ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

عبس وتولى
فيمن نزلت؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

حقوق الطبع محفوظة
للمركز الإسلامي للدراسات
الطبعة الأولى
1417هـ ـ 1996م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

المركز الإسلامي للدراسات
عبس وتولى فيمن نزلت؟
رضوان شرارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله الطاهرين.

وبعد..

فإن هذا البحث الذي بين يدي القارئ هو من تأليف الأخ العلامة الحجة الشيخ رضوان شرارة زيد توفيقه، الذي عرفته بالصدق والإيمان، وبدقة الملاحظة وبسعة الاطلاع فيما يقع في دائرة اهتماماته، وهو بحق مثال للعالم الذي يشعر بالمسؤولية، ويندفع نحو القيام بالواجب بعزيمة وتصميم. وهذا البحث هو من نتاج يراع ذلك العالم الذي نحترم ونقدر نسأل الله سبحانه له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

المزيد من التوفيق والتسديد، وأن ينفع به وبما يكتب إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير.

جعفر مرتضى العاملي.

28جمادى الآخرة 1417.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

تمهيد:

بسمه تعالى

لقد أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله) كتابه الكريم، ووصفه فيه بأنه {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}(1)، وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(2)، وبّين لهم أن الغاية من إنزاله هي التدبر في آياته(3) وأمرهم بتلاوتها(4) والإنصات إليها(5). فعلمنا أنه جعل ما يفهمه أحدنا من هذه الآيات

ـــــــــــــــ

(1) سورة االإسراء الآية 2.

(2) سورة القيامة الآية 17 ـ 19.

(3) سورة ص الآية 29.

(4) سورة المزمل الآية 20.

(5) سورة الأعراف الآية 207.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

بسليقة عربية وإن كان نفسه أعجمياً(1)، حجة من الله تعالى عليه، لكن شريطة أن لا يكون تفسيراً بالرأي، إذ في الحديث الشريف: من قال في القرآن برأيه أو بغير علم فليتبوأ مقعده من النار(2).

وفي حديث آخر: من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب(3).

وفي حديث ثالث: ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن. إن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف إلى وجوه(4)، وفي مجمع البيان أنه صح أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح(5)، فلذلك لزم الرجوع إلى الأوصياء (عليهم السلام) الذين هم أهل الذكر(6)، لأجل

ـــــــــــــــ

(1) وقاية الأذهان ج2، حجية ظواهر الكتاب.

(2) الوسائل كتاب القضاء، حجية ظواهر الكتاب.

(3) الوسائل كتاب القضاء، باب 13، ج37.

(4) المصدر السابق ج 41.

(5) مجمع البيان ج1، المقدمة ذكر التفسير والتأويل.

(6) البرهان ج3. ص 52.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيان تأويله، وما تشابه من معناه، وتوضيح مجمله، وتخصيص عامه، وتشخيص منسوخه وناسخه. قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(1)، وقال الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: هم الأئمة المعصومون(2).

وهذا كله لم يكن موجباً لسد باب النظر في الكتاب الكريم، حيث إن فيه صنفاً من الآيات، يمكن للناظر فيها إذا كان ذا معرفة بقواعد اللغة وفنونها، أن يستلم ظاهرها ويتبين المراد منها، ثم يعمل بها بعد الرجوع إلى المأثور عنهم (عليهم السلام)، علّه يجد ما يتمم به ما ظهر له منها، بعد الالتفات إلى المستقل من القواعد العقلية، وإلى الثوابت التي تسالمت عليها عقول العقلاء من كافة بني البشر. وإلى جانب هذا الصنف صنفان، أحدهما يشترك في

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء الآية 83.

(2) الوسائل باب 13من أبواب القضاء ج 61.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

معرفته كل من العالم والجاهل، والصنف الآخر محتاج في استعلام المراد منه إلى عرضه على ما يستبين معه معناه، من محكم آية أو مأثور رواية عن أهل البيت الذين هم الراسخون في العلم، قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(1).

وهذا المتشابه هو الذي هلك فيه الكثير من الناس، وفيه يقول الإمام الصادق (عليه السلام): وإنما هلك الناس في المتشابه، لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم تعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء (عليهم السلام) فيعرّفونهم(2). وقال (عليه السلام): نحن المعول علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله، بل نتبع حقائقه(3).

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران الآية 6.

(2) الوسائل كتاب القضاء باب 13من أبواب صفات القاضي ج8.

(3) المصدر السابق ج 45.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

وقال الصادق (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله(1).

وقال (عليه السلام): رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخون في العلم، قد علمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لا يعلم تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه(2)

وقال (عليه السلام): عندنا والله علم الكتاب كله(3) وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(4)؛ إيانا عنى(5).

والحاصل إلى هنا أن الكلام على ثلاثة ضروب، قال

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ج5.

(2) المصدر السابق. ج6.

(3) الوسائل المصدر السابق ج4.

(4) المصدر السابق ج4.

(5) للتأويل إطلاقات: الأول: هو عبارة عن بيان المتشابه وما هو خلاف الظاهر، والثاني: عبارة عن بيان مصاديق الآيات وانطباقاتها خارجاً كما في قول الإمام الصادق: إن للقرآن تأويلاً، فمنهما قد جاء ومنه ما لم يجئ فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمة عرفه إمام ذلك الزمان والمراد من التأويل في هذا المقام هو الأول دون الثاني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه، ولطف حسه، وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم(1).

هذا وقد يمكن الأخذ بظاهر الكتاب الكريم ـ بعد الالتزام بما قدمنا ـ فيما إذا لم يصرف عنه صارف، من قرينة متصلة أو منفصلة تحتّم ظهوره، ومنها القواعد العقلية القطعية، التي هي بمثابة القرينة المتصلة المانعة ـ مع الالتفات إليها ـ من انعقاد ظهورٍ للكلام على خلافها.

ولذلك احتاجت جملة من الآيات إلى التأويل(2) أو إلى الصرف عن ما يتراءى أنه هو الظاهر منها في بادئ النظر، إلى ما هو أعمق من المعاني، أو أوضح، أو

ـــــــــــــــ

(1) سورة الرعد الآية 43.

(2) الكافي ج1 باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ص 229. ج6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

أصح، أو أليق بكتاب الله العزيز، ولذلك تأكد أيضاً لزوم الرجوع إلى أولياء الله، وهم الأوصياء في هذا الصنف للاستعانة بهم على تشخيص الصوارف والقرائن من الآيات وغيرها.

فقد روى أبو بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم(1) أنه قال: أما والله ما قال ما بين دفتي المصحف، قلت: من هم جعلت فداك؟ قال: من عسى أن يكون غيرنا(2).

وفي خبر آخر: هم الأئمة خاصة(3).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً: ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء(4).

وقال (عليه السلام) أيضاً: إنما يعرف القرآن من خوطب به(5).

وقال الصادق (عليه السلام): إنهم ضربوا القرآن بعضه

ـــــــــــــــ

(1) سورة العنكبوت الآية 49.

(2) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ج 11.

(3) المصدر السابق ـ ج12.

(4) الكافي ـ كتاب الحجة ـ باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ج2. ص 228.

(5) الوسائل ـ المصدر السابق ج25.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يظنون أنه العام واحتجوا بالآية وتركوا السنّة في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوا عن أهله، فضلّوا وأضلّوا(1).

والمقصود من كل هذا: عدم الاستيحاش مما قد يهول به البعض ـ من استلزام بعض التفسيرات الخروج عن ظاهر القرآن، واللجوء إلى ما هو بخلافه، من تأويلٍ وغيره ـ بحجة لزوم فهم القرآن كما هو على أساس لغويٍ عربيٍ متين، وبدعوى أن القرآن أنزل للناس وقد خاطبهم الله تعالى به، وقد روي أنه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون(2).

ذلك أن لزوم فهم القرآن كذلك وإن كان حقاً، لكن ينبغي أن يراعى معه القواعد القطعية المسلمة عقليها

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ـ ج62.

(2) الوسائل ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ح81.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

وشرعيّها، فلا يؤخذ بظاهر الكتاب حتى في صورة مخالفته لها، كما لا ترفع اليد عن هذه المسلمات ولو كان المخالف لها هو ما يبدو أنه ظاهر الكتاب، بل قد تكون هذه المسلمات، سبباً في إعادة النظرة في عملية تشكيل الظواهر، لكشفها أحياناً عن خللٍ في استكشاف هذا الظاهر وتشكيله، وهذا باعتبار أن القرآن لا يتحدث بعيداً عن المسلمات والقواعد الشرعية الثابتة بالسنّة القطعية، ولا منفصلاً عن مثيلاتها العقلية بل هو يراعيها، ويعتمد في تفهيم مراداته عليها.

وأما ما روي: من أنه تعالى لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون، فوجهه أن المخاطب بالقرآن ـ على احتمال ـ هم أهل العصمة. وهم يعلمونه، ويشهد له قوله (عليه السلام): إنما يعرف القرآن من خوطب به، فلا يضرّ عدم معرفة الخلق سوى من خوطب به.

أو يقال: إن المخاطب بالقرآن هم جميع المكلّفين ـ على احتمالٍ آخر ـ فإذا علم البعض معناه مع إرجاع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

البعض الآخرين إليهم كان ذلك كافياً في الجمع بين الخبرين(1).

ثم إنه من الضروري التنبيه على أن هذا الأمر ـ أعني فهم ظواهر الكتاب الكريم من خلال ملاحظة القرائن المشار إليها ـ وحاول الاستدلال به، حيث كان من اللازم رفع اليد عن الظواهر البدوية، لعددٍ غير قليل من الآيات، لاستلزامها المخالفة لما هو قطعي كالذي ذكرنا آنفاً، كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ}(2)، وقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ}(3)، وقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}(4)، وقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(5)، وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}(6).

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق لا حظ ذلك عند الكلام حول الحديث رقم 81.

(2) سورة الفتح الآية 2.

(3) سورة التوبة الآية 43.

(4) سورة التحريم الآية 1.

(5) سورة الفجر الآية 22.

(6) سورة الرحمن الآية 27.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

إذ يلزم صرفها عما يبدو في مبتدأ النظر فيها، إلى ما يتلاءم مع المضامين الأخرى للقطعيات الشرعية والعقلية، للوصول بها إلى درجةٍ من الظهور المستقر، كما هو الحال في هذه الآيات المشعرة بالتجسيم مع قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1)، ومع الأدلة العقلية المبطلة لكونه تعالى جسماً(2).

وخلاصة الكلام: إن ثمة نهجان في التعامل مع كتاب الله المجيد:

أما النهج الأول: فهو الذي ذكرناه آنفاً، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى ذلك جرى المتمسكون بحبلهم، عنيت أعيان العلماء الأثبات المحققين من شيعتهم عبر العصور والأجيال.

وأما النهج الثاني: فهو نهج الذين خالفوهم ولم

ـــــــــــــــ

(1) سورة الشورى الآية 11.

(2) لاحظ احقاق الحق الجزء الأول، ص 172 ودلائل الصدق الخبر الأول، ص 133، وتخليص المحصل المعروف بنقد المحصل ص 258، وقواعد العقائد المطبوع في ذيله ص 449و450.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

يتمسكوا بهم، من الذين يجمعهم الاستسلام للظواهر البدوية والعمل بها دون مراعاة لما قدمناه، فوقعوا بسببٍ من هذا في محاذير كثيرة، ألجأتهم إلى نسبة ما لا يليق إلى الله تبارك وتعالى، وإلى ملائكته ورسله وأنبيائه، وظهرت فيهم مقولات واهية، كالتجسيم والجبر والتفويض، مستندين في ظنهم هذا إلى ما يتراءى من بعض الآيات، زاعمين أن ذلك هو الظاهر منها، غافلين عن أنه لا يعدو كونه ظهوراً بدوياً لها، لو كان ثمة ظهور، وليس هو الظهور المستقر الذي ينبغي العمل على طبقه حسبما أشرنا إليه.

ولربما كانت الآيات التي صُدِّرت بها سورة عبس، تصلح شاهداً على هذه المفارقة، حيث اختلط الأمر على كثيرٍ من الناس فلم يراعوا ذلك في استلهام معناها وفهم المراد منها ما تقدم، ولم يراعوا ذلك لا في استظهارهم المعنى من الآيات نفسها بلا معونة ما هو خارج عنها، ولا في حملهم لها على مضامين الروايات الواصلة إليهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

والمتعرّضة لتفسيرها، مع ما هي عليه من الوهن والضعف كما سيتضح إن شاء الله تعالى، ونحن بعون الله تعالى سنحاول تلمّس الحقيقة، واستنطاق عقليِّ الأدلة والشواهد ونقليها، لإثبات ما نراه هو الأصح من المعاني والأليق بساحة قدس الله تعالى وبكتابه المجيد وبرسوله الكريم صلى الله عليه وآله.

تمهيد آخر حول العصمة:

وتذييلاً لما قدمنا، وتنبيهاً على المراد بالعصمة وبأهلها من الأوصياء الذين وجب الرجوع إليهم نقول:

أهل العصمة هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين قال فيهم تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)، وهم الذين عناهم بقوله (صلى الله عليه وآله): إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي(2)، وهم النبي والصديقة الطاهرة والأئمة الأثنا

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب الآية 33.

(2) لاحظ كتاب منتخب فضائل النبي وأهل بيته، حديث الثقلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

عشر (عليهم السلام)(1) وهم الصدر الحامل للقرآن كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}.

والشيعة الامامية قد اتفقوا على عصمتهم (عليهم السلام) وعلى عصمة جميع الأنبياء والرسل، ونفوا عنهم ارتكاب الكبائر والصغائر، المنفر منها وغيره، قبل البعثة وبعدها، عمداً وسهواً سوى الشيخ الصدوق رحمه الله حيث جوز الإسهاء من الله تعالى في غير التبليغ لحكمة يراها لكن نسبه أعاظم علماء المذهب إلى السهو والخطأ، بل والضلال والتضليل في ذلك(2).

والحق هو الذي ذهبت إليه هذه الطائفة من وجوب عصمتهم على النحو الذي تقدم في الاعتماد والتبليغ

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ تفسير نور الثقلين ج4 ص272 وكتاب أهل البيت في آية التطهير ص 25 وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 152.

(2) مصابيح الأنوار ج2 ص 122، إحقاق الحق ج1 ص 211 وما بعدها وج2 ص 196، المبحث الثاني في أن الأنبياء معصومون. ودلائل الصدق ج1ص 212وص 368 المبحث الثاني أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

والأحكام والأفعال وصحة التلقّي عن الله تعالى والكينونة على حالةٍ يكون معها متخلقاً بأخلاق الله تعالى. ولزوم براءتهم من العيوب والعاهات الجسمية وغير الجسمية، ولزوم علو أحسابهم وطهارة أنسابهم، لشدة دخالة العصمة على هذه الكيفية في اللطف الواجب عليه تعالى ولصيرورة الناس معها أكثر استعداداً للقبول والطاعة، وصيرورة طباعهم أرغب بما يأتيهم به المعصوم، ومن ينسب إليهم الصغيرة أو الخطأ أو السهو أو النسيان بدعوى كونهم بشراً تجوز في حقهم ـ كغيرهم ـ هذه الأمور فقد قاس الأبرار المقربين على نفسه، ولا يقاس هؤلاء على غيرهم من ذوت النفوس الضعيفة والصغيرة(1).

وقد خالف الإمامية في ذلك جماعة، لكنهم اتفقوا جميعاً على وجوب عصمة الأنبياء عما يكون منافياً

ـــــــــــــــ

(1) أسرار الحكم ص 238 وص 403، مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 238 ـ 239.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

للتبليغ عمداً وسهواً، لئلا يرتفع الوثوق بهم بين الناس، ولم يخالف في ذلك سوى القاضي على ما حكي عنه ـ حيث جوز ذلك سهواً لدعواه عدم المنافاة في هذه الحال وأنه لا مدخلية لذلك في التصديق بالمعجزة. وقد خالف الأزارقة من الخوارج.

فجوّزوا الكفر عليهم، لأنهم جوزوا الذنوب عليهم، والذنب عندهم كفر. وخالف الحشويون في الكبائر فجوزوها على الأنبياء.

والأشاعرة جوزوا عليهم غير المنفر من الصغائر سهواً.

والمنفر، وهو ما كان كاشفاً عن خسةٍ ونقص في صاحبه كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة، قد منعه الجمهور ولم يجوزوه عليهم.

لكن إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

المعتزلة ذهب إلى تجويز الصغائر ولو كانت عمداً(1).

وقد يقال: إن بعض الطاعات الصادرة عن المعصومين المنزهين عن الخطأ والذنب والسهو والنسيان ـ مع أنها طاعات ـ عصيان منهم، فمثلاً، اللازم لهم مباشرة أولى الراجحين واختياره فترك الراجح الأولى واختيار الآخر معصية في حقهم.

مثال آخر: الحلم والعفو أولى من المعاقبة، فدعاء النبي على الكافرين مرجوح، واختياره الحلم والعفو أولى.

مثال ثالث: اختيار الأسهل من الأمرين العارضين على النبي عصيان في حقه وكل هذا قاعدة حسنات الأبرار سيئات المقربين(2).

والجواب على هذا: هو المنع من كون هذا عصياناً،

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ المصادر المتقدمة. وتنزيه الأنبياء ـ مقدمة المؤلف.

(2) نور الولاية ص 568 ورسائل السزواري ص 241.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

بل هو عبارة عن تفويت ما لو فعله استحق عليه ثواباً(1).

ولو فرضنا أنه عصيان حقيقة بالنسبة إليهم فهو مضر بالعصمة. ولا ينفع في تصحيح هذا الأمر كون الفعل مختصاً به من حيث كونه معصوماً حتى يقال: إنه عصيان في حقه لا في حق غيره.

إذ ربما اختص المعصوم بأحكام وجبت عليه مراعاتها كاختصاص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بوجوب صلاة الليل، ففرض تركه (صلى الله عليه وآله) لها هو عبارة أخرى عن فرض ترك الواجب في حقه الذي هو عين العصيان والعياذ بالله.

هذا، والمعصوم لا يفعل ولا يترك إلا لله وبقصدٍ، إذ ليس في أفعاله وسكناته محل للمباح لقربه الدائم من الله تعالى وخلوص نيته له. وفي الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ذز في وصيته: يا أبا ذر ولتكن لك في كل أمرٍ نية(2).

ـــــــــــــــ

(1) تنزيه الأنبياء ص 10.

(2) نور الولاية ص 568 ورسائل السبزواري ص241.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

فكيف يطمع بذلك من أبي ذر ولا يطمع به من الأنبياء والأوصياء(1).

وفصّل البعض فحمل على ترك الأولى ما كان بظاهره معصية صادراً من المعصومين غير النبي الأعظم وأهل بيته، أما هم فما كان كذلك فهو محمول على صدور التوجه منهم إلى غير الحق تعالى(2).

وقد عرفت ضعف القول بجواز ترك الأولى للمعصوم.

فما ورد من النصوص في الآيات والروايات مما قد يظهر منه نسبة شيء من الخطأ والنسيان والاستغفار والتوبة إلى المعصومين، يجب حمله على محامل مناسبة غير ما فعله الأشاعرة الذين حملوها على ارتكاب المعصية الصغيرة سهواً وقبل البعثة(3)..

ـــــــــــــــ

(1) أمالي الشيخ الطوسي وصية أبي ذر ص 536 ونور الولاية ص568.

(2) رسائل السبزواري ص241ونور الولاية ص 568.

(3) رسائل السبزواري ص 240.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

ومن جملة هذه المحامل:

كون استغفارهم لرفع الدرجة.

التعليم وتأديب الرعية.

كون عباداتهم مع كمالها في نفسها غير لائقة بجنابه تعالى.

التواضع والاعتراف بالعبودية وأن البشر مظنّة المعصية.

الاستغفار من ذنوب رعيتهم. وغير ذلك مما هو مذكور في مواضع متفرقة(1).

وأما حقيقة العصمة فهي باختصار عبارة عن خصلةٍ في داخل الإنسان تصرف صاحبها عن الإقدام عن الخطأ من جهة علمه بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، فإمكان المعصية وعدمها وارد بالنسبة إلى المعصوم لكن لعلمه بمحاسن الطاعات ومنافعها ومفاسد المعاصي

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ مفتاح الفلاح في شرح دعاء الصباح للخاجوئي ص 129و226، وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 161 ونور االولاية ص 567 ـ 570.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

ومضارها فهو لا يصدر منه سوى الطاعة، لوجود الصارف المانع عن إرادة المعاصي، وتتأكد هذه الحالة النورانية في الأنبياء والأوصياء كلما تكرر الوحي والإلهام.

وقد يقال: إنها خصوصية في نفس المعصوم يمتنع معها صدور الذنب عنه.

والجواب عن هذا القول الأخير: هو بطلان هذا القول لاستلزامه القول بعدم استحقاق المعصوم الثواب والمدح حينئذٍ(1).

ـــــــــــــــ

(1) أسرار الحكم ص 402، رسائل السبزواري، هداية الطالبين ص 227 تلخيص المحصل، راجع الفوائد في خاتمة الكتاب ص 525.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

الفصل الأول
معاني الآيات ووجوه تفسيرها
 وبلاغتها وتقييم سبب النزول ورواياته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) عَبَسَ وَتَوَلَّى (2) أَنْ جَاءهُ الأعْمَى (3) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (4) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (5) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (6) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (7) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى (8) وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى (9) وَهُوَ يَخْشَى (10) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (11) كَلاَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (12)}.

روى أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر(1). وروى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس وتولى وإذا الشمس كورت كان تحت جناح الله في الجنان وفي ظل الله وكرامته في جنانه ولا يعظم ذلك على ربه عز وجل(2).

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج10 ص 435.

(2) مجمع البيان ج 10ص 435. وكنز الدقائق ج 14. ص 132.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

1ـ سبب النزول:

 نقلت كتب الحديث والتفسير عند العامة الكثير من الروايات المبينة لسبب نزول هذه الآيات وقد اقتصرنا على واحدة هي من أجمع الروايات في الباب وأكثرها استيعاباً وتوضيحاً لما في الروايات الأخرى، وهي التالية:

روى الطبري بسنده إلى ابن عباس: قال بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيراً ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

بصره ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فلما نزل فيه أكرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكلمه، وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له هل لك حاجة في شيء، وذلك لما أنزل الله {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}(1).

أما كتب الإمامية فليس فيها سوى روايتين:

ففي تفسير علي بن إبراهيم القمي: قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أعمى، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله:  {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} أي يكون طاهراً زكياً، أو يذّكر، قال: يذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتنفعه الذكرى.

ـــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري المجلد 12 ج 30 ص 33، وليلاحظ الدر المنثور ج8 ص 416.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

ثم خاطب عثمان فقال: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه وما عليك ألا يزكى، أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً، وأما من جاءك يسعى، يعنى ابن أم مكتوم، {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تلهو ولا تلتفت إليه(1).

والرواية الأخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنها نزلت في رجل من نبي أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاءه ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه(2).

2ـ معاني الآيات في كلمات المفسرين:

قال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} معناه قبض وجهه، وأعرض به، فالعبوس تقبض الوجه عن تكرُّه، والعبوس