدافع: سعيد بن المسيّب الخ.. (2). ولكن ذكر إبراهيم النخعي في جملة الموالي لا يصح، فإنه كان عربياً من النخع من مذحج.

وقد يجوز لنا أن نتساءل هنا فنقول: لماذا كانت الحراسة بقرشي لخصوص المدينة، مع أن مكة أشرف منها وأقدس، لان فيها الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين، وبيت الله فلماذا لم يحرسها ا‏لله بقرشي، واصل قريش منها، ولعل الأصح خصها كما في معجم البلدان.

ـــــــــــ

(1) العقد الفريد ج3 ص415 / 416.

(2) شذرات الذهب ج1 ص103 ومعجم البلدان ج2 ص354.


(171)

كما أننا نرى أن لنا الحق في تسجيل تحفظ فيما يرتبط بنسبة الفقاهة إلى أكثر العبادلة، الذين ذكرت أسماءهم، ولمناقشة هذا الأمر موضع آخر.

7 ـ وقال ياقوت عن أهل خراسان: «أما العلم؛ فهم فرسانه، وساداته وأعيانه، ومن أين لغيرهم مثل: محمد بن إسماعيل البخاري الخ» (1).

8 ـ «ولما تكلم ابن خلدون في فصل: أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم، من مقدمة العبر الخ..» (2).

قال: «من الغريب الواقع: أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية (3) إلا في القليل النادر. وان كان منهم العربي في نسبته؛ فهو عجمي في لغته، ومرباه، ومشيخته، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي..».

إلى أن قال بعد ذكره أمثلة على ذلك: «.. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس الخ..» (4).

9 ـ وقال الزمخشري:

قال قرشي: سألني سعيد بن المسيّب عن أخوالي.

فقلت: أمي فتاة.

فنقصت في عينه؛ فامهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله‏ بن عمر، فقلت: من أمه؟

قال فتاة.

ثم دخل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ فقلت: من أمه؟

ــــــــــــ

(1) معجم البلدان ج2 ص353.

(2) التراتيب الإدارية ج2 ص318.

(3) أي سواء من العلوم الشرعية، أو من العلوم العقلية، كما جرى عليه ابن خلدون في تعبيراته.

(4) راجع: مقدمة ابن خلدون ص543 ـ 545.


(172)

قال: فتاة.

ثم دخل علي بن الحسين؛ فقلت: من أمه؟

قال: فتاة.

ثم قلت: رأيتني نقصت في عينك؛ لأني ابن فتاة !! أفما لي بهؤلاء أسوة؟ !

فجللت في عينه (1).

10 ـ ويذكرنا موقف هذا القرشي من سعيد بموقف زيد بن علي رضوان ا‏لله تعالى عليه من هشام بن عبد الملك، حينما قال له هشام:

بلغني: أنك تطلب الخلافة، ولست لها بأهل.

قال: ولم؟ !.

قال: لأنك ابن أمة.

قال: فقد كان إسماعيل ابن أمة، وإسحاق ابن حرة وقد أخرج ا‏لله من ولد إسماعيل سيد ولد آدم..

ولهذه القضية نصوص أخرى، فلتراجع في مصادرها، التي قدمّنا شطراً منها حين الكلام على سياسة الأمويين في موضوع التمييز العنصري، فلتراجع.

غير العرب.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

هذا.. وقد رأينا أيضاً: أن غير العرب كانوا أكثر التزاماً لجانب الحق، وأشد تحرياً واجتهاداً، والتزاماً بالشرع وأحكامه، وقد تقدم كيف أن السودان ـ وهم ليسوا من العرب ـ يثورون ضد ابن الزبير، انتصاراً لابن الحنفية، وكان فيهم غلام لابن عمر، اسمه: رباح، فلما سأله ابن عمر عن الذي دعاه للخروج مع الثائرين.

قال: «.. والله، إنا خرجنا لنردكم عن باطلكم إلى حقنا..» (2).

ــــــــــــ

(1) ربيع الأبرار ج3 ص31.

(2) انساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج3 ص295.


(173)

مـلـحـق

 (175)

مؤاخاة سلمان مع من؟ !:

وقبل أن ننهي الحديث عن سلمان، أحببنا تسجيل ملاحظة، حول ما يذكر في قضية مواخاته رضوان الله تعالى عليه فنهم يقولون: إن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بينه وبين أبي الدرداء(1).

وفي نص آخر: إنه آخى بينه وبين حذيفة (2).

وفي رواية ثالثة: إنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بينه وبين المقداد (3).

إنكار حديث المؤاخاة والإجابة عن ذلك:

أما ابن سعد، فقد قال:

«أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن محمد، بن إبراهيم، بن

ــــــــــــ

(1) الإصابة ج2 ص62، والإستيعاب بهامشه ج2 ص60 وج4 ص59 والغدير ج10 ص103 / 104 وج3 ص174 وقد ناقش في هذه الرواية. والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 152 وأسد الغابة ج2 ص330 و331 وطبقات ابن سعد ط ليدن ج4 قسم 1 ص 60 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص203 وشرح النهج للمعتزلي ج18 ص37 وتهذيب الأسماء ج1 ص227 وقاموس الرجال ج7 ص256 ونفس الرحمن ص91 و85 عن أبي عمر، وعن المناقب للخوارزمي، الفصل 14. وتهذيب التهذيب ج4 ص138.

(2) طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص60 ط ليدن.

(3) نفس الرحمن ص85 عن الحسين بن حمدان.


(176)

الحارث، عن أبيه، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله‏، عن الزهري:

أنهما كانا ينكران كال مؤاخاة كانت بعد بدر، ويقولان: قطعت بدر المواريث.

وسلمان يومئذٍ في رق، وإنما عتق بعد ذلك. وأول غزوة غزاها: الخندق، سنة خمس من الهجرة(1).

ولأجل ذلك؛ فقد عبر البلاذري هنا بقوله: «.. وقوم يقولون: آخى بين أبي الدرداء، وسلمان.

وإنما أسلم سلمان فيها بين أحد والخندق.

قال الواقدي: والعلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث» (2).

«.. وقال ابن أبي الحديد: قال أبو عمر: آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينه وبين أبي الدرداء، لما آخى بين المسلمين.

ولا يخفى ضعفه، وغرابته» (3).

ونقول:

إن لنا على ما تقدم ملاحظات، نجملها فيما يلي:

أولاً: قولهم إن المؤاخاة قد انقطعت بعد بدر، لا يصح، وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم (الطبعة الأولى 1403) ج3 ص 59 / 60 فليراجعه من أراد. فلا داعي لاستغراب هؤلاء، ولا مبرر لإنكار أولئك.

وثانياً: قولهم: إن انقطاع المؤاخاة بعد بدر يلزمه عدم صحة مؤاخاة سلمان مع أحد من الناس، لا يصح كذلك، إذ لماذا لا يؤاخي قبل بدر بين سلمان وإن

ـــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج4 قسم 1 ص60.

(2) انساب الأشراف (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص271.

(3) نفس الرحمن ص85 عنه.


(177)

كان عبداً وبين رجل آخر حر..

هذا بالإضافة إلى أنه قد تقدم في أول هذا الكتاب: أنه قد أسلم وتحرر في أول سني الهجرة.

وثالثاً: أما دعوى البلاذري أن سلمان قد أسلم بين أحد والخندق، فلا تصح أيضاً لأنه إنما أسلم في أول الهجرة، كما اتضح من روايات إسلامه، نعم.. هم يقولون: إن تحرره قد كان قبل الخندق.

فإذا كان مسلماً حين المؤاخاة؛ فيمكن أن يؤاخي بينه وبين أحد المسلمين، ولو كان الطرف الآخر حراً؛ لعدم الفرق بين الحر والعبد، في الإيمان والإنسانية، وغير ذلك بنظر الإسلام..

هذا.. لو سلم أن كان لا يزال عبداً..

ورابعاً: إن الذي انقطع بعد بدر إنما هو التوارث بين الأخوة وليس نفس المؤاخاة..

مع أننا نقول أيضاً: إن التوارث لم يكن موجوداً حتى قبل ذلك، ولعل بعض المسلمين قد توهم التوارث بين المتآخين، فجاء الردع عنه، وتصحيح اشتباهه في ذلك، فصادف ذلك زمان حرب بدر..

فنشأ عن ذلك توهمان آخران: هما: أن التوارث كان ثابتاً.. وأن المؤاخاة تنقطع بانقطاع التوارث، وكلاهما باطل، ولا يصح..

وخامساً: قولهم: إن المؤاخاة قد كانت بين سلمان وبين أبي الدرداء.

يقابله:

1 ـ ما روي عن إمامنا السجاد عليه الصلاة والسلام، أنه قال: «لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق»(1).

ـــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص25 والكافي ج1 ص331 والغدير ج7 ص35 عنهما واختيار معرفة الرجال ص 17 والبحار ج22 ص 343 ومصابيح الأنوار ج1 ص348 وقاموس الرجال ج4 ص418 / 419. والظاهر: أن الرواية معتبرة.


(178)

2 ـ عن أبي عبد الله‏ عليه السلام، أنه قال: آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان (1).

وقد ذكرنا شيئاً حول هذا الحديث في كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم (الطبعة الأولى 1403) ج3 ص68 / 69 فليراجع.

3 ـ إننا نعتقد: أن مؤاخاة سلمان مع أبي ذر هي الأصح، والأوفق بما يذكرونه من أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يؤاخي بين كل رجل ونظيره(2). وكان أبو ذر أكثر مشاكلةً لسلمان من أبي الدرداء له؛ فان سلمان يؤكد على أنه لا بد من الوقوف إلى جانب القرآن، إذا اقتتل القرآن والسلطان، كما أن أبا ذر قد كان له موقف عنيف من السلطة، حينما وجد أنها تسير في خطٍ انحرافي خطير، فكان أن اتخذ جانب الحق، وأعلن إدانته للانحراف بصورة قاطعة، كما أنه هو وسلمان قد كان لهما موقف منسجم من أحداث السقيفة، ونتائجها..

أما أبو الدرداء.. فقد أصبح من وعاظ السلاطين، وأعوان الحكام المتسلطين، حتى لنجد معاوية ـ كردٍّ للجميل ـ يهتم بمدحه وتقريظه، والثناء عليه (3).

كما أن أبا الدرداء ـ حسبما تقدم ـ يكتب لسلمان يدعوه إلى الأرض المقدّسة، وهي الشام بزعمه، وليس مكة، والمدينة ! فاقرأ واعجب؛ فانك ما عشت أراك الدهر عجبا.

ــــــــــــ

(1) الكافي ج8 ص162، والبحار ج22 ص345 عنه، ونفس الرحمن ص91.

(2) راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (الطبعة الأولى 1403) ج3 حين الكلام حول حديث المؤاخاة..

(3) طبقات ابن سعد ط ليدن ج2 قسم 2 ص115.


(179)

ويكفي أن نذكر: أن يزيد بن معاوية قد مدح أبا الدرداء، وأثنى عليه(1).

كما أن معاوية قد ولاه دمشق(2).

بالإضافة إلى أن رسول الله ـ حسبما يروى ـ قد ذم أبا الدرداء، وقال له:

إن فيك جاهلية.

قال: جاهلية كفر، أم جاهلية إسلام؟

قال: جاهلية كفر(3).

4 ـ وإذا كان سلمان قد أسلم في أول سني الهجرة، حسبما تقدم، وإذا كان أبو الدرداء، قد تأخر إسلامه إلى ما بعد احد(4).. فلماذا ترك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سلمان من دون أن يواخي بينه وبين أحدٍ من الناس، في هذه المدة الطويلة كلها؟ !

5 ـ وإذا أخذنا بقول الواقدي: إن «.. العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث..»(5).

فان النتيجة تكون: أن العلماء ينكرون المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء، لأن أبا الدرداء قد تأخر إسلامه عن بدر كثيراً..

6 ـ وأخيراً.. فقد جاء في بعض النصوص: أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آخى بين أبي الدرداء، وعوف بن مالك الأشجعي(6) ولعل هذا هو الأصح، والأولى بالقبول..

ــــــــــــ

(1) تذكرة الحفاظ ج1 ص25.

(2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج3 ص17 وج4 ص60 والإصابة ج3 ص46 والتراتيب الإدراية ج2 ص426 / 427.

(3) الكشاف ج3 ص537 وقاموس الرجال ج10 ص69 عنه.

(4) الإستيعاب بهامش الإصابة ج3 ص16 وراجع ج4 ص60.

(5) قاموس الرجال ج7 ص256 وج10 ص69 وأنساب الأشراف (قسم حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) ج1 ص271 وراجع: طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص60.

(6) طبقات ابن سعد ج4 قسم 1 ص22.


(181)

كلمة أخيرة:

كانت تلك نبذة يسيرة تناولت بعض ما يذكر حول سلمان المحمدي (الفارسي) وعن موضوع التمييز العنصري، الذي عانى منه سلمان كما عانى منه غيره أيضاً.

وهي قد اقتصرت على النزر اليسير جداً، لأنها منذ الشروع فيها كان يراد لها: أن تكون محدودة، وموجزة، ومنتقاة ولو بصورة غير متناسقة، حسب ما تقتضيه المناسبة التي فرضت التعرض لها..

ونأمل أن لا نكون قد تسببنا بشعور القارىء، بعد إطلاعه عليها بالغبن، وخيبة الأمل.. حينما لا يجد فيها ما يراه بديلاً عن الوقت الذي أهدره، والجهد الذي بذله في قراءتها..

وحسبه: أنه يجد مجموعة من النصوص، عن طائفة من المصادر، حاضرة لديه، يمكنه أن يستفيد منها، إذا أراد معالجة موضوع يتصل بها..

ونسأل الله سبحانه: أن يلهمنا جميعاً ويرزقنا صواب القول، وخلوص النية، وجدوى العمل، ونقاءه وبقاءه، لينفنا يوم لا ينفع مال، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..

وأن يثيبنا على هذا الجهد المتواضع، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول..

والحمد لله، أولاً وآخراً..

وباطناً وظاهراً..

وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى، محمّد وآله الطيبين الطاهرين..

قم المشرّفة ـ إيران

حرّر بتاريخ 24 رجب 1409 هـ.ق الموافق 12 اسفند 1367 هـ.ش

جعفر مرتضى الحسيني العاملي

عامله الله بلطفه وإحسانه

..