الصحابة في القرآن والسنة

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين.. واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

إننا نلفت نظر مجلة "المجتمع" إلى أن عليها قبل ان تبادر إلى توجيه أي اتهام أن تتأكد تماماً من صحة وسلامة وجهة نظرها لاسيما إذا كانت تدعي لنفسها أنها رائدة توحيد الكلمة والدعوة إلى التصافي والتفاهم والتعاون، بين المسلمين جميعاً. وأما إلقاء الكلام على عواهنه ومن دون أي تثبت وتأكد، فهذا ما لا نرضاه لها ولا لغيرها، ونربأ بها أن تجعل نفسها ألعوبة للأهواء وفريسة للعواطف غير المتزنة ولا المسؤولة..

ولقد طالعتنا هذه المجلة مؤخراً بعدة أعداد تحاول فيها النيل من كرامة طائفة معينة من المسلمين، والطعن في مقدساتها وفي وجهات نظرها.. وحاولت أن تلقي في أذهان قرائها ذلك المفهوم الذي كان قد روّج له فريق ما في وقتٍ ما من أجل الوصول إلى أهداف معينة في فترة معينة.. ألا هو الإيمان المطلق بعدالة الصحابة، وطهارتهم ونزاهتهم من كل شين وريب، وعلى ذلك جرت قافلة طائفة كبيرة من المسلمين لا اجتهاداً واستناداً، وإنما تقليداً واتباعاً.

ونحن.. في نفس الوقت الذي نؤمن فيه بأن فريقاً من الصحابة قد بلغوا القمة بل وما فوق القمة في النزاهة والطهر.. نؤمن بأن سائر الصحابة كانوا كسائر الناس العاديين لا يزيدون عليهم، ولا يمتازون عنهم إلا في أنهم رأوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعاشوا معه فترة من الزمن، لم يتهيأ لغيرهم أن يعيشوها.. ولكن الذي لا يعني أن مجرد رؤيتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تعطيهم ملكة العدالة والاجتهاد، وتضفي عليهم صفة النزاهة والطهر.. كما يشهد على هذا كل من الكتاب واحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلمات الصحابة والتابعين والعلماء والأبرار.

أما الكتاب ففيه سورة (المنافقون) و (البراءة) التي تسمى أيضاً الفاضحة والمبعثرة والمشردة والمخزية والمثيرة والحافزة والمنكلة والمدمدمة وسورة العذاب[1].

وكذلك ما في سورة النساء، وثلاثون آية في أول البقرة، وسورة الأحزاب، وغير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة جداً، والتي لا مجال لذكرها في هذه العجالة..

ولقد تخلف في غزوة تبوك بضعة وثمانون رجلاً، وحلفوا للنبي (ص) فقبل منهم علانيتهم، فنزل فيهم قوله تعالى :

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾[2].

وقد صرح تعالى بفسق بعضهم في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[3] وقد أجمع المفسرون، وأهل الحديث، والتراجم على نزول هذه الآية الكريمة بالوليد بن عقبة الصحابي، والذي شرب الخمر، في عهد عثمان، وصلى بالناس وهو سكران، وجلد الحد بيد علي عليه السلام[4].

وقال تعالى أيضاً : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾[5].

وقد استدل أبو بكر بهذه الآية على وفاة النبي (ص).

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : قال أبو بكر : " لو منعوني ولو عقالاً أعطوا رسول الله (ص) لجاهدتهم " ثم تلا : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾[6]. وكان حذيفة يتمثل بهذه الآية أيضاً في يوم اليمامة[7].. وكان علي أيضاً يرددها في حياة رسول الله (ص).

على أن القرآن الكريم يذكّر نبيّه والمؤمنين بأن : ﴿مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾[8]. فإذا كان تعالى قد اختص نفسه بالعلم بهم ولم يعلم نبيه بهم فليس لأحد بعد هذا أن يدعّي العلم بعدالة كل من رأى الرسول (ص). إلا أن يتحقق من عدالة كل صحابي على حدة، وإلا فإنه يكون من القول بغير علم، وقد قال تعالى : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..﴾.

واما الآيات المتضمنة لرضا الله عنهم، والوعد لهم بالمغفرة، والاجر العظيم وما إلى ذلك.. أما هذه الآيات فإنها كلها مقيدة بالإيمان والعمل الصالح، كما لا يخفى على من لاحظها، وتمعّن فيها.. وإلا فكيف يمكن أن نتصور رضى الله عن عبد الله بن أبي رأس النفاق، مع أنه كان من المبايعين تحت الشجرة.. وكذلك كل من ارتكب بعدها أعظم الكبائر.. من قتل النفس المحترمة، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك كما سنشير إليه فيما يأتي..

وعلى كل حال.. فإن لدينا إلى جانب تلك الآيات القرآنية الكثيرة، التي لا تزال تنعى على المنافقين الذين لم يكن النبي (ص) نفسه يعلمهم، وعلى كثير من الصحابة مواقفهم، وتذمهم عليها إن لدينا إلى جانب ذلك الكثير من الروايات الواردة عنه (ص) في ذلك، وهو الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ويكفي أنه كان باستمرار يقرع اسماع اصحابه، واتباع دينه بالحديث عن الفتن، في موارد مختلفة، بقي لنا الكثير الطيب منها، وهي مخرجة في أوثق المصادر عنهم، ومخرجة في أصح الكتب بعد القرآن الكريم حسب ما يعتقده إخوتنا أهل السنة كالصحيحين وغيرهما ونحن نذكر بعضها على سبيل المثال :

1 - عن أبي وائل قال : قال  عبد الله : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول : أي رب أصحابي، يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك[9].

2 - عن ابي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم..

قال أبو حازم : فمسعني النعمان ابن أبي عيّاش وأنا أحدثهم هذا فقال : هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت : نعم، قال : وانا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال : إنهم مني، فيقال : إنك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي[10].

3 - عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا ترجعوا بعدي كفاراً. يضرب بعضكم رقاب بعض ونفس ذلك رواه أبو بكرة، وجرير، وابن عباس عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم)[11].

4 _ عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني فرطكم على الحوض، وإني سأنازع رجالاً فأغلب عليهم، فأقول : يا رب أصحابي. فيقال : لا تدري ما احدثوا بعدك[12].

5 - عن حذيفة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ليردن علي الحوض أقوام فيختلجون دوني فاقول : رب أصحابي رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[13].

6 - عن ابن عباس في حديث له عنه يقول صلى الله عليه وآله وسلم فيه : وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : أصحابي ؟ أصحابي ؟ فيقول : إنه لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول، كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم.. إلى قول الحكيم"[14].

7 - وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض، حتى (إذا) عرفتهم اختلجوا دوني فأقول : أصحابي. فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك. وعبارة مسلم: ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنّ : أي رب أصحابي أصحابي[15].

8 - عن أبي هريرة : إنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلؤون عن الحوض، فاقول : يا رب أصحابي فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى[16].

9 - عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال : ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله قالوا : يا نبي الله أتعرفنا قال : نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون عليّ غرّاً محجلين من آثار الوضوء وليصدّن عني طائفة منكم فلا يصلون فأقول : يا رب هؤلاء من أصحابي ؟ فيجيبني ملك فيقول : هل تدري ما أحدثوا بعدك ؟ [17].

10 - وعن أبي هريرة أيضاً عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال بينا أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم فقلت : أين ؟ قال إلى النار والله. قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على إدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم قلت : أي أين ؟ قال : إلى النار والله. قلت : ما شأنكم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم[18].

11 - وروي عن عمار أيضاً : إن في أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إثني عشر منافقاً لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط[19].

12 - عن أبي بكرة : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن : رب أصحابي أصحابي، فيقال : إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك[20].

13 - عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنه قال : تزعمون أن قرابتي لا تنفع قومي ؟ والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة إذا كان يوم القيامة يرفع لي قوم يؤمر بهم ذات اليسار فيقول الرجل : يا محمد أنا فلان بن فلان ويقول الآخر : أنا فلان بن فلان، فأقول : أما النسب قد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم على أعقابكم القهقرى[21].

14 - قالت أسماء بنت أبي بكر : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم. وسيؤخذ أناس دوني فأقول : يا رب مني ومن أمتي فيقال : أما شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم[22] الخ..

15 - عائشة تقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول، وهو بين ظهراني الصحابة : إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم فوالله ليقتطعن دوني رجال. فلأقولن : أي رب مني ومن أمتي فيقول : إنك ما تدري ما عملوا بعدك مازالوا يرجعون على أعقابهم[23].

16 - وعن أم سلمة : إنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : أيها الناس بينما أنا على الحوض جيئ بكم زمراً، فتفرّقت بكم الطرق فناديتكم : ألا هلمّوا إلى الطريق، فناداني منادٍ من بعدي، فقال : إنهم قد بدّلوا بعدك، فقلت : ألا سحقاً ألا سحقاً[24].

17 - عن أم سلمة : إنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : أيها الناس إني لكم فرط على الحوض فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول : فيم هذا ؟ فيقال : إنك لا تدري ما احدثوا بعدك، فأقول : سحقاً[25].

18 - عن أم سلمة قالت : قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : من أصحابي من لا أراه ولا يراني بعد أن أموت ابداً[26].

19 - في كتاب المواهب لمحمد بن جرير الطبري الشافعي عن أبي علقمة قال : قلت لسعد بن عبادة وقد مال الناس إلى بيعة أبي بكر : ألا تدخل فيما دخل فيه المسلمون ؟ قال : إليك مني فوالله لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : إذا أنا متُّ تضِلّ الاهواء، ويرجع الناس على أعقابهم فالحق يومئذ مع علي وكتاب الله بيده، ولا تبايع أحداً غيره[27].

20 - وكان طلحة بن عبيد الله وابن عباس وجابر بن عبد الله يقولون : صلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على قتلى أحد وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنا على هؤلاء شهيد، فقال أبو بكر : يا رسول الله أليسوا إخواننا، أسلموا كما أسلمنا وجاهدوا كما جاهدنا ؟ قال : بلى ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ولا أدري ما تحدثون بعدي، فبكى ابو بكر وقال : إنا لكائنون بعدك ؟[28].

21 - عن مرة قال : حدثني رجل من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : قام فينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ناقة حمراء مخضرمة فقال : أتدرون أي يوم هذا ؟ إلى أن قال : ألا وإني فرطكم على الحوض أنظركم وإني مكاثر بكم الأممم فلا تسودّوا وجهي. ألا وقد رأيتموني وسمعتم مني، فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ألا وإني مستنقذ رجلاً أو إناثاً ومستنقذ مني آخرون فأقول : يا رب أصحابي ؟ فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[29].

22 - وقال المغفور له العلامة الأميني في كتاب " سيرتنا وسنتنا، سيرة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " ص26 : أخرج الحفاظ بأسانيدهم الصحيحة عن ابن عباس : " خرجت أنا والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي رضي الله عنه في حيطان المدينة، فمررنا بحديقة فقال علي رضي الله عنه : ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله ؟ فقال : حديقتك في الجنة أحسن منها ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته ثم بكى حتى علا بكاه. قيل : ما يبكيك ؟ قال ضغاين في صدور قوم لا يبدونها حتى يفقدونني " وفي لفظ عن أنس بن مالك : " ثم وضع النبي رأسه عليّ فبكى فقال له: ما يبكيك يا رسول الله صلى الله عليك ؟ قال : ضغاين في صدور أقوام لا يبدونها حتى أفارق".

وأخيراً..

فقد قال المقبلي : إن أحاديث " لا تدري ما أحدثوا بعدك " متواترة بالمعنى[30].

وهذا غيض من فيض، مما يدل على أن الصحابة ليسوا كلهم عدولاً أبرار أخياراً بل هم كسائر الناس الآخرين يخطئون ويصيبون، يطيعون ويعصون.. وإن كان ربما يكون الذنب منهم أعظم، والمعصية منهم أشد، باعتبار أنهم نالوا شرف رؤية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسعدوا بمجالسته ورأوا من براهينه ومعجزاته ما يبهر كل عقل ويقطع كل عذر.. وعلي فكل ما يدعى لهم من صفات غير طبيعية وعدالة ونزاهة وطهارة حقيقية لا يعدوا أن يكون مجرد دعوى واهية لا تستند إلى دليل ولا يدعمها برهان.

ومن اراد التوسع في هذا الموضوع فليراجع أيضاً بالإضافة إلى ما تقدم : مصنف عبد الرزاق ج11 ص406 - 407، وتنوير الحوالك ج1 ص51، والبحار ج28 كتاب الفتن ص26 حتى 36، وكنز العمال ج11 ص157 رقم 645 وفي ذيله : " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك مرتدين على أعقابهم " ورقم 746 ورقم 747 وفيه : " ولكنكم ارتددتم بعدي ورجعتم القهقرى " وص155 رقم 776 وفيه : "فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم بعضاً" وج11 ص221 رقم 2411 عن أبي هريرة وفيه : "إنك لا علم لك بما أحدثواو بعدك إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى" وفي بعضها عن حذيفة رقم 2412 وعن أنس رقم 2414 وعن سمرة رقم 2481 وعن أبي هريرة رقم 2415 وعن حذيفة رقم 2476و2471 وعن أم سلمة رقم 417 وعن انس وحذيفة رقم 2418 وعن زيد بن خالد رقم 2424 وعن ابن مسعود رقم 2470 وعن أسماء بنت ابي بكر وعائشة رقم 2416 وعن أبي سعيد رقم 2472 وغير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه في هذه العجالة.

وحسب هذا الرأي قوة أن يكون مدعوماً بالنصوص القرآنية وبالنصوص النبوية التي رواها لنا عدد كبير من الصحابة أنفسهم كما يظهر مما تقدم مثل : سهل، حذيفة، ابن عباس، عائشة، أبي سعيد، ابن مسعود، أم سلمة، أنس، سمرة، زيد بن خالد، أسماء بنت ابي بكر، ابن عمر، أبي هريرة، أبي بكرة، عمار، سعد بن عبادة، طلحة، جابر، أبي الدرداء رجل من صحابة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغير ذلك ممن لم يتهيأ لنا في هذه العجالة الإطلاع عليهم.

وعلى هذا فما ينسب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كلمات تدل على عدالة جميع الصحابة ووجوب الاقتداء بهم جميعاً لا يمكن أن تصح ولا شك في وضعها على لسانه (ص) وافتعالها، لأنها مما يكذبها كل افعاله وأقواله تجاههم وفي حقهم، ويدحضها عامة سلوكه معهم..

وأما الحديث الذي يردده الناس في العصور الأخيرة وينسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " فهو باطل، صرح ببطلانه جمع كثير من الأعلام قديماً وحديثاً كأحمد بن حنبل، والبزار، وابن حزم، وابن الجوزي وابن عبد البر، وغيرهم كثير، هذا عدا عن أن متن الحديث ذاته يدل دلالة واضحة على ضعفه، فليس كل نجم من النجوم يهتدى به الضال في ظلمات البر والبحر.. ".

ولعله وضع في مقال حديث : النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي.. وبلفظ آخر : النجوم أمان لاهل الارض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف[31].. بل يظهر انه وضع ليجعل الاصحاب هم الهداة لسفينة نوح، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق[32] بل في لسان الميزان / ج1 ص136 إن النبي(ص) قال : أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتهم.

وبعد.. فهل يمكننا أن نقتدي ونهتدي بمعاوية ومروان، وعمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وإضرابهم في لعنهم علياً والحسن والحسين عليهم السلام وغيرهم.. باعتبار أن معاوية وهؤلاء هم من تلك النجوم التي بأيها نقتدي ونهتدي ؟!..

وهل يمكننا أن نهتدي بالحكم بن أبي العاص طريد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ وبالوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن الكريم، والذي نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ والذي شرب الخمر في عهد عثمان، وصلى بالناس وهو سكران كما قدمنا؟!..

وهل يصح أن نقتدي ونهتدي بكل أولئك المنافقين، الذين كانوا على عهد الرسول (ص)؟ أم يعقل أنهم أصبحوا بمجرد موته (ص) عدولاً أبراراً إن ذلك لعجيب وعجيب حقاً !!..

وهل يمكن أن نقتدي ونهتدي بأولئك الذين ارتكبوا أعظم المنكرات سواء في حياة النبي أو بعد وفاته؟!..

فها نحن نرى بعضهم قد شرب الخمر في أيام عمر، واقام عليه عمر الحد، وهو قدامة بن مظعون[33] مع أنه كان صحابياً، بل وبدرياً أيضاً، ومن السابقين الاولين، وقد هاجر الهجرتين.

كما وشربها أيضاً عبد الرحمن بن عمر – وعبد الرحمن قد عاصر الرسول(ص) – وأقام عليه أبوه الحد، ومات من جراء ذلك، وقضيته أشهر من أن تذكر[34].

واتهم المغيرة بالزنا، وشهد عليه ثلاثة، وتردد الرابع – وهو زياد بن أبيه – وتردده هو الذي درأ الحد عن المغيرة، وليس كون المغيرة صحابياً[35] مع ان المغيرة كان من المبايعين تحت الشجرة أيضاً، وهي المعروفة ببيعة الرضوان.

وكان أبو محجن يزني،ويشرب الخمر، وقد جلده عمر سبعاً أو ثماني مرات لذلك ونفاه[36].

وارتد طليحة بن خويلد عن الإسلام وادعى النبوة[37].

وكان سمرة بن جندب يبيع الخمر في عهد عمر[38] وهو احد الثلاثة الذي قال لهم النبي(ص) : آخركم موتاً في النار.

وحد النبي نعيمان ثلاث مرات في الخمر، وطلب عمر قتله في الرابعة، فلم يقبل منه[39] مع أن نعيمان قد شهد المشاهد كلها، وشهد العقبة أيضاً.

وبسر بن أبي أرطأة قد عاث في الأرض فساداً وقتل طفلين لعبيد الله بن العباس، وما ذنب الأطفال؟!.

ومعاوية – وما أدراك ما معاوية بائع الأصنام[40] - يجعل رأي نفسه مقدماً على قول الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، فإنه عندما باع بيعاً ربوياً، واعترض عليه أبو الدرداء بقوله : سمعت رسول الله(ص) ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل فقال معاوية : ما ارى بهذا باساً. فقال ابو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله(ص) ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم ابو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن[41]. راجع مقدمة كتابنا : حديث الإفك.

ومعاوية يسم الحسن عليه السلام ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويفعل غير ذلك من امور شنيعة كقتله حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي إلى آخر قائمة ضحايا معاوية الطويلة، فقد قتل في صفين فقط من اهل بيعة الرضوان 63 رجلاً منهم عمار ومن البدرين 25 رجلاً[42].

ولقد نسي الناس أن الصحابة كانوا يتهمون أقرانهم بالفسق تارة، وبالردة والكفر أخرى – كما فعل بمالك بن نويرة الصحابي – ونسي الناس أيضاً : أن الصحابة أنفسهم قد ثاروا على خليفتهم عثمان وقتلوه، أو شاركوا في التأليب عليه، وإثارة الناس ضده. وكيف ينسى دور عائشة وطلحة، والزبير، وولده عبد الله، وعمرو بن العاص، وغيرهم في ذلك، وبعد أن قتلوه تركوه ثلاثة أيام بلا دفن، حتى دفن في " حش كوكب " مقبرة اليهود. فكيف جاز لهؤلاء الصحابة مخالفة نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الصحابة ؟ ولماذا لم يراعوا عدالتهم وهداهم ؟!.

وأخيراً.. فإن عمر نفسه يصرح بوجود المنافقين في الصحابة حين وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخرج ابن المنذر، عن ابي هريرة قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام عمر بن الخطاب فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي[43] وتقدم تصريح أبي بكر بذلك.. إلى غير ذلك مم تضيق به كتب التاريخ، ومجاميع الحديث والرواية.

ويكفي أن نذكر ان البلاذري قد ذكر في أنساب الأشراف أسماء المنافقين، واستغرقت عشر صفحات كاملة ج2 ص274 حتى ص283.

وختاماً ننقل كلام حذيفة بن اليمان (وهو صاحب سر رسول الله وعرّفه صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين) عن صحيح البخاري في كتاب الفتن : " إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ".

ولمعرفة المنافقين الذين يصفهم حذيفة إقرأ كتاب " الغدير " للعلامة الراحل الأميني وقد نشر منه حتى الآن أحد عشر مجلداً وغيره من الكتب العلمية التي توحد صفوف المسلمين مثل كتاب " المراجعات " للإمام شرف الدين العاملي وكتاب " عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى " لصاحب الفضيلة العلامة السيد العسكري وكتاب " خمسون ومأة صحابي مختلق " له أيضاً. وكتاب " أبو هريرة " و " أضواء على السنة المحمدية " و " قصة الحديث المحمدي " وكلها لعلامة مصر الراحل وفقيد العلم والمعرفة الأستاذ المرحوم محمود أبو رية.

وبعد هذا.. فهل يصح أن يقال : إن حديث : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " صحيح، ويجب العمل به ؟

وهل يصح الاقتداء حقاً بكل صحابي، وفي جميع أفعاله وأقواله، حتى من لم ير النبي(ص)، إلا مدة يسيرة كيوم أو شهراً، أو شهرين مثلاً ؟

وهل مجرد رؤيته له (ص) تجعله لا يتعمد ذنباً، ولا يميل إلى معصية ؟.

وإذا كان الصحابي كلهم عدولاً أتقياء.. فلماذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكذبهم في أقوالهم، ويتبرّأ من كثير من أفعالهم ؟

وهذه كتب السير والحديث والمغازي بين أيدينا وفيها ما لا يحد بحد، ولا يعد بعد.. ولماذا يقولون إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد جلد الذين قذفوا أم المؤمنين، بعد أن نزلت الآية ببراءتها، مع انهم من صحابته، وفيهم من هو بدري أيضاً ؟!

وإذا كان الصحابة كلهم عدولاً، مطهرين، منزهين، فلماذا تقام عليهم الحدود وتجري عليهم القصاصات، سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعد وفاته ؟

وكيف تقبل الشهادة ضدهم، وكيف يهتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقضية الإفك ؟

ولم لا يحكم بنزاهة أصحابه ويقول إنهم لا تجوز عليهم المعصية، من دون أن ينتظر الخبر من السماء ؟!.

وإذا كان حديث النجوم هذا صحيحاً، فهل من المعقول أن نعتبر أهل الشام وفيهم من الصحابة أمثال معاوية وعمرو بن العاص مهتدين في حربهم علياً في صفين، في نفس الوقت الذي نعتبر فيه علياً وأهل العراق، مهتدين في حربهم لأهل الشام ؟!!.

وإذا كان الخطاب بقوله : " بأيهم اقتديتم اهتديتم " للصحابة، فمن منهم الموصى أن يهتدي ويقتدي ؟ ومن منهم الذي يكون الإقتداء والاهتداء به.

وبعد هذا.. وإذا كان الحق واحداً، وواحداً فقط، فبمن نقتدي ونهتدي من الصحابة، الذين لا يزالون مختلفين في أكثر الأشياء، ويكذب بعضهم بعضاً، ويعبر بعضهم عن سوء رأيه بالآخر.

وألسنا نجد أن أحداً من الصحابة لم يعمل بهذا الحديث.. فكل منهم يسب الآخر ويلعنه، بل ويستحل دمه، ويكفره فقد روي أن عماراً كان يكفر عثمان، ويستحل دمه، وأن عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود كانا يستحلان دم عثمان أيضاً، على ما ذكره طه حسين[44] وقال المعتزلي الحنفي : إن عثمان قال لعبد الرحمن بن عوف : يا منافق[45].. وذلك في كتاب التاريخ والحديث كثير، وكثيرا جداً..

بل ونجد الكثير الكثير مما يدل على أنهم ما كانوا يقبلون الاهتداء ببعضهم البعض، فإن علياً لم يكن يجوز الاقتداء بمعاوية، والوليد، ومروان، وابن العاص، وإضرابهم. وعمر وعثمان، وعائشة وعلي، قد أكذبوا أبا هريرة[46].

وعلى ذلك جرى بعض الأئمة الكبار، فقد نقل ابن أبي الحديد عن أبي حنيفة أن " الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً، ثم عدّ منهم : ابا هريرة، وأنس بن مالك " وفي المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء عن الشافعي : " إنه سرّ إليّ الربيع : لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم معاوية وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد " أقول لكن زياداً ليس من الصحابة، لأنه ولد في زمن الرسول ولم يره..

وقال شعبة : " كان أبو هريرة يدلس " كما في البداية والنهاية. وفي العقد الفريد لابن طلحة ص174 قصة طويلة يذكر فيها تكذيب جمع من العلماء لابي هريرة في حضرة الرشيد، ووافقهم الرشيد على ذلك إلى غير ذلك مما لا يمكن تتبعه واستقصاؤه.

وبعد كل ما قدمناه.. وإذا كان الصحابة أنفسهم لا يجيزون لنا الإقتداء ببعضهم البعض، فلم لا نهتدي ونقتدي بهم ونقول : " لا يجوز الإقتداء بكل صحابي، إلا من ثبتت عدالته ونزاهته " ؟.

أم يعقل أن يكون معنى : " أصحابي كالنجوم.. " هو وجوب الإقتداء بهم في قضية أقوالهم وأفعالهم أو ببعض منهم هم دون البعض الآخر ؟ وإذا كان المقصود هو ذلك، فهل يبقى معنى لقوله : " بأيهم اقتديتم اهتديتم " إن ذلك لعجيب، وعجيب حقاً !

وعدا عن ذلك فلماذا لا يجوز لنا أن نقتدي بعلي عليه السلام في لعنه مثل معاوية، ومروان، وابن العاص واضرابهم مع أن الناس قد قلدوا معاوية عشرات السنين ولعنوا أخا رسول الله ووصيه، ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى، ولعنوا كذلك الحسن والحسين عليهما السلام وقيس بن سعد، وغيرهم من خيرة أصحاب الرسول(ص).

وإذا كان حديث النجوم هذا صحيحاً، فلماذا عندما أعلن سب أعظم صحابي على آلاف منابر المسلمين، عشرات السنين وكان بعض الصحابة المتهالكين على الدنيا يشاركون في ذلك ويشارك أيضاً التابعون – الذين يقولون : إن قرنهم خير القرون – لماذا لم نجد من يعترض على ذلك بأنه ينافي عدالة الصحابة ونزاهتهم، ولم نجد من التابعين من قال أيها الناس لقد خالفتهم قول رسول الله(ص) : " أصحابي كالنجوم.. " مع ان كثيراً منهم ليس فقط قد شارك في سب الصحابة الأبرار ولعنهم، وإنما شارك في قتلهم وسفك دمائهم، ومحاربتهم.

نعم.. لقد سب علي عليه السلام على المنابر مع أن الرسول(ص) قد قال : " من سب علياً فقد سبني "[47] ولم نجد من يعترض على ذلك بمنافاته لعدالة الصحابي، ولا بحديث النجوم، وإنما كانت اعتراضات المعترضين وصرخات المخلصين تحاول التذكير بمواقف علي، وبأقوال الرسول فيه، وبالآيات الواردة في حقه، والتي لم يعبأ بها المزيفون وأهل الدنيا، وطلاب اللبانات.

وليتنا ندري لماذا لم يكفر التابعون، وكيف جاز لهم سب علي، وقتلهم الحسين، وغير ذلك من جرائم وفظائع – بل إن قرنهم خير القرون – ولماذا يوثق عمر بن سعد[48] ولماذا لم يجز هذا الشيعي أن يعبر عن رأيه في هؤلاء اللاعنين، المصرين على هذا الإثم العظيم، ويكشف حقيقتهم وواقعهم للناس جميعاً. بل إذا حاول ولو مرة واحدة أن يبدي رأيه فيهم، فإنك ترى أصابع الإتهام بل والتكفير والإخراج من الدين تنصب عليه من كل جانب ومكان..

ولكن الحقيقة هي أن حديث : أصحابي كالنجوم قد وضع فقط لصالح أعداء علي وآل علي. فهؤلاء فقط هم العدول، الأبرار وليس لأحد أن ينالهم بسوء ولهم هم كل الحق في أن ينالوا علياً باللّعن، وأهل البيت بالقتل والسبي، وكل الفظائع. وهذا الحديث حينئذٍ لا يستطيع أن يؤثر أثره، ولا أن يثبت وجوده.

وقبل أن نأتي على نهاية هذا الحديث نود أن نشير إلى أن حديث النجوم – الموضوع – لا يستطيع أن يقاوم حديث الثقلين المتواتر، الوارد في الكتب المعتبرة عند إخواننا مثل : صحيح مسلم، والترمذي، ومسند أحمد، وغيرها بأسانيد كثيرة جداً حيث يأمرنا هذا الحديث، ويأمر الصحابة باتباع خليفتين، أحدهما : كتاب الله، والآخر : أهل بيته، وجعل الاهتداء مشروطاً باتباعهما والتمسك بهما، حيث قال : " ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً " وأهل بيته هم : عليّ، وفاطمة , والحسن، والحسين عليهم السلام؛ فالأجدر بنا أن نهتدي بهداهم، ونتبع خطواتهم ونسير على نهجهم ومن نهجهم نقد كل صحابي، وإعطاء كل ذي حق حقه بلا إفراط ولا تفريط.

وأهل البيت فقط هم سفينة نوح، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، لأنهم هم الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً. وكل من سواهم لابد له في الحكم بعدالته من دراسة تاريخ حياته، ونقد عامة سلوكه وتصرفاته..

وأخيراً.. فلقد صرح جماعة من إخواننا بأن الصحابة غير معصومين، وفيهم العدول وغير العدول فقد ذكر صاحب كتاب أصحابي كالنجوم ص15 إن منهم السعد التفتازاني، في شرح المقاصد وابن العماد الحنبلي على ما في النصائح الكافية ص62 عن الآلوسي والشوكاني في إرشاد الفحول والشيخ المقبلي في العلم الشامخ – على ما في أضواء على السنة المحمدية وشيخ المضيرة – والمارزي شارح البرهان – على ما في النصائح الكافية ص161 والإصابة ج2 ص391، 392 – والسيد محمد بن عقيل في النصائح الكافية، وطه حسين في الفتنة الكبرى : عثمان، والشيخ محمود أبورية في أضوائه وشيخ مضيرته ص101، والشيخ محمد عبده على ما أضواء أبي رية، والسيد محمد رشيد رضا على ما في شيخ المضيرة، والشيخ مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن، وغيرهم.

وهكذا نجد : أن العلماء الأتقياء لا يزالون يعرضون أفكارهم على محك العلم، وعلى الموازين الصحيحة التي يؤيدها القرآن، وكلمات الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقوانين الشريعة الغراء، وأخيراً.. العقل الفطري السليم.

ويكفي أن نذكر هنا: أن القرآن قد قرر أن لكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، ولو كان مثقال ذرة من خير، أو من شر على حد سواء.. وأن أكرمكم عند الله أتقاكم، لأن الإسلام لا ينظر إلى المصاحبة الجسدية كمقياس، كيف وصحابا يوسف عليه السلام كانا مشركين، وأصحاب موسى قد عبدوا العجل، في حين كان نبيهم يناجي ربه عز وجل في شأنهم، وإن عيسى أحس من أصحابه الكفر. إلى آخر ما هنالك.

وفي الختام: إننا نود أن نذكركم بأن نقد الشيعة للصحابة ليس إلا لإحياء القيم الإسلامية وتقدير كل أحد منهم بمقدار ما يتوفر لديه من المكارم والفضائل والتقوى والعلم والشرف والشجاعة والطاعة والإتباع والكرامة والنجدة والعظمة والبخوع وللحق مضادة الباطل وكراهة العصيان وإقامة السنة وإبادة البدعة وترويج الحق ومحق الباطل والحض على الخيرات ودحض المنكرات. وما تتبعه الشيعة في معتقداتها معتضد بالعقل والنقل (يعني الكتاب والسنة النبوية كما جاء في كتب الشيعة وأهل السنة)، وهم يناقشون الأحاديث ويميزون الغث من السمين ويتركون ذلك ويتمسكون بهذا، ومن نظر في كتبهم الكلامية يلمس هذه الحقيقة. وبهذه المناسبة تراهم يحبون جمعاً من الصحابة لا يستهان بعددهم من أولي الفضيلة الذين اجتمعوا حول أمير المؤمنين علي عليه السلام كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر وآخرين كثيرين مذكورين في كتبهم ولكن لا يمكنهم إطراء الفئة التي ذكرناها لك من تلك الناحية ولكل قوم سنة وإمامها.

إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وختاماً فنرجو من مجلة المجتمع : أن تنشر هذه الرسالة بحذافيرها إن كانت تعني ما تقول حينما تجعل من نفسها منبراً حراً للفكر الإسلامي.

ولكن المجلة المذكورة لم تنشر هذه المقالة، وهي مع ذلك لا تزال تدعي : إنها منبر حر للفكر الإسلامي فاقرأ واسمع واضحك !!..

والسلام على من اتبع الهدى

21/صفر/1397.

جعفر مرتضى العاملي

 



[1] راجع الكشاف، وغيره من كتب التفسير وعلوم القرآن.

[2] راجع : أضواء على السنة المحمدية ص353 وأي كتاب آخر في السيرة.

[3] سورة الحجرات 6.

[4] راجع : صحيح البخاري ج5 ص63 وغيره.

[5] سورة آل عمران 144.

[6] الدر المنثور ج2 ص82.

[7] المصدر السابق.

[8] سورة التوبة 101.

[9] صحيح البخاري ج9 ص58 كتاب الفتن ج8 ص148 وفي آخره أنه نقل أيضاً عن حذيفة ومسند احمد ج1 ص439 مع تفاوت يسير.

[10] صحيح البخاري ج9 ص58/59 وج8 ص150 وصحيح مسلم ج7 ص96 والاستيعاب هامش الإصابة ج1 ص159 ومسند أحمد ج5 ص333 وراجع ج3 ص28.

[11] صحيح البخاري ج9 ص63و64 وصحيح مسلم ج1 ص58.

[12] صحيح مسلم ج7 ص68 بعدة أسانيد ومسند أحمد ج1 ص402 و406 و407 و384 و425 و453.

[13] مسند أحمد ج5 ص388 وراجع ص393 وأشار إليه في صحيح البخاري ج8 ص148/149.

[14] صحيح البخاري ج8 ص169 و204 وج6 ص122 و69 و70 وج8 ص136 وصحيح مسلم ج8 ص157 ومسند أحمد ج1 ص235و253 والاستيعاب هامش الإصابة ج1 ص160 وعن الجمع بين الصحيحين.

[15] صحيح البخاري ج8 ص149 وصحيح مسلم ج7 ص70و71 ومسند أحمد ج3 ص381 وعن الجمع بين الصحيحين الحديث رقم 131 وفي إحقاق الحق باب ما رواه الجمهور في حق الصحابة انهم رووا مثل ذلك عن أم سلمة واسماء بنت أبي بكر وسعيد بن المسيب وحذيفة وأبي الدرداء.

[16] صحيح البخاري ج8 ص150 وبعده نفس الحديث الذي رواه ابن المسيب عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله).

[17] صحيح مسلم ج1 ص150.

[18] صحيح البخاري ج8 ص150/151 والمصنف لعبد الرزاق ج11 ص406 وعن الجمع بين الصحيحين الحديث 267.

[19] راجع : صحيح مسلم ج7 ص122و123.

[20] مسند الإمام أحمد ج5 ص48 وص50 بسند آخر.

[21] مسند أحمد ج3 ص39 ويقرب منه ما في ص18 وكنز العمال ج11 رقم 2472.

[22] صحيح البخاري ج8 ص151/152 وصحيح مسلم ج7 ص66 وكنز العمال ج11 رقم 2461.

[23] صحيح مسلم ج7 ص66 والاستيعاب هامش الإصابة ج1 ص159 وكنز العمال رقم 1416.

[24] مسند أحمد ج6 ص297.

[25] صحيح مسلم ج7 ص67.

[26] مسند أحمد ج6 ص298.

[27] ملحقات إحقاق الحق ج2 ص296.

[28] مغازي الواقدي ج1 ص410.

[29] مسند أحمد ج5 ص412 وفي صحيح البخاري ج5 ص159-160 : عن العلاء بن المسيب عن أبيه، قال : لقيت البراء بن عازب(رض) فقلت : طوبى لك، صحبت النبي(ص) وبايعته تحت الشجرة، فقال : يا ابن أخي لا تدري ما أحدثنا بعده..

[30] راجع : أضواء على السنة المحمدية ص350 نقلاً عن العلم الشامخ للمقبلي.

[31] ذخائر العقبى ص17 وإسعاف الراغبين.

[32] نزهة المجالس للصفوري الشافعي ج2 ص179.

[33] الإصابة ج3 ص228/229 والاستيعاب بهامشها ج3 / ص361 وأسد الغابة ج4 ص199 وشرح النهج ج20 ص23.

[34] الإصابة ج3 ص72 والاستيعاب بهامشها ج2 ص403 وأسد الغابة ج4 ص312 وشرح النهج للمعتزلي ج20 ص23.

[35] الإصابة ج3 ص452 وشرح النهج للمعتزلي ج20  ص23 والقضية معروفة ومشهورة..

[36] الإصابة ج4 ص174 والاستيعاب بهامشها ج4 ص183/184 وأسد الغابة ج5 ص290 وشرح النهج للمعتزلي ج20 ص28.

[37] أسد الغابة ج3 ص65 والإصابة ج2 ص234 وشرح النهج ج20 ص28.

[38] الأحاديث الموضوعة : حديث أصحابي كالنجوم ص77 عن البخاري وغيره.

[39] صحيح البخاري ج8 ص196 وأسد الغابة ج4 ص199/200 وج5 ص36/37 والإصابة ج3 ص404 و570.

[40] الأحاديث الموضوعة : حديث أصحابي كالنجوم ص77 عن المبسوط في الفقه الحنفي، كتاب الإكراء.

[41] موطأ الإمام مالك ج2 ص135 وشرح النهج ج20 ص27.

[42] الاستيعاب هامش الإصابة ج2 ص278 والتنبيه والإشراف ص256.

[43] الدر المنثور ج2 ص81.

[44] الفتنة الكبرى، عثمان ص171و172.

[45] شرح النهج للمعتزلي ج2 ص25.

[46] راجع : شرح النهج للمعتزلي ج20 ص30 وتأويل مختلف الحديث ص10 وجامع بيان العلم ج2.

[47] مستدرك الحاكم ج3 ص121 وصححه الذهبي أيضاً.

[48] وثقة العجلى على ما في تهذيب التهذيب ج7 ص451.