لماذا نهى أمير المؤمنين عن قتال الخوارج؟

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين.. واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

لقد تمخضت حرب صفين، وخدعة التحكيم عن تمرد فئة سماها النبي (صلى الله عليه وآله) بـ: (المارقة)، التي تمرق من الدين مروق السهم من الرمية... وهي تلك الفئة التي لم تستطع أن تتفاعل مع الأحداث، ولا أن تهضم أبعاد المناورات السياسية، التي كان معاوية يتوسل بها لتمرير مؤامراته..

هذه الفئة.. التي سمبت فيما بعد بـ " الخوارج " بالذات هي التي مكنت معاوية من تمرير لعبته المعروفة بـ " قضية التحكيم ".. ولكن هذه الفئة نفسها ايضاً هي التي عادت لتحارب علياً لقبوله بهذا التحكيم، الذي فرضته هي عليه من قبل، وهددته بالحرب والدمار، وتمكين معاوية منه،إن هو لم يقبل...

ومعاوية، وإن كان لم يستطع أن يربح هؤلاء إلى جانبه، ولم يكن يسعده كثيراً أن يكون أمثال هؤلاء الجهلة معه، وإلى جانبه... إلا أنه على أي حال قد فرح كثيراً بانفصالهم عن علي (عليه السلام)، ليكونوا مصدر إزعاج وتعب له، وحجر عثرة في طريق تقدمه نحو أهدافه، التي هي أهداف الإسلام، والتي مازال معاوية يخشاها، ويجهد كل الجهد في سبيل معنه من الوصول إليها، والحصول عليها.

وبالفعل.. فقد اضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى محاربتهم أخيراً، ودفع شرهم عن المسلمين، فقاتل (عليه السلام) المارقين في النهروان، بعد أن قاتل الناكثين في الجمل، والقاسطين في صفين..

ولكن علياً(عليه السلام) هذا الذي حارب المارقين (الخوارج)، وأباد خضراءهم.. نراه ينهى شيعته بعده عن قتالهم، ويقول: " لا تقاتلوا الخورج بعدي "!!.

فلماذا ينهى علي أمير المؤمنين(عليه السلام) عن قتال الخوارج؟؟ مع أنهم أعداؤه ومناوؤه؟!

فهل ثمة من تناقض في هذين الموقفين. وخطأ وصواب في كل من الحالتين؟

الجواب عن ذلك بكل بساطة، هو:

لا، لا تناقض في مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) أبداً، إذ مع غض النظر عما يقوله الشيعة من أنه (عليه السلام) إمام معصوم، لا يصدر عنه إلا ما هو الحق، والخير، والعدل، فلا يمكن أن نتصوره قد ندم على قتالهم، ورأى أن الصواب في خلاف ذلك ، فإننا نقول إن علياً (عليه السلام) في نظره الثاقب، وفي علمه بالحقائق والدقائق، لا يمكن إلا أن يكون عارفاً حقيقة ما سوف يجري ويحدث، وما سوف تمر به الأمة من أزمات، وما سوف يجري عليها من أحداث..

ولذا فهو قد أدرك فعلاً أن الصواب في قتالهم أولاً.. وأن الصواب في عدم قتالهم بعد ذلك..

فلا تناقض بين الموقفين.. ولا خطأ وصواب.. بل صواب في كل من الحالتين.

أما قتالهم أولاً فلكونهم مفسدين في الأرض، متمردين على إمامهم، مارقين... لابد من إعلان رأي الإسلام الصريح وموقفه الصحيح منهم... الإسلام الذي يمثله ويفهمه بشكل كامل ودقيق وعميق أمير المؤمنين(عليه السلام)، حتى لا يغتر بهم الغر الجاهل، ويتحير ويشتبه الأمر على المنصف العاقل..

وأما نهيه (عليه السلام) شيعته عن قتالهم بعده، فهو نهي زمني، يرتبط بتلك الفترة، التي كان الحكام على الناس فيها، هم أولئك الذين لا يعملون بكتاب الله تعالى، ولا بسنة نبيه (ص) كما سيتضح.. وعلى كل حال، الأمور التالية قد تكون هي بعض مبررات نهيه عليه السلام عن قتال الخوارج:

الأول: إن الحكام والمتسلطين على الناس آنئذٍ كانوا من الشجرة الملعونة – أعني الأمويين – المنحرفين عن الدين والإسلام، وكان الخوارج يقاتلونهم، ويحاربونهم، ويمثلون الشوكة الجارحة في أعينهم..

فقتال الخوارج – والحالة هذه – معناه الدفاع عن ذلك الحكم الأموي الظالم، وتأييده... وليس من مصلحة الإسلام، ولا من مصلحة المسلمين الدفاع عن حكم كهذا، لأن معنى ذلك خيانة الأمة، والدين، وخيانة كل الأجيال اللاحقة... وإلى الأبد...

الثاني: إن الشيعة كانوا قلة، ومضطهدين من جانب الحكم الأموي الغاشم، وليس لآل علي (عليهم السلام) حكومة تستطيع أن تحمي الشيعة، وتدافع عنهم، وليس لهم ملجأ يلوذون به ولا قوة يعتمدون عليها..

فتكليف الشيعة بحرب الخوارج معناه: القضاء عليهم، قضاء مبرماً ونهائياً وهذا ما يريده الأمويون، ويسعون إليه.. أما الأمويون فتبقى قوتهم على حالها، بينما يكون كل خصومهم قد ضعفوا ووجُدت فيما بينهم الترات، ونشأت العقد الإجتماعية، والمشكلات الإنسانية وشُغل كل بنفسه، أما الأمويون فأمورهم تبقى متسقة، ولا يكلفهم ذلك شيئاً... بل إن ذلك سوف يمكّن الحكم الأموي من مواجهة كلا الفريقين بشراسة وقسوة ويكون القضاء عليهما بعد ذلك سهلاً وميسوراً، سواء في ذلك: الشيعة، أو الخوارج...

وبديهي.. أن الحفاظ على الشيعة، الشعلة المتوقدة للحق والخير، أفضل بكثير من القضاء على الشيعة والخوارج معاً.. وليبقى الأمويون من ثم يعيثون في الأرض فساداً، ويتحكمون بمقدارات الأمة، ويسومونها الخسف والذل..

ويلاحظ هنا: سعى الأمويين منذ البداية  لدفع  الشيعة إلى حرب الخوارج... فنجد أن معاوية – بعد ان دخل الكوفة – وتوجه الإمام الحسن(عليه السلام) إلى المدينة، وتحرك الخوارج ضد معاوية، وقالوا: قد جاء الآن ما لاشك فيه – نجد أن معاوية يرسل إلى الإمام الحسن(عليه السلام) وهو في طريقه إلى المدينة، بكتاب يدعوه فيه إلى قتال الخوارج. فلحقه رسوله بالقادسية، أو قريباً منها، فلم يرجع، وكتب إلى معاوية: لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك الخ..[1].

كما أننا نجد: أن معاوية حين انهزم أهل الشام أمام الخوارج، يقول لشيعة أهل الكوفة:

"والله، لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم.. فخرج أهل الكوفة فقاتلوهم فقالت الخوارج أليس معاوية عدونا وعدوكم؟؟ دعونا حتى نقاتله، فإن أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا الخ.."[2].

الثالث: قال علي(عليه السلام) في وصف فتنة بني أمية:

" ألا إن إخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله، لتجدن بن أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها... لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعاً لهم، أو غير ضائر بهم... ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه. ترد فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعاً جاهلية، ليس فيها منار هدى، ولا علم يرى الخ... "[3].

ويلاحظ: أنه (عليه السلام) قال هذا الكلام بعد إشارته لفتنة الخوارج، التي ماج غيهبها، واشتد كلبها، وفقأ هو عينها.. حسب تعبير الإمام(عليه السلام).

وقال (عليه السلام): " والله، لا يزالون عليكم حتى لا يدعوا لله محرماً إلا استحلوه ولا عقداً إلى حلوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم، ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه، وحتى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم بالله ظناً الخ.."[4].

وإذن.. فإن إشغال الأمويين بالخوارج معناه: التخفيف من ظلمهم للناس، والتقليل من الويلات التي كانت تعاني منها الأمة، على يد ذلك الحكم الغاشم، الذي لم يكن يرحم أحداً، ولا يبقى، ولا يذر... حيث تكون الفرصة أمامهم أقل بسبب انشغالهم بما هو أهم بالنسبة إليهم، ألا وهو الحفاظ على ملكهم الذي هو أغلى وأعز ما في الوجود عليهم... وكيف لا يكون كذلك، وهم يرون أن الملك وحده، هو الذي يوصلهم لما يريدون، ويحقق لهم ما يشتهون، من التسلط على الأمة والتحكم بمقدارتها...

فعليهم إذن – حسب منطقهم -: أن يحافظوا أولاً على الملك، ليتمكنوا – بسببه – من الوصول إلى مآربهم، والحصول على مطامعهم، التي تتنافى – أساساً – مع أهداف الإسلام وتعاليمه...

الرابع: لقد كانت حروب الخوارج، التي استمرت طيلة عهد الحكم الاموي، هي السبب الأول، والأهم لسقوط الدولة الأموية،.. وذلك لأن نصر بن سيار عندما واجه ابا مسلم الخراساني، ورأى قوته، وكثرة جموعه، أرسل إلى مروان الحمار، يقول:

أرى تحت الرماد وميض نار * وأخشى أن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تذكى * وإن الحرب مبدؤها كلام

فقلت من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام

لكن مروان لم يستطع أن يستجيب لطلبه، ولا أن يمده بشيء من العساكر ليواجه الحركة العباسية القوية، وذلك بسبب انشغاله بحروب الخوارج، وأرسل إليه يقول: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر لأصحابه: اما صاحبكم فقد أعلمكم: أنه لا نصر لكم عنده..[5]

فكان انشغال مروان بحروب الخوارج هو السبب في عدم تمكنه من نجدة عامله، الأمر الذي مكن لأبي مسلم من مواصلة حركته، ومتابعة انتصاراته، التي انتهت بالقضاء على الحكم الأموي، قضاء مبرماً ونهائياً..

الخامس: إن الخوارج.. وإن كانوا على ضلال، إلا أنهم – ولاشك – كانوا أقل سوءاً من الأمويين، لأنهم كانوا – عند أنفسهم – يقاتلون من أجل هدف ومبدأ، يرونه دينياً مقدساً وإن كانوا قد أخطأوا الطريق من حيث أنهم لا يقاتلونهم مع إمام حق، بل هم حاربوا الإمام، ورفضوا الإنقياد له.. فهم محقون في سعيهم لإزالة حكم الجبارين، لكنهم أخطأوا السبيل لتحقيق ذلك، فضلالتهم وخطوئهم هناك لا يجعل شعارهم بلزوم حرب الجبارين خطأ.. وإن فهم قد طلبوا حقاً، فوقعوا بالباطل، وأرادوا صواباً، فتاهوا في الضلال والفساد.

أما بنو أمية فإنهم قد طلبوا الخلافة فأدركوها، وهم ليسوا من أهلها. بل هم يعلمون: أنهم يطلبون ما ليس لهم بحق، مع خبث نفوسهم، وشدة ظلمهم وفجورهم..

وواضح.. أن من يقاتل من أجل هدف لا فائدة عاجلة له منه في الدنيا، يكون – ولاشك – أقل سوءاً من ذلك الذي يقاتل أهل الحق، ويقتل الأبرياء، ويرتكب أعظم الموبقات من أجل الدنيا فقط، وفي سبيلها، ويقتل الأبرياء، ويرتكب أعظم الموبقات في سبيل أهداف شخصية، وشهوات فردية بحتة..

فالخوارج يقاتلون - جبارين ومستكبرين ويجب حربهم – لكن لا بهذه الطريقة بل تحت لواء امام، ومع اعادة الحق إلى أهله.. أما الأمويون فليس همهم – حتى عند أنفسهم – إلا شهواتهم، وأغراضهم الشخصية فوقاحتهم تفوق كل وقاحة، وصلفهم يزيد على كل صلف.

وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: " لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كم طلب الباطل فأدركه"[6].

ومنه (عليه السلام) أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لبعض الخوارج: " إني قد علمت إنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا، أو متاع، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها "[7].

واقتصار علي (عليه السلام) على هذا الأمر في بيان سر نهيه عن قتالهم، مع وجود أساليب أخرى لهذا النهي كانت محط نظره (عليه السلام) أيضاً قطعاً، يعكس لنا مدى أهمية هذا الامر عنده، أي ان يكون الإنسان ذا هدف صحيح، يتجاوز حدود شخصيته ومصالحه الخاصة، يؤمن به، ويدافع عنه، ويضحي في سبيله، وإن كان ربما يفهم عدد من الأسباب الأخرى من خلال كلماته (عليه السلام) المختلفة، في المقامات المختلفة، كما أشرنا وسنشير إليه.

السادس: إن دعوة الخوارج لم تكن تشكل خطراً كبيراً على الإسلام لسببين:

الأول: إن الخوراج لم يكونوا أهل ثقافة ومعرفة، بحيث يشكلون خطراً على الإسلام والدين، بشبهاتهم وانحرافاتهم. بل كانوا أجلافاً، وأعراباً كأعلاج، وكانت الاكثرية الساحقة منهم من البدو الرحل، ولذا فقد كانت الطبيعة العربية البدوية فيهم واضحة، فتراهم سرعان ما يختلفون، وينضوون تحت ألوية مختلفة، يضرب بعضهم بعضاً..[8] ولقد وصفهم أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله مخاطباً لهم: " وأنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام"[9].

وقال أبو حمزة الخارجي لأهل المدينة، حين دخلها سنة / 135 / - قال لهم في خطبة له طويلة:

"يا أهل المدينة، بلغني أنكم قلتم تنتقصون أصحابي: شباب أحداث وأعراب جفاة، ويحكم الخ.."[10].

ووصفهم علي بن عبد الله بن العباس، حين أرسل دعاته إلى الأمصار، فقال حين ذكر أهل الجزيرة:

"وأما الجزيرة، فحرورية مارقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاقهم كأخلاق النصارى.."[11].

وما أحسن ما وصفهم به بشر بن المعتمر، رئيس معتزلة بغداد، حيث ذكر خلوهم من الفهم والعلم وأهله، فقال:

ما كان من أسلافهم أبو الحسن * ولا ابن عباس، ولا أهل السنن

غرّ مصابيح الدجى مناجب * أولئك الأعلام لا الأعارب

كمثل حرقوص، ومن حرقوص * فقعة قاع حولها قصيص

ليس من الحنظل يشتار العسل * ولا من البحور يصطاد الورل

هيات ما سافلة كعالية        * ما معدن الحكمة أهل البادية[12]

الثاني: إن دعوتهم لم تكن تنسجم مع الفطرة، ولا تتقبلها العقول المستقيمة، نعم... هي ربما تستهوي البعض لفترة من الزمن، ثم لا تلبث أن تتلاشى وتنعدم، حين يرجع الإنسان إلى فطرته، ويفكر ويتأمل...

ويتضح ذلك إذا لاحظنا عن قرب مفاهيمهم وأفكارهم، فمثلاً نجد فرقة الأزارقة بزعامة نافع بن الأزرق، وهي أكبر الفرق، إذ كان مع نافع عشرة من أمرائهم – بينما لم يكن مع النجدات سوى أميرين، أما سائر الفرق فواحد، أو بدونه -[13].. بل " لم تكن للخوارج فقط فرقة أكثر عدداً، ولا أشد منهم شوكة"[14]. وقد استولوا على الأهواز، وما وراءها: من أرض فارس وكرمان، وجبوا خراجها[15].

إننا نجد هؤلاء – يقولون: بكفر جميع المسلمين ما عداهم، ولا يحل لأصحابهم المؤمنين أن يجيبوا أحداً من غيرهم إلى الصلاة إذا دعا إليها، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم، ولا أن يتزوجوا منهم، ولا يتوارث الخارجي مع غيره، ويكون الغير مثل كفار العرب، وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ودارهم دار الحرب، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، ويحل الغدر بمن خالفهم، وكذا القعدة عن القتال مع قدرتهم، ولو كان هؤلاء القعدة على مذهبهم، ولا يجيزون التقية، ويجوز عندهم ان يبعث الله نبياً يعلم أنه يكفر بعد نبوته، إلى غير ذلك من أمور ذكرها المؤلفون في الملل والنحل[16]..

فإذا كانت هذه هي مفاهيمهم وأفكارهم، فمن الطبيعي أن لا يتبعهم أحد من اهل العقل والمعرفة، ولذا كان أتباعهم – عموماً – من الأعراب الجفاة، الذين هم أجدر أن لا يفقهوا كلام الله.. وليست هذه الأفكار والمفاهيم ملائمة للفطرة، ولا منسجمة مع الفكر السليم، والذوق المستقيم، ولذا فهي لا تشكل خطراً على الدين، والإسلام في شيء..

وإذن.. فلماذا يهدر الشيعة طاقاتهم؟! وفي مقابل أي شيء؟

نعم لا شيء.. إلا إذا كان ذلك الشيء هو تأييد الحكم الأموي الظالم والغاشم، والمد في عمره، وتمكينه من رقاب الناس والتسلط على الأمة..

أما بنو أمية، فإن طريقتهم تستهوي النفوس البشرية الضعيفة أكثر، لأنهم يدعون إلى الدنيا، التي ينساق الناس وراءها بغريزتهم، وتلائم هوى نفوسهم، فتمكنهم يكون أيسر منالاً، وأقرب احتمالاً، فحربهم إذن لدفع شرهم أولى من حرب الخوارج، وأجدى نفعاً...

هذا.. وقد تنبأ أمير المؤمنين (عليه السلام) بانقراض الخوارج، وعدم ظهور دعوتهم ودولتهم، فقال: " كلما نجم منهم قرن قطع، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين"[17].

وهكذا كان.. فقد قال ابن أبي الحديد: " وهكذا وقع، وصح إخباره عليه السلام أيضاً: سيكون آخرهم لصوصاً سلابين، فإن دعوة الخوارج اضمحلت، ورجالهم فنيت، حتى افضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق، متظاهرين بالفسوق، والفساد بالأرض "[18].

ويقول ابن ميثم: ".. وأما كون آخرهم لصوصاً سلابين، فإشارة إلى ما كانوا يفعلونه في أطراف البلاد: بأصبهان، والأهواز، وسواد العراق، يعيشون فيها بنهب أموال الخراج، وقتل من لم يدن بدينهم، جهراً وغيلة، وذلك بعد ضعفهم وتفرقهم، بوقائع الملهب وغيرها، كما هو مذكور في مظانه"[19].

السابع: قال علي (عليه السلام) بعد وقعة النهروان: " أنا فقأت عين الفتنة، ولم تكن ليجرؤ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها ولو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون ولا القاسطون، ولا المارقون"[20].

والذي نريد أن نشير إليه هنا هو: أن الخوارج كانوا ظاهراً من العباد والزهاد، فلم يكن ليجترئ على قتالهم أحد.. كيف، وهم صائمون النهار، قائمون الليل!! بحسب ظاهر أحوالهم وعليه... فإن من يقاتلهم بعده (عليه السلام) ربما يتعرض للوم الشديد، ولنفرة الناس منه، على اعتبار أنه يقاتل أهل القبلة، وعباد الملة.. الأمر الذي ربما ينخدع به البسطاء والسذج، ومن لا ينظر إلى بواطن لأمور بدقة ووعي..

أما علي عليه السلام، فقد كان له من المكانة بين المسلمين ما ليس لأحد غيره على الإطلاق، وكانت الأمة لا تزال تسمع من وعن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم الشيء الكثير في حق علي عليه السلام، بحيث جعل من الصعب على أي كان إساءة الظن فيه، وفي مواقفه... وجهاده ومكانته في الإسلام مما لا يمكن لأحد أن ينكره، أو أن يشك فيه فلا يمكن لأحد كائناً من كان إلا أن يعتبر مواقفه منسجمة مع اهداف الإسلام وتعاليمه، لأن علياً مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار، على حد تعبير الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

فقتاله للخوارج يكون دليلاً على انحرافهم حينئذٍ، أكثر مما يكون دليلاً على خطأ أمير المؤمنين عليه السلام في موقفه منهم...

نعم.. وهذا هو ما أراده عليه السلام بقوله المتقدم: أنا فقأت عين الفتنة ولم تكن ليجرؤ عليها أحد غيري الخ..[21].

كان هذا هو بعض ما يمكن عرضه حول السر الكامن وراء نهي الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن قتال الخوارج بعده، وليكن ذلك واحداً من تلك الشواهد الكثيرة القاطعة على علم الإمامة عند علي عليه السلام، ثم هو واضح الدلالة على طبيعة رؤيته عليه السلام، وبعد نظره في السياسة..

السياسة القائمة على أساس الواقع، والمنسجمة كل الإنسجام مع أهداف الإسلام، وتعاليمه الحقة..

وفقنا الله للسير على منهاج علي عليه السلام والتمسك بولايته، والاهتداء بهداه، إنه ولي قدير..

 

28/شهر رمضان المبارك/1398.

جعفر مرتضى العاملي

 



[1] الكامل، لابن الأثير ج3 ص409 والعقد الفريد ج1 ص216.

[2] الكامل لابن الأثير ج3 ص409 وتاريخ الطبري، مطبعة الاستقامة ج4 ص126.

[3] نهج البلاغة، شرح عبده، الخطبة: 89.

[4] نهج البلاغة شرح عبده الخطبة: 94.

[5] الكامل، لابن الأثير ج5 ص366 وغيره.

[6] نهج البلاغة شرح عبده الخطبة: 58.

[7] فجر الإسلام ص263.

[8] فجر الإسلام ص259و261.

[9] نهج البلاغة شرح عبده، الخطبة: 35 وتاريخ الطبري ج4 ص63 والكامل لابن الأثير ج3 ص344.

[10] الكامل، لابن الأثير ج5 ص490 وشرح النهج للمعتزلي ج5 ص115.

[11] راجع: معجم البلدان للحموي ج2 ص352، وأحسن التقاسيم ص293 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص204.

[12] الحيوان للجاحظ ج6 ص455.

[13] راجع: شرح نهج البلاغة، لابن ميثم ج2 ص154.

[14] الفرق بين الفرق تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد ص83، وهامش الملل والنحل ج1 ص118 و119.

[15] الفرق بين الفرق ص85، والملل والنحل ج1 ص119، وشرح النهج لابن ميثم ج2 ص154.

[16] راجع: شرح النهج للمعتزلي ج4 ص136 وص138 وفجر الإسلام ص260، والملل والنحل ج1 ص121-122.

[17] نهج البلاغة، شرح عبده الخطبة: 58.

[18] شرح النهج، للمعتزلي ج5 ص73.

[19] شرح النهج لابن ميثم ج2 ص155.

[20] نهج البلاغة شرح عبده، الخطبة: 89 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص193.

[21] ذكر ابن أعثم في شرح النهج / ج2 ص389: " بعض النصوص التي يصرح فيها (عليه السلام) بأن مقصوده بالفتنة، التي فقأ عينها، ولم يكن ليجرؤ عليها أحد غيره: هو فتنة: الجمل، وصفين، والنهروان.." وهو صحيح أيضاً، فإن حرب الجمل كانت بقيادة إحدى زوجات النبي (ص) وبنت أحد الخلفاء، ومعها بعض الصحابة الكبار، ومن يجرؤ على حرب هؤلاء غير أمير المؤمنين (عليه السلام)؟؟، أما حرب صفين، فقد كانت الشبهات التي يلقيها معاوية وأعوانه عامة وطامة، وتلك الشبهات هي التي مكنت معاوية من الوقوف في وجه عليه عليه السلام، وتجييش الجيوش لحربه..، وأما النهروان، فلما ذكرناه...