ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 1/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
2/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
3/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
4/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
5/
الحمد للَّه رب
العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء واشرف المرسلين، محمد وآله الطيبين
الطاهرين المعصومين، واللعنة على أعدائهم وخاذليهم إلى يوم الدين.
وبعد..
فإنني لا أريد في
كتابتي هذه أن أدخل في نقاش يهدف إلى تسجيل الأهداف لصالح فريق ضد آخر، وليس من
أهدافي ملاحقة زيد من الناس أو عمر، في طموحاتهم أو انتماءاتهم السياسية أو غير
ذلك، لأشجع هذا وأشد على يده، وأدين ذاك واعترضه من منطلق رصد الطموحات أو رفض
الانتماء.
بل ما أريده هو معالجة
بعض الأفكار التي طرحت أخيراً برسم التداول، رأيت انه ليس من المقبول السكوت عنها
من الناحية العرفية والأخلاقية فضلاً عن الناحية الشرعية، كما لم يصح السكوت عن
الأسماء والعناوين التي بها تمرر هذه الأفكار كالتجديد، والإصلاح، والعصرنة،
والحداثة، ومحاربة كل من التخلف، والتحجر، والسلفية الشيعية الجديدة، علماً أننا
لسنا ضد أي جديد ما لم يتعارض مع الأسس الدينية الثابتة والواضحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
6/
وهذه الأفكار المرفوضة
دينياً كثيرة ومتنوعة، نجدها مبثوثة يميناً وشمالاً، ومن جملة الموارد التي بثت فيها،
كتاب طبع باسم «مأساة المأساة» كتب عليه اسم «نجيب نور الدين».
وهو الكتاب الذي وضع
ليكون رداً على الكتاب الخالد «مأساة الزهراء (ع)»، زعماً منهم أنهم بذلك يستطيعون
إسقاط مؤلفه العلامة المتبحر المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى العاملي، علمياً
واجتماعياً بل ودينياً أيضاً، هذا عدا عما يجده القارىء فيه من تهم وسباب
وافتراءات وخيانات وغير ذلك، ما أبعده كل البعد عن «الموضوعية» و«العلمية»، ولعلهما كانا آخر هم هذا الكتاب
وكاتبه.
فما كان مني إلا أن
شمرَّت عن ساعد الجد لبيان الحقيقة، بكل صراحة ووضوح، مؤثراً في ذلك رضى اللَّه
تعالى على رضى غيره كائناً من كان، سالكاً فيه درب الحق، ونهج الصدق، متسلحاً
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأرجو من اللَّه تبارك وتعالى أن أكون قد وفقت
في ذلك، ببيان ما أريد طمسه أو تشويهه من معالم الدين، وثوابت المذهب وواضحاته،
مما أصبحنا نخشى أن تخرج معه هذه الأفكار بصورة مذهب جديد بدأت معالمه تظهر،
وأفكاره تتواصل وتتلاقى.
وبعد صدور هذا الكتاب،
لن يفاجئنا أن تتوالى على الكاتب أو غيره ممن يعملون في هذا السبيل، ممن نذروا
أنفسهم للدفاع عن الحق والدين، هجمات التلفيق والتزوير، وفق ما اعتدناه وألفناه.
ومهما يكن من أمر، لا
شك في أنه ينبغي أن يكون الميدان مفتوحاً أمام الجميع، ليعبر كل واحد عن رأيه
وموقفه، وفق الضوابط الشرعية والأخلاقية والعرفية، بدون إرهاب أو افتعال مشاكل،
وبدون تهويل بادعاء أن الساحة لا تتحمل، وكأني بهذه الساحة أو تلك تحتمل أقوالهم الخاطئة،
ولا تحتمل الصواب بتصحيحها، وإعادة الأمور إلى نصابها، وبيان النهج الحق الذي
ينبغي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 7/
العمل على أساسه، من
دون مكابرة عن تذوق طعم الحقيقة مهما كان مراً، بكأسٍ ملؤها الصراحة والصدق والإنصاف.
وقد جاريت في كتابي هذا
كتاب مأساة المأساة في ترتيبه وأبحاثه وبعض عناوينه لأغراض اقتضتها المحاورة معه.
المؤلف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 8/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 9/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
10/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 11/
يبدأ الكاتب بالإشارة
إلى كون علم التاريخ وصفيّاً لا معياريّاً، مشرعاً بذلك السبيل نحو سلب القارىء
التفاته إلى أي أرضية، تمهدها التحقيقات التاريخية أمام البحوث العقائدية
والفقهية، فيقول (ص 13 من كتاب مأساة المأساة):
لا بد من إعطاء البحث التاريخي
حيِّزاً مستقلاً عن المباحث والمعايير الأخرى، كالبحث الفقهي وإثبات مسائل
الاعتقاد... فهو جهد محايد يبتكر أدواته ووسائله المنهجية المستقلة عن باقي
العلوم.
كما يشير هذا الكاتب
إلى لزوم تسلح الباحث... بأدوات الشك؟ وعلامات التساؤل! ويضيف إلى هذا استعماله
ألفاظ الشك المنهجي والعلمي والموضوعي، كل ذلك ليفتح الطريق أمام ذهن القارىء،
ليتقبَّل، ومن ثَمَّ، ليذعن بتشكيكات المشكِّكين، وتساؤلات المتسائلين، التي يصفها
فبزعمه بالمنهجية.
مع أنها فأي هذه
الشكوك مجردة غالباً عن السعي المنطقي والعلمي، نحو تحصيل الإجابات المناسبة لها،
من خلال الرجوع إلى المصادر المعتمدة، وإلى أهل الاختصاص الموثوقين، ما يكشف أكثر
عن عدم كونها من الأمور التي يصح جعلها ضمن إطار المنهج العلمي.
والسبب في هذا الأمر،
إلقاء صاحب هذه الشكوك لها في محافل من عموم الناس، من الذين يفتقدون للكثير من
القدرة على تمييز التساؤل من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 12/
التحقيق، والتشكيك من
التدقيق، والعلم من المعلومات، وبالتالي الخطأ من الصواب، ثم الحق من الباطل.
وبعد ذلك يوحي هذا
الكاتب (ص13) إلى القارىء بلزوم تجريد الباحث التاريخي لذهنه، عن كل ميوله
وانتماءاته، معللاً بأن التاريخ علم وصفي، سالباً بذلك الباحث المحقق في كل من
التاريخ والعقائد والفقه، حقه في إبداء وجهة نظره «المعيارية»! في حقل الاعتقاد
والفقه، ولو كان اعتماداً على ما توصل إليه في تحقيقاته في هذين العلمين، وعذره في
ذلك هو أن البحث إنما هو في التاريخ، وهو علم وصفي لا معياري، أو أن الكتاب
المدوَّن في ذلك كتاب يبحث فيه التاريخ، فلا محل للأبحاث المعيارية فيه!!
ويمضي هذا الكاتب
مدعياً (ص14) أن البحث التاريخي إنما يلتقي مع العقيدة والفقه في النتائج لا في
غيرها، متجاهلاً لتوقف الكثير من مباحث الفقه والعقائد على الكثير من أبحاث
التاريخ.
غافلاً عن أن ما أسماه
فأعني الكاتب بالإسقاط المذهبي (ص13)، إنما يضر لو أن ما ذكره تمَّ من خلال
عملية تشييد هذه المقدمات لاستخلاص النتيجة منها، أما بعد ذلك فليس في البين ما
يمنع الباحث الملتزم من إبداء الرأي في كيفية اندراج هذه النتائج التاريخية أو
غيرها، تحت المعايير المناسبة لها.
وقد موَّه الكاتب في
ذلك كله على القارىء بقوله (ص15): إن غاية ما يرقى إليه التاريخ هو الظن الراجح،
فكيف يمكن إدراج بحوثه في جداول الأمور الاعتقادية التي يفترض فيها ثبوتها بالجزم
واليقين.
كما أوهم القارىء، أن
جميع ما يبحث في التاريخ لا يعدو كونه ظنّاً راجحاً، ولو لبس أحياناً لباس اليقين
الذاتي، الذي غايته أن يدور مدار ظروف الباحث وأحواله، خلافاً لليقين الموضوعي
الذي يفترض حصوله لكل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 13/
من يطلع على المقدمات
المنضَّدة، لاستخلاص النتائج بالشكل العلمي والفني.
وبذلك أراد أن يسد
مسارب التفكير الصحيح والقويم أمام العقل الفطري السليم، لئلا يأخذ بموجبات القطع
الذي ينبغي أن يحصل من خلال هذه الأبحاث، فقام بسحب بساط الموضوعية من تحت أقدام
الأبحاث التاريخية، ممهداً بذلك لنفسه الطعن على كل من تسوّله نفسه الانتقال من
مرحلة بناء وتشكيل الوصف القطعي والموضوعي للتاريخ (ص31 من مأساة المأساة)، إلى
مرحلة عرض هذا الوصف على المعايير الثابتة، العقيدية منها والشرعية، وكأنه لم يعد
للبحث التاريخي غرض سوى أنه للترف الفكري، وإشباع الفضول بالبحث الحثيث حول
المجهول.
ومن هذا الكلام يتضح لك
سقوط دعوى هذا الكاتب، وبطلان اتهامه لسماحة العلامة المحقق المدقق السيِّد جعفر
مرتضى العاملي (أيده اللَّه ونصره) بالخلط بين العقيدة والتاريخ، لأن الباحث
الملتزم في التاريخ أو في غيره، غرضه تحقيق وصون ما يصب في خدمة العقيدة والشريعة،
ولا يضر في ذلك كون البحث حينئذٍ تاريخيّاً أو عقيديّاً أو غير ذلك.
ويستوقفك بعد ذلك تعرض
هذا الكاتب للمسائل الاعتقادية وشرائط ثبوتها بقوله (ص15):
موحياً بذلك للقارىء
بلزوم الأخذ بمجرد الوصف الظني للتاريخ، وعدم التعدي عن ذلك نحو الحكم بمعايير
الأخلاق والعقيدة، على غرار فعل مؤلف كتاب مأساة الزهراء (ع)، لخلوِّ الوصف
التاريخي عن صفة القطعية، وعدم توفر المعايير اللازمة للحكم في الأبحاث التاريخية،
مدعّماً ذلك باعتباره لمسائل العقيدة من المسائل التي لا متابعة فيها، بل يحصلها
من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 14/
أرادها بنفسه، بالحجة
القاطعة لا بالتعبد، قال «ولذا فإنها ليست من المسائل التي تحسم بسهولة، ولا يمكن
التسلح بجملة تعميمات أو عناوين توحي بالتعبد والقداسة (ص17).
وقد فات الكاتب إن
مسائل أصول الدين الاعتقادية يمكن العمل فيها وتحصيلها بالمتابعة شريطة حصول القطع
والاعتقاد بها. وليس الأمر كما ذكر بقوله (ص27):
تكليف كل إنسان أن يحصل
مسائله الاعتقادية بالدليل والحجة والمساءلة، وعدم الركون لوثائق التاريخ بسهولة
إلا بعد عملية نقدية مطولة ودقيقة.
ولست أدري ولا أظنه
يدري أن كان يحكم بكفر العجائز من الآباء والأمهات، لمجرد كون اعتقادهم ناشئاً عن
متابعتهم لغيرهم، ممن هو أعلم منهم في هذه المسائل، مع عدم تحصيلهم لها بالطريقة
التي ذكرها، علماً أنا نقطع بسلامة تديّنهم، وقوة اعتقاداتهم، إلى حد لا يصل إليه
اعتقاد كاتبنا الجليل! ونحن هنا نسلف القارىء أمراً يعلم من خلاله أين الكاتب من
صاحبه الذي عنه يدافع.
فبينما نرى الكاتب يقول
(ص15):
نرى السيد فضل اللَّه
يقول في تفسير قوله تعالى: (قال ربّ أرني أنظر إليك): إن
علَّة سؤال موسى(ع) هي جهله بأصول الدين، وبأن اللَّه تعالى لا يُرى، لأنه تعالى
كان يعلِّمها (أي أصول الدين) لأنبيائه(ع) تدريجيّاً(1).
ـــــــــــــــ
(1) نشرة بينات تاريخ 21/2/1997.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
15/
وهذا الكلام يستبطن أساسين باطلين:
1ـ جهل موسى(ع) خصوصاً، والأنبياء(ع) عموماً بأصول
الدين عند البعثة والنبوَّة. ومن المفروض أن ذلك مخل بأركان التوحيد والإسلام،
وبالتالي فهو عبارة أخرى عن عدم الالتزام بعصمة الأنبياء عن المعاصي ومن جملتها
الشرك قبل النبوة. وهو الأمر الذي اجمع على بطلانه علماء الطائفة الإمامية المحقة.
2ـ إرسال اللَّه تعالى لمن لا يعرفه حق معرفته، بل لم يعرف أصول
دينه ولو بمستوى طالب علوم دينية متواضع في مهمة هي من أشرف المهمات، ألا وهي
الرسالة الإلهية المتجوهرة بالتعليم والتزكية.
ثم يعود هذا الكاتب
ليبين قائلاً:
إن الشك عند البحث
التاريخي في واقعة ما، لا يعني إنكارها، لأن الشك مدخل لإعادة القراءة والنظر، وهو
بداية للجهد العقلي في معالجة موضوع البحث... فلا معنى للبحث... حول ثبوت ما ينبغي
ثبوته سلفاً.. (مأساة المأساة ص19).
ولنا تحفظ كبير على صحة
قوله: لأن الشك مدخل لإعادة القراءة والنظر، وذلك لعدم توقف حصول القطع على حصول
الشك، إذ تقدم الشك على القطع ربما كان صحيحاً في بعض الحالات، لكن ليس الشك من
الأسباب التي لا يمكن حصول القطع إلا بواسطتها.
فمثلاً وجود الخالق
الباري تعالى أمر فطري ليس محلاً للشك (أفي اللَّه شك فاطر السماوات والأرض) [إبراهيم: 10]، والاعتقاد بذلك ليس بالضرورة
مسبوقاً بحال الشك، بل أكثر من هذا ليس الشك هنا مدخلاً لإعادة القراءة والنظر، بل
هو ـ هنا ـ بوابة
تعبر بصاحبه نحو الخروج عن دائرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
16/
الإيمان والاعتقاد
باللَّه تعالى.
ومع هذا فالكلام فكل
الكلام في كيفية كون الشك مُدخلاً لهذا اليقين، حين طرحه (أي الشك) عشوائيّاً، في
الملأ! والهواء الطلق!، وأمام عموم الناس؟
إذ هل المطلوب من هؤلاء
الناس العاديين الطيبين فالذين نحترم ونجلّ بذل كل هذا الجهد العقلي، لمواجهة
العقبات الكبيره، المطروحة أمام الاعتقاد الصحيح بالمفاهيم الدينية، في مواجهة
حملة الإثارات التشكيكية، خصوصاً أن مطلق هذه العقبات، ومثير هذه الشبهات، يكتفي
بإثارة الشك، من دون أن يزيد عليه أي جهدٍ من قبل نفسه، في سبيل إزالته، ولن نزيد
على ذلك قولنا: إنه يريد اقتلاع هذه الأفكار والمعتقدات بأمواج التشكيك التي
يطلقها.
فنحن لم نجده على كثرة
ما له من منشورات مكتوبة ومسموعة، قد تصدى بالأدلة والبراهين والوثائق، لتحقيق
حقيقة من الحقائق الدينية الهامة، بعد إثارته للشك حولها، بل دأبه هو الاكتفاء
بقوله: «لم يثبت»، و
«غير معلوم»، ولعلّ في أجوبته
الارتجالية وفي كتابته لمئات الصفحات، من دون الرجوع إلى الحد الأدنى من المصادر
والمراجع اللازمة، للمواضيع التي يتحدث فيها، شاهد صدقٍ على ضعف البحث العلمي
عنده، ومخالفة نهجه في إثارة القضايا، للنهج العلمي الواضح المعالم والمقبول
والمتسالم عليه.
وذلك لأن العلماء
والمثقفين لن يرضوا بعد إثارة الشك في قضية من القضايا «البحثية» من أي نوع كانت،
سواء في الفقه أو العقائد أو التاريخ أو التفسير، لن يرضوا بالإكتفاء بالفتوى
الصادرة من سماحته، والتي يبين فيها رجحان كفة هذا الطرف أو ذاك من طرفي الشك، ما
لم يُثبت ذلك بالبراهين اللائحة، والأدلّة الواضحة، وهذا ما لم نشاهده منه.
وبعدما أشرنا لك
وسنوضحه أكثر فيما يلي من استحكام حالة الشك والتشكيك ورسوخها عند سماحته، كيف
يمكن لحركة العقل أن تأخذ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 17/
مسارها المتواصل من دون
انقطاع، في تصوير وفهم ما جرى كما يدعي هذا الكاتب (مأساة المأساة، ص20).
يبتدأ هذا الكاتب كلامه
(ص20) تحت عنوان «منهجية كتاب المأساة» بقوله:
بعد هذا العرض المنهجي،
نود... الخ!؟
وقد ارتكب بذلك ما عابه
على غيره، حين يدعي على العلامة السيد جعفر مرتضى فيقول مرةً:
«سلب حق القارىء في
الحكم والتقدير... ويقول أخرى: واستلاب أذهان الناس وقمع حرية اختيارهم» (ص23).
ذلك لأنه كان من الواجب
عليه أيضاً، أن يترك لنا فنحن القرّاء الخيار في حكمنا على عرضه هذا بالمنهجية وعدمها،
فلا يسبقنا في ذلك أو يتبرع عنا، ليصف نفسه بما يحلوله أن يسلبه عن غيره، ولست أظن
عاقلاً يصحح هذا الوصف بعد ملاحظة ما يلي، حيث قدم مقدمة مختصرة أمام نقاط ثمانية
نستعرضها تباعاً، وأهم ما فيها قوله:
إن هذا الكتاب (أي
مأساة الزهراء) ليس انفعالاً، ناتجاً من فعل خارجي، بل مبادرة في حد نفسها.
ويضيف إلى هذه التهمة
جملة من الاتهامات والدعاوى والافتراءات، وإليك مسرداً بها جميعاً:
1ـ ما تقدم ذكره من كون كتاب مأساة الزهراء مبادرة لا انفعال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
18/
2ـ التشكيك في حمل
المؤلف المحقق (حفظه اللَّه) لهمّ العقيدة والدين.
3ـ ادعاؤه وجود فاصل
بين «العلمية» ومضمون الكتاب، مبرهناً على
دعواه الفارغة هذه بشتائمه واتهاماته كما يتبين لك لاحقاً، و«كل إناء بالذي فيه
ينضح».
4ـ دعواه وجود خلفية
تستر صاحب مأساة الزهراء عليها تحت قناع دفع الشبهات ورد الأقاويل.
5ـ ادعاؤه على العلامة
مرتضى المصادرة على المطلوب.
6ـ قمع حركة التفكير
باسم الإيمان.
7ـ تمييع البحث العلمي
باسم مقامات الأولياء.
8ـ اطلاق الاتهامات
باسم حب أهل البيت(ع).
9ـ الرؤية التسطيحية
للفكر.
10ـ استلاب أذهان الناس
في تلقي المعارف.
11ـ قمع حريتهم في
الاختيار.
12ـ الاتهام بالخروج عن
الدين والردة.
14ـ تهديد كل من يثير
الاشكال العلمي والتساؤل المنهجي.
15ـ التقليد الأعمى في
المسائل.
16ـ «المزاودة» (على حد
تعبيره).
17ـ الاحتكار
(العلمي!).
18ـ التعصُّب الأعمى.
19ـ عقدة الأنا والآخر.
20ـ الاستخفاف بعقول الناس.
21ـ اخضاع الناس بلغة
التهديد والتخويف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
19/
22ـ تنزيل الوقائع
المبحوث عنها منزل المتيقن.
ولعل الذكي الفطن يعثر
على غير ذلك في كلامه مما اتهم به العلامة السيد جعفر مرتضى.
ونحن أمام هذا التهويل
والمبالغة وسيل «الشتائم» «المنهجي»، في عرض عيوب منهج كتاب «مأساة الزهراء (ع)»،
«نقف مندهشين حائرين، حيث يتخلف فعل الكاتب عن قوله، ويبطل دعواه عمله، ولن نزيد كثيراً،
على قول الشاعر:
لا
تنه عن خلقٍ وتأت بمثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ويضيف الكاتب المؤدب في
سياق عرضه لشتائمه «العلمية والممنهجة»، فيقول (ص23):
العقيدة لا تحمى بالسبّ
والتهم والمنع والتحريم، بل تحفظ بالحوار المفتوح والدليل الواضح، والبحث العلمي...
فلا عقدة من الرأي المخالف.
ونحن فبلا تعليق نترك
للقارىء مجال المقارنة بين ما ذكره هذا الكاتب المهذب! هنا، وبين ما تقدم عرضه من
الشتائم المبوبة على طريقته «العلمية، الموضوعية والممنهجة»، ثم نلفت نظر القارىء
إلى قوله (ص23):
وقد أكد كتاب المأساة
أنه ينهج البحث العلمي، ويعتمد الدليل والحجج القاطعة، والفكرة الحاسمة للجدل، وهي
ألفاظ حشدها الكتاب في مقدمته سالباً الحق للقارىء في الحكم والتقدير ومصادراً
خياره في الاقتناع، فهو إما منصاع لنتائج الكتاب، وإما مكابر ومعاند، لأنه رفض
الدليل ونبذ اليقين».
وهل يرى القارىء
المنصف كلام هذا القاصر إلا منطبقاً عليه نفسه؟
وهل إن المنهجية
والعلمية والنقد الموضوعي استدعى منه كل هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 20/
الشتائم والتهم؟
وكأني به نحر نفسه قبل
أن يقيّم منهج سماحة السيد جعفر مرتضى في كتابه مأساة الزهراء(ع)، ثم قبحَّ منهجه
ولم ينتقص من قدر سماحته (أيده اللَّه).
تستعرض هذه «الأبحاث
المنهجية»! مقتضيات الحوار العلمي، فيُخال كاتبها بادىء الأمر سابحاً في غمار
العلم والحقيقة، ولكن سرعان ما يستوقفك قوله (ص24):
«يُبحث (في الحوار
العلمي) وفق ما يراه صاحب الكتاب أقرب إلى الحقيقة، وهذا ما افتقده الكتاب (مأساة
الزهراء)».
والظاهر أن هذا الكاتب
لا يعلم أن الحوار العلمي، إنما يدار وفق المعايير الصحيحة، الواضحة، والمسلمة بين
طرفي الحوار معاً، لا وفق ما يراه أحدهما دون الآخر، وبناءً على هذا وغيره معه
صحَّ من هذا الكاتب، أن ينسب إلى كتاب (مأساة الزهراء) افتقاده لهذا (الحوار
العلمي) على طريقته، وذلك لكون البحث فيه ليس في خصوص ما أذعن به مؤلفه السيد
مرتضى دون غيره. بل هو بحث وفق الأسس المسلمة التي ينبغي ان يدور فيها الحوار بين
الطرفين المتنازعين.
ولعل أهم ما يتعرض إليه
هذا الكاتب في هذه الفقرة، هو دعواه حكم المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى بمخالفة
اجتهاد «البعض» لثوابت المذهب (ص24).
وهذا الحكم هو التهمة
التي ألقاها على كاهل سماحته، مبرأً السيد
فضل اللَّه منها (أي التهمة) بقوله (ص24):
إننا لم نجد رأياً
واحداً صدر عن البعض يخالف الثوابت، ويسقط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 21/
الضروريات المذهبية،
ويعتبر أن رأيه وما ثبت له هو اليقين والضروري.
ثم يشرع بسرد
الاستفهامات الاستنكارية حول معنى الثابت؟ وما هي الثوابت؟ وماهو الغرض من زجها في
البحث، وتعليقاً على كل ذلك نقول:
أما مخالفة الثوابت
فسيأتي عرضها قريباً فانتظر، وأما الثوابت فنقول:
يظهر من «مبعثر» سطور
كتاب «مأساة كتاب المأساة» جهله الفاضح، وخلطه الواضح بين الثوابت والضروريات،
وقصوره عن استيضاح الفرق بينهما، ولعله معذور في ذلك، لأنه لم يجد حوله من يمكنه
الإجابة على تساؤله هذا، ونحن بدورنا نبين له ذلك، ونلفت نظره إلى أن:
الضروريات هي كل ما وجب
العلم به من قبل المنتمين إلى هذا الدين أو المذهب بالبداهة، ويكون انكاره موجباً
للكفر باعتبار استلزامه تكذيب النبي(ص)، أو موجباً للخروج عن المذهب باعتبار عدم
تقيد منكرها بما به يدخل في إطاره.
وأما الثوابت فهي
الأمور المقطوع بصحتها في هذا المذهب، ومع هذا لا يجب على كل معتنقيه العلم بها،
ولا يضر جهلها في صدق انتمائهم المذهبي، لكن يجب مع تحقق العلم بها الاعتقاد بها،
لوضوح وقطعية أدلتها سنداً ودلالة ومدلولاً، ويشتد قبحاً أمر جهلها في العلماء، من
المدعين للعلم والمتظاهرين بحمله وتعليمه، ولا يقبل منهم انكارها.
ولعل عذر العلامة مرتضى
في ترك هذا البيان، اعتماده على فطانة القارىء، وإن لم يكن معذوراً في ما يتعلق
بأمثال هذا الكاتب.
ومثال الضروريات:
الصلاة والصوم والحج، فإنها من الواجبات التي يجب تعلم حكمها، وفي نفس الوقت تعرف
بالبداهة من دين الإسلام، ويخرج من الدين منكرها، ومثلها حرمة شرب الخمر والزنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
22/
ومثال الثوابت: الرجعة
الثابتة لأئمة أهل البيت(ع)، في آخر الزمان، فهي أمر مقطوع الصحة في المذهب، للقطع
بصحة الأخبار الكثيرة جدّاً، إن لم نقل المتواترة، كما وصفها بذلك العلامة السيد
عبد اللَّه شبر، في كتابه حق اليقين في أصول الدين (ج2 ص2و3)، ولا يشك في ذلك إلا
من اقتبس من غير أنوارهم(ع)، لكن لا يجب السعي لتحصيل العلم بها وبتفصيلاتها، ولا
يضر بإيمان المكلف جهله بها.
لكن لو أنكرها العالم
مع توافر الروايات الدالة عليها، استلزم ذلك تكذيب النبي(ص) والأئمة في إخبارهم،
ومعه يشكل الأمر ويُترَيث حتى ينظر في الشبهة التي دعت المنكر للاقدام على انكاره
هذا.
ومثلها في هذا الأمر
الشفاعة لوضوح معناها وأدلتها الدالة عليها واستلزام نفيها، نفي الكم الهائل من
الآيات والروايات المثبتة لها، والواضحة في معناها، مما يستلزم بالتالي تكذيب
النبي(ص) وأهل بيته الطاهرين(ع)..
ثم تصدى بعد هذا كاتبنا
الحاذق! للإشارة إلى أن الفارق بين من يثير التساؤلات حول ثبوت أحداث تاريخية!
«وليلاحظ اقتصاره على لفظة تاريخية»، ليثير النقاش من حولها، ويطرح قيمة وثائقها
الدالة عليها، وبين من يؤكد الوقائع التاريخية ويدعي يقينيتها، ويتهم المخالف
بالرِّدة أو بالخروج عن المذهب، هو الفارق بين منهجية من يحصّن!! الاعتقاد بالوعي
والتفكير والبحث، وبين منهجية تثير الرعب باسم مقامات الأولياء وتقمع العقل باسم المقدسات
الخ...(ص25).
ولعمر الحق لست أدري
كيف يكون من جل آرائه شكوك وتساؤلات فكما اعترف الكاتب نفسه(ص27) محصناً للاعتقاد
بالوعي أو التفكير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 23/
والبحث، ومتى كانت
الشكوك حصناً للحقائق؟! بينما يكون من أسهم في تحقيق الحقائق الدينية، وجلاء غامض
الصور العلمية، صاحب منهج يثير الرعب، نعم هو مرعب لأعداء الحقيقة، نرجوه تعالى أن
لا يكون كاتبنا البصير بغير الحقائق من جملتهم.
ومن كل هذا يُعرَف
الهذيان والافتراء والخلط في قوله(ص25):
تلاعب بالضروريات وحقائق
الدين ليجعلها على قياس قناعاته.
وتعليقاً على هذا
الكلام نخاطبه بمثل ما يخاطب به غيره حيث يقول(ص26):
ولا ندري أين هي لغة
البحث العلمي؟ لأنا لم نرى منها في كتابه عيناً ولا أثر.
ولا ينقضي العجب كيف
يجيز هذا الكاتب للقارىء العادي، أن يملي رأيه ويدلي به حسب الموازين العلمية،
ووفق المعطيات والادلة اليقينية المتماسكة، بعد النظر في دعوى الخروج عن المذهب.
ثم يمنع الباحث المحقق
من ذلك ويحرّمه عليه، وكأنما له كامل الحق في ذلك، لخبرويته وتضلعه هو دون غيره،
ولفقاهته وعميق معرفته!!! خلافاً لمن سواه.
وهنا يعود الكاتب ليكيل
الشتائم ويحشد التهمة تلو الأخرى بقوله(ص28):
أسلوب المزاودة؟! يغيّب
لغة العقل، ويعزز الخوف من التهمة، والمراءاة من أجل كسب المديح والتبجيل.
ويحول البحث عن مساره
عندما يقول:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
24/
ويتحول البحث إلى
مباراة في مقامات المعصومين، والمزاودة! في إثبات فضائلهم، وتصبح إثارة نقاش
«علمي» حول مسألة تتعلق بأحوال المعصومين إنكاراً لكل المقامات والفضائل وإسقاطاً
لعلو الأئمة.
ونحن نعود بدورنا لننبه
القارىء على إرادة التمويه، والرغبة في التعمية، التي يمارسها منضِّد تلك
الكلمات، إذ أن البحث لم يكن في كرامة أو معجزة معينة، أو في مقام للأئمة
والأنبياء(ع) ينازع في الدليل على إثباته، بل الكلام إنما هو في كثير من الأمور
التي يعالجها السيد فضل اللَّه، ويتّبع فيها نهجاً خاطئاً ومضطرباً، ويمارس فيها
صداماً ظاهراً وحادّاً، يحلو له من خلال ذلك تبيان قصور الأنبياء(ع) والأئمة(ع) أو
تقصيرهم عن بلوغ المراتب العالية للكمال الإنساني، بحجة الضعف البشري أو بحجة
الغلو! وأشباه هاتين من المقولات، وإذا أردت وثيقة تدلك على واقع الحال فيما
نذكره، فما عليك إلا النظر فيما يلي، ثم بعد ذلك اعطف عليه حديث الولاية
التكوينية، وعصمة الزهراء والأئمة والأنبياء(ع)، وحديث الكساء والغدير، وغير ذلك
من الأمور التي تتعلق بمقاماتهم(ع) مما سنتحدث عنه لاحقاً.
قال السيد فضل اللَّه في
مقالته مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد (الفكر الجديد عدد9، ص62): إننا نتساءل
ما المانع من اختيار اللَّه بعض عباده ليكونوا معصومين، باعتبار حاجة الناس إلى
ذلك؟ وما المشكلة في ذلك انطلاقاً من مصلحة عباده؟ وإذا كان هناك إشكال من ناحية
استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم فإن الجواب...الخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
25/
ومن الغريب بعد ذلك حل
سماحته لإشكال صحة الثواب والعقاب المترتب على القول بالجبر بطريقة لم نكن
نتوقعها، وليس هذا الكتاب موقعاً لبيان اشتباهه فيها(1)، ثم يؤكد السيد فضل اللَّه هذه المقولة في
أجوبة المسائل المؤرخة في 8 رجب، والتي أرسلت إلى الحوزة العلمية في قم، حيث سئل:
ينسب إليكم أنكم تقولون
بالعصمة التكوينية للأنبياء والأئمة عليهم السلام حتى قال البعض: إن معنى العصمة
التكوينية ولازمها أن يكون الإمام المعصوم كالجدار لا فضل له أبداً؟ فأقر على هذا
الأمر.
وفي هذا ما لا يخفى من
إسقاط الرسول وأهل بيته المعصومين(ع)، عن مرتبة القدوة والأسوة الحسنة التي أمر
اللَّه باتباعها، لأنهم على هذا القول بجبرية العصمة فيهم، لا فضل لهم في ذلك،
فيكون المؤمن الذي يطيع تارة ويعصي أخرى، أفضل حالاً منهم في ذلك، لإعمال هذا
المؤمن إرادته في طاعة اللَّه، ومجاهدته في دفع المعصية عن نفسه ومراقبتها
ومحاسبتها، رغم كل ما يمكن أن يقف بوجه امتثاله لأوامر اللَّه تعالى ونواهيه.
بينما المعصوم الذي
كُوّن وأجبر على هذه العصمة، لا يكلّف عناء شيءٍ في ذلك، هذا مع الإغماض عن
التناقض الحاصل في كلماته هذه وغيرها، مما يوافيك في محله المناسب.
وهناك موردٌ آخر نذكره
(للتمثيل لا الحصر)، وهو قول السيد فضل اللَّه في هذه المقالة أيضاً في ما يتعلق
بأنوار أهل البيت(ع)، وأنهم كانوا أو كان بعضهم، ولم يكن معهم شيء سوى اللَّه
تعالى، الذي خلقهم وصورهم
ـــــــــــــــ
(1) نحيل القارىء لحل هذه الشبهة الى كتاب «العصمة على ضوء
المنهج القرآني» للسيد كمال الحيدري الصفحات (83 ـ 105).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
26/
وبرأهم أنواراً، وأن
اللَّه تعالى خلق الكون لأجلهم، يقول (ص13) من المجلة نفسها:
وهكذا نجد أن السؤال
يفرض نفسه في الأحاديث التي تدل على أن اللَّه خلق الكون لأجلهم، فإننا لا نستطيع
أن نجد له تفسيراً معقولاً حتى على مستوى وعي المضمون في التصور الفكري، فهل
القضية واردة في نطاق التشريف، أو في نطاق الدور الرسالي أو في نطاق الهداية أو ما
إلى ذلك؟
وهذا هو عين إزاحة أهل
البيت(ع) عن مواضعهم التي وضعهم اللَّه فيها، وذلك لكثرة الروايات الواردة في هذا
المعنى عند الفريقين من المسلمين، حتى أثبت تواتره العلامة الكبير السيد مير حامد
حسين الموسوي الهندي صاحب عبقات الأنوار في كتابه(1).
ومع هذا نرى السيد فضل
اللَّه يقول: ماذا ينفع أو يضر أن نعرف أو نجهل أن الزهراء(ع) [ولا بد من أن يكون
غيرها من المعصومين مثلها] نوراً أوليست بنور، فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا
يضر من جهله (مأساة الزهراء ج 1 ص 83).
ولما سئل عن خلق اللَّه
النفوس قبل خلق سيدنا آدم، ثم خلق اللَّه سيدنا محمد(ص) قبل آدم(ع)؟
أجاب بما لفظه: المهم
أن اللَّه خلق آدم، وخلق محمد وخلقنا، وليست مشكلتنا كيف كان الخلق، هذا أمر لم
نكلف فيه دينيّاً، فلذا لا نحتاج إلى الخوض فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن
يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا.
ولما سئل عما ذكره
الإمام الخميني(رض) في كتابه الحكومة
ـــــــــــــــ
(1) لاحظ الجزء الخامس من كتاب عبقات الأنوار، وهو الجزء الخاص
بأحاديث أنوار أهل البيت(ع) وقد وصف مؤلفه في أعيان الشيعة بأنه ليس له
نظير في علماء الاسلام فراجع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
27/
الإسلامية: حيث يقول:
إن لأئمتنا(ع) مكانة لا يصلها نبي مرسل ولا ملك مقرب، وأنه هل هناك طريقة لمعرفة
ذلك؟
«هناك نظرية تدل على أنه (أي النبي محمد(ص) فقط
لا غيره من الأئمة) أفضل من الرسل وهناك جماعة تستثني أولى العزم مثلاً، مسألة
خلافية وليست إجماعية، وكما قلنا: هذه الأمور ليست من الأمور التي تمثل مسؤوليتنا،
نحن مسؤوليتنا فقط أن نعتقد بالأئمة(ع) أنهم أوصياء رسول اللَّه(ص)، وخلفاء رسول
اللَّه(ص)، أما هم أفضل من الملائكة وأفضل من الأنبياء، أوليسوا أفضل؟ فهذه من
الأمور التي ليست جزءاً من العقيدة، وليست جزءاً من الخط(1)». (مجلة الموسم ص 303).
أما ما ذكره هذا الكاتب
في فقرة حشد المصادر ففيه الغث وربما فيه السمين، وفيه الخطأ وفيه الصواب، ونحن لن
نلتفت إلى أخطائه العلمية الفادحة التي ارتكبها عند بيانه لهذا الأمر، وذلك لتطفله
على هذا الموضوع وأمثاله، والذي يعنينا هو الا يتوهم بعض القرّاء، أن ما ذكره من الأمور
الصحيحة في نفسها، قد أُخِلَّ به في كتاب «مأساة الزهراء(ع)».
ولذا فنحن نذكر أمراً
عامّاً ينفع القارىء في فهم ما قامت عليه طريقة مؤلف كتاب «مأساة الزهراء(ع)»،
«وليست هي طريقة خاصة به دون غيره من العلماء، علَّه يستغني بذلك عن حشو هذا
الكاتب وثرثرته، فنقول:
إن جمع النصوص في هذا
الكتاب أو في غيره فحيث يراد منه إثبات
ـــــــــــــــ
(1) قال الامام الخميني (رحمه اللَّه) في
كتاب الحكومة الاسلامية (52 ـ 53):
إن من ضروريات مذهبنا أن لائمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا بني مرسل (انتهى).
ومن الغريب حقاً أن
يكون ضروري المذهب بشهادة الامام الخميني ليس جزءاً من العقيدة ولا جزءاً من الخط
عند السيد فضل اللَّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 28/
معنى توافقت عليه
النصوص ليس أمراً عشوائياً، كما ربما يتخيَّل أو يُخيِّل هذا الكاتب، بل يكون على
النحو الذي يتكفل فيه كل نصٍّ بمقدار من الاحتمالات، وتزيد هذه الاحتمالات كل ما
انضم بعض هذه النصوص إلى بعضها الآخر، إلى أن تصل إلى مرتبة من الظن، ثم تتراكم
الاحتمالات تصاعديّاً إلى أن يسقط الاحتمال المخالف عن الاعتداد به عقلاً، فيحصل
بذلك التواتر والقطع بصحة المعنى المراد إثباته.
وكلما كانت المصادر
موثوقة وقريبة من زمن صدور النصوص أو زمن الحادثة المراد إثباتها، ازدادت فرص
اثبات هذا المعنى.
ويساعد على هذا عوامل
وظروف أخرى كيفية، فالمسألة المراد إثباتها
مثلاً إن كانت من مثالب بني أمية، وكان المؤرخ أمويّاً، أو علويّاً يخشى سلطانهم،
كانت فرص تقوي احتمال هذا الأمر أكثر وأقوى وأثبت، وكان تراكم الظنون معها أسرع
وأوفر انتاجاً، وذلك من الواضحات خصوصاً إذا كانت هذه الكثرة بحيث لا يعارضها ما
يكذبها من أعوان أمية ومحبيهم في مثالنا.
يبقى أن الاختلاف في
التفاصيل الجزئية لا يضر بأصل الحادث على اعتبار أن الظن المتراكم يراد السير به
قدماً إلى أن يتبدل إلى القطع والعلم، ولا يضر بحصول العلم اختلاف هذه المعلومات،
نعم ربما تأخر حصوله عن الحالة التي ليس فيها هذا الاختلاف في تلك التفاصيل.
ولذا نرى سماحة السيد
المؤلف في «مأساة الزهراء(ع)»، ينقل الروايات في ذلك عن أكثر الأئمة(ع)، وهي
روايات لا يجمعها مصدر واحد ولا ينقلها راوٍ واحد، حيث نراه ينقل الأحداث عن
المؤرخين في مختلف الطبقات، ومن مختلف الاتجاهات، وعن الشعراء والمتكلمين على تعدد
ميولهم وتضاربها، واختلاف مراتبهم العلمية.
كل ذلك لتقوية احتمال
ثبوت المعنى المراد إثباته، وهو وقوع الظلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 29/
على الزهراء(ع)، مما هو
أزيد من التهديد بالإحراق، وغصب حق علي(ع) في الإمامة، ومسألة فدك، وكل ذلك يصب
في اتجاه تحصيل العلم بوجود نقلة لهذا الخبر، من أناس يمتنع تواطؤهم وتوافقهم على
نشر هذا المعنى الواحد، لاختلاف مذاهبهم وأهوائهم وميولهم واختصاصاتهم على مدى
العصور(1).
ومن هنا نعرف واقع ما
ذكره هذا الكاتب ومدى انطباقه على مباحث كتاب مأساة الزهراء، حيث قال (ص9):
وإثبات واقعة تاريخية
لا يكون بتراكم وثائق أو جدول من الروايات المتعددة على الواقعة المراد إثباتها،
فالمسألة ليست مسألة كم، بقدر ما تكون مسألة كيفية، معينة لصدور الرواية، لظروف
الحادثة، تولد الاطمئنان النفسي في ثبوتها إلى آخر ما قال فراجعه.
قال آية اللَّه السيد
محمد باقر الصدر (رحمه اللَّه):
كل خبر حسِّي يحتمل في
شأنه فبما هو خبر الموافقة للواقع والمخالفة له، واحتمال المخالفة يقوم على أساس
احتمال الخطأ في الخبر، أو احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء
الحقيقة، فإذا تعدد الإخبار عن محور واحد، تضاءل احتمال المخالفة للواقع، لأن
احتمال الخطأ أو تعمد الكذب في كل مخبر بصورة مستقلة إذ كان بدرجة ما،
ـــــــــــــــ
(1) ربما نوفق قريباً بعون اللَّه تعالى لعرض شامل، وتقييم وافٍ
للمصادر والمراجع التي اعتمدها العلامة المتبحر المحقق المدقق السيد جعفر مرتضى
العاملي، في كتابه مأساة الزهراء(ع)، وتبيين كيفية توثيق مادة هذا الكتاب، بإظهار وثاقة مصادره والإرشاد إلى قرائن الصدق الدالة على صحة اخباره وثبوتها عند
علماء الامة وكيفية إثبات حصول التواتر الاجمالي، بل والمعنوي في قضية ظلم الزهراء(ع)،
ونشر ذلك كله في مؤلف خاص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
30/
فاحتمال الخطأ أو تعمد
الكذب في مخبرين عن واقعة واحدة معاً أقل درجة، لأن درجة احتمال ذلك ناتج ضرب قيمة
احتمال الكذب في أحد المخبرين بقيمة احتماله في المخبر الآخر، وكلما ضربنا قيمة
احتمال بقيمة احتمال آخر تضاءل الاحتمال، لأن قيمة الاحتمال تمثل دائماً كسراً
محدداً من رقم اليقين....
وفي حالة وجود مخبرين
كثيرين، لا بد من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين لكي نصل إلى قيمة احتمال
كذبهم جميعاً، ويصبح هذا الاحتمال ضئيلاً جدّاً، ويزداد ضآلة كلما ازداد المخبرون،
حتى يزول عمليّاً، بل واقعيّاً لضآلته وعدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات
الضئيلة جدّاً.
ويسمى حينئذٍ ذلك العدد
من الإخبارات التي يزول معها هذا الاحتمال عمليّاً أو واقعيّاً بالتواتر، ويسمى
الخبر بالخبر المتواتر.
ولا توجد درجة معينة
للعدد الذي يحصل به ذلك، لأن هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين، ومدى
وثاقتهم ونباهتهم، وسائر العوامل الدخيلة في تكوين الاحتمال...
والتواتر تارة يكون
لفظيّاً، وأخرى معنويّاً، وثالثة اجماليّاً، وذلك أن المحور المشترك لكل
الإخبارات، إن كان لفظاً محدداً فهذا من الأول، وإن كان قضية معنوية محددة فهذا من
الثاني، وإن كان لازماً منتزعاً فهذا من الثالث، وكلما كان المحور أكثر تحديداً
كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع، إذ يكونه افتراض تطابق
مصالح المخبرين جميعاً بتلك الدرجة رغم اختلاف أحوالهم وأوضاعهم، أبعد في منطق
حساب الاحتمالات.
وكما تدخل خصائص
المخبرين من الناحية الكمية والكيفية في تقييم الاحتمال، كذلك تدخل خصائص المخبر
عنه ـ أي مفاد الخبر ـ وهي على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 31/
نحوين: خصائص عامة،
وخصائص نسبية.
والمراد بالخصائص
العامة كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملاً مساعداً على كذب الخبر أو صدقه،
بقطع النظر عن نوعية المخبر، مثال ذلك غرابة القضية المخبر عنها، فإنها عامل مساعد
على الكذب في نفسه، فيكون موجباً لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر، وعلى عكس ذلك كون
القضية اعتيادية ومتوقعة ومنسجمة مع سائر القضايا الأخرى المعلومة، فإن ذلك عامل
مساعد على الصدق ويكون حصول اليقين حينئذٍ أسرع.
والمراد بالخصائص
النسبية كل خصوصية في المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملاً مساعداً على صدق الخبر أو
كذبه، فيما إذا لوحظ نوعية الشخص الذي جاء بالخبر، ومثال ذلك: غير الشيعي إذا نقل
ما يدل على إمامة أهل البيت(ع)، فإن مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية الخبر
عاملاً مساعداً لإثبات صدقه بحساب الاحتمال، لأن افتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى
الافتراء بعيد.
وقد تجتمع خصوصية عامة
وخصوصية نسبية معاً لصالح صدق الخبر، كما في المثال المذكور إذا فرضنا صدور الخبر
في ظل حكم بني أمية وأمثالهم، ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الأخبار،
ترهيباً أو ترغيباً، فإن خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوي على
الصدق، وخصوصية المضمون مع أخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك(1) (انتهى).
وكأنه (رحمه اللَّه)
ينطق عنا في بيان الطريقة التي سلكها وجرى عليها العلامة مرتضى في كتابه «مأساة
الزهراء(ع)».
ـــــــــــــــ
(1) دروس
في علم الاصول /الحلقة الثانية/ بحث الأخبار
ص (108 ـ 110).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
32/
بقي أن نشير إلى إتهامه
سماحة العلامة المتبحر السيد جعفر مرتضى بالخلط بين العقيدي والتاريخي من الأمور،
ونحن قد أشرنا في مستهل هذا الكتاب إلى ما ربما ينفعنا هنا، ونزيد هنا شاهداً آخر
يدل على مغالطته، أو قصور فهمه عن إدراك حقيقة ما رامه سماحة السيد مرتضى، وهو ما
ذكره في كتابه «مأساة الزهراء» (ج1 ص256) تحت عنوان «دلالة حرجة» «حيث تعاضدت
أبحاث العقيدة والتاريخ، لتنتج كل ما هو مفيد للباحث عن الحق الملتزم بآداب البحث
ومناهجه.
ونحن بدورنا هنا نقول:
«حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، حديث متواتر بين المسلمين،
وله تعبير آخر هو: «من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية»، وليراجع في
ذلك النصوص التي ذكرت في كتاب «مأساة الزهراء»
وشهادة العلماء بذلك أيضاً، (ولست ادري فبعد ما قدمناه في الفقرة السابقة
إن كان الكاتب مصراً على تسمية ذلك بحشد النصوص).
وقد سئل السيد فضل
اللَّه عن هذا الحديث فأجاب (وهو
مسجل ومحفوظ بصوته): «ليس فوق مستوى النقد»
ونحن بدورنا نعرف عن
السيد فضل اللَّه قوله: رضيت فاطمة عن الشيخين وتحدثت معهما بشكل طبيعي [ج1 مأساة
الزهراء ص238]، وذلك في سياق الحديث عن عدم صحة حديث: خير للمرأة أن لا ترى
الرجال ولا يراها الرجال.
وهنا نقول: إن حديث
الزهراء (ع) مع الشيخين بشكل طبيعي إن كان قد حصل في ظرف استثنائي، فهو لا يبطل
هذا الحديث لأنه محمول حينئذٍ على غير صورة الضرورة، حيث يكون من الخير للمرأة أن
لا ترى الرجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
33/
ولا يراها الرجال وهذا
واضح.
وأما لو كان الظرف
عادياً، فتحدثها معهم بشكل طبيعي، يدل على عدم وجود مشكلة بينها(ع) وبينهم، لكن
يكذِّب هذا ما روي في الصحاح من أن فاطمة ماتت وهي واجدة عليهما.
ومن كل هذا نعرف أن
التحقيق في حدوث غضبها والاستيثاق من صحة حدوثه، مع بيان السبب المؤدي إليه ـ وهو
إيذاؤها(ع) ـ على وجه التفصيل، ثم التحقق من دعوى السيد فضل اللَّه رضاها فيما
بعد، وانكشاف أمر قبرها(ع) بعد وفاتها، كل ذلك سيوصلنا إلى أنها ماتت ولم تبايع
أبا بكر، ويؤيد ذلك أن المؤرخين يذكرون أن عليًّا بايع بعد وفاة فاطمة، بل قال
بعضهم: إن علياً عليه السلام إنما تخلف عن البيعة إكرامًا لفاطمة(ع)، لا ادعاءً
منه أنه هو الأحق بالإمامة.
فهل يعقل بعد هذا كله
أن تكون فاطمة(ع) قد بايعت أبا بكر قبل موتها، بينما يكون عليٌ(ع) متخلفًا عن
بيعته لأجلها.
وإذا عرفت أنها لم
تبايع، فمن ذا الذي يجرؤ على وصفها عليها السلام بأنها ماتت ميتة جاهلية، وهي بضعة
النبوة، وروح النبي(ص) التي بين جنبيه، وبالتالي من يمكنه أن يذكرها(ع) بقوله:
«فلم تعرف إمام زمانها؟» أو «أنه لم يكن في عنقها بيعة لإمام بعد النبي(ص)؟».
بقي احتمال أن تكون هي
الإمام، وهذا مقطوع البطلان، ولم يقل به أحد، فلا بد أن يكون إمامها هو ابن عمها
أمير المؤمنين(ع)، كما تقول به الشيعة الإمامية، وهو الذي نقطع به، ونستدل عليه
بما صدر عنها، ولا ينكر ذلك إلا معاند.
وبعد هذا نتساءل عن
السبب الداعي إلى السيد فضل اللَّه للتشكيك في هذا الحديث، وجعله عنوة تحت مجهر
النقد الذي سلطه على مسلمات المذهب وواضحاته، كما نسأله أيضًا لماذا يشكك بظلمها
من غير جهة خلافة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 34/
علي(ع) وفدك؟ ليقول: إنهم
كانوا يحبونها ويحترمونها، مع أنه بقوله هذا يبطل واحدة من أهم الفرص الاستدلالية
الواضحة على إمامة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وعلى أحقيته بها، وعلى بطلان
إمامة غيره.
ومما يرشدك إلى ظلمها
عليها السلام في غير مسألتي فدك والإمامة فوهما المسألتان اللتان جاهرت بهما في
حديثها مع الأول والثاني، وفي خطبتها المعروفة ـ قول عليّ عليه السلام حين دفنها:
وستنبئك ابنتك بتضافر
أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج في صدرها لم تجد
إلى بثه سبيلاً....
ونحن نعلم أنها بثت
أمري فدك والخلافة، فتحصَّل من هذا أن هناك الكثير من الأمور التي لم تبثها، مما
لا يتعلق بفدك والإمامة، وبهذا يُرَد على كل ما تخرص به المتخرصون، حين يقولون:
لماذا طالبت بفدك والخلافة، ولم تطالب بغير ذلك سيما ضربها وإهانتها؟
ولماذا تعرضت لاستثارة الناس
واستنهاضهم بخطبتها(ع) في المسجد، وفي جولاتها على بيوت الأنصار أربعين يوماً، ولم
تستثرهم بمظلوميتها الشخصية؟
وإثبات كل ذلك إنما
يكون ببركة هذا التمازج العقيدي التاريخي، الذي عبّر عنه هذا المخلِّط بالخلط،
جاعلاً إياه واحدًا من مؤاخذاته على سماحة العلامة السيد مرتضى العاملي، موحيًا في
ذلك بعدم ارتباط الأحداث التاريخية بالعقيدة والشرع، وعدم إمكان الاستفادة منها من
قبل الباحثين، لتصحيح أو تأييد الكثير من الأفكار والمعتقدات الدينية، مع كمال
ارتباط هذه الأحداث بالمعصومين(ع) قولاً وفعلاً وتقريراً.
وبعد كل هذا نراه يقول
(ص 32):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
35/
أليس من الأجدى أن تبقى
مسائل الاعتقاد ومبدأ الإمامة فوق النقاش التاريخي... ولا نقحمها في أحداث تاريخية
هي موضع نقاش....؟
إننا لا نرى وجه الربط
بين هذه الحادثة التاريخية، وبين قضية الإمامة ومسائل الاعتقاد... إلى آخر ما قال.
بصَّر اللَّه كاتبنا
الأجل، بوجه الربط بين المسألتين، وأراه عيوبه المانعة له عن إدراك ذلك، وجنبه عمى
القلوب قبل عمى الأبصار.
يتابع الكاتب بعبائره
ذوات الطنين، من قبيل «زاوية النقاش»، مضافاً إلى ما تقدم من «المعيار» و«الوصفي»،
وتأتيك «الغرفة المستديرة» و«التشكل» و «الإشكالية» إلى غير ذلك من العبارات التي
يحلو له ولأشباهه استعمالها، جريًا في أكثر ذلك على طريقة المثقفين من غيرنا.
ونحن لن نتوقف عند هذا
الأمر، لأنه لا يعدو كونه حديثًا في الشكل، والمهم دعواه أن صاحب الكتاب «مأساة
الزهراء(ع)» يناقش في غير «الزاوية» التي يقصدها السيد فضل اللَّه، ويذكر على ذلك
شاهدين على سبيل المثال لا الحصر.
يقول السيد فضل اللَّه
(مأساة الزهراء، ج1 ص 49): إننا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي
للسيدة فاطمة الزهراء(ع) في داخل المجتمع الإسلامي إلا في رواية أو روايتين.
ويقول السيد مرتضى
(مأساة الزهراء، ج1 ص 52): أما إذا كان المقصود أن التاريخ لم يذكر أنها كانت تجهر
بالحق لمن أراد معرفة الحق، ولا تقوم بواجباتها في تعليم النساء وتوجيههن، وفي صيانة
الدين، وحياطته على مستوى قضايا الإسلام الكبرى... فإن ما أنجزته في هذا المجال
كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
36/
ويقول هذا الكاتب
(ص33): إن النص فأي الذي تفوه به السيد فضل اللَّه يذكر ندرة النصوص التي تتحدث
عن نشاط السيدة الزهراء(ع) ، وبالتالي فإن هذا إجحاف بحقها من جهة عدم تبين وقائع
حياتها، وفوات الفرصة للتعرف على الكثير من التفاصيل عنها.
وهنا نذكر للقارىء
النص الكامل الذي أورد جزءاً منه السيد جعفر مرتضى في كتابه، ليُعلَم أن ما تفتق
عنه ذهن كاتبنا الألمعي! ليس هو المراد من كلامه هذا، يقول السيد فضل اللَّه في
حديثه(الذي ألقاه في جمادى الأولى سنة 1414هـ) وهو الحديث الذي أشرنا إلى إنه كان
واحداً من أسباب تعرض السيد فضل اللَّه للانتقادات الشديدة، والاعتراضات الحادة من
علماء الشيعة ومراجعها، لا سيما في الحوزة العلمية في قم يقول السيد فضل اللَّه
(ابتداء من دون سؤال):
عندما نريد أن ندرس
سيرة الزهراء(ع) فيما كتبه تاريخها، فإننا لن نستطيع أن نجد الكثير الكثير إلا بعض
اللقطات، ثم نلاحظ أن حديث هذا التاريخ عن الزهراء المهاجرة، لا يعطينا شيئاً سوى
أنه يذكر اسمها مع المهاجرين والمهاجرات، ثم بعد ذلك زواجها، هناك مفردات صغيرة
جدّاً في حياتها كزوجة، وفي حياتها كأم، حتى نشاطها في داخل المجتمع الإسلامي، كان
في التاريخ محدوداً في رواية أو روايتين، ثم نلاحظ أن التاريخ يفيض في «ما لا
نحتاجه»! في مسألة زواجها والجوانب الغيبية في زواجها فيما تحتفل به السماء، وفي
الاحتفالات التي حدثت هناك وما إلى ذلك، وهكذا نجد أن التاريخ الصحيح وغير الصحيح
أفاض في الحديث عن أحزانها، وربما كان بعض هذا الحديث غير دقيق(1).
وهو أيضاً يقول: ماذا
ينفع أو يضر أن نعرف أو أن نجهل أن
ـــــــــــــــ
(1) ورد هذا الكلام في خطبة له في مسجد الامام الرضا(ع)
كانت هي السبب في الاعتراض عليه سنة 1993 لاحظ الملاحق سيما رسالته إلى الجماعة
التي اسمت نفسها بأنصار المقاومة الاسلامية والتي يصرح فيها بأن الشريط موجود عند
كل الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
37/
الزهراء(ع) نور أو ليست
بنور، فإن هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله (مأساة الزهراء).
كيف ينسجم صريح هذا
الكلام الدال على عدم حاجة سماحته لكثير مما يتحدث عن جوانب الغيب في حياة الزهراء(ع)،
ومسائل زواجها، مع ما ادعاه هذا الكاتب من أن مراد السيد فضل اللَّه هو تأسفه
للتعرف على الكثير من تفاصيل حياتها؟
أليست جوانب الغيب
وأحداث الزواج وغير ذلك مما طفحت به كتب التاريخ من تفاصيل حياتها؟ وظني أن السيد
فضل اللَّه لن يقبل منه هذا التأويل، نعم ربما قبل منه أن يقول:
إنه يأسف لفوات الفرصة
للتعرف على كثير من تفاصيل حياتها الاجتماعية والحركية، مما نحتاجه في واقعنا
العملي، وليت التاريخ ذكر لنا ذلك بدل أن يفيض في التفاصيل الغيبية، وفي مفردات
زواجها ومقاماتها العالية، لعدم حاجتنا إلى شيء من ذلك في واقعنا وحركتنا، ولعدم
كون ذلك جزءاً من العقيدة ولا جزءاً الخط.
وبهذا نعرف بطلان حديثه
الآخر (أي هذا الكاتب) حول الغيب (لاحظ ص34 في مأساة المأساة)، والذي ذكر في جملته
أن العلامة السيد جعفر مرتضى: أعلم بقصد الخصم من الخصم نفسه، «قال: فكيف يسمح
لنفسه (أي السيد مرتضى) ويقوِّ له في الغيب ما لم يقله.
ولعل هذا الكاتب يريد
القول: إن السيد جعفر مرتضى أعلم بوجوه تأويل كلام السيد فضل اللَّه، بما يتلاءم
مع كلام كبار العلماء وعظماء المذهب، عندما يتفوه السيد فضل اللَّه ببعض الكلمات
التي يضطر بعدها إلى تأويلها حملاً من السيد مرتضى له على الأحسن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
38/
نعم أعلم من السيد فضل
اللَّه نفسه، حين تعييه المذاهب فينطق بالمتشابه من الكلام، المخالف بظواهره لما
أقرَّه أعيان العلماء، ثم يعود بعدها ليقول: لم يفهموا كلامي،! ولم يكن ذلك
مقصودي، أولم يدققوا كثيراً، أو لم يتثبتوا، وكأن أعيان المراجع وأعاظم العلماء
المجتهدين، الذين لم تستعص عليهم غوامض المسائل العلمية أجهدهم سماحته بأفكاره،
التي يبينها بالأساليب الشعبية غالباً، فاستعصت على أفهامهم فلم يوفقوا إلى إدراك
مغزى كلماته في مواعظه وخطبه التي يوجهها في معظم الأحيان إلى الناس العاديين!!!.
ولو علم السيد فضل
اللَّه وليته لا يعلم كثرة المفاسد المترتبة على عدم فهم كلامه! أظنه حرَّم على
نفسه التكلم في ملأ من الناس.
وبذا تعرف مخالفة
الواقع في تهمة هذا الكاتب للسيد جعفر مرتضى، بالحمل على الأسوء، واستعمال لغة
التشفي والانتقاص، كما تعرف سوء أدبه في كثير من العبائر الأخرى فجرياً على عادته
في «منهجه العلمي»! في هذا الكتاب.
إذ ليس في مقدورنا مع
ذلك إلا قولنا له سلاماً سلاماً، فلنعف عن هذه الكلمات ولنصفح ونتجاوز، ولنعرض عن
الجاهلين، كما أمر ربُّ العاملين، نبيه سيد المرسلين(ص).
يدعي الكاتب (ص37) أن
النصوص التي أوردها سماحة السيد جعفر مرتضى اقتطعت من سياقها، ما يسمح بأسر المعنى
الذي يرغب صاحب النص، بالتصريح به، هذا مع عدم توثيق النص والإعفاء عن ذكر تاريخه
ومناسبته، مضافاً إلى أن بعض هذه النصوص نقلت له مشافهة... في مقدمة «مأساة
الزهراء».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
39/
وتعليقاً على ذلك نقول:
لم يتحفنا الكاتب هنا
فكما صنع غيره بأن هذه الكلمات المنقولة «مدبلجة مخابراتيّاً»، ولعله لم يفعل ذلك
لأنه لم يشأ، أو لأنه لا يعتقد ذلك، خلافاً لمن لا يخفى أمره على أحد، في توزيع
هذه التهمة في أكثر من مورد واتجاه.
لكنه بدل ذلك ادعى
اقتطاع السيد مرتضى هذه النصوص من سياقها، وهذا أمر يسهل الفحص عنه والتثبت منه،
إذ أن كثيراً مما هو مذكور في كتاب سماحة السيد جعفر مرتضى، مسجل من الإذاعة
مباشرة خصوصاً ليالي الأربعاء ففي السنتين الأخيرتين. يضاف إليها مقابلة مشهورة
لسماحته مع مجموعة من الشبان، أجريت صيف سنة 1996 تحدث فيها عن أمور عديدة منها
مأساة الزهراء(ع)، يضاف إلى هذا الحديث المعروف الذي ألقاه في جمع من المؤمنات من
مختلف الطبقات والأعمار فكما يظهر من تسجيل الفيديوف في مسجد بئر العبد سنة 1993،
مع محاضرة تلتها فبعد ردة الفعل العنيفةف أرسلها مكتوبة إلى الحوزة العلمية في قم،
وبثت من الإذاعة في بيروت، هذا مع الملاحق المذكورة في آخر الكتاب.
فمن السهل اليسير أن
يطلب الكاتب من جهاز سماحته وهو من أركانه! تزويده بهذه الأشرطة، ثم يسمعها
وينشرها كاملة للقراء(1) ويترك لهم الحكم بصحة كلامه حول فصل هذه الكلمات عن سياقها،
ونحن بدورنا نكون له من الشاكرين(؟!).
ولا يفوتنا هنا التنبيه
على معنى ما ذكره هذا الكاتب بقوله (ص37):
ـــــــــــــــ
(1) نعم
ينشرها كما هي، ولا يصنع بها كما صنع بغيرها كالخطبة الملقاة سنة 1993 في قم،
والتي يتحدث فيها عن الزهراء(ع) وقد نشرت هناك في مجلة قضايا اسلامية، ثم اعيد نشرها
في بيروت سنة 97، في نشرة بينات مع كثير من التحريف، وقد أشار إلى ذلك العلامة
مرتضى في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب مأساة الزهراء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
40/
«نقلت له
بالمشافهة» واستعملها كدليل على الخصم في
مقدمته.
فنقول: بعدما ذكرنا من
المصادر، نجد القارىء يطمئن إلى عدم تلقي السيد جعفر مرتضى لشيء من هذه النصوص
بالواسطة، وإنما كان مصدره ما تقدم.
كل ذا مع اعتراف الكاتب
(ص51) بأن «السيد المراد نقده» (أي السيد فضل اللَّه):
تحدث في مقالات
ومحاضرات ومقابلات صحافية أو اذاعية أو تلفزيونية... فأقواله وقناعاته وآراؤه!
تتردد على كل شفة ولسان، وبالتالي فهي معروفة ومفهومة.
فالاتهام بقلة الأمانة
تارة، وبنقل الأمور لا كما هي أخرى، وبطريقة انتقائية ثالثة، وهي التي يبادر
كاتبنا المؤدب فمع أنه أولى بها إلى نسبتها مع غيرها من التهم الساقطة إلى مؤلف
كتاب «مأساة الزهراء(ع)»،محاولاً إسقاطها عن عنقه فكما ستعرف ذلك وإلصاقها بذيل
سماحته، مع قدرته على التأكد من صحة ذلك وسقمه، ومع عدم ابرازه لما يقنع القارىء
بدليل كلامه، كل هذا ينبئك عن عظيم ورعه! ووثاقته! ودقته! وأمانته! على أقوال وأفكار
الآخرين، سواء في ذلك من ينقل عنهم، أو من ينقل إليهم من القرّاء، وسيتضح ذلك فيما
يأتي أكثر لا سيما في الفصل الأخير من هذا الكتاب.
ثم قوله (ص51):
أما عن كاد المريب أن يقول خذوني (وهو ما ذكره
السيد مرتضى في مقدمة كتابه) فهو قول لا يجدي مع من يطرح قناعاته!! على الملأ،
وبالتالي لا يخشى أن تعرض أقواله وتنشر.
ونقول: مع كون سماحته
يطرح «قناعاته» على الملأ، كيف يمكن لكاتبنا الفطن! أن يدعي على مؤلف مأساة
الزهراء(ع) انتزاعه هذه الأحاديث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 41/
من سياقها ومناسباتها،
ثم تقطيعه لها واجتزاؤه منها ما يفيده في أغراضه!!
على أننا لا يمكننا إلا
أن «نبتسم»! حين نرى هذا الكاتب يعبر عن شكوك السيد فضل اللَّه بالقناعات، وهو (أي
الكاتب) الذي يقول (ص27):
إن جل آراء البعض عبارة
عن تساؤلات وشكوك منهجية يفرضها العقل العلمي في معالجة الكثير من القضايا.
ولسنا نعلم كيف، يقتنع
سماحته بالشكوك ويعتقد بها؟؟
ثم كيف يجوز له أو
لغيره تثقيف الناس بها ونشرها بينهم، وبهذا الشكل، ومع كل إصرار.
يشرع ناسج هذه الكلمات
بذكر أمور تحت عنوان «مسلمات واهمة»، ولسنا ندري ولا هو على ما يظهر يدري!ف ما
العلاقة التي تربط هذه الكلمات بمنهجية البحث عند المحقق السيد جعفر مرتضى، حتى لو
سلمنا صحة نسبتها إليه، على أننا نرى أن كثيراً مما ذكره هذا الكاتب، منطبق على
السيد فضل اللَّه نفسه دون غيره، وهو الذي انبرى للدفاع عنه، ويظهر ذلك جليّاً حين
يقول (ص44):
إن في نظام العلوم
الدينية وترتيب الدرجات والألقاب ثغرات لا يمكن التغاضي عنها، وإذا كان المعتاد أن
يختبر الفقيه والعالم بشؤون الفقه فإن المراتب العلمية الأخرى قد تركت لكل راغب
ومتطفل.
ونحن هنا لا يسعنا إلا
أن نسأله عن المراد بقوله: «نظام العلوم الدينية».
فإن كان المراد بذلك
ترتيب المراحل وطبقات الدراسة ومناهجها، فهذا أمر لا شغل له به قطعاً وهو أجنبي
عنه، ولعل ذلك ظهر للقارىء فيما تقدم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
42/
وسيظهر له بوضوح ففيما
يأتي إنشاء اللَّه تعالى.
أما لو أراد بذلك خصوص
النظام الإداري والفوضى في كيفية الاتصاف بهذه الألقاب، فربما كان الجواب نعم. لكن
لنتوقف عند جعله اختبار الفقيه العالم بشؤون الفقه والأحكام الشرعية أمراً
معتاداً، وغير ذلك غير معتاد، منعاً له من تمريره لأمرٍ هام يريد إلباس الأمر فيه
على القارىء، فنقول:
صحيح أنه من المعتاد
اختبار الفقيه أمام مجموعة وربما أقل من العلماء، من المراجع والأساتذة الكبار من
رجالات العلم المسلم باجتهادهم في الأوساط الحوزوية العلمية، خصوصاً إذا كانوا من
أساتذة العالم الممتحَن في الدراسات العليا، ممَّن خبروه وعرفوا قوته العلمية،
وخبروا قدرته على استنباط الأحكام الشرعية.
لكن هل هذا يكفي
للإشارة إلى كون «فقاهة» السيد فضل اللَّه اختبرت على النحو المعتاد؟
فمن الذي يا ترى شهد
للسيد فضل اللَّه بالفقاهة أو الاجتهاد، فضلاً عن التخصص في العقائد والفلسفة
وعلوم الحديث بل وتفسير القرآن؟
نعم من الذي شهد له
بالفقاهة والاجتهاد، فضلاً عن الأعلمية المسوغة لتقليد الآخرين له؟
وليدلنا الكاتب على
واحد من أساتذته يشهد له بذلك، بل نقنع منه بأن يدلنا على واحدٍ من العلماء يشهد
له بذلك، شريطة أن يكون ممن يُدَّعى كون السيد فضل اللَّه في مرتبتهم العلمية وأنه
من أقرانهم، ممن هم من مراجع التقليد، أو في مرتبتهم العلمية، من المدرسين
المرموقين في الحوزات العلمية، بما في ذلك كل من النجف الأشرف وقم المقدسة، من
الذين يعدون من أهل الخبرة، مع أن المعروف من جماعة منهم ـ وفيهم مراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 43/
تقليد نفيهم لهذه الصفة
عنه(1).
فمن يا ترى الذي خبر
السيد فضل اللَّه؟ وتبين من فقاهته وقدراته، ومقدار انطباق كتبه على الموازين
العلمية عند الشيعة الإمامية؟
ثم من الذي شهد له بكل
هذه المراتب العالية في مختلف العلوم؟
ونحن هنا لا نريد الطعن
بسماحته، بل نريد وضع النقاط على الحروف، لئلا يلتبس هذا الأمر على الكثيرين،
ويمرر معه كثير من العناوين والمواضيع المطروحة في الساحة بعنوان الاجتهاد،
والمرجعية، وحرية إبداء الرأي، والتجديد، والإصلاح والعصرنة، وغير ذلك مما يقرع
المسامع كثيراً في هذه الأيام!
على أنه لو سلمنا
لسماحته هذا الأمر، فهو يعرف قبل غيره أن الشهادات بالاجتهاد، التي يكتبها هؤلاء
الإعلام للعلماء هي كالتالي:
«فلان مجتهد... وله
العمل بما يستنبطه من الأحكام على النحو المتعارف بين علمائنا الأعلام».
ونحن هنا نسأله: هل أن
استنباطه لأحكام الشريعة موافق للنهج المتعارف عند أهل البيت عليهم السلام؟؟
أليس هو القائل بلزوم
العمل بالقياس، وهو الأمر الذي أبطله وحرمه
ـــــــــــــــ
(1) ولذا التجأ سماحته ان يكتفي في الدعوة إلى تقليد نفسه
باطمئنان المكلفين بذلك، ولو كان اطمئنانهم ناشئاً من ادعائه العلمية والاعلمية في
حق نفسه فكما صرح بذلك في اذاعتهف وهو أمر لم يقل به احد من العلماء، ولذا كان
بنفسه يطالب الناس بالانضباط وفق موازين الشرع عند ارادتهم العدول من الامام
الخوئي إلى الامام الخميني، ولم يسمع عنه يوماً اكتفاؤه بالاطمئنان قبل ان يتصدى
لهذا المنصب، هذا مع أن شهادة الانسان في حق نفسه غير مقبولة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
44/
أئمة أهل البيت(ع)، ولم
يعمل به أحد من علماء مذهبهم (لاحظ المنطلق العدد 111، وتأملات في آفاق الإمام
الكاظم ص40).
أليس هو القائل: «إنه
يجوز لنا العمل بمرويات أهل السنة في كتبهم، فيقول في (كتاب النكاح ص58): ولكن
القوم (أي الفقهاء) أجمعوا قولاً واحداً بأن هذه الرواية ضعيفة، وعلى هذا فلا يمكن
الاستدلال بها، ولكننا نلاحظ أنه لا بأس بالأخذ بالخبر الضعيف، إذا انعدمت دواعي
الكذب فيه كما في المقام (مسألة فقهية فرعية)، حيث لا توجد أي مصلحة للكذب، وعلى
هذا ينفتح لنا باب واسع بالأخذ بكثير من الأخبار التي ترد من طرق العامة، وذلك إذا
حصل الوثوق بها».؟!!
وهو القائل في مواضع
عديدة: «وربما كان توثيق حديث أهل البيت عليهم السلام من أهم المشكلات أو مشكلة
معقدة، وإن فيه ركاماً هائلاً من الوضع والكذب» (المقالة نفسها ص31، للإنسان والحياة
ص246 و295، وليلاحظ كتاب الإسلام ومنطق القوة ص 248).
وهو القائل بتعارض
العام والخاص في حديث أهل البيت(ع)، عند تحقق الفاصل الزمني بين حديث الإمام
والإمام الآخر القائل بما يعمم أو يخصص ما قاله الإمام السابق عليه، (المقالة
نفسها (ص25)، ومجلة البلاد، العدد 239، ومجلة المرشد أيضاً)، هذا مع إطباق علماء
الشيعة على كون كلامهم(ع) ككلام المتكلم الواحد في ذلك.
وهو الذي يحكم على حديث
أهل البيت بلزوم عدم الخروج عن عناوين القرآن في شيء من المواضيع التي لم يتعرض لها
القرآن تفصيلاً، بحيث يجب علينا الإعراض عن كل عنوان، تعرضت له الروايات التي تفسر
الآيات القرآنية ولم يتعرض له القرآن حين طرح بعض المواضيع، وذلك تحت ستارٍ من جعل
القرآن الكريم هو الأساس في التصور الإسلامي، وكأن ذلك مبني على قاعدة (حسبنا كتاب اللَّه) (من وحي القرآن، ج14، ص94).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
45/
وهو القائل: قاعدة
التزاحم عند الفقهاء الشيعة هي المصالح المرسلة عند السنة (الإنسان والحياة ص169)،
مع أن فقهاء الشيعة يبطلون العمل بالمصالح المرسلة ويعملون بالتزاحم، ولسنا ندري
كيف غاب عن ذهنهم فعلى كثرتهم وعلو كعبهم في مختلف العلوم الفرق بينهما حتى منَّ
اللَّه عليهم بسماحته ليوضحه لهم؟!.
فمن أين يحصل لنا العلم
بأن سماحته لا يعمل في فقهه بالمصالح المرسلة، كما ادعى ذلك في حق السيد الخوئي
حيث ارتأى أخيراً العمل بشيءٍ من ولاية الفقيه؟
ومن أين نعرف انه لم
يعمل بالقياس، أو بالأحاديث المروية عن العامة؟
ومن أين نعلم أن كل ما
يلقيه بين أيدي الناس مما يعبِّر هو عنه بالفتاوى، مستند إلى روايات أهل البيت(ع)،
وهو القائل في حقها ما عرفت؟
ومن أين نعرف أنه يعمل
بالقرآن الكريم، من خلال ما وردنا عن أهل البيت عليهم السلام، لا من خلال الآراء
الخاصة به أو بغيره، وهو الذي يقول (لاحظ المنطلق 113 ص31 ـ 32):
وهكذا انطلق التفسير
بالمأثور (أي بروايات أهل البيت(ع)) ليقدم إلينا حشداً كبيراً من الأحاديث
المتعارضة المتنافرة، التي يدخل الإنسان معها في متاهات فكرية لا يملك معها
القارىء أي وضوح للرؤية في هذه الآية أو تلك...
ومع هذا يسمح لنفسه
بالاستيحاء كما استوحى الأئمة(ع) (الموسم ص76 وللإنسان والحياة)، ويقول:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
46/
... لا يمكن أن نتقبل
أي تفسير من خلال رواية إذا كان الكلام لا يحتمل بحسب وضعه هذا المعنى.
وبذلك يسلب سماحته أهل
البيت(ع) حقهم في تعليمهم له ولغيره معاني القرآن ومبانيه وأوضاعه.
وقد شهد له بإسقاط
الكثير من هذه الروايات بعضهم في مجلة المعارج (ص31)، فليراجع العدد الخاص به.
وأما الشؤون العلمية
الأخرى فربما كان لمقالة هذا الكاتب: إنها عرضة لكل راغب ومتطفل، «وجهٌ من الصحة،
إذ لم يستعص بعضها على سماحته فمضى فيها قدحاً وجرحاً وتنكيلاً بشكل أو بآخر، وهي
مع كل هذا لم يتركها علماؤنا سدى، وخير دليل على أهلية أصحاب الشأن منهم وعلو
كعبهم في هذه العلوم، نتاجهم الفكري الثر، وسيرتهم العلمية الغنية، والتي كانت في
حركتها العلمية، «معياراً» عليها تعرض، وبها تقاس وتوزن أي حركة أخرى.
فما خالف سيرتهم
العلمية في الاستدلال والاستنتاج ولو كان موافقاً لها في النتيجة لا يؤبه به، كما
أنه لا يؤبه بما وافقها من الآراء، إذا خالف طريقتهم في هذه الحركة الاستنباطية
والاستدلالية، لأن العمدة في هذا الأمر، هو في السير على الطريق المتعارف بينهم،
والذي تفرضه الثوابت والضوابط المسلمة، والأصول الموضوعية في عملية الاستنباط، وفي
مسيرة تلقف الحقائق، وهي واضحة ومسلمة في خطوطها العريضة عند الشيعة الإمامية، ولن
يكون لمن يخرج عنها مكان بين علمائها مهما كانت مكانته ومنزلته عند غيرهم.
وليس في العمل وفق
طريقة الإمامية هذه، وعلى النحو المتعارف بين علمائها من إشكال، ولا بأس في المواظبة
عليه، لكن المشكلة في الذي ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 47/
انفك إذا سئل أجاب
بقوله: «ليس بثابت»، أو «غير معلوم»، أو «لم يُناقش»، أو «هذا علم لا ينفع من علمه
ولا يضر من جهله»، وغير ذلك من العبارات التي تغلف عدم اطلاع قائلها بغلاف يشعر
السامع معه، بأن صاحبها إنما يذكر ذلك عن سابق علم، ومزيد فضلٍ، ونتيجة للتدقيق
والتحقيق.
ونظرة واحدة إلى مجلة
الموسم (العدد المزدوج 22 – 21) ذات الثلاثة آلاف سؤال وجواب، تعطيك شاهداً واضحاً
ومصداقاً كاملاً لما ذكرنا، فمثلاً لا حصراً أجوبته فيها في ما يتعلق بالعقائد مع
كونها كما ذكرنا تنبئك عن ضعيف قدرته في علمي الكلام والفلسفة.
وتفسيره قوله تعالى: (وليضحكوا قليلاً) (ص305) وغير ذلك ينبئك أيضاً عن مدى خبرته
في التفسير.
وجوابه حين سئل عن
الروح (ص 243 و255) والعرش (ص250) وإنا أنزلناه في ليلة القدر (ص243) وكثير من
الزيارات والأدعية والأحاديث تنبئك عن إحاطته المتواضعة بحديث أهل البيت(ع).
وبعد هذا القليل من
كثير مما لم نذكره، يطالعنا صاحبنا الكاتب ليقول (ص45):
إن منطق الأمور يفترض التوسع
في صلاحيات الفقهاء والعلماء لدخول غمار التاريخ والتثبت في معطياته ووقائعه وعدم
التساهل، بغية قطع الطريق على حديثي العهد من البحاثة الذين يستفيدون من تساهل
الفقهاء والإعلام.
وليت شعري كيف أبدأ في
ترتيب أجوبته، وأنا حائر على أي وجهٍ أرتب أغلاطه وتخليطه؟!
فقوله: يفترض التوسع في
صلاحيات الفقهاء...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
48/
«ينبئك عن جهلٍ كبير
بوظيفة الفقيه، وبالفقه ومقدماته، من الأصول وغيرها، فالفقيه حقّاً لا يحتاج إلى
إجازة لتوسيع صلاحياته، ليتجه بذلك نحو الخوض في غمار التاريخ.
لكن مع هذا ليس الأمر
جزافياً بحيث يتسنى لكل أحد أن يمارس فيه، ذلك لاحتياج الباحث في هذا المضمار إلى
ما يتمكن معه من الإطلاع على مجريات الأمور، والإحاطة بدقائقها وتفصيلاتها، مع حسن
العرض والمقابلة بين الأحداث، مضافاً إلى دقة النظر وقوة الحدس فيها، مع القدرة
والتمكن من إعمال الموازين العلمية والعقلية والعقلائية.
طبعاً، وليس من أدوات
هذه الأبحاث زيارة القبور!! التي أفرغها سماحته من مضمونها، حيث نهى عن الاستغراق
في ذوات أصحابها ولو كانوا أئمة وأنبياء معصومين وأمر بدل ذلك بالاستغراق في التاريخ
وأخذ العبر، مما يجعل من قبور الأولياء مدارس تثقيفية، تنطلق بنا إلى التاريخ
لتدعو التاريخ إلى زيارتنا، ليزورنا من خلال تاريخهم أكثر مما نزورهم في ذلك
التاريخ.
وعوداً على ما كنا فيه:
فإن ما تقدم، ومعه غيره، هو الكفيل أن يخول العالم الباحث الدخول في هذا المضمار،
وهنا نلفت نظر كاتبنا الحاذق!! إلى السؤال التالي وهو:
هل أن الفقيه الذي فعل
ذلك، سيستخدم نتيجة أبحاثه التاريخية وهو العلم الوصفي لا المعياري كما يقول في ما
ينفعه من العلوم الأخرى، كالعقائد والفقه في بعض مسائله، وأصول الفقه في بعض
جوانبه، وهو ما يمليه عليه التزامه العقيدي أم لا؟
إن قدرة الفقيه
العلمية، الحقيقية والواقعية (لا المدعاة أو المزعومة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 49/
هي التي تخوله الخوض في
هذا الأمر عند التوفر على مقدمات البحث، بشكل يستجمع معه الحد الأدنى من المواصفات
المشروطة فيه.
وبهذا ينقطع الطريق على
كثير من الناس، وفيهم من حملة الألقاب الدينية ممن يدعون أنهم من أصحاب العلم،
الذين يمكنهم الجواب على كل سؤال ارتجالاً، ومن دون تكلف المراجعة إلى المصدر
والمرجع المختص، كل ذلك اعتداداً بتجربتهم الثقافية الطويلة!!
ولسنا نظن بصاحب اختصاص
يعتمد في الإجابة عن ما يسأل عنه في اختصاصه، يعتمد على ثقافته العامة في حقل من
الحقول، لكن وللأسف هذا ما يجري فعلاً، ونراه في الخارج، حيث يدعى ذلك بعضهم
ويقول: لكل سؤال جواب!!؟ ويجيب عنه ارتجالاً!!
إن من وصفهم هذا الكاتب
في كتابه هذا، بأنهم حديثو عهدٍ من البحاثة، لم يستفيدوا من تساهل فقهائنا
الأعلام، ذلك لكذب هذه الدعوى التي يطعن فيها بفقهاءنا الأجلاء من زعماء الحوزة،
قبل أن يطعن فيها بسماحة السيد جعفر مرتضى، مع أن جلَّهم فحتى من جاء منهم في العصور
الأخيرة من أصحاب المؤلفات والتحقيقات في علم الكلام، الذي يتوقف عليه الاجتهاد،
وهم أجلّ شأنا من أن يتساهلوا في أمر هذا الدين، لكنه سوء الأدب والغرور يدفع
بصاحبه نحو كل قبيح «كبرت كلمة تخرج من أفواههم».
نعم لم يتساهل فقهاؤنا
كما قذفهم الكاتب، بل إنما استفاد «حديثوا العهد من البحاثة» «كما تحلو له التسمية
بذلك، من تجربتهم الطويلة الممتدة في السنوات المديدة التي ربما عدت بالعشرات،
معتمدين على سلطان من الكفاءة والقدرة العلمية في الدخول إلى صروح التحقيق،
والنفاذ منهما بالهامّ من الحقائق إلى أقطار العلم والعلماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
50/
وإذا كان جهل هذا
الكاتب أو تجاهله حالا بينه وبين النظر إلى مؤلفات المحقق العلامة المتبحر السيد
جعفر مرتضى، والاستفادة منها ومنه شخصياً، فلينظر إلى العلماء الذين استفادوا من
خبرته في أبحاثهم وكتبهم ومعاهدهم العلمية، وإلى تلامذته الذين عملوا معه في هذا
الشأن، وقد تفرقوا في أنحاء إيران وحوزاتها العلمية فمن الايرانيين وغيرهم ممن
لهم الباع الطويل في هذه العلوم، لكن صدق رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله
وسلَّم) حين قال: ارحموا عالماً بين جهال.
ومرَّة أخرى يستوقفنا
العنوان، فنتساءل عن السبب الداعي إلى وضعه في هذا الموضع المخصَّص للبحث في عيوب
منهج العلامة مرتضى في كتابه، فهو مع أنه لا يمت بصلة إلى البحث عن المنهج، فإنا
نراه قد أدرجه فيه.
ونحن هنا بالجرأة نفسها
التي يزعمها هذا الكاتب لنفسه، ولكن بعيداً عن التشهير، وبأدب إسلامي لا كأدبه،
نطلب الكف عن استغلال جهل العامة بالتاريخ وبعلم الرجال وبالفقه وأصوله والكلام
والمنطق، وبأصول البحث العلمي عموماً، بالتوقف عن دفع التساؤلات تترى إلى أذهان
هؤلاء الطيبين، الذين نحبهم ونحترمهم، ثم اتباع ذلك بالتشكيكات، قبل الحصول على
الجواب اللازم أو تحصيله من أهل الخبرة والاختصاص، بحجة التحرر من أي قيدٍ يفرض
ظلماً على إبداء الرأي، وبحجة لزوم اظهار العالم علمه في ما إذا ظهرت البدع وسرت
في العقائد الشيعية الموروثة والفاسدة في أذهان العامة وإلا فعليه لعنة اللَّه،
وهو الأمر الذي يدعو أصحاب الهمم العالية من ذوي العلم والخبرة للقيام بدور تمييز
بعضهاعن بعض وتعريف الناس بذلك، على حد تعبير السيد فضل اللَّه في نشرة بينات،
بتاريخ 25/10/96.
ونحن لو أغمضنا وسلمنا له
حرية إبداء رأيه فيما ذكرنا، لكن لن نقبل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 51/
منه ولا من غيره أن
يثير الشكوك مغلفاً لها بإطار التساؤلات والمنهجية والعلمية... التي ترقى بالبحث
إلى النتائج الكاملة.
إذ أمام من تطرح هذه
الأمور؟
ومن من مستمعيه يحقق
فيها أو يدقق، وفيهم من البسطاء فمع كل الاحترام الكثير رجالاً ونساءً؟؟
ثم ما هو العلم الذي
حرم عليه كتمانه، فوجب عليه بالتالي إظهار علمه وآرائه التي يعترف صاحب هذا الكتاب
(ص27) بأنها جلها شكوك وتساؤلات (ولن ينفعه وصفها بالعلمية أو المنهجية)؟.
أضف إلى هذا سؤالنا: ما
هي البدع التي دخلت في البنية الفكرية العقيدية أو التشريعية في مذهبنا نحن الشيعة
الإمامية، حتى أرسله اللَّه إلينا فعلى حين فترة من الرسل والمصلحين!؟ف ليصلح أمر
هذا الدين، أو يمنعه من الانحراف، ويحصنه من فاسد العقائد وكاذبها، حتى وصل به
الأمر إلى القول بأن ذكر الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علي(ع) يترتب عليه
المفاسد الكثيرة (المسائل الفقهية، ج2 ص123) الأمر الذي يوحي بأنه قد يتجه فيما
بعد فضمن حملته هذه في النهي عن المنكر وإزالة العناصر الجديدة (المسائل الفقهية)
فإلى دفع هذا الفاسد والمنكر، حينما تسنح له الفرصة بذلك، كما يقتضيه التدرج في
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من القلب إلى اللسان (والقلم) ثم اليد.
ونحن بانتظار اليوم
الذي يقدم فيه سماحته على تحريم ذكرها في الأذان والإقامة على من يقلده، ثم يحذفها
من مسجده ومساجد مؤيديه وأتباعه(1).
ـــــــــــــــ
(1) ومن الطريف ان السيد فضل اللَّه قد أجاب على سؤال: انكم
تمنعون الشهادة الثالثة مع=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
52/
حقّاً كما يقول هذا
الكاتب (ص47):
إننا لا ندري من
المستفيد من كل هذه الأعمال والتي يجهد العدو لعمل أقل طعناً وخطراً من هذا
بمراتب... إلى آخر ما قال هذا الكاتب مما لا نحب تدوينه.
ونضيف لكن لا كما يضيف
الكاتب: لقد قرأنا العديد من الكتب التي تشكك بأفكار ومعتقدات الشيعة الإمامية،
إلا أننا لم نقع على مثل تشكيكات السيد فضل اللَّه وأوهامه التي تمرر باسم التشيع
وهو مكمن الخطورة والتي لا يكلف نفسه وسعها في الإجابة عنها، ولا يكلِّفها السؤال
والبحث عن الاجابات المناسبة عند أهل الخبرة والاختصاص، لينتفي بهذا مبرر وجودها،
وذلك جرياً منه على عادته في إطلاق التساؤلات وإثارة التشكيكات (في الهواء الطلق،
وبصراحة، وفي كل القضايا) مع حبسه للأجوبة عن الناس، على كثرة انتشارها بين صفحات
الكتب المعتبرة لعلماء الشيعة الإمامية بل وغيرهم، ومع ثباتها في صدور الأعلام من
علمائنا حفظهم اللَّه، وهو يريد بذلك كله أن يصدم الواقع كما يقول.
وبعد هذا وغيره من
أحاديث سماحته، والتي يصر دائماً على التحدث فيها بهذه المواضيع، وبهذه الكيفية،
واعترافه مراراً على المنابر وفي التلفزة والإذاعات والصحف والمجلات أن جرأته في
طرح آرائه، وإيمانه الصريح
ـــــــــــــــ
=
أنها شعار التشيع؟
فقال في الجواب:
الشهادة الثالثة من حقائق الايمان القطعية عندنا وفي مذهبنا، إلا أنها ليست جزءاً
من الأذان والاقامة، كما هو مشهور الفقهاء، ولم نمنع من ذكرها أبداً، والأذان في
مسجدنا وجمعتنا أوضح برهان على ذلك. وتاريخ هذا الجواب هو (16 جمادى 1417)، بينما
تاريخ صدور المسائل الفقهية التي يصرح فيها بالمفاسد المترتبة على الشهادة الثالثة
كان قبل ذلك (صفر 1417هـ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 53/
بأسلوب الصدمة للواقع
الذي يعيش فيه، والذي يكرره دائماً على المسامع (دنيا المرأة ص 25)، هو السبب
الكامن وراء الحملة العنيفة عليه.
مع هذا كله فهو يكتب في
أجوبة بعض المسائل (بتاريخ 8 رجب 1417هـ (ص4)): إنني أقول بكل محبة إن هناك 90%
مما ينقل عني في العقائد كاذب، وإن عشرة بالمئة من هذا هو تحريف للكلام عن مواضعه.
أو أن 99،99 من المنقول
عني كذب وافتراء.
باللَّه عليك أيها
القارىء إذا كان الأمر كذلك فأين إرادة صدم الواقع؟
وبأي شيء يصدمه إذا لم
يكن في كلامه مخالفةً للعلماء، ولما هو المألوف في أذهان العامة من مختلف الطبقات؟
وأين قوله (قاعة الجنان
ـ بيروت، في عاشوراء سنة 1417هـ): أنا أصر ولو شتمني الشاتمون ولو اتهمني
المتهمون... (حديث عاشوراء)؟
وأين قوله (بينات
25/10/96): إن أفكار الشيعة متوارثة قد تكون صحيحة وقد لا تكون... أنا لا أؤمن أن
الناس عوام يجب أن نبقيهم على جهلهم... لا بد من أن نثير القضايا في المجالس
العامة بالطريقة التي تحقق للناس توازناً في فهمهم وأفكارهم... فما المشكلة في طرح
أفكار يعتقد أصحابها بصوابيتها؟؟.
ومن حقنا هنا أن نرد
هذا السؤال عليه لنقول ونسأل: ما المشكلة في طرح الأفكار المخالفة للسيد فضل
اللَّه، والتي يعتقد بها علماء المذهب وهم يعتقدون بصوابها ولو أدت إلى ما لا
يتلاءم مع أفكاره وأغراضه؟
ولماذا ردات الفعل
العنيفة في العلن تارة، وخفية أخرى، كلما انتشرت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 54/
الأفكار المخالفة له
والمبينة لفساد آرائه؟
أليس من حقنا عليه
كالأخرين أن يحاورنا بجدية ويناقش أفكارنا، فنحن ندعوه إلى ذلك كما يدعو هو إلى
مناقشة أفكاره، لكن لن نناقشها على طريقته بالحملات الإعلامية في وسائل الإعلام
وعلى المنابر ولا بغير ذلك من الوسائل التي يستيعنون بها.
وردّاً على سؤال: لماذا
لا تطرح لبعض المسائل التي يكثر الجدل حولها في مؤتمرات علمية بدل طرحها على الناس
وفي أجواء غير صافية؟
يقول في الجواب: أعتقد
أن هذه المسائل يجب أن تطرح على الناس فنحن نؤمن بالناس!؟ فالبعض يقول: إنهم عوام
لا يفهمون، أنا لا أقر ذلك، فللناس فكر وليس فقط لدى طلاب العلم، فهناك أناس
مثقفون وهناك أناس غير متعلمين، ولكن لديهم تجارب وبإمكانهم مناقشة القضايا
بعقلهم.
وهذا من العجائب حيث
عوَّد سماحته الكثيرين على ترداد قوله (ص): إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب
الناس على قدر عقولهم.
وفي موضع آخر (فكر
وثقافة عدد 4 ص2) يذكر ما يناقض فيه كلامه هذا، فيقول:
نريد أن نقول إنه من
غير الصحيح أن ينطلق العوام من أجل أن يعطوا أفكارهم وآراءهم، وأن يعترضوا على
العلماء، وأن يدخلوا بين رأي عالم وعالم، ليتبنوا هذا الرأي ضد ذاك الرأي، لمجرد
أن هذا الرأي يألفه واقعهم، وذاك الرأي لا يألفه. إننا نقول ما قاله تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به
علم)،
فمن لا يملك علم الفقه وعلم الشريعة! وعلم العقيدة فليس له أن يتبنى أو يناقش من
دون علم في هذا المجال.
وهو يقول (مجلة المنهاج
عدد2/ الأصالة والتجديد ص71): .. يفرض علينا عقد مؤتمرات علمية تملك حرية النقاش
في كل شيء بحيث لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 55/
يخاف أحد من طرح فكره
في فهم الإسلام في هذا الجانب أو ذاك
ونحن بدورنا نتمنى عليه
أن لا يسعى، وأن لا يفسح المجال أمام من يسعى، لإخافة من يطرح هذه الأفكار في فهم
الإسلام لمجرد أنها تخالف فكره وتسعى إلى ترويج ما لا يروق له مما اتفق عليه علماء
الإمامية.
ولا نريد إطالة الكلام
كي لا نثقل على القارىء الكريم، ونترك التعليق لعقله الواعي وضميره الحر، للقيام
بمهمة الحُكْم بالعدل والإنصاف، ومن ثم ليفهمنا إذا فهم هو بأي وجه من الوجوه
المعقولة يمكن الجمع بين هذه الكلمات لرفع التناقض المستحكم فيها.
نعم ربما يصلح قوله
الآتي لتسليط بعض الضوء على ما يرمي إليه.
يقول في كتاب للإنسان
والحياة (ص195) ومجلة المعارج (ص434):
المشكلة هي... وأن الشيعة
لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه، بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه
يخضع، للدليل والبرهان أو لا يخضع لأن القضية في بعض أوضاعها (إنا
وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون).
وبذلك تتضح المفارقة في
ما ذكره هذا الكاتب بقوله (ص22):
هدفنا هو توسيع فضاء
العقل والاعتراف بقدرات الناس على التفكير، وأخذ القرار أو حسم الخيار في مصيرها
ومسائلها، ونبذ مقولة العامة التي تسلب عن الناس خواصهم البشرية والنفسية...
فالحديث عن حفظ الإشكالات ضمن جدارن مغلقة وفي مجالس الخاصة، هو جزء من ذهنية
الاستخفاف بعقول الناس وسياسة إخضاع الناس بلغة التخويف والتهويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
56/
والكاتب يؤمن ببعض
الكتاب ويكفر ببعضه، حين يجيز لنفسه ما حرمه على غيره، حيث يقول (ص 46):
فمن العيب الذي يؤخذ
على العالم أن يستغل جهل العامة بالتاريخ وبعلم الرجال وبأصول البحث العلمي ويدفع
إلى مخيالهم! ما يرهقه بالمعطيات الهجينة التي يصعب عليهم بحثها ومناقشتها وأن
يسوق المحاكمات جزافاً لرجال امتهنوا العلم والبحث عن الحقيقة وإخفائها أمام
الجمهور الذي يبحث عن تكليفه.
ولست أدري على من ينطبق
كلامه هذا؟ بعدما عرفت فيما تقدم.
ولست أدري إن كان تكليف
الجمهور هو أخذ العلم بما ينبغي له العلم أو العمل به، أو أن شكوك سماحته كافية
لتعليمهم؟ فلا هي ترهقهم ولا هم منها يضجرون.
وهل أن تشكيكات السيد
فضل اللَّه ومحاكماته الصورية لكثير من أعيان الطائفة، ودخوله وبشكل مبتور أو
مغلوط غالباً في كثير من الموضوعات التي قد لا يجد في من حوله من يستطيع ادراكها،
تمنع من أن يؤخذ على السيد فضل اللَّه نفس العيب الذي يؤخذ على العالم كما ذكر هذا
الكاتب إلا إذا استثنى هذا الكاتب السيد فضل اللَّه من جملتهم.
قد عرفت فيما تقدم معنى
الثابت والضروري، وتبين لك الفارق بينهما، ومعه لا وقع لما ذكره هذا «الحشري» الذي
أدخل أنفه فيما لا يفقهه بقوله(ص54):
أولاً... وثانياً،
فراجعه، لتعرف مدى توغله في الافتراء والتهمة فلا نطيل بنقل إسفافه وانحطاطه عن
رتبة العلم والعلماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
57/
وأما قوله: ثالثاً...
«ومطالبته فيه بروزنامة! الموضوعات الخطيرة والمنتهكة، «فنحن نزولاً عند رغبته
نسرد شيئاً من ذلك مع مراعاة الاختصار ما أمكن ذلك.
وهي قضية يقول بها
الكثيرون من علماء الإمامية كما اعترف بذلك السيد فضل اللَّه نفسه (مجلة الفكر
الجديد العدد 9 ص1415 )13 هجرية.
وهو يقول في أجوبة بعض
المسائل المؤرخة في 16 جمادى 2/1417:
واللَّه سبحانه هو ولي التكوين
وهو الذي يدبر الأمور فعليّاً، ولا نقصان في فعلية ولايته أو تدبيره، ولا يحتاج
إلى أحد في ذلك.
وكأنه يريد بكلامه هذا
أن يوحي للآخرين بأن القائل بالولاية التكوينية ينقص من تدبير اللَّه وفعليته وهو
أمر باطل قطعاً.
ومع أنه هو الذي أثار
هذه المواضيع، فهو يقول: هذه الأبحاث جدلية، وقد لا تكون فيها فائدة، فسواء كانت
لدى النبي ولاية تكوينية أو لم تكن، فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن!!.
ثم أضاف إلى ذلك ما
ذكره في مجلة الثقافة (العدد 65 ص72/1996):
وعلى ضوء ذلك فلا مجال
في النص القرآني لفكرة الولاية التكوينية للنبي والأنبياء كافة.
ويقول أيضاً في (ص74)
من المقالة السابقة: أما الولاية على الكون فهي ليست من شأنهم ولا من دورهم، لأن
اللَّه وحده هو الذي يملك الولاية الخالقية والفعلية على إدارة نظام الكون كله،
وليس لأحد من خلقه شأن فيه، لا سيما إذا عرفنا أن الأنبياء لم يمارسوا الولاية
التكوينية (لاحظ أجوبته على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 58/
آية اللَّه العظمى
الشيخ جواد التبريزي ص12).
ويتابع ليقول: فما معنى
ولاية لا يستعملها صاحبها حتى في دفع الضرر عن نفسه؟!!!
ولنا أن نسأله أيضاً:
ما معنى ولاية للَّه تعالى لا يستعملها صاحبها عزَّ شأنه في دفع الضرر عن أوليائه؟
فَلِمَ لَمْ يدفع عن الحسين(ع)، مع أنه تعالى يقول في كتابه العزيز: (وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين)؟!.
وهل يفهم من معنى
الولاية للَّه تعالى، أن يتدخل سبحانه رغم إرادة من خلقهم وخلق فيهم الاختيار،
ليخالف السنن التي يجري على أساسها الكون؟
هل يظن سماحته أن
القائلين بهذه الولاية، يلتزمون بإمكان مخالفتهم(ع) لما أجرى عليه تعالى نظام
الكون، حتى يقول ولا نقصان في فعلية قدرة اللَّه وتدبيره؟ فهل توهم أن القائل بها
ينقص من ذلك مع أنه نوع من أنواع الشرك.
هذا مع أن الإمام
الخميني (قدس سره) من جملة القائلين بها، وهو يقول:
فإن ثبوت الولاية
والحاكمية للإمام، لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند اللَّه، ولا تجعله مثل
من عداه من الحكام، فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية، تخضع
لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون.
وهل يقبل منصف أن ينسب
نقصان فعلية قدرة اللَّه أو تدبيره وهو معنى من معاني التفويض (الندوة ص34) إلى
الكثير من علماء الإمامية ومنهم زعيمي الشيعة الإمامية في هذا العصر الإمام الخوئي
والإمام الخميني (رحمهما اللَّه تعالى).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
59/
ومع هذا فانظر إلى هذا
السؤال وجوابه من كتاب الندوة (ص391)،
يقول السائل: في بحثكم
حول سيرة النبي في القرآن، المطروح في «مؤتمر السيرة النبوية»، فتحتم قراءة قرآنية
تنفي الولاية التكوينية للبحث، ألا ترون هذا الجدل العقائدي الصرف لا إثبات فيه،
ومن الأولى أن تطرح إشكالات نحن أحوج إليها.
الجواب: أنا مع السائل
فيما يطرح، لأن هذه الأبحاث هي أبحاث جدلية، وقد لا تكون فيها فائدة، فسواء كانت
لدى النبي ولاية تكوينية أو لم تكن، فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن.
ومن هنا نعرف أن سماحته
كان هو السبب في فتح هذه الملفات(1).
وانظر واعجب إلى قوله
(فلقد ذهب إلى ربه وهو لا يعيش بيننا الآن).
ولا مناص من أن نسأله
أيضاً: هل أن الأمر كذلك بالنسبة لإمام زماننا عليه السلام، والذي نقول بولايته
التكوينية فكباقي الأئمة(ع)ف كما نقول بها للنبي (ص)؟
فلو سلمنا أنه لا فائدة
في معرفة مقامات الأئمة(ع) ومن جملتهم إمام زماننا(ع)، كما تقدم عنه ويأتي أيضاً،
لأنهم ذهبوا إلى ربهم، ولا يعيشون بيننا.
ولو سلمنا كذلك عدم
الحاجة إلى التعرف على ماهية الولاية التكوينية
ـــــــــــــــ
(1) من هنا يتبين لك بطلان تهمة هذا الكاتب لسماحة السيد جعفر
مرتضى حين يقول (مأساة المأساة ص 21): إن الكتاب أي كتاب (مأساة الزهراء(ع))
ليس رد فعل ولا انفعالاً ناتجاً من فعل خارجي، بل هو مبادرة بذاتها وجدت مناسبة
ومبرراً لتطلق لغتها وخطابها ولكي تختبىء بظل دفع الشبهات... الخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
60/
للنبي وللائمة(ع) ممن
ذهبوا إلى ربهم على حد تعبير السيد فضل اللَّه، ولكن ألا من فائدة في معرفة مقام
إمام زماننا ومدى ولايته وكيفيتها؟؟ وهل هو قد ذهب إلى ربه أيضاً؟!
وفيما يصرح السيد فضل
اللَّه بعصمة الأنبياء والأئمَّة على جميع المستويات، في الفكر والعاطفة والحركة
في التبليغ وغيره (الندوة، راجع ص 366 وما بعدها، والمسائل الفقهية ج2، ص449).
نرى منه مما يخالف ذلك صريحاً
عدة أمور:
1ـ ففي رسالة إلى
المرجع الديني آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي ردّ عليه فيها كلامه حول بعض
المسائل، يقول:
وقد دلَّ الدليل على
امتناع الخطأ في التبليغ لا في غيره.
2ـ وينسب السهو إلى المعصوم (لاحظ المصدر السابق في نفس الموضع
في الصفحة2)، وفي جريدة فكر وثقاقة (29/6/96).
3ـ كما ينسب إلى
نوح(ع) عدم الفهم حال تلقي الوحي حيث يقول:
وربما كان (نوح)، يجد
في وعد اللَّه بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل، لأنه من أهله ولم يلتفت إلى كلمة (إلا من سبق عليه القول)، لأنها لم تكن واضحة (من وحي القرآن
ج2 ص80) وليراجع (دنيا الشباب ص31)، وهذا إخلال واضح بالعصمة في التبليغ مع أنها
محل إجماع المسلمين.
وربما يقول سماحته: إن
هذا الأمر من الموضوعات الخارجية التي لا يشترط فيها العصمة كذلك.
ونقول في جوابه: إنه
غير صحيح في نفسه لكونه متعلقاً بالوحي، عن اللَّه تعالى فيشترط فيه العصمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
61/
مع أنا لو أغمضنا عن
ذلك، فالحاصل هو إقرار سماحته بخطأ نوح أو نسيانه أو جهله في الموضوعات الخارجية،
وهو مناف لكون العصمة على كل المستويات كما يصرح بذلك في بعض الموارد.
وقد اتفق المسلمون على
لزوم العصمة في التبليغ، وجعلوا من شرائطها معرفة المبلَّعنه وتشخيص الملك المبلغ
عن اللَّه تعالى، وضبط البلاغ، وسلامة أدائه إلى المبعوث إليهم.
4ـ قوله في حق موسى(ع)
وهارون(ع) الموسم(ص32):
هذا مع اختلاف هارون(ع)
وموسى(ع) في التشخيص، فهارون عنده تقييم معين وانطلق من حيث {إني خشيت أن تقول
فرقت بين بني إسرائيل}، ولهذا واجه القضية بطريقة لينة، وكان موسى يعتقد أنه يلزم
أن تواجه القضية بقوة لأن بني إسرائيل لا يفهمون إلا بالقوة.
5ـ وقوله بوقوع الخطأ
من داود (من وحي القرآن ج19 ص 275 ـ 277)... ثم قوله:
ولكن ذلك كله لا يمنع
صدور الخطأ منه، فإنه لم ينتبه إلى أن الخصمين ملكين... بل المشكلة هي الخطأ في
طريقة إجراء الحكم، وتابع يقول:
فلا بد من الاعتراف بأن
مثل هذه الأخطاء لا تتنافى مع مقام النبوة، لا سيما إذا كانت الأمور جارية في
بداياتها، مما قد يراد به الوقوع في الخطأ من أجل أن يكون ذلك بمثابة الصدمة
القوية التي تمنع الخطأ في المستقبل.
6ـ وتفسيره قوله
تعالى: (ردّوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) بأن ذلك إنما كان جزاء ما اشتغل بها عن
الصلاة... وان الآية ظاهرة في رد الفعل الذي قام به سليمان(ع) إزاء اشتغاله بالخيل
وتركه للصلاة، مما جعله يفكر بقتلها.(لاحظ تفسير الآية في كتاب من وحي القرآن).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
62/
والأعجب من هذا استناده
إلى الروايات التي تضمنت ما يلي في حق داود(ع)، قال الراوي:
فضرب الرضا(ع) جبهته،
وقال: إنا للَّه وإنا إليها راجعون، لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء اللَّه إلى
التهاون في صلاته، حتى خرج في إثر الطير ثم أتى بالفاحشة ثم بالقتل.
ونحن نقول: إنا للَّه
وإنا إليه راجعون حيث نسب سماحته إلى سليمان(ع) التهاون في صلاته.
7ـ وقوله: إن موسى جر
رأس أخيه بطريقة غير عقلانية (فكر وثقافة عدد6 ص3)، على أنه قال في مجلة الموسم
(ص321)، لم يكن ما قام به تصرفاً عصبياً ناشئاً عن حالة انفعالية غير عقلانية...
8ـ وقوله في حق النبي
محمد(ص) حين ادعى نزول عبس فيه:
انه اختار ما كان الاستغراق
فيه مضيعة للوقت (من وحي القرآن ج24 ص67) وقوله في تفسير قوله تعالى: (فأنت عنه تلهى) (ج24 ص75):
لأنك تحسب أن إيمان
هؤلاء القوم الصناديد قد ينفع الإسلام أكثر من نمو إيمان هذا الأعمى الذي يمكن أن
يؤجل السؤال إلى وقت آخر، ولكن المسألة ليست كذلك.... ولا مانع من أن يربي اللَّه
تعالى رسوله تدريجيّاً ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعاً لحاجتها إلى
ذلك.
وهو ظاهر الدلالة على
أن تربية اللَّه تعالى له إنما كانت بعد وقوعه(ص) في الخطأ.
والأفظع من ذلك كله
قوله في مجلة الموسم عند تفسيره هذه الآيات:
إن اللَّه يريد أن
يفهمنا أنه إذا ابتليتم بمثل ما ابتلي به النبي، فلا تكن منطلقاتكم كمنطلقاته، فلا
تفعلوا مثل ذلك!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
63/
9ـ ونسبته الخطأ إلى
النبي(ص) حين فسر قوله تعالى عفا اللَّه عنك: (من وحي القرآن، ج1، ص129 ـ 130) فقال:
هذه الكلمة تستعمل في
مقام العتاب الخفيف الذي يكشف عن طبيعة الخطأ غير المقصود... وليس هناك مشكلة أن
يقع الخطأ في ما هو الواقع في رصد الأشياء الخفية، من خلال غموض الموضوع، لعدم
وضوح مسائل المعرفة لديه.
وبعد كل هذا يقول سماحته
(الندوة ص371):
من يرى بأن العصمة
مختصة في بيان الأحكام والتشريعات، فإنه لم يفهم معنى العصمة ولا معنى النبوة.
هذا كله عدا عن نسبته
الشرك إلى إبراهيم(ع)، والسذاجة إليه وإلى آدم(ع)، وعدم التوازن وخلف الوعد إلى
نوح(ع)، وعدم الوحي إلى لوط(ع)، والإباق من اللَّه إلى يونس(ع).
يقول السيد فضل اللَّه
في كتاب الندوة (ص 375).
نظرية علماء الشيعة
الذين يقولون إن النبي(ص) يولد معصوماً والإمام يولد معصوماً، لا يمكن أن تفسر
إلا على أساس جبرية العصمة... لذلك فأنا أعتبر أن معنى وجوب العصمة يساوي حتمية
العصمة.
ويقول أيضاً:
الزهراء ليست واجبة
العصمة، هي معصومة من خلال إيمانها، ومن خلال أن اللَّه سبحانه وتعالى جعلها من
أهل هذا البيت، يعني العصمة ليست شيئاً إجبارياً، وإنما هو حالة اختيارية يأتيها
لطف من اللَّه تعالى (الموسم ص 296).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
64/
ويقول أيضاً:
إن اللَّه تعالى أعطى
لفاطمة(ع) لطفاً منه بحيث يرتفع بها إلى الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة (أجوبة
المسائل المؤرخة في 16 جمادى 2/1417هـ).
ويقول كما في أجوبة بعض
المسائل المؤرخة في (8 رجب 1417هـ) جواباً عن سؤال حول العصمة التكوينية:
المقصود أنهم خلقوا
معصومين الخ.
ويشير إلى ذلك في حديث
عاشوراء (ص102). ثم يقول في الندوة (ص368):
أما مسألة هل أن العصمة
اختيارية، أو غير اختيارية فما هذا الجدل..... ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من
علمه!!.
يقول هذا مع كون الأمر
متعلقاً بمعرفة أولياء اللَّه تعالى، الموجب لزيادة معرفته تعالى، مع أنه هو نفسه
قد خاض فيه بكل ما تقدم.
فمن الغرائب تناقضه
أولاً، ثم خلطه بين وجوب العصمة وجبريتها بمعنى عدم الاختيار، لأن الشيعة الإمامية
في الوقت الذي توجب العصمة في الأنبياء والأئمة(ع)، تقول إنها اختيارية، فلا تنافي
بين الوجوب والاختيار، وهو معنى فلسفي دقيق لست اعلم كيف لم يدركه سماحته، والأغرب
قوله أخيراً: ما هذا الجدل؟ ذاك علم لا يضر من جهلة... إلخ.
يقول السيد فضل اللَّه في
كتاب للإنسان والحياة (ص257).
وهكذا انطلق رسول
اللَّه(ص) ليؤكد مسألة القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في فراغ، بعد
أن ينتقل(ص) إلى الرفيق الأعلى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 65/
ولكن المسلمين فهموا
القضية بطريقة معينة، ففرضت الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها خارج دائرة
توجيهات رسول اللَّه(ص)، فأبعد علي.
فلينظر القارىء كيف
جعل فعل غاصبي الخلافة مبنياً على فهم خاص واجتهاد معين، وكأنه لم يكن تمرد ولا
انقلاب على أصحاب الحق الشرعيين، وقد علل ذلك في بعض مجالسه بأن فكرة الإمامة لم
تكن واضحة ولا ناضجة في الأذهان آنذاك، ولست أدري بماذا يجيب عن قول القائل
لعلي(ع) بعد بيعة الغدير: بخٍ بخٍ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن
ومؤمنة، وإذا كان المسلمون فهموا القضية بطريقة معينة فكما يقول السيد فضل اللَّه
فصاحب هذا القول فهم منها شيئاً آخر؟؟؟
ويقول في كتاب الندوة
(ص439):
علينا أن نمارس خلافنا
في الرأي كما مارسه الأولون، فقد مارسوه فيما لم يكن الاختلاف مضرة للإسلام، حتى
سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم!!
وهنا نسأل سماحته كيف
استقامت المسيرة الإسلامية مع تنحية أهل البيت(ع) عن مواضعهم التي رتبهم اللَّه
فيها؟.
فقد حذف هذه المعرفة من
سلسلة معارف الدين اللازمة أو الراجحة، وجعلها أمراً خارجاً عن الخط الذي يسلكه،
مع أن ذلك من ضروريات المذهب، كما تقدم تصريح الإمام الخميني به.
وقد تقدم الكلام فيه.
يلاحظ كتاب تأملات في آفاق الامام الكاظم (ص43).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
66/
فقد زعم أن من أشكل المشاكل
توثيق حديث أهل البيت(ع) لكثرة الكذب فيها كما يقول، هذا مع أنه يعمل بمرويات
العامة في كتبهم، لعدم وجود الداعي إلى الكذب فيها فعلى حد قوله وقد تقدم.
وقد كان اللازم له على
أقل تقدير أن يساوي بين حديث أهل البيت وحديث أهل السنة، لكنه فمع الأسف لا يأخذ من
حديث أهل البيت ما أخذ به علماؤهم، ويترك منه ما اجمعوا على الأخذ به كما ستعلم
عما قريب.
قال في شرح دعاء كميل
(ص94):
ألا تشعر أن عليّاً لا
يزال خائفاً، ولا سيما أن الذنوب والخطايا التي طلب من اللَّه سبحانه أن يغفرها
له، هي من الذنوب الكبيرة التي يكفي ذنب واحد لينقصم الظهر منه.
وقول (ص159) من الكتاب
المذكور:
ويتابع الإمام بيان
حاله (لاحظ قوله: بيان حاله) قائلاً:
ولا تفضحني بخفي ما
أطلعت عليه من سري، يا رب هنالك الكثير من الأشياء التي أقوم بها من دون أن يراني
أحد، وأتكلم بشيء ولا يسمعني أحد، وأنت الساتر الرحيم، فيا رب لا تفضحني في
الدنيا وفي الآخرة، وأعدك بأني سأتراجع عن خطأي وإساءتي ومعصيتي.
وقال (ص169):
فالإمام(ع) يقول: يا رب
لقد خلقت لي هذه الغرائز، ومن حولي أجواء تثير هذه الغرائز، تستيقظ غرائزي عندما تحف
بها الروائح والأجواء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 67/
الطيبة التي تثيرها،
أعطيتني عقلاً ولكن غرائزي في بعض الحالات تغلب عقلي فأقع في المعصية.
يقول السيد فضل اللَّه:
وهكذا نجد السؤال يفرض
نفسه في الأحاديث التي تدل على أن اللَّه خلق الكون لأجلهم، فإننا لا نستطيع أن
نجد له تفسيراً معقولاً حتى على مستوى وعي المضمون في التصور الفكري (مجلة الفكر
الجديد عدد 9/1415 هـ، ص13).
وقد قال الإمام الخميني
(الحكومة الإسلامية ص52 ـ 53):
إن من ضروريات مذهبنا،
أن لأئمتنا(ع) مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدى السنة
والشيعة من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم(ص) والأئمة(ع)، كانوا قبل هذا
العالم أنواراً، فجعلهم اللَّه بعرشه محدقين(1)، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا
اللَّه... وقد ورد عنهم(ع): إن لنا مع اللَّه حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي
مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء(ع).
وأيضاً يقول السيد فضل
اللَّه (الموسم ص259): المهم إن اللَّه خلق آدم(ع)، وخلق محمد(ص) وخلقنا، وليست
مشكلتنا كيف كان الخلق، هذا أمر لم نكلف فيه دينيّاً، فلهذا لا نحتاج إلى أن نخوض
فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا.
ـــــــــــــــ
(1) هذه العبارة قطعة من الزيارة الجامعة الكبيرة، والمعروف أن
السيد فضل اللَّه يشكك في صحتها (لاحظ
مجلة الموسم ص 323)، واعتماد الإمام
الخميني عليها واضح في هذا الكلام، وهي أرقى الزيارات الجامعة متناً وسنداً كما
قال المجلسي (مفاتيح الجنان ص 654).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
68/
ومع أن سماحته وهو يدعو دائماً إلى دراسة الأحاديث في السند
وفي المضمون طعن في هذه الأخبار، بأنه لم يجد تفسيراً معقولاً لها، قال في أجوبة
بعض المسائل (المؤرخة في 16 جمادى 1417) ردّاً على السؤال التالي:
لماذا تشككون بما روي
عن أهل البيت(ع) من أنهم كانوا أنواراً قبل أن يخلقوا؟
قال في الجواب:
نحن لا نمانع حديث
الأنوار إذا ثبت بحجة شرعية، وليس بعيداً عن منزلة أهل البيت(ع) أن يكونوا
أنواراً، ولعل هذه الروايات تشير إلى عظيم منزلتهم.
فكيف يأخذ بالخبر الذي
لم يعقله، حيث لم يجد له تفسيراً معقولاً؟ وأين عرضه للأحاديث على الأدلة العقلية
القطعية؟ أم أن عدم تعقله ناشىء عن عدم قدرته على إدراك مراد أهل البيت(ع) من هذه
الأخبار؟
ولا يخفى على القارىء
لجؤه بعد أن لم يعقل هذه الأنوار إلى تأويلها في هذا الجواب بمنزلتهم العظيمة(ع).
ومع كون هذه الروايات
تشير إلى عظيم منزلتهم، فسماحته يقول: هذا أمر لم نكلف فيه دينيّاً، فلذا لا نحتاج
إلى أن نخوض فيه، لأن علينا أن نخوض فيما يمكن أن يفيدنا في عقيدتنا وفي حياتنا
كما تقدم!!!!! فهل مقامات الأئمة(ع) ليست مفيدة لنا في عقيدتنا(1).
سئل (في مجلة الموسم ص
315): ما صحة رواية أهل الكساء؟.
ـــــــــــــــ
(1) لاحظ فقرة أسلوب
المزايدة المتقدمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
69/
فأجاب: الرواية مشهورة،
ولكن بعض العلماء يناقش في سندها باعتبار أن رجال السند ضعاف.
ولسنا نعقل كيف يناقش بعض
العلماء في السند والخبر متواتر، والمتواتر لا يحتاج إلى سند، ولم يفصل سماحته في
الجواب بين رواية لهذا الحديث ورواية أُخرى له، بل شكك فيه مطلقاً.
ثم سئل سؤالاً آخر
مذكور بعد هذا السؤال مباشرة وفي نفس الموضع:
قيل: ما الهدف من حديث
الكساء المروي عن الزهراء(ع)، وهل الهدف منه تسبب نزول الرحمة والمغفرة على من
يقرأه؟
فأجاب: ربما كان الغرض
من ذلك هو محاولة معرفة أهل البيت(ع).
ونحن نلفت نظر القارىء
إلى أن ذيل حديث الكساء قد اشتمل على قوله جل جلاله: ما خلقت سماءً مبنية ولا
أرضاً مدحية.... إلا لأجل هؤلاء الخمسة.
وهذا صريح في التعريف
بمنزلة أهل البيت(ع).
فقوله ربما كان الغرض
محاولة معرفة أهل البيت(ع) ناظر إلى بعض النسخ من الحديث التي لا تشتمل على هذا
الذيل، لصراحته فيما يعرِّف بأهل البيت(ع).
فمحل كلامه إذاً هو
حادثة الكساء الواردة في حديث الكساء، من دون الالتفات إلى ذيل هذا الحديث المذكور
في بعض النسخ دون بعضها الآخر.
فقد دعى إلى تجديد
مضامين الزيارات المرسومة للنبي محمد(ص) والأئمة(ع) من أهل البيت(ع)، باعتبار حاجة المرحلة المعاصرة
إلى تربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
70/
الأمة على المفاهيم
الإسلامية، التي تفرضها حاجة الحركة الإسلامية العالمية إلى استلهام فكر أهل
البيت(ع) في فهمهم للإسلام (تأملات في مواقف الإمام الكاظم(ع) ص11).
وكأن الزيارت المعروفة
عنهم(ع) عاجزة عن بيان الفهم الصحيح والذي هو فهم الأئمة(ع) للإسلام!
أو كأن الفكر الذي
تحتاجه الحركة الإسلامية، إنما هو الفكر الذي لا يتضمن بيان مقاماتهم وفضائلهم
وظلاماتهم(ع)!
ومع هذا فهو يقول في
سياق الدعوى إلى عدم الاكتراث ببعض الأدعية:
لا بد أن نعرف أن بعض
هذه الأدعية ليس وارداً عن أئمة أهل البيت(ع)، وإنما هي أدعية مجعولة (يعني
مصنوعة) من بعض العلماء (الموسم 287).
وهو يقول: (زيارة
الناحية المقدسة) موضوعة من قبل بعض العلماء، ولم يثبت لدينا صدورها عن الإمام
الحجة(ع)، فلم يثبت سندها عنه (الندوة ص456).
ويقول أيضاً حين سئل عن
رأيه في الزيارة الزينبية: إنها من صنع بعض الفضلاء وليست من صنع المعصوم.
ويقول: لم يثبت ذيل
(زيارة عاشوراء)... الذي قد يرى بعض العلماء!!!؟ أنه من الزيادات (الندوة /653)،
مع أن هذه الرواية إنما رويت بسند واحد، فإن ثبتت ثبتت جميعها، وإن لم تثبت لم
تثبت كذلك، ونحن نطالبه أن يدلنا على العالم الذي ثبتت عنده زيارة عاشوراء ولم
يثبت ذيلها.
وليت شعري هل يدري
القارىء أن ذيلها عبارة عن لعن ظلمة محمد وآل محمد، والسلام على الحسين وأهله،
فما هو المانع من هذا الثبوت.
وغير ذلك كثير كإنكار
زيارة الأربعين (شريط مسجل عن الإذاعة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 71/
واحتماله أن يكون أصل
ذلك يهودياً.
ومع كل هذا، كيف يدعونا
إلى عدم قراءة الأدعية والزيارات التي لم تثبت عن الأئمة(ع)، ثم يدعو إلى تجديد
مضامين الزيارات الثابتة عنهم؟
وما هو الوجه في ترجيحه
لما ينشؤه هو من الزيارات (مما يلائم حاجة الحركة الإسلامية على حد قوله)، على ما
يذكره غيره وهم أعاظم علماء المذهب وأعيانه؟!
ولو سلمنا صحة دعواه
إنشائهم (رحمهم اللَّه)، لبعض الزيارات والأدعية من عند أنفسهم، فكيف يدعونا إلى
ترك ما روى عنهم(ع)، ويحثنا على الأخذ بالجديد الذي سوف ينشئه هو أو غيره؟!
فقد قال في جريدة
السفير، (عاشوراء 1417هـ): إن إقامة العزاء ليست واجبة، ثم قوله بعد ذلك في أجوبة
بعض مسائله (المؤرخة في 16 جمادى2
1417 هـ ص5): الشعائر الحسينية ضرورة إسلامية لديمومة النهضة الحسينية.
ومع أنه كان من اللازم
عليه أن يعلن ضرورتها في لبنان، بدل أن يصرح فيه بعدم وجوبها، في الصحف والمجلات.
فهو بدل ذلك أعلن وصرح
بعدم الوجوب في لبنان، وأرسل إلى قم أن العزاء من الضروريات، مع أن ذلك لا يزيد
أحداً علماً في قم المقدسة.
قال في مقالة الأصالة
والتجديد (مجلة المنهاج، العدد 2): إن الإمامة من المتحول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
72/
وفي العدد 3 من
المنهاج، فسر المتحول بالنظري.
ومع كون الإمامة منصوصة
بالنص الإلهي، وبوحي النبوة عند الشيعة الإمامية، فهو يقول: الإمامة فكر بشري
فقوله (المنهاج عدد2):
إن الإمامة من المتحول.
وقوله (المنهاج عدد 3
وغيره): المتحول هو النظري.
فالنتيجة أن الإمامة
أمر نظري.
وهو يقول (حوارات
ص480): إننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية هو فكر
بشري وليس فكراً إلهيّاً.
فالنتيجة أيضاً أن
الإمامة فكر بشري وليست فكراً إلهيّاً.
فقد قال بنزول آيات عبس
وتولى في النبي، متابعاً بذلك روايات أهل السنة، مع اعتراف الفخر الرازي بأنها من
روايات الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً (عصمة الأنبياء للفخر الرازي ص90).
وتاركاً لروايات أهل البيت(ع) مع أن أهل البيت أدرى بالذي فيه، وقد أسلفنا لك
شيئاً مما ذكره بالمناسبة في ما يتعلق بالنبي(ص) نلاحظ عنوان العصمة المتقدم رقم
(8).
يقول السيد فضل اللَّه:
إنه لا يشجع على إدخال أي شيء في الأذان والإقامة ولو لم يكن بعنوان الجزئية (غير
المبطل) «لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة (المسائل الفقهية ج2 ص123).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
73/
يقول السيد فضل اللَّه:
إن الحسين(ع) ثار طلباً للحكم والسلطة (حديث عاشوراء/ محاضرة في قاعة الجنان)،
والظاهر أنه يريد بذلك أن ينفي علم الإمام(ع) باستشهاده وسبي عياله.
يقول السيد فضل اللَّه:
المنكر لولاية علي(ع) بعد قيام الحجة عليه يستحق العقوبة (وقد لا يعذبه اللَّه
تعالى)، إذ الأمر فمن حيث الفعلية بيد اللَّه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
(المسائل الفقهية ج2رص454).
مع أن هذا المنكر بعد
قيام الحجة عليه يكون مكذباً للنبي (ص)، بعد ثبوت تواتر أدلة الإمامة وكثرة
أسانيدها ووضوح مضامينها، حيث لا يسع المنكر انكارها، هذا مضافاً لقول السيد فضل
اللَّه نفسه في شرح دعاء كميل لن تأتيك الشفاعة لمجرد انك تحب علي بن إبي طالب.
فلا ندري لماذا يُطمع
سماحته منكر الولاية بالمغفرة، ويؤيس المعتقد بها من شفاعتهم(ع)؟!.
يقول السيد فضل اللَّه:
قد يكون (أي النص) ثابتاً في حروفه، ولكن ليس من الضروري أن يكون ثابتاً في مفهومه
ومضمونه (قراءة جديدة لفقه المرأة الحقوقي ص19).
وهذا معناه تجدد الدين
كل فترة، وهي المقولة التي أنكرها العلماء بقوة على من أطلقها في إيران، لكثرة ما
يترتب عليها من المفاسد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
74/
يقول في فكر وثقافة
(27/7/96):
ليس هناك في التاريخ
شخصية اتفق عليها المسلمون كشخصية النبي(ص)، ولم يحدث هناك أية حالة سلبية تجاه
النبي(ص) في كل واقع الإسلام.
ولعله لذلك يقول
(للإنسان والحياة ص318):
ولا يمكن لأية قيادة
إسلامية أن تقدم التنازلات للأعداء، حتى أن ذلك كان وعي الصحابة في عهد الرسالة
عندما كان النبي(ص) يقدم بعض التنازلات التكتيكية لمصلحة الخط الاستراتيجية، فإن
المسلمين كانوا يقفون ويقولون: إننا لا نعطي الدنية في ديننا، وإننا كنا لا نتنازل
قبل الإسلام، فكيف نتنازل لهم بعد أن أعزنا اللَّه بالإسلام؟
وماذا يصنع بقول الرجل:
إن النبي(ص) ليهجر، وبالتنفير بناقته(ص) يوم العقبة، وتخلفهم عن أمره(ص) في
إنفاذ جيش أسامة، وغير ذلك مما يتعسر إحصاؤه، وفي ضمن أي إطار يصنف سماحته ذلك
كله.
نخشى أن يكون كل هذا
ومعه غيره ليس سلبيّاً في نظر سماحته.
ينكر السيد فضل اللَّه
وجود الملحدين في العالم لعدم صحة الدليل على نفي وجود اللَّه. وهو الأمر الذي
يلزم منه إنكار كل ما كان مستنداً إلى دليل باطل، إذ يمكن على هذا الأساس أن نقول:
دليل النصارى على بطلان نبوة النبي(ص) دليل ضعيف، وهو مجرد صورة دليل، فإنكارهم
المبني على هذا الدليل الخيالي كإنكار الجاحد لوجود اللَّه تعالى المبني في واقعه
على دليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 75/
خيالي، فلا نصارى إذن
كما لم يكن هناك ملحدون.
وكذلك دليل أهل السنة
على بطلان إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب دليلٌ ضعيف، وهو دليل خيالي فهم
ليسوا منكرين لإمامة علي(ع)، كما لم يكن النصارى منكرين لنبوة النبي محمد(ص)، فلا
سنة ولا نصارى ولا ملحدون وهكذا.. إلى غير ذلك من خروقاته والتي لسنا بصدد
استقصائها، لكن ما ذكرناه منها يكفي في إعطاء ملامح واضحة عن نهجه التشكيكي
العريض.
وبعد هذه الوقفة
الطويلة نعود إلى ما كنا فيه.
قال الكاتب ص55:
سنجنب الكاتب (يعني
سماحة السيد جعفر مرتضى) مؤنة سرد موضوعاته المبعثرة في هذا «البحث العلمي».
ونحن نقول: لقد كان عذر
سماحة السيد جعفر مرتضى في ذلك واضحاً وقد قدمه في قوله (مأساة الزهراء ج1 ص23):
إن هذا الكتاب لم يقدر له
أن يعالج موضوعاً محدداً.... بل هو يعالج شتاتاً من المسائل المختلفة، استخدمها
البعض للتشكيك في أحداث جرت على الزهراء(ع)....
أما دعواه أن محاور
البحث العلمي محصورة في ما ذكره في هذا الموضع (فليراجعها من أحب)، فهذا جهل منه
أو تجاهل.
وذلك لما عرفت من عدم
وجود محور خاص لهذه البحوث، سوى أنها كانت مادة للتشكيك بكثير من الأمور المتعلقة
بالعديد من جوانب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 76/
شخصية السيدة
الزهراء(ع)، وإن كانت من الأمور الإيمانية العامة.
فمن الأمور التي
تجاهلها الكاتب وبحثها العلامة مرتضى:
1ـ المعرفة الايمانية الصحيحة والنظرة الدينية إلى الغيب.
2ـ العصمة ومدى أثر البيئة فيها.
3ـ حب القوم لفاطمة(ع) هل ردع عن ظلمها في غير أمر الخلافة
وفدك.
4ـ
حديث الملك معها(ع) والذي
شكك فيه سماحته.
مع أنه سئل عن حديث للإمام
الخميني يتعلق بذلك. فأجاب بالموافقة ومن دون تعليق (لاحظ مجلة الموسم) مما يكشف
عن قبوله له مع أنه كان قد أنكره في موضع آخر(1).
5ـ كيفية مناقشتنا لقضايانا، وهل أن اللازم هو
إسقاطها قبل أن يسقطها الآخرون؟
6ـ
إثبات التواتر المعنوي أو
الإجمالي لمجموع ما جرى على الزهراء عليها السلام مما يتعلق بما بعد التهديد
بالإحراق.
7ـ
إثبات بطلان انكشاف موضع قبر
الزهراء(ع) خلافاً لما ادعاه السيد فضل اللَّه.
8ـ
بيان تشهير السيد فضل اللَّه
بالقضايا الدينية بطرحها ابتداءً بمناسبة ومن دون مناسبة على الملأ، على النحو
الذي يريد لها أن تتصور به في أذهان الناس، مع عدم وجود من يقابله ويرد عليه هذه
الأفكار، ومع ذلك كان يرفض الاشتراك في الحوار المباشر مع أصحاب الاختصاص، مكتفياً
بقوله ناقشت كل العلماء.
9ـ
الإشارة إلى قوله: مسألة ضرب
الزهراء ليست من مهماتي (استفتاء خاص بتاريخ 25 ذي القعدة 1417 هـ). مما يدل على
عدم ـ اكتراثه
ـــــــــــــــ
(1) سئل السيد فضل اللَّه عن هذا الموضوع في مجلة الموسم (ص 318) فأجاب: هناك قول بأن الزهراء(ع)
أرسل ـ وهو غير ثابت ـ اللَّه لها ملكاً بعد وفاة أبيها، ليؤنسها ويحدثها بأمور
العالم وكانت تكتب ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
77/
بهذا الأمر، مع كونه
مناقضاً لقوله الآخر في نفس الموضوع: أثرت علامات استفهام.
وكيف لا يكون هذا الأمر
من اهتمامه وقد تعرض أكثر من مرة لإثارة علامات الاستفهام حوله، ولو أن عشر معشار
ما ندعي أنه أصابها عليها السلام، جرى على واحدة من نسائه وأهل بيته لرأيناه وغيره
معه أقاموا الدنيا ولم يقعدوها!!.
10ـ البحث في حديث «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».
وليس من جملة المحاور
المفاضلة غير السليمة بدعواه، بين مريم(ع)
وفاطمة(ع).
بل الكلام إنما كان في
طريقة الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة، حيث يقول سماحته: لا شغل لنا بهذا، مما
يوحي برغبته صدَّ السائل وغيره عن الخوض في هذه المواضيع التي تعرِّف بمقاماتهم
عليهم السلام، مما يزيد مواليهم رقيّاً في مدارج العلم والإيمان والمعرفة باللَّه
ورسوله وأوليائه الطاهرين عليهم السلام أجمعين.
ومن هنا تعرف بطلان
دعوى هذا الكاتب منطقية أسئلته (ص55 )، والتي حاول عبرها أن يحرف البحث عن مساره،
والكلام عن مواضعه، كما تعرف أن كثيراً من المسائل الواضحات قد خدشت بنفس الطريقة
التي تعرضت لها غيرها من المسائل التي قدمناها لك في «روزنامة المواضيع المنتهكة
والخطيرة»، على سبيل المثال لا الحصر، وأن الكلام حول مسألة الزهراء ومأساتها،
إنما كان حديثاً يقاس عليه غيره من الأحاديث، التي كانت تمتنع وتستعصي على المتكلم
على طريقة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
78/
في فمي ماء وهل ينطق من
في فيه ماء.
وها نحن نرى الكاتب قد
طعن بالسيد مرتضى بإخلاله بما لم يرد ذكره أو اعلانه في كتاب مأساة الزهراء(ع)،
حفاظاً على بعض ماء الوجه، لكن الظاهر أن الحق في هذا المقام، أحق أن يقال لا أن
يتبع فقط.
يقول الكاتب (ص56):
فكيف بالتساؤل حول
معطيات تاريخية لا تشكك بأصل الحادثة، إنما تبغي التثبت من بعض وقائعها.
وهذا مع كونه تقليصاً
صارخاً لموضع النزاع، فهو كذب وافتراء على السيد فضل اللَّه نفسه، وهو الذي صرح
مراراً بأن الثابت هو التهديد بالإحراق حسبما ينقله هو عن السيد شرف الدين (ره)،
وذلك حين قال القائل: أحرقوا الدار بمن فيها قالوا: إن فيها فاطمة! قال: وإن.
وحتى هذا المعنى (يعني
التهديد)، فقد أفرغه سماحته من محتواه وأفسد معناه حين فسّره فقال (بالعامية):
إحنا ما لنا شغل بفاطمة، إحنا، جايين نأخذ
علي(1).
(صفر 1417هـ درس التفسير). وقد أذيع على الهواء من الإذاعة وأعيد أكثر من مرة.
ونحن نقول: إذا لم يكن
لهم شغل بفاطمة، فمعناه أنه لم تكن أذيتها مقصودة لهم، ولا نعلم إن كان بذلك يتحرى
العذر لمن آذاها عمداً، ممن
ـــــــــــــــ
(1) وصف
ذلك السيد فضل اللَّه هذا الصيف (97) في جلسة عقدها في بيروت مع بعض طلاب العلوم
الدينية من اللبنانيين المقيمين في قم المقدسة، وصفه بأنه انما كان ناشئاً عن زلة
لسان، مع أنه حمل على المنابر على من اعترضه في هذا الخصوص حملة نكراء ونعتهم
باوصاف مشينة أقلها أصحاب العقد، وعدم الفهم، والتحجر وربما المخابرات أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
79/
ينطبق عليه الحديث
المعروف والمشهور بين الفريقين والقائل: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن
آذاني فقد آذى اللَّه».
وكيف يكون قوله: لا شغل
لهم بفاطمة، منسجماً مع ما كتبه نفسه أخيراً وأرسله إلى أكثر من مكان، ومنها
الحوزة العلمية في قم (الأجوبة المؤرخة في 16 جمادى 2/1417هـ).
حيث سئل: هل تنفون ظلامة السيدة الزهراء(ع)؟
فأجاب: أي ظلم وقع على
الزهراء(ع) أشد من غصب حق زوجها أمير المؤمنين في الإمامة... وهو الإمام المعصوم
المعين بالنصوص القطعية، وقد ذكرت الزهراء(ع) هذه الظلامة في خطبتها وأحاديثها،
وقد تحدثت أيضاً عن ظلامة كبيرة وهي غصب فدك منها، وهناك ظلامات أخرى مادية
ومعنوية وقعت عليها وعلى زوجها وحرمة بيتها (انتهى الجواب).
وكيف ينسجم ما ذكره هنا
من الظلامات المادية بل والمعنوية، مع ما أرسله إلى لندن ونشر في قم المقدسة باسم
أنصار المقاومة الإسلامية/لندن (لاحظ الملاحق)، حيث يقول: إن التحليل التاريخي،
يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع، لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبة وثقة وعاطفة
لدى الناس لم يبلغها أحد... ولأن تحليل موقع الزهراء(ع) في نفوس المسلمين، يجعلنا
«نستبعد» أنهم يجرؤون على ذلك، حتى ولو كانوا في أشد حالات الانحراف والوحشية.
وكلام سماحته هذا لا
سيما ظاهر قوله «نستبعد» يفيد أكثر من الشك في المسألة، فتأمله جيداً مع أنه كان
من أوائل كلماته التي أعلنها في هذا المجال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
80/
يبقى تصريحه بأنها
تحدثت بكل من غصب الخلافة وأمر فدك دون مسألة ضربها، مع أن عليّاً عليه السلام
يقول عند دفنها، كما رواه في الكافي وفي نهج البلاغة:
وستنبئك ابنتك بتضافر
أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليلٍ معتلجٍ في صدرها لم
تجد إلى بثه سبيلاً.
ومن هنا نعرف صدق
العلامة السيد جعفر مرتضى (مأساة الزهراء، ج2، ص 44) حيث قال: فإن كلامه(ع) هذا وإن
كان لا صراحة فيه بما جرى على الزهراء(ع)، ولكنه يدل على أن ثمة مظالم بقيت تعتلج
في صدرها عليها السلام، ولم تجد إلى بثها سبيلاً، وهذه الأمور غير فدك والإرث وغصب
الخلافة، لأن هذه الأمور قد اعلنتها(ع) وبثتها بكل وضوح، واحتجت لها وألقت خطباً
جليلة في بيانها.
وبعد كل هذا يتضح سقوط
باقي ما ذكره هذا الكاتب، فلا حاجة إلى التعرض لكلماته جميعاً خوف إحداث الملالة
للقارىء.
مع أن المعروف عن السيد
فضل اللَّه أنه كثيراً ما يدعو مستمعيه وجلسائه إلى نصحه ومحاورته ولا يستنكف من
ذلك، مع هذا، يقول الكاتب (ص59):
لا ندري كيف أعطى
الكاتب لنفسه الحق بالنصيحة؟
وهذا إقرار منه بجهله
بواقع حال الرجل الذي يدافع عنه، إلا أن يكون قد حمل دعوات سماحته للحوار والنقد
على غير محملها الجدي، بل على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
81/
المجاملة وما شابه،
وحينئذٍ فإن لكلامه وجهاً وجيهاً.
ثم إنه لا يفترض في
الناصح أن يكون أعلم من هذا المنصوح في شؤون الدين والعقيدة إلا إذا فرض كونه
معصوماً، وهو الظاهر من تعامل الكاتب وسلوكه معه، حيث يمعن في اختلاق الأعذار
والتبريرات له في هذا الكتاب.
ومع هذا فنحن لا نشك
ولا نظن السيد فضل اللَّه يشك بتقدم السيد جعفر مرتضى عليه في أمور العقيدة
والتاريخ وما يمت إليهما بصلة، وهو الذي عود طلاب العلم في قم المقدسة وفي غيرها
على إرجاعهم إليه في هذه الأمور، كما رُؤي مراراً يمتنع عن الإجابة بحضوره.
وأما في غير ذلك أعني
الفقه، فلن نخوض فيه لبعض المحاذير وإن كان لنا فيه وذلك إفساحاً في المجال أمام
اختبار الاجتهاد والعلمية والأعلمية كي يأخذ مكانه عند أهله، إذ هم الجديرون بذلك
دون سواهم، ولهم وحدهم كلمة الفصل فيه.
وأما قول الكاتب (ص59):
فمن حق سماحة السيد أن
لا يرضى بالنصيحة في أمر يتعلق بنشر قناعاته، لأن من حق العالم أن يظهر علمه ولو
لم يعجب كاتبنا الجليل (انتهى كلامه).
فنقول أما دعواه أنه من
حقه أن لا يرضى بالنصح، فنذكِّره أنه: كما أن على المسلم نصح أخيه، فعلى أخيه
أيضاً القبول بالنصح، نعم ربما كان له عذره في عدم الاستجابة للنصيحة أحياناً.
إلا أن تخليطه في ما
اعتذر به للسيد فضل اللَّه لا يخفى على الجاهل فضلاً عن «ناقد» الأبحاث العقائدية
والتاريخية، فبينما نراه يقول (ص27):
إن جل آراء البعض عبارة
عن تساؤلات وشكوك منهجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
82/
مدعياً زوراً أن العقل
العلمي يفرضها مع أن أكثرها قد يزول بالتأمل والمراجعة إلى أهل الاختصاص، ونحن لو
سلمنا صحة زعمه أن العقلي العلمي يفرض هذه الشكوك، لكن لن نقبل منه أن يدعي ويقول:
إن هذا العقل يفرض أيضاً نشر هذه الأفكار عشوائيّاً بين الناس العاجزين عن تقييم
هذه الأمور وأدلتها نقضاً وإبراماً.
وبينما هو كذلك، تراه
يعلل عدم رضا سماحته بالنصيحة فيقول: إن من حق العالم أن يظهر علمه الخ.
ولا أدري أي علم هو هذا
الذي يجب على سماحته إبرازه مع أن آراءه باعتراف «كاتبنا المدقق»! عبارة عن مجرد
شكوك وتساؤلات؟!
وأي إيمان هو الذي
يتعلق بهذه الآراء (الشكوكية)؟
وكيف بنى سماحته إيمانه
وقناعته على هذه الآراء (الشكوك)؟!.
ولست أدري كيف فسرَّ
البينات في قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من
بعدما بيناه للناس في الكتب أولئك يلعنهم اللَّه ويلعنهم اللاعنون) [البقرة: 159].
وكيف تمكن من تطبيقها
على الشكوك والتساؤلات، ولو كانت «منهجية»! على حد زعمه؟!.
وهل الشك إلا محض عدم
العلم، فكيف يكون دليل لزوم بث العلم منطبقاً على إثارة الشك الذي هو ضد العلم؟!
وهل المطلوب من العالم
أن يبث شكه وتساؤله يمنة ويسرى؟
وكيف يقبل أن يبث عالم
الدين شكه في مسألةٍ ما، بدعوى كونه عالماً بغيرها من المسائل، فهل هو مكلف بهذا؟.
وأي أمر أو تكليف يقتضي منه ذلك؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
83/
وهل فاقد الشيء يمكن
له أن يعطيه؟
وهل يمكن لمن استحوذت
عليه ظلمات الشكوك، ودياجي التساؤلات، أن يفوز بنور العلم والبينات، ليبثها على
شكل «بينات» بين الناس.
وأما قوله (ص60)
ثالثاً:
وإذا كان سماحة السيد
عوَّد صاحب الكتاب (يعني مأساة الزهراء) على سماع آرائه فليس لأنه يحتاج إلى نصحه.
فإن كان المراد منه كون
السيد فضل اللَّه فوق أن توجه إليه النصيحة، فنحن نرشدك إلى بعض ما ذكره سماحته في
مجلة المنطلق فيما يتعلق بحكم علي(ع)، حيث يقول السيد فضل اللَّه: يطلب من الناس
أن يراقبوه وينقدوه ويقولوا له كلمة الحق ويشيروا عليه بخط العدل.
وسماحته الذي يقبل بهذا
المعنى في حق علي ونحن لا نقبله على عواهنه أولى في نفسه أن يقبله هو ولو نزهه
البعض بجهلهم عنه.
فما عليك فأيها
القارىء إلا أن تسمع وتعجب، ولعل السكوت عن التعليق أبلغ.
وأما لو كان مراد
الكاتب خصوص الطعن بسماحة السيد جعفر مرتضى بهذا، وإسقاطه عن الكفاءة والأمانة
واللياقة لأداء النصيحة، فلعمر الحق إن أهل العلم في قم يشهدون فطبعا لو طلب
إليهم أنه دافع عنه، ونصحه من أجل دينه ودنياه، وأنقذه من ورطته سنة 1993 في قم
المقدسة، وإن عبر عنها في بعض خطبه في مسجد الرضا(ع) بالفتنة، وقال: إنها هي التي
ألجأته إلى كتابة بعض الرسائل المنشورة في الملاحق إلى السيد مرتضى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 84/
خوف الوقوع في هذه
الفتنة كما قال(1).
ولن نقف كعادتنا عند
تعابير هذا الكاتب الرخيصة ـ كعادته
في «نقده العلمي» لكتاب مأساة الزهراء(ع) ـ ونترك له مفاخرته باحترافه كيفية كيل الشتائم وحشد السباب
والتهم والافتراءات (كحشد سماحة السيد جعفر للأدلة والبراهين)، ولن ننزل إلى
مستواه ذلك، ولكن نتوقف عند تعليقه على عبارة العلامة السيد جعفر مرتضى في كتابه
حين يقول (يعني السيد مرتضى):
يبدو لنا أن الإسراف في
تقديس العقل باعتباره مصدر المعرفة الأوحد وجعله مقياساً لرد أو قبول النصوص،
مأخوذ من المعتزلة.
وقد علق على ذلك حضرة
الكاتب! بما خلاصته إستنكار هذا المعنى، وإنكار نسبته إلى السيد فضل اللَّه.
ونحن هنا نقدم للقارىء
نماذج يعلم بها كيف يسرف سماحته في تحكيم العقل، ولا يهمنا إن كان ذلك من المعتزلة
أو من غيرهم، بل المهم كون المعلوم من سيرة علماء مذهب أهل البيت(ع) غير ذلك.
ولن ندخل في أمر قد
يطول بنا البحث فيه، مع أن مراجعة شاملة لمسائل السيد فضل اللَّه في الفقه وفي
غيره أيضاً تبين ذلك، ونكتفي كمثال بالإشارة إلى:
1ـ القياس (تأملات في آفاق الإمام الكاظم(ع) ص43).
2ـ استكشاف ملاكات
الأحكام بالعقل. المنطلق (111/ ص 76).
3ـ رفضه لكثير من الأحكام في السفر، لأنها تؤدي إلى الشك
ـــــــــــــــ
(1) ولعل خوف الفتنة الذي يثار أخيراً، أشد مما كان عليه سابقاً،
فلا ندري ما السبب الذي دعا السيد فضل اللَّه إلى الكتابة خوف السقوط في الفتنة
يومها، ويمنعه الآن من أن يكتب نظيرها مع أن احتمال الضرر من هذه الفتنة!؟ أعم
وأشد الآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
85/
والجمود (تأملات في
آفاق الإمام الكاظم ص47).
هذا عدا عن رأيه في
رؤية الهلال، ومني المرأة، وغير ذلك كثير مما نزع فيه نزعة عقلية صارخة، ضارباً
عرض الحائط الروايات المخالفة له، وعلى أقل تقدير متعسفاً في تأويلها، والجمع بينها
وبين أقاويله، مع أنها من المسائل التي لا مسرح للعقل فيها ولا في إدراك ملاكاتها.
وقد تقدم كثير من ذلك
عند البحث عن الثوابت فلا داعي للإعادة، ومنه يظهر للقارىء المتناقض من غيره.
وكم يدهشني كلام الكاتب
حين يأخذ السيد جعفر مرتضى بتناقضه في قوله (ص64):
«إن السيد فضل اللَّه» يصر على نشر طروحاته بكل
الوسائل، وسرعان ما يقول: إنهم رفضوا إلا أن يكون الحوار الذي طلبناه منهم بين
جدران أربعة وخلف الأبواب.
ثم سؤاله بعد ذلك: فهل
إن كل الوسائل التي وردت في أقوال المؤلف (السيد مرتضى العاملي) لا تشتمل على
الحوار المكتوب.
ونحن نبين لهذا الغافل
معنى كلام سماحة السيد العاملي الذي قصَّر أو قَصُر عن فهمه وإدراكه، فنقول:
حين يتكلم الإنسان
بكلام عام، فيقول مثلاً: فلان لا يجيئني أبداً، ثم يقول: في موضع آخر: فلان يصر
على أنه إذا أراد المجيء إلي، إنما يجيئني منتصف الليل، ويشترط علي مع ذلك شروطاً
تعجيزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
86/
فمعنى الكلامين أن
فلاناً لا يجيئني أبداً، وليس مستعدّاً لذلك إلا في منتصف الليل، وفي ظل الشروط
المذكورة.
ولو قلنا: إن فلاناً لا
يريد المجيء، صحَّ قولنا أيضاً، نظراً لشروطه التعجيزية.
وفيما نحن فيه، مراد
السيد مرتضى أن السيد فضل اللَّه يريد أن يطرح تساؤلاته وتشكيكاته مهما كلف الثمن،
من إثارة وهيجان بين المؤمنين، وبكل الوسائل، وهو ليس مستعداً لإعادة النظر في ذلك
عبر حوار مكتوب اقترحناه عليه، نعم اقترح هو بدل الحوار المكتوب أن يكون الحوار
مسجلاً على الفيديو، ولكن سماحة السيد جعفر مرتضى وغيره من الوسطاء يقولون: إن رفض
ذلك الطلب إنما كان لأجل إطلاق السيد فضل اللَّه التهمة بالدبلجة المخابراتية، لكل
شريط مسجل ربما يكون مستمسكاً ضده، فلم يعد في ذلك فائدة ترجى، ومعها رأى السيد
مرتضى أنه لا جدوى من هذه المحاورة ولا من تسجيلها، لأنها أفشلت قبل أن تنعقد،
واقترح عليه أن تكون المحاورة على مرأىً من العلماء، أو في مكان عام فرفض أيضاً.
وسترى في الملحق الأخير
ما ينفعك في تعقل حقيقة ما ذكرته لك فراجع.
ومن هنا تبين للقارىء
كيف يتداعى قول هذا الكاتب (ص65):
إذا رفض أن يكتب للمؤلف
لأنه هو نفسه ما ينشره بكل الوسائل، ففي ذلك مضيعة للوقت، وأخذ السيد بجريرة هذا
الأمر يصبح تعسفاً، ولأسباب شخصية بحتة كما لا يخفى على العارفين.
يتداعى قول الكاتب هذا،
لأن دعواه أن ما سيكتبه السيد فضل اللَّه هو عين ما ينشره، دعوى مخالفة للواقع إذا
كان ما سيكتبه للسيد جعفر مرتضى هو جملة شكوكه، لأنه بالمراجعة إلى العلماء وأهل
الاختصاص فوان كان الفاعل هو السيد فضل اللَّه تزول تلك الشكوك وتتبدد تلك
التساؤلات، لما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
87/
يبينونه له، خصوصاً أنه
يردد دائماً أنه يثير التساؤلات لتركيز الإجابات العلمية.
ولا يعقل في الحوارات
أن يطلق المحاور الرأي ويرسله إلى الطرف الآخر دون أن تتلاقح الأفكار من الجانبين.
أما إذا كان سماحته
يريد إطلاقها، ولا يريد أن يسمع الجواب إلا في الملأ الذي أطلقت فيه هذه الإثارات،
فهذا شأنه وهو يتحمل تبعته، وكتابنا هذا واحد من أثار ما يفعله على كثرة ما لفعله
من أثار.
ولو فرضنا أن سماحته
سوف يكتب للسيد جعفر مرتضى أجوبة هي عبارة عن معلومات لا مشكوكات، فقد عرفت فيما
تقدم وبشكل لا غبار عليه، أنه كتب متناقضاً في أكثر من مورد، فمن أين علم الكاتب
الفطن أن سماحته سيكتب للسيد جعفر مرتضى نفس ما كتب أو حدّث به غير السيد جعفر
مرتضى؟!.
ومن المناسب التذكير
بأن الاجتهاد بالمعنى الاصطلاحي إنما يكون في مسائل الفروع الفقهية، حيث يصيب
المجتهد تارة، ويخطىء أخرى، ويعد معذوراً إذا أخطأ، ويكون خطأه موضوعاً لأحكام
شرعية أخرى تترتب على هذا الخطأ.
لكن النظر في المسائل
العقيدية ليس من الاجتهاد الاصطلاحي أصلاً، وان كان عبارة عن اجتهاد خاص بالمعنى
اللغوي للكلمة.
والدعوة إلى فتح باب
الاجتهاد داخل المذهب الفقهي، إنما تكون ابتناءً على أسسه المسلمة، وفي ضمن إطاره
العام، وإجراء عملية استنباط الحكم الشرعي، إنما تكون بعد فراغ المجتهد المستنبط،
عن تشييد أركان هذا المذهب وتحقيقها عقيديّاً وكلاميّاً، ولكل مذهبٍ إطاره العقيدي
الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
88/
يسيِّجه ويحرسه، وبه
يتمايز عن غيره.
والعاقل حرٌّ في
اختياره لأحب المذاهب إلى قلبه، وأقربها إلى عقله، طبعاً بالأدلة والبراهين، ولو
من وجهة نظره، نعم هو مسؤول عن نتائج اختياره هذا.
لكن لا يمكن لمن اختار
المذهب الأشعري مثلاً أن يدعي فيقول: مع أني أشعري فأنا أقول بالحسن والقبح
العقليين، فهو إما أن يكون أشعريّاً أو يكون قائلاً بالحسن والقبح العقليين، لعدم
إمكان الجمع بينهما، بداهة كون إنكار هذا الأمر من مقومات المذهب الأشعري.
كما لا يمكن للمعتزلي
أن يقول: أنا معتزلي بيد أني لا أؤمن بنظرية العدل، للمفارقة الواضحة في الالتزام
بالاعتزال والتخلي عن القول بالعدل.
كما لا يمكن للماركسي
المعتقد بالمادية أن يدعي أنه يؤمن بوجود اللَّه تعالى.
ولا لممارس القمع
والإرهاب أن يدعي ممارسة الديمقراطية.
وكذلك المذهب الإمامي
الإثنا عشري، فبعد تحقيق المتصدي للإجتهاد، مبانيه الاعتقادية العالية ـ المحصنة عن الشكوك، والممتنعة عن مساورة
الأوهام ـ
يلزمه التقيد بها، وعدم
تجاوزها عند استنباط الأحكام الشرعية، فلا يمكن له رفع اليد أو الاعراض والاستغناء
عما هو مسلم في الأبحاث العقيدية.
نعم يمكن لهذا المستنبط
نبذ التزامه بمسلمات العقيدة، فيتفلت حينئذٍ منها أثناء عملية الاستنباط، لكن لن
يعود بعدها من جملة الملتزمين بأركان هذا المذهب العقيدية، ولا من جملة المنتسبين
إلى هذا الإطار العام.
وعلى هذا فالدعوة إلى
فتح باب الاجتهاد ليست جزافاً، ولا هي مجرد عملية تتقاذفها أمواج الاتجاهات، وريح
الميول يميناً وشمالا، بل هي إنما تجري ضمن حدود تخطها مجموعة من القوانين
والضوابط المحكومة بتحقق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
89/
وصحة الانتماء إلى
الإطار المذهبي العام.
ومن هنا انطلقت الدعوة
من السيد جعفر مرتضى إلى السيد فضل اللَّه للتقيد في ما يثيره بين الناس بالإطار
الإنتمائي العام، والدعوة إلى التقيد بالإفصاح للمخاطبين عن هوية هذه الطروحات،
وأنها ليست محكومة لهذا الإطار فيما لم تكن كذلك، والإعراب عن أنها مجرد آراء
شخصية لصاحبها لم يدرج عليها السلف الصالح من علمائنا وهي تخالف ما أخذه عنهم،
وتخالف ما أخذه علماؤنا يداً بيد عن أئمتهم(ع).
وإذا أخذنا بعين
الاعتبار ظاهرة رجوع الناس إلى العلماء، نجدهم إنما يرجعون إليهم ليستخبروا الحال
في كثير من أمور العقيدة والشريعة بنظر أهل الشرع عامة، وبالخصوص علماء مذهبهم،
ومع ملاحظة هذا فمن الضروري عدم الإجابة بغير ما هو كذلك، ولو أراد أحد أن يفعل
ذلك، فاللازم عليه أن ينبه على أنه ليس من المأخوذ عنهم(ع)، ولا من المقتبس من
أنوارهم(ع).
ومن هنا كانت هذه
الطروحات التي أثارها سماحته، مما حاول فيها صدم الواقع، والتجديد، وتصحيح الفاسد
من التراث، أو التخلص من التركة الثقيلة في كثير من القضايا، عقيدة شخصية له، لأن
ذلك لم يكن محكوماً لمجموعة القوانين والضوابط العامة للإطار العقيدي والتشريعي
العام، وفي ما تقدم من الأمثلة كفاية، ومع أنه لا بأس بمراجعتها فلا داعي
لإعادتها.
على أنك عرفت أنه يصرح
بأن كل ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية، فهو فكر بشري وليس فكراً إلهيّاً، فعلى
هذا أكثر فكره بشري، وكثير منه شخصي، فلماذا يتحسس الكاتب من القول بأنها عقائد
شخصية له؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
90/
لن نقف عند العبارات
الكثيرة الجارحة، والشتائم العديدة الواردة في هاتين الفقرتين، ولكن نقف عند الموارد
التي ذكر هذا الكاتب أن شيخ الشيعة الشيخ المفيد والإمام الحكيم والإمام الخميني
قد خالفوا فيها المشهور.
فنقول: لا مانع من
مخالفة المشهور، إذا قام الدليل المعتبر على لزوم ذلك، مع خضوع عملية الاستنباط
للضوابط والقوانين المفترضة من قبل الإطار التشريعي والعقيدي العام كما تقدم.
وهذا أمر متعارف عند
العلماء ولا داعي للخلط بينه، وبين مخالفة الثوابت أو مخالفة الضروريات والتنازل
عن المسلمات.
إلا أنّا أيضاً نقول:
ليس هذا هو مورد كلام العلامة السيد جعفر مرتضى، بل مورد كلامه أنه مع فرض تحقق
هذه المخالفات من مثل هؤلاء الأعيان، فلا تصح نسبة هذه المخالفة الصادرة من أحدهم
إلى مجموع الطائفة. هذا والحال أنهم من أعيانها وكبار علمائها وأعاظم محققيها،
الذين يعوَّل عليهم في التعرف على معالم الدين.
فكيف بنا إذا لم يكن
صاحب المخالفة (بل المخالفات الكثيرة، وفي مختلف العلوم)، من هذه الطليعة المعترف
بها في تحقيق مسائل المذهب؟
على أن لكل جواد كبوة،
فلو اجتمعت في جواد واحد كبوات الجياد كلها، عدَّ هو والجواد الميت نظيرين،
لانعدام الفرق بينهما تقريباً، وسوف أضرب لك في هذا مثالاً بسيطاً:.
لو فرضنا أن هناك مئة
لوحة بيضاء، وفي كل واحدة من هذه اللوحات جزء من مئة ملطخ بلون آخر، فلو اجتمعت
هذه الألوان المتفرقة، في لوحة بيضاء واحدة، موزعة على أجزائها المئة، لن تبقى هذه
اللوحة بيضاء اللون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
91/
بل سوف يجتمع فيها كل
الألوان التي كانت متفرقة في اللوحات الأخرى وهكذا إذا اجتمع الشذوذ عند شخص واحد.
فشذوذ الرأي الحاصل
أحياناً عند أفراد معدودة من العلماء، وهو أمر ربما كان طبيعيّاً لعدم كونهم من
المعصومين، إذا اجتمع في واحد، سوف يخرجه عن تماهيه في الصورة العامة التي تجمعه
مع زملائه الآخرين، تحت لواء الإطار المذهبي العقيدي أو التشريعي العام.
نعرض عنهما لقوله
تعالى: (وأعرض عن الجاهلين).
وقد عرفت ولم يعد
خافياً عليك ما في كلام هذا الكاتب من الشتائم والتهم وغير ذلك لنتجاوزه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
92/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 93/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
94/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
95/
يقول الكاتب (ص77):
إن الأمر لا يعدو وجود
جملة روايات تختلف في تحديد تاريخ ولادة الزهراء(ع) و.... هذا لا يقدم ولا يؤخر من
أهمية سيدة نساء العالمين ولا ينقص من فضلها وكرامتها.
وهذا كلام غير صحيح وإن
صح كلامه الآخر(ص77):
إننا لا نساجل حول أمر اعتقادي يطال أصلاً من
أصول الدين.
ذلك أن ولادتها(ع) ليست
من أمور العقيدة، بل هي أمر تاريخي بحت، لكن هذا الأمر ـ وخلافاً للكاتب ـ له
أثره في بعض تفصيلات العقيدة ومكملاتها.
فمثلاً لو قيل: إن
ولادة فاطمة(ع) كانت بعد البعثة بخمس سنوات، فسوف يكون عمر خديجة(ع) على المشهور
حينئذٍ ما يقرب من ستين سنة، لأنها فكما يقال تزوجت من النبي(ص) وكان لها من
العمر أربعون سنة، وكان عمره(ص) آنذاك خمسة وعشرين سنة، وقد بعث(ص)، حين بلوغه
الأربعين، أي بعد خمسة عشرة سنة من زواجه فيكون عمرها حين البعثة خمساً وخمسين
سنة، فإذا صح أن ولادة فاطمة(ع) كانت بعد البعثة بخمس سنوات يكون عمر خديجة(ع) عند
ولادة الزهراء(ع) ما يقرب من ستين سنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
96/
أما لو قيل: إنها
ولدت(ع) قبل البعثة بخمس سنوات، كان عمر خديجة(ع) حينئذٍ خمسين سنة، وعلى القول
بالستين يواجه البعض غرابة إنجاب المرأة في هذا السن، فإذا أجيب بالاعجاز أو بأن
القرشية تحيض إلى ستين سنة، ربما لم يستحسن ذلك، أو لم يقنعه، فلا يجد خياراً آخر
سوى النظر في صحة سن خديجة حين الزواج، فإذا ثبت له ما يخالف ذلك، تداعت له علامات
استفهام كثيرة حول سن بعض أزواج النبي وفيهم عائشة كما ينفتح الطريق نحو إعادة
النظر في كثير مما يذكر في كتب أهل السنة وتواريخهم، حول ما يتعلق بفضائلها(رض)
وفضائل عائشة وغيرها من زوجات النبي(ص).
ومن هنا نعرف سقوط ما
استشهد به الكاتب من حديثه حول الوحدة الإسلامية، لوضوح كونه خارجاً عن موضوع
البحث، كما تعرف سقوط كلامه حيث يقول (ص78):
إذا كان الكاتب (السيد
جعفر مرتضى) لا يرتب أي أثر عملي على هذا الاختلاف، فلماذا إثارة الموضوع أصلاً.
لأن مثير هذه المواضيع
هو من يصر على تثقيف الناس بهذه الأفكار وصدم الواقع بها، هذا وقد تقدم اعتراف
السيد فضل اللَّه بإثارته لهذه الأمور فلا نعيد.
يدأب السيد فضل اللَّه
على تجنب إعطاء هذا المباحث بعدها العقيدي اللازم بتصنيفه إياها من الترف الفكري،
لكن كاتبنا «النبيه» يصر (ص79 –
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 97/
81) على أن سماحته ليس كذلك، وأنه (أي السيد فضل
اللَّه) إنما اندفع إلى الخوض في ذلك من موقع علمه بمقام المعصومين الرفيع، أو
إرادته عدم الخوض بحساسيات الساحة اللبنانية التي تدعو إلى الوئام بين أبناء الوطن
الواحد. وأن القائد الحريص.. لن ينزلق إلى فخوخ وتفاصيل، الإسلام في غنىً عن الخوض
فيها، وأنه داعية حوار ويطرح في كل مقام مقالة... إلى آخر ما ذكره.
وهنا نسأل الكاتب
فنقول:
أولاً: كيف عرف أن علم سماحته بمقامها الرفيع هو الذي دفعه إلى عدم
الخوض في هذا الموضوع، مع أن سماحته يقول (من وحي القرآن، ج14 ص197): ...وغير ذلك
من الأبحاث التي تدخل في الفكر التجريدي الذي لا يؤدي إلى نتيجة كما هو الحال في
الكثير من أحاديث التفضيل التفصيلية.
وقال في وحي القرآن (ج
5 ص15): وقد لا يكون لهذا كله أثر عملي في جانب العقيدة، وفي جانب العمل كما هي
القضية في فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي، كما قد يثار ذلك لدى
بعض الفرقاء، أو فيما يثار من تفضيل فاطمة الزهراء(ع) على مريم(ع) أو العكس، فإن
هذا حديث لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا، سوى إتعاب
الفكر أو إرضاء الزهو الذاتي، فإن الأنبياء السابقين قد مضوا إلى ربهم بعد أن أدوا
رسالتهم كاملة غير منقوصة، ونحن نؤمن بهم كما أمرنا اللَّه بذلك، من دون أن يكون
لنا أي تكليف خاص متعلق بشريعتهم، كما أننا ملزمون بالسير على شريعة الإسلام التي
جاء بها نبينا محمد(ص)، من دون أن يكون لمنزلته بالنسبة إلى بقية الأنبياء أي دخل
في ذلك...
ثانياً: من أين تأكد للكاتب أن علم سماحته بمقام
الزهراء(ع) الرفيع، هو الذي حدا به إلى أن يقول: هذا علم لا ينفع من علِمه ولا يضر
من جهله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
98/
مع انك قد عرفت أن
سماحته يقول: ماذا ينفع أن نعرف أن فاطمة نورٌ أو ليست بنور كما تقدم.
وهل يتناسب هذا الكلام مع
قول السيد فضل اللَّه: لا يجني الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا؟!
ثالثاً: قد عرفت فيما تقدم أن السيد فضل اللَّه يقول
بأن العلم بأفضلية الأنبياء أو الملائكة وما شابه، ليس جزءاً من العقيدة ولا جزءاً
من الخط، فكيف يتهم الكاتب سماحته بأنه إنما فعل ذلك من موقع العلم بموقعها
الرفيع(ع)، نعم ربما كان يعلم بمقامها! لكنه لا يعجبه البوح بذلك، لأنه أمر لا ربط
له بالدين، إما لأنه علم لا ينفع من علمه، أو لأنه ليس جزءاً من العقيدة والخط!.
رابعاً: لم يقتصر السيد فضل اللَّه في الإجابة على هذا
الأسئلة في خصوص لبنان، بل هو كان ولا يزال يذكر ذلك في مجالسه الخاصة والعامة،
وفي أكثر من دولة من الدول التي زارها في الخليج وايران والغرب، ومن جملة المواضع
التي ذكر فيها ذلك، قم المقدسة سنة 1993 في المدرسة العلمية اللبنانية التي أسسها
سماحة السيد جعفر مرتضى، حين أجاب عن بعض الأسئلة بين جمع من الطلاب من مختلف
الجاليات، فأين الخصوصية اللبنانية المزعومة؟
على أن كتابته هذا
المعنى في كتبه وطبعها وتوزيعها في انحاء العالم ـ لا فقط في لبنان ـ يدل
على شطط الكاتب في دعوى الخصوصية، لا سيما أن شخصية السيد فضل اللَّه ـ بنظر الكاتب ـ شخصية إسلامية
عالمية.
ومع الإغماض عن كل ذلك
يكفينا العبارة المتقدمة في (من وحي القرآن)، وهو الكتاب الذي ما انفك يفتخر به
ويرجع إليه في المناسبات والأحاديث.
خامساً: قد عرفت أن السيد فضل اللَّه يقول: إن المفاضلة
فيما بين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 99/
الأنبياء والأئمة
والملائكة ليست جزءاً من العقيدة، وليست جزءاً من الخط، فكيف مع هذا يصح قول
الكاتب (ص81):
فالمسألة إذاً مسألة
تكتيكية الطرح، وليس التفريط باستراتيجياته الكبرى كما أنه ليس تفريطاً بالقناعات
والثوابت.
وبعد ما ثبت لكاتبنا
النبيه!؟ أن المسألة ليست من التكتيك في شيء، بل هي تتعدى ذلك إلى ما هو أعظم،
لسنا ندرى ماذا ستكون ردة فعله وفي أي اتجاه؟
ثم إن قول العلامة
السيد جعفر مرتضى: إن كل ما جاء به في كتاب اللَّه تعالى، وكل ما قاله رسول
اللَّه(ص) وأوصياؤه(ع) وأبلغونا إياه، لا بد أن نعرفه بأدق تفاصيله إن استطعنا
إلى ذلك سبيلا، وهو علم له أهميته، وهو يضر من جهله ولا ينفع من علمه.
إنما صدر منه للتأكيد
على أن معرفة مقامات الأنبياء والأئمة والأصفياء(ع)، إنما هي جزء من العقيدة
والخط، خلافاً لما نقلناه عن السيد فضل اللَّه، فلا غرابة في الأمر، ولا اقحام
للموضوع فيما هو أجنبي عنه كما يدعي هذا الكاتب (ص81).
ويكفينا في الاستدلال
على ما يقول السيد فضل اللَّه من عدم كون معرفة مقامات الأنبياء جزءاً من الخط، ما
تقدم ذكره في تفسيره من وحي القرآن وفي مجلة الموسم.
هذا ونذكر هنا رواية لم
يذكرها السيد جعفر مرتضى في كتابه بشكل كامل، فقد روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع
(ج1، ص146)، العلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
100/
التي من أجلها سميت
فاطمة محدثة، سمعت أبا عبداللَّه(ع) يقول: إنما سميت فاطمة(ع) محدثة، لأن
الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم ابنة عمران، فتقول: يا
فاطمة: إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين.. يا فاطمة اقنتي لربك
واسجدي واركعي مع الراكعين فتحدثهم ويحدثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة
على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إن مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإن
اللَّه عزّ وجلّ جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها، وسيدة نساء الأولين والآخرين.
وأما قول الكاتب (ص81):
هل أن سماحة السيد (فضل
اللَّه) بحاجة إلى مثل هذه الموعظة؟...
فنقول: تسميته لها
بالموعظة هي من عند نفسه، وما ذكره السيد مرتضى في كلامه ما هو إلا تنبيه على لزوم
العلم والعمل بالأدلة والروايات، والجري على مقتضاها وتثقيف الناس بمضامينها، فقط،
ولزوم العمل بما يقتضيه العقل السليم فيما يصح له الحكم فيه، لا شيء آخر مهما كان
رسمه أو اسمه. فإذا أراد أن يسمي ذلك موعظة فلا ضير فيه.
وأما أن السيد فضل
اللَّه هل هو بحاجة إلى هذا التنبيه؟ فلا مانع منه مع وضوح عدم كون هذه الأمور
جزءاً من عقيدته، ولا جزءاً من الخط الذي يسير عليه، على حد تعبيره المتقدم.
أما أنه صاحب تفسير
قرآن، فذلك لا ينفع الكاتب في تصوير سماحته مطلعاً على أدق التفاصيل، لأن سماحته
يكرر في تفسيره بأنه تفسير حركي، لا يعنى بكثير من المسائل العقيدية أو التاريخية
أو الفقهية التي طرحت في القرآن، وهو أمر واضح لمن اطلع عليه، والظاهر أن كاتبنا ـ المتميز في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
101/
الدفاع عن سماحته ـ ليس منهم.
وأما أنه لا تخلو
مقابلات سماحته وغيرها من حديث وليّ أو نبيّ، فهذا لا يدل على أن ما يذكره يتعرض لأدق
التفاصيل، ولا يدل على أنه يذكرها معتقداً بها، إذ ربما كانت هذه الأحاديث من جملة
مخزونه الثقافي، والذي لا يعتقد بجزء منه، ولم تشمله إلى الآن حملة التطهير التي
يشنها السيد فضل اللَّه نفسه على أحاديث أهل البيت(ع).
وأما أن سماحته يجمع في
الحديث الواحد جمعاً كبيراً من الآيات والأحاديث، ولم يبخل بها على طالبي المعرفة،
فأيضاً لا يدل على أنه مطلع على كل تفاصيل الأحاديث، حتى تلك الموجودة في غير ما
يجمعه.
وعدم بخله على مراجعيه،
إنما هو فيما يمكن له أن ينفق منه، لا في غيره مما لا يطيق الإنفاق فيه مما لم
تشمله دائرة إطلاعه.
يبقى ادعاء الكاتب حيث
يقول (ص82):
إن قول السيد جعفر
مرتضى: إن هذه المعرفة (معرفة مقامات المعصومين) تزيد في صفاء الروح ورسوخ الإيمان
ومعرفة النفس الموصلة إلى معرفة الرب، هو عبارة عن تلخيصٍ لما استفاده سماحته
(يعني السيد فضل اللَّه) من كتاب اللَّه وكلام النبي والأئمة(ع).
وهذا عين البهتان على
السيد فضل اللَّه، الذي يصرح بأن ذلك ليس جزءاً من العقيدة ولا الخط، وأنها من
الفكر التجريدي الذي لا يؤدي إلى نتيجة تنفع على مستوى الدين أو الدنيا، فكيف يكون
كلام سماحة السيد جعفر مرتضى تلخيصاً لهذا الكلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
102/
قال اللَّه تعالى: (من حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللَّه على
الكاذبين)[آل عمران: 61]. وهذه
الآية نزلت بمناسبة طلب النصارى المباهلة مع النبي (ص).
والسيد فضل اللَّه ينفي
دلالة هذا الحدث المشهور على مكانة الزهراء(ع) المعنوية والروحية، ويقول إنما يدل
ذلك على منزلتها عند النبي(ص)، الذي يأتي بها للمباهلة، ليدلل على أنه حاضر
للتفريط بأعز الخلق لديه في سبيل إثبات صدق دعوته، هذا ما نقله السيد مرتضى في
كتابه (ج1 ص43).
لكن الكاتب شكك في صحة
ذلك النقل فقال (ص83):
لا ندري حقيقة إن كان
سماحة السيد قال هذا...الخ.
فإن كان لا يدري حقيقة
أن السيد فضل اللَّه يعتقد بهذه المقولة فهذا ذنبه وهو القائل (ص51):
فأقواله (أي السيد فضل
اللَّه) وقناعاته تتردد على كل شفة ولسان، وبالتالي أقواله معروفة ومفهومة ولا
داعي لعدم ذكر صاحبها« (أي السيد فضل اللَّه).
ثم يضيف الكاتب على ذلك
قوله:
بل كان أجدى به (يعني
السيد جعفر مرتضى) أن يقول من البداية: انه يريد نقد شخصية مرجعية معروفة ومرموقة،
ولا ينفع اغفال اسمها والمداورة؟! في ذكر أوصافها.
وإذا كان لا يدري
فلماذا يعترض على من يدري؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
103/
ونضيف لنسأل الكاتب،
كيف أمكنه التعرف على أن المقصود بهذا الكلام هو السيد فضل اللَّه والحال أن السيد
مرتضى لم يصرح باسمه في كتابه، فلو لم يكن كلامه هذا صحيح النسبة إليه لم يمكنه
ذلك، مع انه (أي الكاتب الأجل) وهو غير «السطحي» اعترف (ص34) بأن السيد مرتضى
أعلم بقصد الخصم (السيد فضل اللَّه) من الخصم نفسه.
على أن هذا الكاتب الذي
يتهم السيد مرتضى بالسطحية حين يقرر أن في الأمر تشكيكاً بقيمة الزهراء(ع) كما هو
الظاهر من هذا الكلام، نخشى أن يكون قد أراد بذلك إيهام القارىء بعمق فهمه، لأنّا
لما قرأنا كتابته «العميقة»! هذه! رأيناه يعترف فعلى حين غفلة، ومناقضاً نفسه
بنفسه بأن السيد فضل اللَّه أراد استبعاد دلالة هذا الحدث على عظمة الزهراء(ع).
يقول الكاتب (ص83):
إن القضية (يعني
المباهلة) لا تفيد ذلك، بل إن معرفة عظمة مقام السيدة الزهراء(ع) نستدل به! من أحاديث
وروايات أخرى غير قضية المباهلة.
إذن قد قرر الكاتب أن
قضية المباهلة لا تدل على مكانة ذاتية خاصة بالسيدة الزهراء(ع)، ولا يهمنا بعد
إنكاره لهذه المنزلة لها(ع)، أن يثبت لها مقاماً آخر بدليل آخر أو لا يثبته؟ فهو
قد تابع السيد فضل اللَّه على إنكار أي دلالة لهذا الحدث على المكانة الذاتية
للزهراء(ع).
فالكاتب يدعي أن غاية
ما تدل عليه قضية المباهلة هو مكانتها العالية عند النبي(ص)، لأن المباهلة كما
يقول (ص83):
كانت تقضي بأن يصحب
النبي محمد(ص) أعز الخلق لديه.
وهذا الكلام مردود بأن
مقتضى المباهلة هو إبراز وثيقة الصدق في كلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 104/
النبي(ص)، وذلك يكون
بإبراز أعز الناس في الوجود، لا عند النبي(ص) فقط.
وفي كتاب الاختصاص في
حديث طويل: فقال لهم رسول اللَّه(ص) إن اللَّه عزّ وجلّ قد أمرني بمباهلتكم، فقالوا
إذا كان غداً باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بما يباهلنا غداً بكثرة
أتباعه من أوباش الناس، أم بأهله من أهل الصفوة والطهارة، فإنهم وشيج الأنبياء
وموضع نهلهم.
فلما كان من غد، غدا
النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم بيمينه
عليّ، وبيساره فاطمة(ع)، عليهم النماة النجرانية، وعلى كتف رسول اللَّه(ص) كساء
قطواني رقيق، خشن ليس بكثيف ولا لين، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما، ونشر الكساء
عليهما، وأدخلهم تحت الكساء، وأدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء، معتمداً على
قوسه النبع، رفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة(1).
قال العلامة الطباطبائي
في الميزان (ج3
ص226): وهذا يعطي أن يكون
الحاضرون في المباهلة شركاء في الدعوى.
ثم كيف يكون أهل البيت
أعز الناس عند النبي، ولا يكونون أعز الخلق عند اللَّه، واللَّه تعالى يقول: إن
أكرمكم عند اللَّه أتقاكم؟
فالأكرم عند اللَّه، هو
الأكرم عند النبي(ص)، كما أن المؤمن الأعز عند اللَّه هو الأعز عند النبي(ص)،
إلا أن يدعي الكاتب أن ميزان النبي(ص)، في تفضيل الناس ليس هو ميزان اللَّه
تعالى، وأن النبي(ص) يمكن أن يعزز ويكرم أهل بيته القريبين إليه، أكثر من الآخرين
الذين يدعى أنهم أقرب إلى اللَّه تعالى من أهل بيته، لو فرض وجود من هم كذلك حقاً.
ومن الغريب أن يتفوه
السيد فضل اللَّه بمثل هذا الكلام وتظهر أثار ذلك في كلمات أتباعه، ومنهم هذا
الكاتب، بينما نجد الزمخشري يقول: وفيه (أي حديث المباهلة) دليلاً لا شيء أقوى
منه على فضل أصحاب
ـــــــــــــــ
(1) مسند
فاطمة ص 350 عن كتاب الإختصاص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
105/
الكساء(ع)، (الكشاف ج
1، ص 234).
يقول الكاتب (ص58):
الذي يعرف طبيعة خطاب
سماحة السيد ومبناه في مثل هذه الأقوال، يدرك بالبداهة أن دلالة قول سماحته «إننا
لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيدة الزهراء(ع)... إلا في رواية أو
روايتين»: أن المؤرخين والرواة قد أجحفوا السيدة الزهراء(ع)، حين لم يذكروا عن
نشاطها الاجتماعي أكثر من روايتين، وهم ربما قصدوا التعتيم على سيرتها(ع)...
ونحن بدورنا نقول:
ذكر التاريخ الكثير من
الأخبار المتعلقة بولادتها وسيرتها وزواجها، وما حلّ بها بعد وفاة أبيها(ص)،
ودورها في تلك المدة فيما يتعلق بالدفاع عن إمامة أمير المؤمنين(ع)، وغير ذلك مما
أشار إليه سماحة السيد في «مأساة الزهراء».
ومع هذا فالسيد فضل
اللَّه يعترض على ذلك بقوله:
عندما نريد أن ندرس
سيرة الزهراء(ع) فيما كتبه التاريخ، فإنا لن نستطيع أن نجد الكثير الكثير إلا بعض
اللقطات، ثم نلاحظ أن حديث هذا التاريخ عن الزهراء المهاجرة، لا يعطينا شيئاً سوى
أنه يذكر اسمها مع المهاجرين والمهاجرات، ثم بعد ذلك في زواجها هناك مفردات صغيرة
جدّاً في حياتها كأم، حتى نشاطها في داخل المجتمع الإسلامي، كان في التاريخ
محدوداً في رواية أو روايتين.
ثم نلاحظ أن التاريخ
يفيض فيما لا نحتاجه في مسألة زواجها، والجوانب الغيبية في زواجها، فيما تحتفل به السماء،
وفي الاحتفالات التي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
106/
حدثت هناك وما إلى ذلك.
وهكذا نجد أن التاريخ
الصحيح وغير الصحيح أفاض في الحديث عن أحزانها، وربما كان بعض هذا الحديث غير
دقيق، وأنا لا أتصور الزهراء(ع) وهي المنفتحة على الإسلام، وعلى قضاء الله وقدره
إنسانة ينزعج أهل المدينة ـ كما
يقرأ قراء التعزية
ـ من بكائها، حتى إذا كان
الفقيد على مستوى رسول اللَّه(ص).
... وأنا لا أتفاعل مع
كثير من الأحاديث التي تقول بأن القوم كسروا ضلعها أو ضربوها أو... على وجهها، أو
ما إلى ذلك... إنني أتحفظ في كثير من هذه الروايات. ثم رأينا الشيخين أبا بكر وعمر
جاءا يطلبان المسامحة من الزهراء(ع)، مما يدل على أن الزهراء(ع) كانت تحتفظ
بقيمتها في المجتمع المسلم حتى من كبار الصحابة. انتهى حديث السيد فضل اللَّه
المسجل.
وهذا الحديث هو الحديث
الذي ألقاه في مسجد الإمام الرضا(ع) في بئر العبد، وكان سبباً للضجة التي حدثت سنة
1993 في قم وغيرها من المدن داخل إيران وخارجها، وكان من آثارها رسائل السيد فضل
اللَّه التي أرسلها إلى بعض الجهات، ونحن ننشرها في آخر هذا الكتاب في الملحق
فراجعها، ومن جملتها الرسالة التي نشرت باسم أنصار المقاومة الإسلامية في لندن،
حيث يعبر عن هذا الشريط بقوله (والشريط موجود عند كل الناس). فلاحظه.
ونحن في الوقت الذي
نرفض فيه أن تسطح الأفكار، لا سيما الصادرة منها عن السيد فضل اللَّه، ندعو ـ كما يدعو هو ـ إلى دارستها بعمق ودقة، وفي الوقت نفسه، نرفض أن تسطح أفكار
غيره أو تحرف كما نرى في هذا الكتاب، حيث نرى الكاتب يحاول أن يقوِّل سماحة السيد
مرتضى ما لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
107/
يقله، حين ينسب إليه
تسخيفه لدور السيد فضل اللَّه الاجتماعي، حيث لم يكن في كلام السيد مرتضى أي تسخيف
لأي دور، بل ظاهر كان مراد سماحة السيد مرتضى، هو تقريب المعنى إلى الذهن، من خلال
إبراز خصوصية النشاط الاجتماعي في كل عصر ومكان، بما يمتاز به عن غيره، وأن شيئاً
غير قليل مما يناسب الظروف الاجتماعية التي عاشتها الزهراء(ع)، قد نقل إلينا عبر
التاريخ، كما أشار إليه السيد مرتضى في «مأساة الزهراء»(ع).
يقول هذا الكاتب
(ص87):
هل يريد كاتبنا الجليل
أن يتوقف سماحته عن خدمة الناس والمجتمع، ويجلس في بيته كغيره متفرغاً لتصدير
الكتابات المغرضة، والتحريضات المريبة، حتى يرضى عنه زيد من الناس؟! علماً أن
سماحته لا يعيش كل تلك العقد، ولا يتحرك على خلفية المزايدات، والأعمال تتحدَّث عن
نوايا أصحابها (انتهى كلامه).
وتعليقنا على هذا
الكلام، هو سؤالنا للكاتب الجليل! عن عمله الذي قام به وشتائمه واتهاماته ـ لا سيما هذه الأخيرة ـ عن أي نية من نواياه تتحدث؟
ومن أين حصل له العلم
أو قامت لديه البينة على صحة كل هذا الذي يتفوّه به؟
ألم يقرأ قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه
مسؤولاً) [الاسراء:
36]؟
ألم يقرأ قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) [الحجرات: 12]؟.
وقوله تعالى: (إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذي آمنوا لهم عذاب أليم) [النور: 19].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
108/
علماً
أن لسماحة السيد مرتضى أعمالاً قيمة تذكر فقد بنى مدرسة علمية في قم هي الأولى في
المدارس غير الإيرانية فيها، وأنشأ لطلاب العلم كثيراً من البيوت لسكناهم، وأنشأ
مؤسسة لتربية الطلاب وتعليمهم التأليف والتحقيق، وغير ذلك، أليس في هذا كله خدمة
للمجتمع والدين؟
ولا ننسى قول الكاتب
اللبق (ص87)، تعليقاً على إشارة سماحة السيد مرتضى، إلى مشاركة السيدة الزهراء(ع)
بالحضور في عرس بعض اليهود.
حيث يقول:
هل هي دعوة من الكاتب
إلى المسلمين والشيعة تحديداً إلى مشاركة اليهود في أعراسهم؟!.
ونحن هنا نذكره بعيادة
النبي لليهودي المريض الذي كان يؤذيه دوماً بوضع النفايات على باب داره(ص)، ثم هل
يفهم الكاتب من ذكر السيد فضل اللَّه لهذه القضية على المنبر مراراً، أنه يدعو إلى
زيارة اليهود والتواصل معهم وعيادة مرضاهم، بل وجرحاهم ولو كانوا أصيبوا في حروبهم
ضد المسلمين؟!
إن اليهود في زمن النبي
ـ مع كل ما ورد من الذم في حقهم ـ هم من أهل الكتاب، وقد كانوا يتمتعون بنعم
الدولة كما يتمتع غيرهم من المسلمين والنصارى. وتصرف الزهراء(ع) كذلك لا ربط له
بمفاكهة الكاتب الباردة!.
وهل يرضى منا هذا
الفطن، أن نذكره بأقوال سماحته في ما يتعلق بحكم المرتد ولو كان ارتداده إلى
اليهودية، وأن أهل الكتاب ليسوا كفاراً ولو كانوا يهود، وأن كل إنسان طاهر حتى لو
كان يهوديّاً، وأنه ولا وجود لملحد على وجه الأرض، إلى غير ذلك من أقوال سماحته
التي يفتخر بها هو نفسه، ويُفتَخَر له بها؟
فهل يستفاد من كل هذه
الأقوال دعوة سماحته إلى التقارب بين الأديان بإزالة الفروقات والحواجز وإسقاط
الموانع أمام توحيدها...؟!.
ونذكر القارىء بالنص
الذي يعلم به بأي منظارٍ ينظر السيد فضل اللَّه إلى حياة الزهراء(ع) الإجتماعية،
وكيف يقيِّم الأحداث التي حصلت في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
109/
زمانها، وأن الأحداث
التي حصلت في زمان غيرها أكبر منها، مع أن من جملة ما حصل في حياتها(ع) هو
الاستيلاء على منصب خلافة رسول اللَّه، وهو أعظم الأحداث، ويأتي تفصيل ذلك تحت
عنوان «تبرئة الظالمين».
يقول الكاتب (ص88):
ثم ينتقل الكاتب (أي
العلامة مرتضى) إلى الحديث الذي اقتطعه من كلام سماحة السيد (فضل اللَّه) حول
الزهراء... إلى آخر ما قال.
وما ذلك إلا محاولة منه
لإيهام القارىء بأن الكلام المنقول عن السيد فضل اللَّه مبتور الأطراف، معزول عن
سياقه، مما يسترعي الإلتفات إلى ما يمكن معه الخروج بفهم آخر للكلام، يغاير المعنى
المتبادر منه، الذي حاول ـ السيد
جعفر مرتضى ـ
أن يُفهِمه للقارىء، ثم
تسرَّع في سرد عدة أسئلة كذلك، وفي مقام الجواب نشير إلى أمور يتضح بها سقوط هذا
الكلام فنقول:
لا مشكلة في فقد
النبي(ص) حنان أمه، ولا مشكلة كذلك في قول القائل إن الرسول وجد في حنان
الزهراء(ع) حناناً كحنان الأم.
ولا مشكلة أيضاً في
أنها كانت تمنحه من نبل العاطفة(ص) وحنانها ما لا تستطيعه زوجة أو أخت أو ابنة
عادية، ولا مشكلة في أن تكون البنت كالأم بالنسبة إلى أبيها، فيما تعيشه معه من
أجواء العاطفة والحنان.
لكن المشكلة في ادعاء
السيد فضل اللَّه في حق النبي(ص) أنه بحاجة إلى سد ما كان يشعر به من نقص الحاجة
إلى العاطفة، حيث عبر عن ذلك بقوله (بينات 30/5/97):
إن النبي كان يعيش جوع
الحنان والعاطفة، كما يجوع أحدنا للطعام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 110/
مما يدل على أن النبي
كان لم يزل بحاجة إلى من يعوضه حنان أمه، إلى أن قامت ابنته بهذا الدور.
وهذا يستبطن قولاً
بالنقص، بل هذا الكلام هو النقص بعينه، ونزيد على ذلك تصريحه في مقابلته الإذاعية
التي أجريت بتاريخ (22/11/93)، حيث يقول:
كلمة «أم أبيها» تعني
الإحساس النبوي باستفادة عاطفة الأم التي فقدها في طفولته فعاش فراغها في مشاعره.
فالمشكلة أن يكون الأب
وهو النبي محمد(ص) بكل أوصافه وخصاله وكماله بحاجة إلى من يسد له فراغ الأمومة
الذي يعيشه، ولو كانت ابنته التي تسد له هذا الفراغ بمستوى الزهراء(ع).
ومن هنا نعرف بطلان
استنكار الكاتب (ص88) على سماحة السيد مرتضى، نسبته إلى السيد فضل اللَّه قوله
بعقدة النقص في حق النبي(ص)، إذ ما معنى جوع العاطفة، وما معنى أن يعيش(ص) هذه
العاطفة المفقودة في مشاعره؟ لاحظ (بينات 16/5/97).
وبعد هذا يظهر أيضاً
سقوط كلام الكاتب حين يقول (ص90):
لماذا توضع الأفهام
دائماً في حالة صدامية في مواجهة بعضها البعض.
وسبب سقوطه، هو أنه إذا
تبين وجه الخلل في كلام السيد فضل اللَّه، فلن يكون كلام السيد مرتضى المبيِّن
لهذا الخلل الموجود في كلام السيد فضل اللَّه إلا مصادماً لهذا الكلام المختل،
فالصدام بين الكلمات يتحقق تلقائياً عندما تتعارض اتجاهاتها، حين يتفلت بعضها من
الضوابط والمعايير الخاصة، فيضطر البعض الآخر إلى تبيان هذا الأمر، والتنبيه على
مواضع الانزلاق فيه.
ومن الغريب كيف يعتب
هذا الكاتب على هذا الصدام، بمجرد أن رأى كلمة الحق في كلام السيد مرتضى أقوى منها
في كلام غيره؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
111/
يقول السيد فضل اللَّه
في كتابه تأملات إسلامية حول المرأة (ص9):
نلاحظ في المقارنة بين الرجل
والمرأة اللذين يعيشان في ظروف ثقافية واجتماعية وسياسية متشابهة، أنه من الصعب
التمييز بينهما... وهذا ما نلاحظه في بعض التجارب التاريخية التي عاشت فيها بعض
النساء في ظروف متوازنة من خلال الظروف الملائمة لنشأتها العقلية والثقافية
والاجتماعية، فقد استطاعت أن تؤكد موقفها الفاعل، ومواقفها الثابتة المرتكزة على
قاعدة الفكر والإيمان.
وهذا ما حدثنا اللَّه
عنه في شخصية مريم وامرأة فرعون، وما حدثنا التاريخ عنه في شخصية خديجة الكبرى أم
المؤمنين(رض) وفاطمة الزهراء(ع) والسيدة زينب ابنة علي(ع).
إن المواقف التي تمثلت
في حياة هؤلاء النسوة العظيمات، تؤكد الوعي الكامل المنفتح على القضايا الكبرى،
التي ملأت حياتهن على مستوى حركة القوة في الوعي والمسؤولية، والمواجهة للتحديات
المحيطة بهن في الساحة العامة.. وقد لا يملك الإنسان أن يفرق بأية ميزة عقلية، أو
إيمانية، في القضايا المشتركة بينهن وبين الرجال الذين عاشوا في مرحلتهن.
وإذا كان بعض الناس
يتحدث عن بعض الخصوصيات غير العادية في شخصيات هؤلاء النساء، فإننا لا نجد هناك
خصوصية إلا الظروف الطبيعية التي كفلت لهن إمكانات النمو الروحي والعقلي والالتزام
العملي، بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو
الذاتي.
ولا نستطيع إطلاق
الحديث المسؤول القائل بوجود عناصر غيبية مميزة، تخرجهن عن مستوى المرأة العادي،
لأن ذلك لا يخضع لأي إثبات قطعي، مع ملاحظة أن اللَّه، سبحانه وتعالى، تحدث عن
اصطفاء إحدى النساء، وهي مريم، عليها السلام، من خلال الروحانية التي تميزها
والسلوك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 112/
المستقيم في طاعتها
للَّه. وهذا واضح في ما قصه اللَّه من ملامح شخصيتها، عندما كفلها زكريا، وعندما
واجهت الموقف الصعب في حملها لعيسى عليه السلام، وفي ولادتها له.
وإذا كان اللَّه قد
وجهها من خلال الروح الذي أرسله إليها، فإن ذلك لا يمثل حالة غيبية في الذات بل
يمثل لطفاً إلهيّاً في التوجيه العملي والتثبيت الروحي، على أساس ممارستها
الطبيعية للموقف في هذا الخط، من خلال عناصرها الشخصية الإنسانية، التي كانت تعاني
من نقاط الضعف الإنساني في داخلها، تماماً كما هي المسألة في الرجل في الحالات
المماثلة.. وهذا يعني أننا لا نجد فرقاً بين الرجل والمرأة عند تعرض أي منهما
للتجربة القاسية في الموقف الذي يرفضه المجتمع من دون أن يملك فيه أي عذر معقول؛
الأمر الذي يخرج فيه الموقف عن القائمة المتمثلة فيه، من حيث القيمة الاجتماعية
السلبية في دائرة الانحراف الأخلاقي.
انتهى كلامه في كتاب
تأملات إسلامية، وهو الكتاب الذي يقول السيد فضل اللَّه فيه ضمن محاورة مطبوعة في
آخر كتاب (المرأة بين واقعها وحقها ص75) يقول: إن هذه الأفكار لم تكن وليدة مناسبة
ولا هي طارئة... الخ.
فالسيد فضل اللَّه
يتحدث عن فكره الثابت فيما يتعلق بنماذج من النساء العظيمات، ويذكر السيدة مريم
وامرأة فرعون وخديجة الكبرى والسيدة الزهراء وابنتها السيدة زينب بنت علي سلام
اللَّه عليهن أجمعين، ويشير إلى السبب الذي جعلهن يرتقين إلى المستويات العالية من
الإيمان والرسالية، ويؤكد أن السبب ليس هو إلا الظروف الطبيعية، وينفي وجود أي
عنصر غيبي مميز، يخرجهن عن مستوى المرأة العادي.
فهن إذن نساء عاديات،
وصلن إلى الكمال الذي وصلن إليه، بواسطة الظروف الطبيعية التي مكنتهن من التدرج
والارتقاء روحيّاً وإيمانيّاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
113/
والدليل على أن سماحته
ينكر وجود خصوصية سوى الظروف الطبيعية، اكتفاؤه باستثناء مريم بالاصطفاء، كما ورد
في القرآن حيث يقول تعالى: (يا مريم إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على
نساء العالمين).
ويظهر من هذا أن حال
الزهراء(ع)، ليس كحال مريم(ع)، مع أنها سلام اللَّه عليها من أهل البيت الذين أذهب
اللَّه عنه الرجس وطهرهم تطهيراً، بنص الكتاب العزيز.
وأيضاً قد تقدمت
الرواية عن علل الشرائع والدالة على مخاطبة الملائكة لفاطمة (ع) بمثل مخاطبتهم
لمريم(ع) باصطفاء اللَّه لها وتطهيره إياها. فلتراجع.
كما أن قول السيد فضل
اللَّه: قد وجهها من خلال الروح الذي أرسله إليها في إشارة إلى قوله تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً)، يدل على أن هذا
الأمر والذي عبر عنه باللطف مختص بمريم(ع)، وهذا لا ربط له بمسألة العصمة، إذ ليس
كل لطفٍ عصمة، وان كانت العصمة لطفاً على بعض الأقوال دون بعضها الآخر.
بل اللطف هنا ناظر إلى
مساعدة مريم(ع) على مواجهة هذا الأمر الإعجازي للتخفيف عنها، ولإزالة الحرج الشديد
الذي كانت تشعر به شخصيّاً، في أعز ما يمكن أن تحافظ عليه امرأة.
ومع أن الأمر كما عرفت،
ترى السيد فضل اللَّه في رده (جمادى 2/1417هـ)، على أجوبة المرجع الديني الكبير
آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي يقول (ص6):
إن المقصود من الظروف
الطبيعية، التي كفلت النمو الروحي والعقلي للسيدة الزهراء(ع)، وغيرها من النساء
الجليلات، هو مثل تربية النبي(ص) للزهراء(ع)، وتربية زكريا(ع) لمريم(ع)، أما
المقصود من عدم وجود عناصر غيبية، فهو أن أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها كانت
باختيارها، ولم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
114/
تكن حاصلة من أمر غيبي
غير اختياري، ولا ينافي ذلك حصول بعض الكرامات لها، وهي ما زالت جنيناً في بطن
أمها، ونزول الملك عليها(1).
ثم إننا ذكرنا في ختام
الحديث الذي ذكره السائل(2): أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء وكان الحديث عن
مريم(ع) لطفاً منه بحيث يرتفع بهن إلى الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة، ولكن
السائل حذف ذلك في سؤاله واقتطع من النص الفقرة التي تناسب سؤاله (انتهى كلام
السيد فضل اللَّه).
وأيضاً سماحته في بعض
أجوبة المسائل المؤرخة في 17 جمادى 2/1417هـ، بعد أن قيل له:
ـــــــــــــــ
(1) يُسأل
السيد فضل اللَّه عن هذا الموضوع في مجلة الموسم (ص318) فيجيب بقوله:
هناك قول بأن الزهراء(ع)
أرسل ـ وهو غير ثابت ـ اللَّه إليها ملكاً بعد وفاة أبيها، ليؤنسها ويحدثها بأمور
العالم وكانت تكتب ذلك.
(2) يقول السائل: ما رأيكم فيمن يقول عن الزهراء(ع)
وطبيعة ذاتها الشريفة وكذا عن السيدة زينب وخديجة الكبرى ومريم وامرأة فرعون(ع) ما
نصه: «وإذا كان بعض الناس يتحدث عن بعض الخصوصيات الغير العادية في شخصيات هؤلاء
النساء، فإننا لا نجد هناك خصوصية إلا الظروف الطبيعية التي كفلت لهن امكانات النمو
الروحي والعقلي والإلتزام العملي بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل
طبيعي في مسألة النمو الذاتي... ولا نستطيع إطلاق الحديث المسؤول القائل بوجود
عناصر غيبية مميزة تخرجهن عن مستوى المرأة العادي لأن ذلك لا يخضع إي اثبات قطعي..
».
وقد أجاب: آية اللَّه
العظمى التبريزي بقوله:
هذا قول باطل من أساسه،
فإن خلقة الزهراء(ع)
كخلقة الأئمة(ع)،
بلطف من اللَّه سبحانه وتعالى، لعلمه بأنهم يعبدون اللَّه مخلصين له الطاعة، ولا
غرابة في اختصاص خلقة الأولياء بخصوصيات تتميز عن سائر الخلق، كما يشهد به القرآن
الكريم في حق عيسى بن مريم(ع).
وقد ورد في الأخبار
الكثيرة المشتملة على الصحيح، ما دل على امتياز الزهراء(ع)،
نحو ما ورد في حديثها لأمها خديجة وهي جنين في بطنها، وما ورد من نزول الملائكة
عليها، كما في صحيح أبي عبيدة عن الصادق(ع)، أن فاطمة مكثت بعد أبيها خمسة وسبعين يومًا،
وقد دخل عليها حزن شديد على أبيها، وكان يأتيها جبرائيل فيحسن عزاءها، ويطيب
نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، وما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي(ع)
يكتب ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
115/
ذكرتم في أحد كتبكم أن
الزهراء(ع) بلغت ما بلغت من خلال الطرق الطبيعية، فهل تلغون التدخل الغيبي واللطف
الإلهي؟
أجاب قائلاً: إن
المقصود من الظروف الطبيعية، هو مثل تربية النبي(ص) للزهراء(ع)، وان أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها
كانت باختيارها، ولم تكن حاصلة من أمر غيبي ليس منشؤه اختياريّاً، ولا ينافي ذلك
حصول بعض الكرامات لها وهي ما زالت جنيناً في بطن أمها، أو نزول الملك عليها.
وقد ذكرنا في ختام
الحديث الذي يشير إليه السائل أن اللَّه أعطى لفاطمة لطفاً منه بحيث يرتفع بها إلى
الدرجات العليا، وهذا معنى العصمة، وقد حذف بعضهم هذا المقطع من كلامي واقتطع منه
الفقرة التي تحقق أهدافه.
وبالمقارنة بين هذه
الأحاديث الثلاثة التي نقلناها عن السيد فضل اللَّه، يتبين من الحديثين الثاني
والثالث، أن للظروف الطبيعية تربية النبي (صلى الله عليه و آله وسلَّم) دخالتها في
النمو الروحي والعقلي للسيدة الزهراء (ع)، وغيرها من النسوة اللاتي ذكرن في
الحديث، وأن المقصود من عدم وجود عناصر غيبية هو أن أخلاقياتها وعناصر العظمة فيها
كانت باختيارها.
لكن الظاهر من الحديث
الأول ـ وهو كلامه في تأملات اسلامية ـ خلاف ذلك، ونحن لو أغمضنا عن هذا الاختلاف،
لنقبل من السيد فضل الله تفسيره لكلامه ـ مع
ما في هذا التفسير من التعسف ـ لكن
يستوقفنا قول سماحته في الحديث الثاني:
إننا ذكرنا في ختام
الحديث الذي ذكره السائل: أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء ـ وكان الحديث عن مريم ـ لطفاً منه إلخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
116/
إذ كما هو واضح ـ وباعتراف السيد فضل الله نفسه ـ أن الحديث إنما كان عن مريم(ع)، وليس عن باقي
النسوة، وذلك بعد استثنائها (يعني مريم(ع)) بالكلام، باعتبار مزية الاصطفاء التي
اختصها اللَّه بها في الحديث عنها في القرآن، ومع هذا فما هو الوجه الصحيح لجعل
الحديث عنهن جميعاً مع أنه حديث خاص بمريم(ع).
هذا واللطف الذي يتحدث
عنه سماحته، والذي هو موهبة من اللَّه تعالى تتمثل بالروح الذي أرسله إليها، مخصوص
بمريم عليها السلام في هذا الحديث، ولا يشمل باقي النساء.
يقول السيد فضل اللَّه
في كتابه تأملات إسلامية (ص9 سطر 13): وإذا كان اللَّه قد وجهها من خلال الملك
الذي أرسله إليها، فإن ذلك لا يمثل حالة غيبية في الذات، بل يمثل لطفاً إليها في
التوجيه العملي والتثبيت الروحي.
فقول سماحته في جواب
آية اللَّه العظمى الشيخ جواد التبريزي: إننا ذكرنا في ختام الحديث الذي ذكره
السائل: أن اللَّه أعطى هؤلاء النساء ـ وكان
الحديث عن مريم ـ
لطفاً إلخ.
ليس في محله، بل هو
مخالف لما هو مذكور في كتابه، خصوصاً أنه يقول: «من خلال الروح الذي أرسله
إليها» والذي قد عرفت أنه إشارة إلى قوله
تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) ولا ربط له بالعصمة.
وهو الدليل الصارخ على
أن المقصود بـ«الملاحظة المخصِّصة بالاصطفاء» في كلام السيد فضل اللَّه [في كتابه
تأملات]، هو خصوص مريم(ع)، دون غيرها، فكيف يقول تارة: إن اللَّه أعطى هؤلاء النسوة
لطفاً..؟! ويقول أخرى: إن اللَّه أعطى فاطمة لطفاً...؟! هذا مع أن اللَّه تعالى
طهر فاطمة(ع) كما طهر مريم(ع).
مع أن هذا اللطف ـ كما عرفت في كلام السيد فضل اللَّه ـ والذي هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
117/
عبارة عن إرسال اللَّه
تعالى روحه إليها، إنما كان لأجل توجيهها العملي وتثبيتها الروحي، فلا ربط لهذا
الأمر بالعصمة أصلاً، فضلاً عن يكون مرتبطاً بعصمة مريم(ع) نفسها، والتي كان
الحديث عنها، فضلاً أيضاً عن أن يكون مرتبطاً بعصمة فاطمة(ع) أو باقي النسوة
المذكورات في كلامه.
هذا مع إن اللازم من
كلامه في هذه الأجوبة ـ وهو
أمرٌ غير ظاهر من عبارته في كتاب «تأملات» ـ كون هؤلاء النسوة معصومات جميعاً، ونحن لا نمانع ذلك في حق
هذه النسوة لا سيما أن فيهن سيدات النساء وذلك بملاحظة مراتب العصمة المتعددة، لكن
سماحته لن يقبل ذلك لا سيما في خصوص السيدة زينب(ع)، لأنها عنده غير معصومة قطعاً،
وإن كنا لا نستبعد عنها ـ وهي
العالمة غير المعلمة (1)ـ أن تكون كذلك لا بوجوب عقلي، ولو أصر على عصمتها لزمه القول
بصحة الاستدلال بفعلها(ع)، حين ضربت المحمل برأسها، على جواز اللطم والضرب في
العزاء، وهو الأمر الذي أنكره، وأنكر حجية فعل زينب(ع)، وعدم صلاحيته لأن يكون
مستنداً شرعياً.
ومع هذا كله فكلامه
المذكور مخالف أيضاً لما ذكره في أجوبة بعض المسائل (المؤرخة في 16 جمادى الثاني)،
حيث يقول:
ـــــــــــــــ
(1) سئل
السيد فضل
اللَّه (للإنسان والحياة ص272)
عن قول الامام زين العابدين(ع) في حق عمته أنت عالمة غير معلمة؟
فأجاب بأنها غير معلمة
من الآخرين، بل هي معلمة من النبي وعلي وفاطمة والحسنين سلام اللَّه عليهم أجمعين
وفي ذلك إغماض واضح عما
يدل عليه هذا الكلام من كونها محدثة، أو غير ذلك من الوان العلم الإلهي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
118/
وقد ذكرنا في ختام
الحديث الذي يشير إليه السائل أن اللَّه أعطى لفاطمة(ع) لطفاً منه إلخ.
إذ لم يكن الكلام كما
عرفت عن فاطمة(ع)، ولا عن غيرها سوى مريم(ع)، وذلك في سياق قوله: مع ملاحظة أن
اللَّه سبحانه وتعالى تحدث عن اصطفاء واحدة من النساء، وهي مريم(ع).
ومن هنا يتجه السؤال
إلى سماحته حول السبب الداعي إلى تخصيص مريم(ع) بحديث الاصطفاء في القرآن؟ أو ليست
الزهراء أيضاً ممن أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، أو لم تكن الملائكة
تناديها كما كانت تنادي مريم(ع): يا فاطمة إن اللَّه اصطفاك وطهرك واصطفاك على
نساء العالمين؟
فأي وجه هو الذي اقتضى
من سماحته، تخصيص مريم(ع) بالاصطفاء دون فاطمة(ع) في حديثه عن اللطف ـ لو فرض وسلمنا أنه بمعنى العصمة ـ الذي أعطاه اللَّه لبعض النسوة.
وبعض الإغماض عن كل هذا
نتوجه إلى السيد فضل اللَّه بالسؤال، فنقول: كيف يجتمع قوله: (إن أخلاقياتها
وعناصر العظمة فيه كانت باختيارها)، هذا من جهة، مع قوله الآخر في نفس الردود
المتقدمة على أجوبة آية اللَّه العظمى التبريزي، حيث يصرِّح:
إن الطاعة تصدر من
المعصوم بإرادته وقصده، ولكن اللَّه يمنعه عن المعصية بلطفه.
وكيف تكون العصمة
اختيارية، مع أنه يصرح في أكثر من مورد بأن العصمة تكوينية (حديث عاشوراء ص102) و
(الندوة ص375) و
(فقه الحياة ص267 وما بعده).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
119/
ومن هنا ربما يتضح معنى
ما قاله السيد فضل الله (للموسم ص296) بعد أن سئل: ما هي الحكمة في جعل الزهراء
(ع) معصومة؟
حيث يجيب: الحكمة في ذلك
أنها معصومة طبيعياً، لأنها هي أطاعت اللَّه سبحانه وتعالى، ولم تعصاللَّه فصارت
معصومة... الأنبياء(ع) والأئمة(ع) يكونون واجبي العصمة، الزهراء(ع) ليست واجبة
العصمة، ولكنها معصومة...
فالزهراء (ع) حسب ما
يظهر هذا الكلام معصومة فقط لأنها أطاعت ولم تعص اللَّه تعالى وإذا كان هذا معنى
العصمة فعلى العصمة السلام.
ثم قيل له في نفس
الموضع بعد هذا الجواب:
لكن الزهراء(ع) لا
تحتاج إلى العصمة مثل سائر الأئمة؟
فأجاب: قلنا إنه ليس من
الضروري أن تكون هناك حاجة إلى العصمة، بل هي في طبيعتها معصومة... حينما يكون
واجب العصمة، نقول ما هي الحاجة؟ صحيح، لكن عندما يكون معصوم، قد يكون تفضل من
اللَّه مع اختيارها هي في ذلك.
وبعد هذا البيان الطويل
تعرف أن لا وجه صحيح لرد السيد فضل اللَّه على كلام المرجع الديني آية اللَّه
التبريزي أو غيره من المراجع، فيما يتعلق بهذا الأمر، كما يتبين سقوط الكاتب
وأقواله في هذا المقام، فلا داعي للوقوف على تهمه وافتراءاته.
نعم ادعى (ص 93) على
سماحة السيد جعفر مرتضى أنه سخر من المرأة عموماً حين يقول: وهل ثمة أحب إلى قلب
المرأة من القصر الشاهق والأثاث الفاخر واللائق، ومن وصائف الحور؟ ثم توجه هذا
الكاتب إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
120/
سماحة السيد مرتضى
بالسؤال قائلاً:
ولا ندري أين تقع
الزهراء(ع) في نظر الكاتب من ذلك كله.
ونقول في جوابه إن كلام
سماحة السيد مرتضى إنما كان ناظراً إلى طبيعة المرأة، وهو لا يتنافى مع الخصوصيات
في أمثال السيدة الزهراء(ع)، وإلا لما كانت سيدة نساء العالمين.
وأما أن طبيعة المرأة
هي كما ذكر سماحته فهذا أمر لا يحتاج إلى بيان وان كان له استثناءات ولكن هذا لا
يضر بعموم كلامه حفظه اللَّه.
على أن سماحة السيد
مرتضى يقول في (ص79) من كتاب مأساة الزهراء: قد ظهر مما تقدم أن للمرأة كما للرجل
قوة حقيقية، وقدرة على التحكم بالقرار النهائي في أية قضية ترتبط بها، وأنها في
مستوى الخطاب الإلهي، وتستطيع أن تصل إلى أرقى الدرجات، التي تؤهلها لأسمى
المقامات في نطاق الكرامة والرعاية الإلهية.
وهذا كلام صريح في خلاف
التهمة التي يوجهها هذا الكاتب إلى العلامة السيد مرتضى من أنه يسخر من المرأة؟
فكيف يجرأ على هذه النسبة إليه؟!
تحدث القرآن الكريم عن
كثير من الأمور المتعلقة بالغيب إجمالاً وتفصيلاً، ونحن مدعوون للتزود من هذه
الآيات، للترقي في مدارج المعرفة، كما أن الترقي في معرفة أهل البيت(ع) وعموم
الأنبياء والأوصياء (سلام اللَّه عليهم أجمعين)، طريق نحو الترقي في معرفة اللَّه
تعالى واليقين به، وهو موجب للازدياد في العمل كماً وكيفاً، وذلك أمر راجحٌ ومطلوب
من كل واحد من المكلفين بحسب طاقته، ووسعه، وإمكاناته الفكرية والعقلية والجسدية،
وهذا من مكملات الإسلام والإيمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
121/
وعلى هذا نعرف مجانبة
الحق في قول الكاتب (ص95):
ما يعنينا نحن هو أن
نهتم بالجانب الرسالي في أصحاب المعاجز والخوارق، لا الجانب الذي يعني أمورهم
الخاصة والتي اختصوا بها لكرامات خاصة بهم.
«وقوله (ص98): ما
يعنينا هو المواصفات الشخصية الرسالية للسيدة الزهراء(ع)، والتي تجعل من يقتدي بها
يرتقى إلى أعلى مراتب الإنسانية، وليس أمراً آخر على الإطلاق (انتهى).
وفي هذا إيماء واضح إلى
أن الأحوال الغيبية، ليست من المواصفات الشخصية للزهراء(ع)، ولا من واقعها(ع)،
وبذا يتضح للقارئ ماهية نظرة هؤلاء القوم ـ والكاتب من جملتهم ـ إلى مقامات المعصومين(ع) عموماً وأهل البيت خصوصاً، وفي ما
تقدم الكثير مما يصلح لتأييد هذا الكلام فلا نعيد.
هذا والاهتمام الالهي
بالجانب الاعجازي والغيبي في القرآن الكريم، لم يكن مقصوراً على الحالات التي يراد
فيها التأكيد على صدق الدعوة الالهية، وذلك واضح في قصة ولادة عيسى(ع) من دون أب،
إذ أي رسالة لعيسى التي أكدت بهذا؟ أم أن الرسالة كانت لمريم(ع).
ومثل ذلك قول امرأة
إبراهيم(ع): (أألد وأنا عجوز)، حين بشرتها الملائكة
بإسحاق، فقالوا: (أتعجبين من أمر اللَّه رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت
إنه حميد مجيد).
ومثله قصة الذي عنده
علم من الكتاب، حيث قال لسليمان(ع) حين سأل أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، وقد كان يكفي لسليمان(ع) جواب العفريت من
الجن، حيث قال: (أنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
122/
آتيك
به قبل أن تقوم من مكانك)، كما لم يكن من الضروري ذكر ذلك في الكتاب الكريم، لإمكان الاكتفاء
بخبر الإتيان بعرش بلقيس من دون التعرض لكيفية الإتيان به.
فالتعرض لبيان هذه
الأمور، يرشد إلى رجحان التعرف عليها والتدبر في حقائقها، للازدياد منها في مسيرة
الكمال البشري، ولا يضر في التعرف على هذا الجانب عدم تعلق هذه الأمور بخصوص
معاجزهم المؤيدة للرسالة، ولا يضر ذلك في كون هؤلاء الأنبياء والأولياء هم القدوة
المتبعة والأسوة الحسنة.
ولا يمنع من النظر
والتأمل في هذه المعاجز والكرامات، كونها مما اختصهم اللَّه به، وبذا يبطل قول
هذا الكتاب (ص96):
فلكي يكون النبي أو
الوصي أو سيدة نساء العالمين الإنسان القدوة لا بد أن يتمتعوا بمواصفات مميزة، وهو
ما يمكننا تلمسه في واقع شخصية الزهراء(ع)، لأنها مما اختصه اللَّه بها، وليس من
غيبيات لا يمكن لإنسان ما أن يبلغها مهما علا شأنه، لأنها مما اختصه بها اللَّه،
وإلا فلا نستطيع أن نقدم كل هؤلاء باعتبارهم القدوة، لأنه لا يجوز بحال من الأحوال
الاقتداء بهم على مقتضى ما ذهب إليه المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) انتهى كلامه.
ونحن إذ رأينا هذا
الكاتب فيما سبق، ينفي عن السيد فضل الله إنكاره لمقامات الأئمة الغيبية، نرى في
ظاهر كلامه هذا عين الدعوة إلى الإقلاع عن تلمس غيبيات هؤلاء الأئمة، والاكتفاء
بتلمس مواصفاتهم الواقعية على حد زعمه، في إشارة منه إلى أن الأمور الغيبية
المتعلقة بهم(ع)، ليست من واقع ذواتهم، ولا يمكنها أن تكشف شيئاً عن مقاماتهم
وحقائقهم الذاتية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
123/
ثم إن الدعوة إلى
التأسي بالنبي صلى الله عليه و آله وسلَّم، ليست دعوة إلى العمل بمعجزاته وكراماته
التي اختصه اللَّه بها، وإلا كان واجب كل واحدٍ من المدعوين إلى الإيمان بالنبي
صاحب المعجزة، والى التأسي به أيضاً أن يكون ذا معجزة أيضاً، كصاحب النبوة، أو أن
يكون ذا نبؤة مثله!!
وعليه نسأل الكاتب: إذا
رأى النبي صلى الله عليه و آله وسلَّم أو الإمام ينظر إلى امرأة، فهل يحكم على
نفسه بجواز النظر إليها اقتداءً به (ص)، مع أنها أجنبية عن الكاتب، «ما هكذا تورد
يا سعد الإبل!».
إن الإقتداء بالنبي صلى
الله عليه و آله وسلَّم، إنما يكون فيما جاء به من الأحكام الشرعية، والأخلاق
الحسنة العالية، أما الأمور الغيبية فنحن مدعوون إلى الإيمان بها والتعرف على
حقائقها، وهذا لا يضر في مسألة الإقتداء بالمعصومين(ع) شيئاً.
نعم ربما يضر في ذلك
قول السيد فضل اللَّه، بأن عصمة المعصومين إنما هي بالتكوين، فهم يمتثلون أوامر
اللَّه، ويجتنبون نواهيه من دون اختيار، ومع هذا فالواجب علينا بقدرتنا المتواضعة
أن نقتدي بهم، وهذه هي المثالية والخيالية بعينها. وقد تقدم ذلك.
ومن هنا يظهر للقارئ أن
القضية ليست في ثبوت هذه الأمور الغيبية وعدمه؟ ولا في أنها من أصول الدين أو
المذهب أولا؟
بل الكلام في نظرة
البعض ومن جملتهم السيد فضل اللَّه ـ
ويتبعه كاتب مأساة المأساة ـ
إلى هذه الأمور والمعطيات الغيبية على أنها هامشية ولا مساس لها بجوهر الدين.
وبعد الذي ذكرناه، وبعد
ما تقدم منا في أول هذا الكتاب، تعرف صحة قول العلامة السيد جعفر مرتضى بأن هذا
(أي كلام السيد فضل الله)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
124/
عبارة عن التشكيك
بالغيب وبالثقافة الغيبية، مما يوجب البلبلة في صفوف المؤمنين الذي عرفوا الغيب
واحداً من مسلمات الإسلام والإيمان البديهية.
يقول السيد فضل اللَّه
في أجوبة بعض المسائل المؤرخة في (8 رجب 1417هـ) جواب السؤال العاشر:
إن لدي مقولة أرددها
دائماً؛ إن كل فكرة ثابتة بالنص الصحيح، الظاهر في مضمونها بما لا يتنافى مع العقل
والقرآن الكريم، فهي حقيقة ندين اللَّه بها حتى لو قال الناس: إنها ليست كذلك.
ولنشرع في هذا الموضوع
منطلقين من هذه المقولة.
يقول سماحته في الجواب
الخامس من الأجوبة المتقدمة: هناك روايات لدى السنة والشيعة إنها (أي الزهراء(ع))
لم تر دماً (انتهى).
وهي مجموعة كبيرة من
النصوص، وفيها صحيح السند، أورد أربعاً وعشرين رواية منها سماحة السيد جعفر مرتضى
في كتاب مأساة الزهراء.
أما من حيث الدلالة،
فلا إشكال في دلالة الكثير من هذه الروايات، على أن فاطمة(ع) لم تكن تر الدم، وهذا
أمر واضح لا لبس فيه، وبناءً على مقولة السيد فضل الله التي تقدم أنه يكررها
دائماً، نقول: (ونأمل من سماحته ومعه الكاتب أن يقول ذلك أيضاً): إن قضية تنزه
الزهراء(ع) عن الطمث ومهما كانت هامشية(1) حقيقة ندين اللَّه تعالى بها، حتى لو قال الناس
إنها
ـــــــــــــــ
(1) نلفت
النظر إلى احتمال قيام بعض الناس بتهميش الموضوع الذي نتحدث عنه، ونحن وإن كنا
نُقرَّ بأن هناك مواضيع أكثر أهمية من ذلك، ولكننا ننظر إلى هذه المسألة من منظار
لزوم التسليم، والإعتقاد بالأمور الواردة عن الانبياء والائمةف)ع( على ما هي عليه،
ولزوم عدم المبادرة إلى الطعن والتشكيك على فرض عدم التحقق من ثبوت هذا الأمر،
وينسحب هذا الكلام على كل القضايا التي يُشَك فيها عند عدم المراجعة إلى=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
125/
ليست كذلك، لورود النص
الصحيح والصريح في هذا المعنى، ولعدم وجود ما ينافي هذا الأمر في العقل أو القرآن.
وفي هذا المقام لا بد
أن نتلقى كلام هذا الكاتب المدقق! الذي يدافع فيه عن السيد فضل اللَّه على أحد
وجهين:
الأول: أن يكون السيد فضل اللَّه قائلاً بهذه المقولة (تنزه
الزهراء (ع) عن الطمث)، كما يقتضيه ما نقلناه عنه، فيكون كل ما ذكره هذا الكاتب ـ مما لم نذكره مخافة التطويل ـ، عبارة عن إشكالات يوردها على السيد فضل الله،
كما يوردها على السيد مرتضى وعلى كل من يقول بهذه المقولة على حدٍ سواء (طبعاً لم
نعثر على من خالف في ذلك).
فالمطلوب من السيد فضل
اللَّه الإجابة عن هذه الإشكالات كما هو مطلوب من غيره في آن واحد، ولا ينافي هذا
الوجه أن ينسب أحدٌ ما إلى السيد فضل اللَّه خلاف ذلك، وهو إنكار القول بتنزهها(ع)
عن الطمث، لا مكان صدور كلا القولين عنه على غرار ما تقدم.
الثاني: أن لا يلتزم السيد فضل اللَّه بتنزه
الزهراء(ع) عن الطمث، وحينئذٍ نحن نطالبه بالتزامه بمقولته تلك، والتي يقول فيها:
إنه يكررها دائماً، إذ لا يتنافى عدم وجود الحيض في النساء، مع شيء من مقتضيات
العقل أو النقل.
ومن هنا تعرف بطلان قول
هذا الكاتب (ص99):
إن القول بعدم تنزه
الزهراء(ع) عن الطمث قول وجيه.
وعلة البطلان: دلالة
الروايات الواضحة ـ
وفيها الصحيحة ـ على
ـــــــــــــــ
=الأدلة أو إلى أهل الخبرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
126/
تنزهها(ع) عنه، مع عدم
المانع من العقل أو القرآن أو السنة القطعية، بل في السنة ما يقطع معه بصحة هذا
الأمر.
وإذا كانت الحالة
الطبيعية في المرأة هي الحيض، فهذا لا يعني أن عدمها يعتبر نقصاً كما ادعى هذا
الكاتب، كما لو قلنا: إن الحالة الطبيعية في الإنسان هي النسيان، فعدم هذه الحالة
لا يعتبر نقصاً في صاحبها؟!
ولا مانع من خروج
فاطمة(ع) عن الحالات الطبيعية التي تعرض النساء، كخروج مريم(ع) عن ما هو المألوف
والطبيعي، في أمر ولادة عيسى(ع)، ومثلها امرأة إبراهيم(ع) حين قالت(ع): (يا ويلتا أألد وأنا عجوز)!.
أما كون الحيض أذى، فيرشد
إليه ما في الروايات من وصفه بالعلة.
وتفسير السيد
الطباطبائي للأذى ـ
لو سلم صحة الكاتب له ـ في
الآية بالطارىء على الشيء غير الملائم لطبعه، لا ينافي أن يكون الحيض منفياً
عنها(ع)، ومن هنا يتضح لهذا الكاتب مخالفة مدعاه للواقع حيث يقول (ص100):
لا موجب لرفع المحيض
والنفاس عن الزهراء لظن حصول الضرر لها(ع) بسبب الحيض.
ذلك أن الكلام ليس في
الحيض بسبب كونه ضرراً، بل الكلام هو في عدم صحة نسبة المرض إلى سيدة النساء(ع)
بسبب عدم رؤيتها الحيض، وذلك ببركة الروايات المتكاثرة في كتب الفريقين، والدالة بوضوح
على أن علة انتفاء هذا الأمر هو التطهير لا المرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
127/
ومع هذا الحشد من
الروايات، ولزوم مراعاة المقولة المتقدمة عن السيد فضل الله، يثبت كون هذا المعنى
حقيقة من الحقائق الدينية، يجب على المطلع أن يدين اللَّه بها، كما هو الحال في كل
ما يثبت بالحجة الشرعية المعتبرة الموافقة للعقل والنقل، وبعد هذا يطالعنا الكاتب
ليقول:
لا ندري ما هي الكرامة
التي يريد المؤلف (السيد مرتضى) أن ينسبها إلى السيدة الزهراء (ع)؟
إلى أن يقول متهكماً
(ص100):
إن المرأة بعد سن اليأس
تصبح فاضلة وذات كرامة؟
وهذا تكذيب فاضح
للروايات الشريفة، وفاعله من أمقت الناس إلى أهل البيت (ع).
روى في كتاب الكافي
الشريف عن الإمام الباقر (ع) قوله: «واللَّه إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم
وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا
ويروى عنا، فلم يقبله اشمأز منه وجحده وكفَّر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث
من عندنا خرج وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا».
ومع هذا فقد فات الكاتب
أن منع الحائض عن مس القرآن، وقراءة سور العزائم منه، وربما غيرها من السور أيضاً،
وقعودها عن الصلاة، وحرمة دخولها المساجد، وغير ذلك من أحكام الحيض، خصوصاً مع
ملاحظة أمر النبي(ص) بسد كل الأبواب إلى المسجد إلا باب علي(ع)، وجواز دخوله(ع)
وهو جنب إليه دون غيره من الناس، إن تنزه الزهراء(ع) عن كل ذلك أقرب إلى تطهيرها
الوارد في الكتاب العزيز وغيره، وأقرب إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
128/
سمو ذاتها وعلو مقامها
ومنزلتها عند اللَّه تعالى، من دعوى هذا الكاتب عليها خلاف ما تقتضيه الروايات
الواردة عنهم (ع).
ويا ليته اكتفى بذلك،
بل زاد فصنف القول بهذه الكرامة في دائرة الغلو، وجعله مندرجاً تحت عنوان إخراج
المعصومين عن بشريتهم، وقد فاته أن الخروج عن حال الطبيعية البشرية أحياناً، لا
ينافي البشرية بحال من الأحوال، كما لم تتناف ولادة عيسى(ع) بلا أب مع بشرية أمه
مريم(ع)، وما شابه ذلك من الكرامات، التي ذكر بعضها القرآن الكريم، ولم يمنع ذلك
من كون أصحابها بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
صحيح هو القول بأن من
الخطأ التعرض لإثبات الكرامات والمعاجز كيفما اتفق، وبأي ثمن كان ولو لم يكن لها
واقع، وهذا خطأ حتى لو كان المنسوب إليهم أهلاً لهذه الأمور، ولما هو أزيد منها.
لكن صحيح أيضاً أن
التعسف في النفي والمبادرة إلى الطعن والإنكار، سواء كان تحت شعار التدقيق، أو عدم
الغلو، أو المحافظة على الصفات البشرية، كل ذلك مع قيام الدليل على هذه الكرامات
أمر باطل. نعم هذا الفعل باطل لا وجه من حق له، وهو أمر غريب يدعو إلى التساؤل
ويثير علامات التعجب، ويُحتم التوقف والتأمل في دوافع فاعليه.
يقول السيد فضل اللَّه
(الندوة ج1، ص432):
ذكرت أكثر من مرة أن
علينا أن ننقد ما عندنا بطريقة علمية وموضوعية، قبل أن ينقده الآخرون، لأننا عندما
ننقده فمع المحافظة على العناصر الأساسية في خط الإسلام وخط التشيع، بينما عندما
ينقده الآخرون فإنهم ينقدونه بطريقة أخرى، وربما بكثير من التشويه.
ومن خلال هذا النص
المتضمن دعوة سماحته إلى نقد ما عندنا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
129/
نستوحي قناعة السيد فضل
اللَّه بأن هناك الكثير من الاعتقادات وغيرها عند الشيعة الإمامية، مما لم يقم
عليه الدليل والبرهان، وهو بالتالي من الموروث الذي يحتاج إلى مراجعة شاملة بغية
تنقيته من الشوائب.
وبملاحظة قوله: (مع
المحافظة على العناصر الأساسية في خط الإسلام والتشيع) يمكن أن نعلم أن باقي
العناصر ـ
باعتبار كونها غير أساسية ـ قد لا يحافظ عليها، وهو ما أشار إليه السيد فضل
اللَّه نفسه حيث يقول: (للإنسان والحياة ص195):
إن الشيعة لا يريدون أن
يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه! بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو
للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض أوضاعها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على
آثارهم معتقدون.
وهو يقول: (نشرة
بينات/12 جمادى الآخر1417 هـ):
يخاف البعض أن يؤدي طرح
المسائل الفكرية والعقائدية إلى مس أفكار متوارثة قد تكون صحيحة وقد لا
تكون...الخ.
وهذا يدل على أن في
الاعتقاد والفكر والشيعيين ـ من
وجهة نظر السيد فضل اللَّه ـ ما
هو متوارث وغير صحيح ـ
وربما لعدم قيام الدليل عليه ـ مما حداه إلى أن يقول في هذا السياق (بينات/
العدد السابق):
إنني أشعر بأن من
مسؤولية العالم أن يظهر علمه إذا ظهرت البدع في داخل الواقع الإسلامي، وإذا لم
يفعل ذلك فعليه لعنة اللَّه كما يقول النبي، واللَّه تعالى يقول: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من
البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللَّه ويلعنهم
اللاعنون) [البقرة: 59].
وبعد هذا كله لن نقبل
من الكاتب كل ما تكلَّف فيه من أجل توجيه كلام السيد فضل اللَّه، وعليه لن يبقى
وقعٌ لكلامه المنمق في «محاضرته» التي سطرها في هذا الكتاب عن تنقية التراث، لعدم
انطباقه على ما كان سماحة السيد جعفر مرتضى بصدد الرد عليه في كلام السيد فضل
اللَّه، كما يتضح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
130/
جهل هذا الكاتب وربما
تجاهله حين يقول في نفس الموضع (ص109):
والأغرب من ذلك أن
المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) يورد عدداً من موضوعات ينسبها إلى سماحة السيد فضل
الله بدون توثيق أو دليل أو ذكر الموضع الذي أخذ منه هذا الحديث.
وهنا نفرغ بعض ما عندنا
في أمرين:
يقول السيد فضل اللَّه
(مجلة الفكر الجديد/ عدد 9 ص14): إن مسألة الكلام في الرجعة ليست مرتبطة بالإمكان
والإستحالة، بل هي مرتبطة بالمبررات العملية الواقعية في ضرورة ذلك، مما يجعل
التأويل أكثر قرباً للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها، لا سيما عند مواجهة
التحديات الفكرية في هذه المسألة، التي لا تمثل في طبيعتها أصلاً من أصول العقيدة؟
وهذا من سماحته تنازل
واضح عن واحدة من أهم المسائل التي يعتقد بها الإمامية، من حيث ثبوتها بالآيات
الشريفة وبكمٍ هائلٍ من الأحاديث، وتنازله عنها إنما كان لمجرد مواجهة التحديات
الفكرية في هذه المسألة.
مع أن سماحته حين سئل
عن الرجعة أجاب في (أجوبة المسائل المؤرخة في 8 رجب 1417) فقال:
الرجعة متواترة عند
الشيعة الإمامية(1).
ـــــــــــــــ
(1) من
الغريب أن السيد فضل
اللَّه سئل عن الرجعة مراراً
وأجاب عنها بأشكال مختلفة لا يمكن الجمع بينها، ففي مجلة الموسم (ص243) جواباً على سؤال: هل يمكن أن تشرحوا لنا
الرجعة؟
يقول: مسألة الرجعة هي
من المسائل التي اختلف العلماء في تفاصيلها، وهي حقاً مجملة، من يرجع وكيف ذلك؟
هذا أمر اختلفت فيه الروايات، وهو ليس محل ابتلائنا وليس شيئاً أساسياً في
العقيدة، فلنتركه لأهله ونقبل على ما نحن مسؤولون عنه.
ويقول في المسائل
الفقهية (ج1 ص312):=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
131/
وهو يؤيد بذلك ما ذكره
السيد مؤلف مأساة الزهراء فيما يتعلق بالرجعة، خصوصاً ما نقله عن العلامة المتبحر
السيد عبدفاللَّه شبر عن شيخ الإسلام العلامة المجلسي، حيث يقول (مأساة الزهراء
ج1، ص104):
اعلم أن ثبوت الرجعة
مما اجتمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة بل هي من ضروريات مذهبهم... وكيف يشك
مؤمن بحقية الأئمة الأطهار في قريب من مئتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من
الثقاة العظام والعلماء الإعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم.... وإذا لم يسمى
مثل هذا متواتراً ففي أي شيء دعوى التواتر، مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن سلف؟
وظني أن من يشك في
أمثالها، فهو شاك في أئمة الدين، ولا يمكنه إظهار ذلك بين المؤمنين، فيحتال في
تخريب الملة القويمة، بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين من استبعادات
المتفلسفين وتشكيكات الملحدين (انتهى).
ومثل هذا تفسيره لقوله
تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل اللَّه لك) الواردة في قصة عائشة، حيث يقول (فكر وثقافة
27/7/96): فمن
ـــــــــــــــ
=
ليست (الرجعة) من
ضروريات الدين ولكن يجب الإعتقاد بها على تقدير ثبوتها من الناحية العقيدية،
لوثاقة رواياتها، ووضوح مضمونها، وعدم وجود معارض لها، وعدم وجود تفسير آخر لها
ملائم للقواعد.
وقد عرفت أنه دعى
للتنازل عنها في مجلة الفكر الجديد، كما عرفت أنه قال: التأويل أكثر قرباً
للالتزام بالأحاديث من إبقائها على ظاهرها.
ولا ندري إن لم يوجد
تفسير لها ملائم للقواعد غير ما هي ظاهرة فيه، كيف يمكن أن نؤولها، وإذا كان
اللازم تأويلها كيف وجب الإعتقاد بها كما ذكر ذلك بنفسه؟. وإذا
كان الأمر كذلك كيف كانت متواترة؟ وإذا كانت متواترة فلماذا الدعوة إلى التنازل عنها؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
132/
أخلاقه العالية أنه كان
يقدم شهوة أهله في طعامهم على شهوته، كان يضغط على نفسه مرضاة لعياله لكي يكونوا
مرتاحين.
وهذا تفسير عجيب وتبرأة
غريبة لبعض أزواج الرسول (ص).
وهو يقول: (للإنسان
والحياة ص257): إنطلق رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسلَّم ليؤكد مسألة
القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في نزاع بعد أن ينتقل صلى الله عليه و
آله وسلَّم إلى الرفيق الأعلى، ولكن المسلمين فهموا القضية بطريقة معينة ففرضت
الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها في خارج دائرة توجيهات رسول اللَّه صلى
الله عليه و آله وسلَّم فأبعد علي(ع).
وقد عرفت قوله في
الشهادة الثالثة في (المسائل الفقهية ج2 ص123): إنني لا أجد مصلحة شرعية في إدخال
أي عنصر جديد في الصلاة في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة(1).
وقوله بانفتاح الباب واسعاً
أمام الأخذ بكثير من الأخبار التي ترد من طرق العامة (كتاب النكاح ج1، ص58)، مع
إصراره على أن توثيق (حديث أهل البيت) من أشكل المشاكل وأعقدها، وأن في هذه التركة
(أي حديث أهل البيت(ع)) ركاماً هائلاً من الكذب، وأنه يجب التخفف من أعباء هذه
التركة (للإنسان والحياة ص295، الإسلام ومنطق القوة ص248، ومجلة المنطق العدد113،
وحديث عاشوراء ص106) وغير ذلك من الأمور الكثيرة لا نتوسع في سردها.
ومع كل هذا لسنا ندري
إن كان في ما ذكرنا شيء يفصح لهذا الكاتب
ـــــــــــــــ
(1) يلاحظ
قوله (في مقدماتها وأفعالها)، والذي يدل على أن الإشكال في ذكر الشهادة الثالثة غير مختص
بالإقامة باعتبار احتمال جزئيتها في الصلاة. وإلا
فالأذان ليس من الأجزاء قطعاً، وهو من المقدمات ومع هذا فهو يرفض أن يدخل فيه
الشهادة الثالثة لما يترتب على ذلك من الإفساد على حد تعبيره!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
133/
المتسائل؟! عن هوية
الفِرَق التي يريد السيد فضل الله أن يغازلها.
يقول السيد فضل الله في
رسالته إلى الجماعة التي نشرتها باسم أنصار المقاومة الإسلامية في لندن (تاريخ
1414) (لاحظ الملاحق): إن التحليل التاريخي يجعل الإنسان متحفظاً في هذا الموضوع،
لأن الزهراء(ع) كانت تملك محبة وثقة وعاطفة لدى الناس لم يبلغها أحد، لذلك عند هجم
من هجم ليحرق بيتها بالحطب، وذلك عندما امتنع علي عن المبايعة واعتصم في بيته، قيل
له: إن فيها فاطمة ولم يقولوا فيها علي، ورد هو بغلظته، وإن يكن....
إن هناك تحفظاً
بالرواية! الواردة لأن سندها ضعيف، ولأن تحليل موقع الزهراء في نفوس المسلمين
آنذاك، يجعلنا نستبعد أنهم يجرؤن على ذلك، حتى ولو كانوا في أشد حالات الانحراف
والوحشية (انتهى موضع الحاجة).
وهنا نسأله: أين الحب
مع أنه لما سألها نساؤهم: كيف أصبحت يا ابنة رسول اللَّه؟ قالت: أصبحت عائفة
لدنياكم قالية لرجالكم؟
وأين الحب حين حملها
علي(ع) ـ بعدما رُفِضَت شهادتها ـ يدور بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار،
والحسن(ع) والحسين (ع) معهما، وهي تقول:
يا معشر المهاجرين
والأنصار انصروا اللَّه، فإني ابنة نبيكم وقد بايعتم رسول اللَّه صلى الله عليه
و آله وسلَّم يوم بايعتموه، أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم،
ففوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وسلَّم بيعتكم.
فما أعانها أحد ولا
أجابها ولا نصرها؟!.
وأين الحب فيما يحفل به
التاريخ بشهادة السيد فضل الله نفسه (قضايا إسلامية، العدد الأول ص13/1415هـ). حيث
يقول:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
134/
وعندما انطلقوا من أجل
أن يأخذوا علياً(ع)، وقفت وعانت الكثير، وحفل التاريخ والحديث، وتظافرت الروايات
من أنها ضربت، وأنها أسقطت جنينها وأنها... وأنها(1)..؟؟
وبعد هذا، هل يشك
الكاتب فيما ذكره السيد مرتضى في كتابه.
أم أنه لا يشك، ولكن
يشكك في ذلك، لحاجة في نفسه يقضيها! نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ونسأله الهداية
والتوفيق للعلم والعمل الصالح.
يقول السيد فضل اللَّه:
ناقشت كل العلماء في إيران.... فلم يقنعوني...
ولن يسع الكاتب
المناقشة في صحة نسبة هذا الكلام إلى السيد فضل اللَّه، لأن آراءه على كل شفة ولسان
باعتراف الكاتب نفسه كما عرفت.
ـــــــــــــــ
(1) من
الأمور المريبة أمر هذا الكلام المنشور في قضايا إسلامية (سنة 1415)، حيث صرح فيها بأنها عبارة عن الخطبة التي ألقاها
السيد فضل
اللَّه في مسجد أهل البيت (الشهيد الصدر في قم) سنة 1414/
الموافق لـ 93 مطلعها معهم معهم .....
ثم نشرت هذه الخطبة
بينات أشير فيها إلى أنها ألقيت في سنة 1995 في مدينة قم المقدسة ومن المعروف أن
السيد فضلفاللَّه لم يذهب إلى قم منذ سنة 93، ولم يكن في قم سنة 95 قطعاً،
وبمراجعة الخطبتين وشريط التسجيل أدركنا التطابق بينهما في غير العبارة المنقولة
هنا، حيث انفرد ما ورد في بينات فبدِّل ما ذكرناه نحن على النحو التالي:
فيما يحفل به التاريخ
من أحاديث وروايات تنوعت من أنها ضربت وأسقط جنينها... وأنها... وأنها... وروايات
اختلفت عن ذلك، لكنها لا تنفي الإساءة إلى حرمتها وحرمة بيت النبوة بالهجوم عليه
والتهديد بإحراقه حتى لو كانت فاطمة (ع) في داخله. انتهى.
وذلك في عملية تحريف
واضحة للمضمون الأول الذي يصرح بتقوي الروايات الواحدة مع الأخرى، وهو الأمر الذي
سار على أساسه السيد مرتضى في كتابه مأساة الزهراء وقد أشار إلى كل ذلك في مقدمة
الطبعة الثانية من مأساة الزهراء فلتراجع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
135/
فليسأل أصحاب هذه
الشفاه والألسن، حتى يجيبوه بصدق نسبة هذه المقالة إليه، ولا معنى بعد هذا لتردد
الكاتب أو إيهامه القارىء بتردده، حيث يقول (ص113):
إذا صح من سماحة السيد
ما ذكره المؤلف (يعني السيد جعفر مرتضى) من قوله (يعني السيد فضل اللَّه): ناقشت
كل العلماء... الخ.
ثم يفسر الكاتب هذا
الكلام ـ طبعاً بعد فرضه صحته ـ بأن السيد فضل اللَّه إنما ناقش كبار العلماء،
وأنه إنما قال كل العلماء على سبيل المبالغة.
وجواباً على ذلك نقول:
من المعروف في قم أن السيد فضل اللَّه كان يثير حديث الزهراء(ع) في كثير من
المجالس، ويشكك في ذلك بل وينكره من طرفٍ خفي، وذلك منذ ما يقرب العشر سنوات، إلى
أن اشتد به الأمر سنة 93، فتكلم بما تكلم به في بيروت، وارتفعت الصيحة بوجهه في قم
من العلماء غيرهم(1).
فمن هم هؤلاء العلماء
الذين ناقشهم؟ والحال أنه لم يكن يلتقي بالمراجع جميعاً، ولا بأعيان العلماء الذين
أصبحوا هم الآن من المراجع، بل هو لم يكن يسمع ببعضهم، ولم يكن يعرف ـ ولا هو الآن يعرف ـ المراتب العلمية التي وصل إليها الكثير منهم، فلو لم يكن
يناقش المسائل العلمية مع هؤلاء العلماء الكبار في قم، فمع من كان يناقش؟؟
ثم إن عدم وصول هذا
الخبر إلى سماحة المحقق السيد جعفر مرتضى، يكشف عن بطلان هذه الدعوى وزيادة
المبالغة فيها إلى حد يخشى معه مخالفة الواقع، ذلك أن سماحة السيد مرتضى ـ وكما هو معروف ـ من أبرز العلماء العرب وأقدمهم في قم، وكان كثير الإختلاط
بالعلماء الإيرانين،
ـــــــــــــــ
(1) ينقل
بعض العلماء المعروفين من زملاء السيد فضل اللَّه أنه أنكر أو شكك في موضوع الزهراء عليها السلام في
بعض المجالس الخاصة في النجف الأشرف قبل أكثر من ثلاثين سنة مضت على خروجه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
136/
والسيد فضل اللَّه كان
يحل عنده ضيفاً في أسفاره إلى إيران، وكان السيد مرتضى غالباً ما يكون حاضراً
عندما كان يأتي بعض العلماء لزيارة السيد فضل اللَّه، أو كان هو يقوم بزيارتهم، فمع
كل هذا فكيف لا يصله خبر هذه المناقشات.
مع أن السيد فضل اللَّه
أرسل إلى إيران رسالتين في هذا الشأن (راجع الملاحق)، يعترف في واحدة منهما بأنه
لم يكن مطلعاً على المصادر حين شكك بقضايا الزهراء، وأنه إنما عثر على الأدلة
والروايات فيما بعد.
فمن الغريب قول هذا
المستهتر (ص114):
يظن المؤلف (السيد
مرتضى) أن العلماء في إيران وغيرها، ليس لهم عمل إلا أن يناقشوا في مثل هذه
الأمور... إن عندهم ما يكفيهم كي يناقشوا فيه (انتهى).
حيث نراه يتكلم وكأنه
منهم وهو معهم، بل وأدرى منهم بما ينبغي أو لا ينبغي الخوض فيه، وهو كما عرفت أيها
القارىء ـ
من كلامه هذا وغيره ـ من أبعد الناس عن العلم والعلماء.
وكم يبدو أجوف عديم
الفطنة حين يقول (ص114):
معظم جهود علماء إيران
منصبة على فضح اعتداءات ومؤامرات الشيطان الأكبر، صونا لثورة الشعب وحماية لها ممن
يريدون أن يستدرجوا الثورة وعلمائها إلى صراعات جانبية، كالتي يخوضها كاتبنا مع
أحد أبرز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 137/
علماء الإسلام في هذا
العصر (انتهى كلامه).
إذ أن الظاهر من كلامه
هذا أن العلماء ومراجع الدين لم يعد لهم شغل بالعلم ولا الفقه، ولا وظيفة لهم سوى
فضح مؤامرات الأعداء ـ
على أن ذلك أيضاً من الوظائف
المهمة جداً ـ
وإنهم قد تركوا كل شأن علمي،
وكل هم من هموم الحوزة والدين، ولعله ظن أنهم كبعض الذين يراهم من حوله، لا شغل
لهم إلا الخطابة أو الاستعراض، قد أفلسوا من الأبحاث والتحقيقات العلمية في مختلف
المجالات، ولست أرى في ما ذكره هذا الكاتب إلا طعناً فاضحاً وقدحاً واضحاً بحال
العلم والعلماء في الحوزة العلمية في قم وغيرها.
أوليس حري! بالكاتب
(السيد مرتضى) أن يعترف للسيد (فضل اللَّه) بهذه الفضيلة بدل أن يبادر إلى التشهير
به...
نقول: الاعتراف بالخطأ
فضيلة، وهذا أمر صحيح في المبدأ، وليس ذلة كما حاول السيد فضل اللَّه أن يصور ذلك
في خطب الجمعة في هذا الخريف (1997) والسيد فضل اللَّه نفسه تراجع عما ذكره في
رسائله إلى قم (راجع الملاحق)، وفي خطبته التي ألقاها فيها سنة 93، والتي يصرح
فيها بالمشهور المعروف في قضايا السيدة الزهراء(ع)، حيث عاد إلى التشكيك بذلك بل
الإنكار، بعد أن صرح في أكثر من موضع أن تراجعه إنما كان انحناءاً أمام العاصفة،
بل زاد على ذلك قوله في مسجد الإمام الرضا(ع) في 3 أيلول سنة 1996 في درس التفسير:
كتبت هذه الرسالة (يعني رسالته إلى السيد جعفر مرتضى) نزولاً عند رغبة الكثير من
الفضلاء، درءاً للفتنة التي كادت تحصل في قم.
وذلك إنما كان في سياق
تبرير عدم التزامه بما أظهره عند اشتداد الأزمة ضده، مع أن الأزمة الآن أشد
فالداعي أقوى إلى كتابة رسالة أخرى أو أي شيء آخر يقل من حدة هذه الأزمة ويخفف من
نتائجها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
138/
بقي اعتراض الكاتب
الفطن على جمع السيد مرتضى في كلامه بين قوله: (ناقشت كل العلماء دعوى غير صحيحة)،
وبين قوله الآخر (مأساة الزهراء ج1، ص130): (بقي احتمال ولعله فالأقرب أن يكون هو
الذي اقتنع منهم) من جهة أخرى.
حيث يعترض هذا الكاتب
بأنه كيف اقتنع منهم لو لم يناقشهم، وهذا يدل على أنه اجتمع مع العلماء، مع أن
السيد مرتضى يقول إنه لم يجتمع معهم.
وليت شعري كيف غفل عن
أن السيد مرتضى إنما اعترض على الإغراق في المبالغة، في إن النقاش قد جرى مع
العلماء كافة في إيران وغيرها، ولم ينف أن يكون قد اجتمع مع بعضهم، وهو ما يصدق
معه أنه قد ناقشهم، مع أنه لم يناقشهم جميعاً أيضاً.
وبعد فرض كونه قد ناقش
جماعة منهم، فالأظهر أنه قد اقتنع منهم، والدليل على ذلك، ما كتبه من الرسائل إلى
قم (راجع الملاحق)، حيث يعترف بعدم الاطلاع والتأخر في العثور على الأدلة
والإثباتات.
بعد كيلٍ آخر من السباب
والشتائم والتهم، يشرع هذا الكاتب بمناقشة هذا الأمر، ولا بد من الالتفات إلى قول
السيد فضل الله المتقدم: (موقع الزهراء في نفوس المسلمين... يجعلنا نستبعد أنهم
يجرؤن على ذلك).
وهذا تصريح منه
باستبعاد ارتكابهم لما قاموا به، نعم هذا لا يمنعه من القول ـ ولو في موردٍ آخر ـ بأن غصب الخلافة من أكبر الجرائم، لكن لا ربط لذلك بمورد
كلام العلامة السيد جعفر مرتضى حتى يعارض نسبة الكلام الأول إليه، وذلك لاحتمال
صدور الكلام التالي غفلة.
وحين يُسأل السيد فضل
اللَّه (أجوبة بعض المسائل المؤرخة في 16 جمادى2 /1417هـ) هل تنفون ظلامة السيدة
الزهراء(ع)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ