ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

عبس وتولى
فيمن نزلت؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

حقوق الطبع محفوظة
للمركز الإسلامي للدراسات
الطبعة الأولى
1417هـ ـ 1996م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

المركز الإسلامي للدراسات
عبس وتولى فيمن نزلت؟
رضوان شرارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله الطاهرين.

وبعد..

فإن هذا البحث الذي بين يدي القارئ هو من تأليف الأخ العلامة الحجة الشيخ رضوان شرارة زيد توفيقه، الذي عرفته بالصدق والإيمان، وبدقة الملاحظة وبسعة الاطلاع فيما يقع في دائرة اهتماماته، وهو بحق مثال للعالم الذي يشعر بالمسؤولية، ويندفع نحو القيام بالواجب بعزيمة وتصميم. وهذا البحث هو من نتاج يراع ذلك العالم الذي نحترم ونقدر نسأل الله سبحانه له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

المزيد من التوفيق والتسديد، وأن ينفع به وبما يكتب إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير.

جعفر مرتضى العاملي.

28جمادى الآخرة 1417.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

تمهيد:

بسمه تعالى

لقد أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله) كتابه الكريم، ووصفه فيه بأنه {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}(1)، وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(2)، وبّين لهم أن الغاية من إنزاله هي التدبر في آياته(3) وأمرهم بتلاوتها(4) والإنصات إليها(5). فعلمنا أنه جعل ما يفهمه أحدنا من هذه الآيات

ـــــــــــــــ

(1) سورة االإسراء الآية 2.

(2) سورة القيامة الآية 17 ـ 19.

(3) سورة ص الآية 29.

(4) سورة المزمل الآية 20.

(5) سورة الأعراف الآية 207.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

بسليقة عربية وإن كان نفسه أعجمياً(1)، حجة من الله تعالى عليه، لكن شريطة أن لا يكون تفسيراً بالرأي، إذ في الحديث الشريف: من قال في القرآن برأيه أو بغير علم فليتبوأ مقعده من النار(2).

وفي حديث آخر: من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب(3).

وفي حديث ثالث: ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن. إن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف إلى وجوه(4)، وفي مجمع البيان أنه صح أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح(5)، فلذلك لزم الرجوع إلى الأوصياء (عليهم السلام) الذين هم أهل الذكر(6)، لأجل

ـــــــــــــــ

(1) وقاية الأذهان ج2، حجية ظواهر الكتاب.

(2) الوسائل كتاب القضاء، حجية ظواهر الكتاب.

(3) الوسائل كتاب القضاء، باب 13، ج37.

(4) المصدر السابق ج 41.

(5) مجمع البيان ج1، المقدمة ذكر التفسير والتأويل.

(6) البرهان ج3. ص 52.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيان تأويله، وما تشابه من معناه، وتوضيح مجمله، وتخصيص عامه، وتشخيص منسوخه وناسخه. قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(1)، وقال الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: هم الأئمة المعصومون(2).

وهذا كله لم يكن موجباً لسد باب النظر في الكتاب الكريم، حيث إن فيه صنفاً من الآيات، يمكن للناظر فيها إذا كان ذا معرفة بقواعد اللغة وفنونها، أن يستلم ظاهرها ويتبين المراد منها، ثم يعمل بها بعد الرجوع إلى المأثور عنهم (عليهم السلام)، علّه يجد ما يتمم به ما ظهر له منها، بعد الالتفات إلى المستقل من القواعد العقلية، وإلى الثوابت التي تسالمت عليها عقول العقلاء من كافة بني البشر. وإلى جانب هذا الصنف صنفان، أحدهما يشترك في

ـــــــــــــــ

(1) سورة النساء الآية 83.

(2) الوسائل باب 13من أبواب القضاء ج 61.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

معرفته كل من العالم والجاهل، والصنف الآخر محتاج في استعلام المراد منه إلى عرضه على ما يستبين معه معناه، من محكم آية أو مأثور رواية عن أهل البيت الذين هم الراسخون في العلم، قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}(1).

وهذا المتشابه هو الذي هلك فيه الكثير من الناس، وفيه يقول الإمام الصادق (عليه السلام): وإنما هلك الناس في المتشابه، لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم تعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء (عليهم السلام) فيعرّفونهم(2). وقال (عليه السلام): نحن المعول علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله، بل نتبع حقائقه(3).

ـــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران الآية 6.

(2) الوسائل كتاب القضاء باب 13من أبواب صفات القاضي ج8.

(3) المصدر السابق ج 45.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

وقال الصادق (عليه السلام): نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله(1).

وقال (عليه السلام): رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخون في العلم، قد علمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لا يعلم تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه(2)

وقال (عليه السلام): عندنا والله علم الكتاب كله(3) وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(4)؛ إيانا عنى(5).

والحاصل إلى هنا أن الكلام على ثلاثة ضروب، قال

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ج5.

(2) المصدر السابق. ج6.

(3) الوسائل المصدر السابق ج4.

(4) المصدر السابق ج4.

(5) للتأويل إطلاقات: الأول: هو عبارة عن بيان المتشابه وما هو خلاف الظاهر، والثاني: عبارة عن بيان مصاديق الآيات وانطباقاتها خارجاً كما في قول الإمام الصادق: إن للقرآن تأويلاً، فمنهما قد جاء ومنه ما لم يجئ فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمة عرفه إمام ذلك الزمان والمراد من التأويل في هذا المقام هو الأول دون الثاني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الله قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه، ولطف حسه، وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم(1).

هذا وقد يمكن الأخذ بظاهر الكتاب الكريم ـ بعد الالتزام بما قدمنا ـ فيما إذا لم يصرف عنه صارف، من قرينة متصلة أو منفصلة تحتّم ظهوره، ومنها القواعد العقلية القطعية، التي هي بمثابة القرينة المتصلة المانعة ـ مع الالتفات إليها ـ من انعقاد ظهورٍ للكلام على خلافها.

ولذلك احتاجت جملة من الآيات إلى التأويل(2) أو إلى الصرف عن ما يتراءى أنه هو الظاهر منها في بادئ النظر، إلى ما هو أعمق من المعاني، أو أوضح، أو

ـــــــــــــــ

(1) سورة الرعد الآية 43.

(2) الكافي ج1 باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ص 229. ج6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

أصح، أو أليق بكتاب الله العزيز، ولذلك تأكد أيضاً لزوم الرجوع إلى أولياء الله، وهم الأوصياء في هذا الصنف للاستعانة بهم على تشخيص الصوارف والقرائن من الآيات وغيرها.

فقد روى أبو بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم(1) أنه قال: أما والله ما قال ما بين دفتي المصحف، قلت: من هم جعلت فداك؟ قال: من عسى أن يكون غيرنا(2).

وفي خبر آخر: هم الأئمة خاصة(3).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً: ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء(4).

وقال (عليه السلام) أيضاً: إنما يعرف القرآن من خوطب به(5).

وقال الصادق (عليه السلام): إنهم ضربوا القرآن بعضه

ـــــــــــــــ

(1) سورة العنكبوت الآية 49.

(2) الوسائل ـ كتاب القضاء ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ج 11.

(3) المصدر السابق ـ ج12.

(4) الكافي ـ كتاب الحجة ـ باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ج2. ص 228.

(5) الوسائل ـ المصدر السابق ج25.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يظنون أنه العام واحتجوا بالآية وتركوا السنّة في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح به الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوا عن أهله، فضلّوا وأضلّوا(1).

والمقصود من كل هذا: عدم الاستيحاش مما قد يهول به البعض ـ من استلزام بعض التفسيرات الخروج عن ظاهر القرآن، واللجوء إلى ما هو بخلافه، من تأويلٍ وغيره ـ بحجة لزوم فهم القرآن كما هو على أساس لغويٍ عربيٍ متين، وبدعوى أن القرآن أنزل للناس وقد خاطبهم الله تعالى به، وقد روي أنه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون(2).

ذلك أن لزوم فهم القرآن كذلك وإن كان حقاً، لكن ينبغي أن يراعى معه القواعد القطعية المسلمة عقليها

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ـ ج62.

(2) الوسائل ـ باب 13من أبواب صفات القاضي ـ ح81.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

وشرعيّها، فلا يؤخذ بظاهر الكتاب حتى في صورة مخالفته لها، كما لا ترفع اليد عن هذه المسلمات ولو كان المخالف لها هو ما يبدو أنه ظاهر الكتاب، بل قد تكون هذه المسلمات، سبباً في إعادة النظرة في عملية تشكيل الظواهر، لكشفها أحياناً عن خللٍ في استكشاف هذا الظاهر وتشكيله، وهذا باعتبار أن القرآن لا يتحدث بعيداً عن المسلمات والقواعد الشرعية الثابتة بالسنّة القطعية، ولا منفصلاً عن مثيلاتها العقلية بل هو يراعيها، ويعتمد في تفهيم مراداته عليها.

وأما ما روي: من أنه تعالى لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون، فوجهه أن المخاطب بالقرآن ـ على احتمال ـ هم أهل العصمة. وهم يعلمونه، ويشهد له قوله (عليه السلام): إنما يعرف القرآن من خوطب به، فلا يضرّ عدم معرفة الخلق سوى من خوطب به.

أو يقال: إن المخاطب بالقرآن هم جميع المكلّفين ـ على احتمالٍ آخر ـ فإذا علم البعض معناه مع إرجاع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

البعض الآخرين إليهم كان ذلك كافياً في الجمع بين الخبرين(1).

ثم إنه من الضروري التنبيه على أن هذا الأمر ـ أعني فهم ظواهر الكتاب الكريم من خلال ملاحظة القرائن المشار إليها ـ وحاول الاستدلال به، حيث كان من اللازم رفع اليد عن الظواهر البدوية، لعددٍ غير قليل من الآيات، لاستلزامها المخالفة لما هو قطعي كالذي ذكرنا آنفاً، كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ}(2)، وقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ}(3)، وقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}(4)، وقوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(5)، وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}(6).

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق لا حظ ذلك عند الكلام حول الحديث رقم 81.

(2) سورة الفتح الآية 2.

(3) سورة التوبة الآية 43.

(4) سورة التحريم الآية 1.

(5) سورة الفجر الآية 22.

(6) سورة الرحمن الآية 27.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

إذ يلزم صرفها عما يبدو في مبتدأ النظر فيها، إلى ما يتلاءم مع المضامين الأخرى للقطعيات الشرعية والعقلية، للوصول بها إلى درجةٍ من الظهور المستقر، كما هو الحال في هذه الآيات المشعرة بالتجسيم مع قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1)، ومع الأدلة العقلية المبطلة لكونه تعالى جسماً(2).

وخلاصة الكلام: إن ثمة نهجان في التعامل مع كتاب الله المجيد:

أما النهج الأول: فهو الذي ذكرناه آنفاً، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى ذلك جرى المتمسكون بحبلهم، عنيت أعيان العلماء الأثبات المحققين من شيعتهم عبر العصور والأجيال.

وأما النهج الثاني: فهو نهج الذين خالفوهم ولم

ـــــــــــــــ

(1) سورة الشورى الآية 11.

(2) لاحظ احقاق الحق الجزء الأول، ص 172 ودلائل الصدق الخبر الأول، ص 133، وتخليص المحصل المعروف بنقد المحصل ص 258، وقواعد العقائد المطبوع في ذيله ص 449و450.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

يتمسكوا بهم، من الذين يجمعهم الاستسلام للظواهر البدوية والعمل بها دون مراعاة لما قدمناه، فوقعوا بسببٍ من هذا في محاذير كثيرة، ألجأتهم إلى نسبة ما لا يليق إلى الله تبارك وتعالى، وإلى ملائكته ورسله وأنبيائه، وظهرت فيهم مقولات واهية، كالتجسيم والجبر والتفويض، مستندين في ظنهم هذا إلى ما يتراءى من بعض الآيات، زاعمين أن ذلك هو الظاهر منها، غافلين عن أنه لا يعدو كونه ظهوراً بدوياً لها، لو كان ثمة ظهور، وليس هو الظهور المستقر الذي ينبغي العمل على طبقه حسبما أشرنا إليه.

ولربما كانت الآيات التي صُدِّرت بها سورة عبس، تصلح شاهداً على هذه المفارقة، حيث اختلط الأمر على كثيرٍ من الناس فلم يراعوا ذلك في استلهام معناها وفهم المراد منها ما تقدم، ولم يراعوا ذلك لا في استظهارهم المعنى من الآيات نفسها بلا معونة ما هو خارج عنها، ولا في حملهم لها على مضامين الروايات الواصلة إليهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

والمتعرّضة لتفسيرها، مع ما هي عليه من الوهن والضعف كما سيتضح إن شاء الله تعالى، ونحن بعون الله تعالى سنحاول تلمّس الحقيقة، واستنطاق عقليِّ الأدلة والشواهد ونقليها، لإثبات ما نراه هو الأصح من المعاني والأليق بساحة قدس الله تعالى وبكتابه المجيد وبرسوله الكريم صلى الله عليه وآله.

تمهيد آخر حول العصمة:

وتذييلاً لما قدمنا، وتنبيهاً على المراد بالعصمة وبأهلها من الأوصياء الذين وجب الرجوع إليهم نقول:

أهل العصمة هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين قال فيهم تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(1)، وهم الذين عناهم بقوله (صلى الله عليه وآله): إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي(2)، وهم النبي والصديقة الطاهرة والأئمة الأثنا

ـــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب الآية 33.

(2) لاحظ كتاب منتخب فضائل النبي وأهل بيته، حديث الثقلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

عشر (عليهم السلام)(1) وهم الصدر الحامل للقرآن كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}.

والشيعة الامامية قد اتفقوا على عصمتهم (عليهم السلام) وعلى عصمة جميع الأنبياء والرسل، ونفوا عنهم ارتكاب الكبائر والصغائر، المنفر منها وغيره، قبل البعثة وبعدها، عمداً وسهواً سوى الشيخ الصدوق رحمه الله حيث جوز الإسهاء من الله تعالى في غير التبليغ لحكمة يراها لكن نسبه أعاظم علماء المذهب إلى السهو والخطأ، بل والضلال والتضليل في ذلك(2).

والحق هو الذي ذهبت إليه هذه الطائفة من وجوب عصمتهم على النحو الذي تقدم في الاعتماد والتبليغ

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ تفسير نور الثقلين ج4 ص272 وكتاب أهل البيت في آية التطهير ص 25 وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 152.

(2) مصابيح الأنوار ج2 ص 122، إحقاق الحق ج1 ص 211 وما بعدها وج2 ص 196، المبحث الثاني في أن الأنبياء معصومون. ودلائل الصدق ج1ص 212وص 368 المبحث الثاني أيضاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

والأحكام والأفعال وصحة التلقّي عن الله تعالى والكينونة على حالةٍ يكون معها متخلقاً بأخلاق الله تعالى. ولزوم براءتهم من العيوب والعاهات الجسمية وغير الجسمية، ولزوم علو أحسابهم وطهارة أنسابهم، لشدة دخالة العصمة على هذه الكيفية في اللطف الواجب عليه تعالى ولصيرورة الناس معها أكثر استعداداً للقبول والطاعة، وصيرورة طباعهم أرغب بما يأتيهم به المعصوم، ومن ينسب إليهم الصغيرة أو الخطأ أو السهو أو النسيان بدعوى كونهم بشراً تجوز في حقهم ـ كغيرهم ـ هذه الأمور فقد قاس الأبرار المقربين على نفسه، ولا يقاس هؤلاء على غيرهم من ذوت النفوس الضعيفة والصغيرة(1).

وقد خالف الإمامية في ذلك جماعة، لكنهم اتفقوا جميعاً على وجوب عصمة الأنبياء عما يكون منافياً

ـــــــــــــــ

(1) أسرار الحكم ص 238 وص 403، مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 238 ـ 239.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

للتبليغ عمداً وسهواً، لئلا يرتفع الوثوق بهم بين الناس، ولم يخالف في ذلك سوى القاضي على ما حكي عنه ـ حيث جوز ذلك سهواً لدعواه عدم المنافاة في هذه الحال وأنه لا مدخلية لذلك في التصديق بالمعجزة. وقد خالف الأزارقة من الخوارج.

فجوّزوا الكفر عليهم، لأنهم جوزوا الذنوب عليهم، والذنب عندهم كفر. وخالف الحشويون في الكبائر فجوزوها على الأنبياء.

والأشاعرة جوزوا عليهم غير المنفر من الصغائر سهواً.

والمنفر، وهو ما كان كاشفاً عن خسةٍ ونقص في صاحبه كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة، قد منعه الجمهور ولم يجوزوه عليهم.

لكن إمام الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

المعتزلة ذهب إلى تجويز الصغائر ولو كانت عمداً(1).

وقد يقال: إن بعض الطاعات الصادرة عن المعصومين المنزهين عن الخطأ والذنب والسهو والنسيان ـ مع أنها طاعات ـ عصيان منهم، فمثلاً، اللازم لهم مباشرة أولى الراجحين واختياره فترك الراجح الأولى واختيار الآخر معصية في حقهم.

مثال آخر: الحلم والعفو أولى من المعاقبة، فدعاء النبي على الكافرين مرجوح، واختياره الحلم والعفو أولى.

مثال ثالث: اختيار الأسهل من الأمرين العارضين على النبي عصيان في حقه وكل هذا قاعدة حسنات الأبرار سيئات المقربين(2).

والجواب على هذا: هو المنع من كون هذا عصياناً،

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ المصادر المتقدمة. وتنزيه الأنبياء ـ مقدمة المؤلف.

(2) نور الولاية ص 568 ورسائل السزواري ص 241.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

بل هو عبارة عن تفويت ما لو فعله استحق عليه ثواباً(1).

ولو فرضنا أنه عصيان حقيقة بالنسبة إليهم فهو مضر بالعصمة. ولا ينفع في تصحيح هذا الأمر كون الفعل مختصاً به من حيث كونه معصوماً حتى يقال: إنه عصيان في حقه لا في حق غيره.

إذ ربما اختص المعصوم بأحكام وجبت عليه مراعاتها كاختصاص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بوجوب صلاة الليل، ففرض تركه (صلى الله عليه وآله) لها هو عبارة أخرى عن فرض ترك الواجب في حقه الذي هو عين العصيان والعياذ بالله.

هذا، والمعصوم لا يفعل ولا يترك إلا لله وبقصدٍ، إذ ليس في أفعاله وسكناته محل للمباح لقربه الدائم من الله تعالى وخلوص نيته له. وفي الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ذز في وصيته: يا أبا ذر ولتكن لك في كل أمرٍ نية(2).

ـــــــــــــــ

(1) تنزيه الأنبياء ص 10.

(2) نور الولاية ص 568 ورسائل السبزواري ص241.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

فكيف يطمع بذلك من أبي ذر ولا يطمع به من الأنبياء والأوصياء(1).

وفصّل البعض فحمل على ترك الأولى ما كان بظاهره معصية صادراً من المعصومين غير النبي الأعظم وأهل بيته، أما هم فما كان كذلك فهو محمول على صدور التوجه منهم إلى غير الحق تعالى(2).

وقد عرفت ضعف القول بجواز ترك الأولى للمعصوم.

فما ورد من النصوص في الآيات والروايات مما قد يظهر منه نسبة شيء من الخطأ والنسيان والاستغفار والتوبة إلى المعصومين، يجب حمله على محامل مناسبة غير ما فعله الأشاعرة الذين حملوها على ارتكاب المعصية الصغيرة سهواً وقبل البعثة(3)..

ـــــــــــــــ

(1) أمالي الشيخ الطوسي وصية أبي ذر ص 536 ونور الولاية ص568.

(2) رسائل السبزواري ص241ونور الولاية ص 568.

(3) رسائل السبزواري ص 240.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

ومن جملة هذه المحامل:

كون استغفارهم لرفع الدرجة.

التعليم وتأديب الرعية.

كون عباداتهم مع كمالها في نفسها غير لائقة بجنابه تعالى.

التواضع والاعتراف بالعبودية وأن البشر مظنّة المعصية.

الاستغفار من ذنوب رعيتهم. وغير ذلك مما هو مذكور في مواضع متفرقة(1).

وأما حقيقة العصمة فهي باختصار عبارة عن خصلةٍ في داخل الإنسان تصرف صاحبها عن الإقدام عن الخطأ من جهة علمه بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، فإمكان المعصية وعدمها وارد بالنسبة إلى المعصوم لكن لعلمه بمحاسن الطاعات ومنافعها ومفاسد المعاصي

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ مفتاح الفلاح في شرح دعاء الصباح للخاجوئي ص 129و226، وشرح دعاء الصباح لبحر العلوم ص 161 ونور االولاية ص 567 ـ 570.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

ومضارها فهو لا يصدر منه سوى الطاعة، لوجود الصارف المانع عن إرادة المعاصي، وتتأكد هذه الحالة النورانية في الأنبياء والأوصياء كلما تكرر الوحي والإلهام.

وقد يقال: إنها خصوصية في نفس المعصوم يمتنع معها صدور الذنب عنه.

والجواب عن هذا القول الأخير: هو بطلان هذا القول لاستلزامه القول بعدم استحقاق المعصوم الثواب والمدح حينئذٍ(1).

ـــــــــــــــ

(1) أسرار الحكم ص 402، رسائل السبزواري، هداية الطالبين ص 227 تلخيص المحصل، راجع الفوائد في خاتمة الكتاب ص 525.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

الفصل الأول
معاني الآيات ووجوه تفسيرها
 وبلاغتها وتقييم سبب النزول ورواياته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) عَبَسَ وَتَوَلَّى (2) أَنْ جَاءهُ الأعْمَى (3) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (4) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (5) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (6) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (7) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى (8) وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى (9) وَهُوَ يَخْشَى (10) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (11) كَلاَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (12)}.

روى أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر(1). وروى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ومن قرأ سورة عبس وتولى وإذا الشمس كورت كان تحت جناح الله في الجنان وفي ظل الله وكرامته في جنانه ولا يعظم ذلك على ربه عز وجل(2).

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج10 ص 435.

(2) مجمع البيان ج 10ص 435. وكنز الدقائق ج 14. ص 132.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

1ـ سبب النزول:

 نقلت كتب الحديث والتفسير عند العامة الكثير من الروايات المبينة لسبب نزول هذه الآيات وقد اقتصرنا على واحدة هي من أجمع الروايات في الباب وأكثرها استيعاباً وتوضيحاً لما في الروايات الأخرى، وهي التالية:

روى الطبري بسنده إلى ابن عباس: قال بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيراً ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعبس في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

بصره ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فلما نزل فيه أكرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكلمه، وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له هل لك حاجة في شيء، وذلك لما أنزل الله {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}(1).

أما كتب الإمامية فليس فيها سوى روايتين:

ففي تفسير علي بن إبراهيم القمي: قال: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذناً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أعمى، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه وعثمان عنده فقدمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله:  {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} أي يكون طاهراً زكياً، أو يذّكر، قال: يذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتنفعه الذكرى.

ـــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري المجلد 12 ج 30 ص 33، وليلاحظ الدر المنثور ج8 ص 416.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 34/

ثم خاطب عثمان فقال: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه وما عليك ألا يزكى، أي لا تبالي زكياً كان أو غير زكي إذا كان غنياً، وأما من جاءك يسعى، يعنى ابن أم مكتوم، {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تلهو ولا تلتفت إليه(1).

والرواية الأخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنها نزلت في رجل من نبي أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) فجاءه ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه(2).

2ـ معاني الآيات في كلمات المفسرين:

قال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} معناه قبض وجهه، وأعرض به، فالعبوس تقبض الوجه عن تكرُّه، والعبوس

ـــــــــــــــ

(1) تفسير القمي ج2 ص430، ونور الثقلين ج5 ص 508، والبرهان ج4ص 427. وكنز الدقائق ج14. ص 132كل ذلك عنه.

(2) مجمع البيان ج10 ص 437 والبرهان ج4 ص 428. عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 35/

هو البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان مثل كلح(1) وقيل: قطب وجهه من ضيق الصدر(2).

{أَنْ جَاءهُ الأعْمَى} أي عبس لأن جاءه الأعمى(3). {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} خطاب للعابس، ومعناه: وما يعلمك لعله يتزكّى بالعمل الصالح على يديك لو كان العابس رسول الله، أو على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو كان العابس غيره.(4) وفي تفسير القمي: أي يكون طاهراً أزكى.(5) ويحتمل تقدير (قل): فيكون قل وما يدريك لعله يتزكى.(6) {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} في دينه، أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن وأوامره تعالى، ويفكر فيما أمر بالفكر فيه(7). قال تعالى:  {وَذَكِّرْ فَإِنَّ

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ التبيات ج10 ص 268 ومجمع البيان ج10. ص 438.

(2) تفسير المراغي ج 30ص 38.

(3) لاحظ التبيان ج 10 ص 268 ومجمع البيان ج10 ص 438.

(4) المصدر السابق.

(5) تفسير القمي ج2 ص431.

(6) التبيان ج10 ص269.

(7) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 36/

الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(1). وقال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}(2).

{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} أي من كان عظيماً في قومه واستغنى بالمال عن الإيمان والقرآن(3) وقيل: ومعناه: أما من كان غنياً أو وجدته موسراً(4). قال تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}(5) {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تتعرض له وتقبل عليه بوجهك(6) {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى} خطاب للعباس على وجه(7) وللنبي صلى الله عليه وآله على وجهٍ آخر، بتقدير قل يا محمد: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}(8). والتزكّي هو التطهُر من الذنوب،

ـــــــــــــــ

(1) سورة الذاريات الآية 55.

(2) سورة الرمز الآية 9.

(3) لاحظ مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج31 ص56.

(4) التبيان ج10 ص 270.

(5) سورة العلق الآية 7.

(6) مجمع البيان ج10 ص 438 والتفسير الكبير ج 31 ص 56 والكشاف ج4 ص 570.

(7) التفسير الكبير ج31 ص 56 وتفسير المراغى ج 20، ص40.

(8) التبيان ج10 ص 270.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 37/

وأصله الزكاء وهو النماء، فلما كان الخير ينمي للإنسان بالتطهر من الذنوب كان تزكياً(1)

{وَأَمَّا مَنْ جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى} أي يسعى في الخير وهو يخشى الله(2) أو يخشى معصية الله والكفر(3). قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(4)، وقال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}(5) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}(6)

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) مجمع البيان ج10 ص 428.

(3) التبيان ج10 ص 270.

(4) سورة طه الآية 3.

(5) سورة الأعلى الآية 10.

(6) سورة المؤمنون الآية 56 إلى 60.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 38/

والخشية هنا بمعنى الحذر عن مقارفة المعصية خوفاً من عقاب الله تعالى(1).

{فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}. التلهّي عن الشيء هو التروح بالإعراض عنه والمعنى(2). فأنت تتغافل وتشتغل عنه بغيره(3).

(كلا) أي لا تعد لذلك وانزجر(4). أو ليس الأمر ينبغي أن يكون على ذلك(5).

وقيل: قوله كلا دال على أنه ليس له أن يفعل ذلك في ما يستأنف فأما الماضي فلا يدل على أنه معصية لأنه لم يتقدم النهي عنه(6) {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي إن آيات القرآن أو السورة تذكير وموعظة للخلق(7).

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج10 ص 270.

(2) المصدر السابق.

(3) مجمع البيان ج10 ص 438.

(4) المصدر السابق.

(5) التبيان ج10 ص 270.

(6) التبيان ج10 ص 271. ومجمع البيان ج10 ص437.

(7) مجمع البيان ج10 ص 271ومجمع البيان ج10 ص 437.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 39/

3ـ بلاغة الآيات في كلمات المفسرين:

ذكر كثير من المتعرضين لتفسير هذه الآيات وجوهاً بلاغية قالوا إنها ترتفع إلى المستوى الإعجازي لبلاغة القرآن الكريم فقد قالوا: إن في هذه الآيات التفاتاً من الغيبة في قوله تعالى: {عَبَسَ} إلى الخطاب في قوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى}، كما هو الحال في سورة الفاتحة حيث بدأ بالغيبة {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم ثنى بالخطاب فقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(1).

قال في الكشاف: إن في الأخبار عما فرط منه ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار(2).

وزاد النيسابوري في تفسيره: كمن يشكو جانياً بطريق

ـــــــــــــــ

(1) البيان في تفسير القرآن ص 459.

(2) الكشاف ج4 ص701.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 40/

الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ(1).

وقيل: التفت سبحانه إلى خطاب نبيه لأن المشافهة أدخل في العتاب، بمعنى أي شيء يجعلك دارياً وعالماً بحاله ويطلعك على باطن أمره حتى تعرض عنه(2).

وقال في الميزان: وقيل ـ بناءً على كون المراد بالمعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) ـ: أن في التعبير عنه أولاً بضمير الغيبة إجلالاً له لإيهام أن من صدر عنه العبوس والتولّي غيره (صلى الله عليه وآله)، لأنه لا يصدر مثله عن مثله، [والتعبير] ثانياً بضمير الخطاب إجلالاً له أيضاً لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض.

قال رحمة الله: وفيه أنه لا يلائمه الخطاب في قوله بعد: أما من استغنى فأنت له تصدى الخ. والعتاب

ـــــــــــــــ

(1) تفسير النيسابوري المطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 12، ج30، ص29.

(2) فتح القدير ج5، ص382، روح البيان ج10 ص 331 وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 438.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 41/

والتوبيخ فيه أشد مما في قوله تعالى: عبس وتولى، ولا إيناس فيه قطعاً(1). والتعبير بالأعمى لزيادة الإنكار(2).

وقيل: للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق(3).

وقال في الكشاف أيضاً: كأنه يقول: قد استحق عنده العبوس والإعراض عنه لأنه أعمى، وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدّب الناس بأدب الله في هذا تأدباً حسناً(4).

وفي تفسير المراغي: وقيل في معناه: إنه بسبب عماه كان يستحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك أن تخصه بالغلظة، وهذا كما تقول لرجلٍ جاءه فقير فانتهره

ـــــــــــــــ

(1) الميزان ج20 ص200.

(2) البيضاوي ج5 ص 173. روح البيان ج10 ص331، لاحظ الميزان ج20 ص200.

(3) نفس المصدر السابق

(4) الكشاف ج4 ص701 وليلاحظ محاسن التأويل للقاسمي ج17 ص258 رورح البيان ج10 ص 331.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 42/

وآذاه أتؤذي هذا المسكين الذي يستحق الشفقة ومزيد الحنان والعطف(1).

قال في الميزان: وفي التعبير عن الجائي بالأعمى مزيد توبيخ لما أن المحتاج الساعي في حاجته إذا كان أعمى فاقداً للبصر، وكانت حاجته في دينه دعته إلى السعي فيها خشية الله كان من الحري أن يرحم ويخص بمزيد الإقبال والتعطف، لا أن ينقبض ويعرض عنه(2).

وقيل أيضاً: إن في قوله تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}, {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} اختصاصاً، ومعناه إنكار التلهّي عليه، أي مثلك خصوصاً لا ينبغي له أن يتصدى للغني ويتلهّى عن الفقير(3).

وقيل في كلمة الترجي (لعل): إنها باعتبار من وجّه

ـــــــــــــــ

(1) تفسير المراغي ج30 ص 40.

(2) الميزان ج20 ص 200.

(3) روح المعاني ج30 ص 41 تفسير النيسابوري المجلد 12 ج30 ص 27، روح البيان ج10 ص331 الكشاف مع هامشه ج4 ص 702 وفتح القدير ج5 ص 382.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 43/

الخطاب إليه للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز(1) وقيل في التعبير بتتلهى، بمعنى تتغافل، دلالة على الاستزادة في الأمر(2)، وهو التوغّل في التشاغل والإعراض الذي عوتب عليه. ثم إن في إشهار الخطاب دلالة على شدة العتاب(3).

قال في الميزان أيضاً: وفي الآيات الأربع عتاب شديد ويزيد شدة بإتيان الآيتين الأوليين في سياق الغيبة لما فيه من الإعراض عن المشافهة والدلالة على تشديد الإنكار، وإتيان الآيتين الأخيرتين في سياق الخطاب لما فيه من شديد التوبيخ وإلزام الحجة بسبب المواجهة بعد الإعراض والتقريع من غير واسطة(4).

يضاف إلى ذلك قوله تعالى: {كَلاَ} الذي فسره ـ كل من رأيته تعرّض لتفسيرها ـ بالزجر والنهي ولزوم الانتهاء

ـــــــــــــــ

(1) فتح القدير ج5 ص 382.

(2) تفسير المراغي ج30 ص 41.

(3) روح البيان ج10 ص 331.

(4) تفسير الميزان ج20 ص 200.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 44/

عما سلف منه وقال في النهاية: إنها آكد في النفي والردع من كلا(1) وكأنه لم يكتف تعالى بهذا العقاب حتى زاد النهي تشديداً في الإنكار(2).

وهذا كله إنما يدل على شدة في العتاب منه تعالى، مع زيادة في القسوة، وإيغال في النكير، وحدّة في التوبيخ والتقريع في حق العابس، بسبب إيذائه الأعمى، والتغليظ عليه، والإعراض عنه، والعبوس في وجهه، والتلهّي والتشاغل عنه لعماه، لأجل التصدّي لغيره لغناه، وغير هذا، مما لا يصدر مثله عن مثله (صلى الله عليه وآله)، حتى استدعى منه تعالى أن يتكلم بلسان الغيبة إيهاماً لعدم صدوره منه لفظاعته، بل لم يكتف بهذا حتى أشهر عتابه ـ وفي التعبير بالعتاب نوع تلطّف وتخفيف ـ في عمل هو أقرب إلى التشهير منه إلى التربية والتعليم.

فهل كل هذا مع غيره مما يجيء إن شاء الله تعالى لائق

ـــــــــــــــ

(1) النهاية ج4 ص199.

(2) علم اليقين في أصول الدين ج1 ص 456.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 45/

بالنبي المعصوم بل بسيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم وأفضل خلقه تعالى على الإطلاق(1)؟!

4ـ عام لروايات سبب النزول:

اتفقت الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآيات على أن المراد بالأعمى فيها هو ابن أم مكتوم الصحابي المعروف، واتفقت أيضاً على أنه (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً في تلك الواقعة، بينما أجمعت روايات أهل السنة ـ فيما عثرنا عليه ـ على أن الذي عبس وتولّى هو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفهم الإمامية في ذلك عملاً بما رووا، حيث دلت رواية على أن الذي عبس هو رجل من بني أمية، ودلت الأخرى على أنه عثمان.

واختلفت الروايات أهل السنة مع الإمامية من جهة، وفيما بينهم من جهة أخرى، فيمن كان حاضراً عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث العبوس، ففي روايتي أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وفي بعض روايات

ـــــــــــــــ

(1) تفسير القرآن العظيم ج4 ص 472.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 46/

غيرهم أنه كان جماعة من صناديد قريش. وفي البعض الآخر رجل من عظماء قريش وغير ذلك فيما يأتي من الروايات التي يتطرق إلى ذهن الناظر فيها جمله من الأسئلة حول المقصود بالأعمى؟ وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) حاضراً آنذاك؟ ومن الذي عبس وتولى؟ هل صحيح أنه النبي (صلى الله عليه وآله)؟ ومن كان حاضراً حين العبوس ؟.

لكن ليس بإمكان هذه الروايات الإجابة على كل هذه الأسئلة بشكل يقطع الطريق على شكٍ وريب تثيره في وجه السبب الذي تبديه لنزول هذه الآيات؛ لشدة اختلافها واضطرابها، مما يوهن الاعتماد عليها لا سيما مع معارضتها بما روته الرواة عن أهل البيت (عليهم السلام) ففيما يدل على أن المراد بالأعمى هو ابن أم مكتوم وأنه إجماع فقد قال ابن كثير:

ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 47/

والضحّاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم مكتوم(1).

وفي التسهيل(2) وتفسير البيضاوى(3) أنه هو أيضاً.

وقال الفخر الرازي: أجمع المفسّرين على أن الأعمى هو ابن أم مكتوم(4) وفي التبيان(5) ومجمع البيان(6) وتفسير القمي(7) وغيرها(8) من التفاسير أيضاً أنه ابن أم مكتوم.

وأما فيما يتعلق بالعابس، فقد أجمع أهل السّنة على أن المراد به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورووا في ذلك روايات،

ـــــــــــــــ

(1) التسهيل ص 178.

(2) البيضاوي ج5 ص 173. وغيره من التفاسير المذكورة في الهامش فراجع.

(3) التفسير الكبير ج16 ص55.

(4) التبيان ج10 ص 270.

(5) مجمع البيان ج10 ص 437.

(6) تفسير علي بن أبراهيم القمي ج2 ص 430.

(7) تفسير الصافي ج5 ص 284. وتفسير الميزان ج20 ص 199، وراجع تفسير البرهان ج4 ص 427 وتفسير نور الثقلين ج5 ص 508. وتفسير كنز الدقائق ج 14ص 132و133.

(8) الفخر الرازي ج16 ص55. وفتح القدير ج5 ص382 والنيسابوري في هامش الطبري المجلد12 ج30 ص25.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 48/

وقد نقل إجماعهم هذا جماعة، منهم الفخر الرازي في تفسيره(1)

وفي التبيان: أنهم اختلفوا في من وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به هو النبي (صلى الله عليه وآله) (2).

وفي مجمع البيان: نسب ذلك إلى القيل ولم يتبناه، ثم تعرض بعد ذلك إلى توجيه على فرض صحة الرواية الدالة عليه(3).

أما فيما يتعلق بمن كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين حدوث سبب النزول، ففي روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنه كان عنده أصحابه وعثمان، وفي بعضها لم يذكر أكثر من أن رجلاً من بني أمية هو الذي نزلت فيه الآيات(4).

أما روايات أهل السنة فمع اتفاقها وإجماع مفسريهم على أن العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله) وأن الأعمى هو ابن أم

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج10 ص268.

(2) مجمع البيان ج10 ص 437.

(3) تفسير البرهان ج4 ص427 ـ 428، كنز الدقائق ج14 ص 133.

(4) لاحظ الدر المنثور ج8 ص 415إلى 133.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 49/

مكتوم كما عرفت فقد اختلفت فيما بينها فيمن كان عنده (صلى الله عليه وآله) آنذاك.

ففي الدر المنثور(1):

في رواية عن عائشة: أنه كان عنده رجل من عظماء قريش، وفي أخرى عنها: أنه كان عنده وجوه من قريش منهم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وفي ثالثة عن مسروق عنها: أنه كان عنده عتبة وشيبة، وفي رواية عن أنس: أنه كان يكلم أبي بن خلف.

وفي خامسة عن ابن عباس: أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن هشام، وفي سادسة عن أبي مالك: أنه كان يتصدّى لأمية بن خلف، وفي سابعة عن مجاهد: أن من استغنى هو عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف.

وفي ثامنة عنه أيضاً: أنه كان (صلى الله عليه وآله) مستخلياً بصنديد من صناديد قريش.

ـــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري المجلد 12 ج30 ص 32.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 50/

وفي تاسعة عن الضحاك: لقي رجلاً من أشراف قريش.

وروايات الطبري في تفسيره أيضاً مختلفة.

ففي واحدة: أنه عتبة وأبو جهل، وفي أخرى: أمية بن خلف فقط، وفي ثالثة أبي بن خلف، وفي رابعة: رجل كثير المال، وفي خامسة: أنها نزلت في العباس، وفي سادسة: ذكرت عتبة وشيبة ابني ربيعة(1).

واختلف نقل ابن كثير أيضاً، ففي رواية أنس أنه ابن خلف، وفي رواية عائشة عظماء المشركين، ومثلها رواية أخرى أسندت إلى عروة بدل عائشة، وفي رواية ابن عباس. ذكر عتبة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب(2) وذكر تفسير النيسابوري عتبة وشيبة ابني

ـــــــــــــــ

(1) تفسير ابن كثير ج 4 ص 471 ـ 472

(2) تفسير النيسابوري الطبوع في هامش تفسير الطبري المجلد 10ج 30 ص 254. وما بعدها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 51/

ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب(1).

وفي الفصل: أنه عظيم من المشركين على رواية وفي غيرها من الروايات جماعة(2).

وفي التسهيل: قيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كانوا جماعة(3)،

وفي تفسير القرطبي: روى أهل التفسير أجمع أن قوماً من أشراف قريش.. وفيه أيضاً في كلام آخر له: رجل من عظماء قريش..

ونسب إلى المالكية: أنه الوليد بن المغيرة، ثم قال: قال قتادة: هو أمية بن خلف، وعنه أنه أبي بن خلف.

وقال مجاهد: كانوا ثلاثة، عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي بن خلف وقال عطاء: عتبة بن ربيعة.

ـــــــــــــــ                                      

(1) الفصل ج4 ص 47 وتفسير القاسمي المجلد 7ج 17، ص 259 عنه.

(2) التسهيل ص 178.

(3) تفسير القرطبي ج19 ص 212ـ313.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 52/

وعن سفيان الثوري: كان النبي (صلى الله عليه وآله) مع عمه العباس(1) وفي الكشاف كان عنده صناديد قريش، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة(2).

هذا وجميع المصادر المتقدمة للفريقين برواياتها وآراء مفسريها متفقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان حاضراً حين حدوث سبب النزول.

واختلاف هذه الروايات فيما بينها واضح جداً، ونظرة فاحصة لروايات عائشة وأنس ومجاهد تنبئك عن اضطرابها الشديد واختلافها، حيث نقلت الحادثة عن الراوي الواحد بعدة كيفيات كما اتفق في رواية مجاهد وعائشة مع تعارض هذه الروايات فيما بينها، وتعارضها مع باقي الروايات لاسيما اللتان وردتا من طرق أهل

ـــــــــــــــ

(1) الكشاف ج4 ص 700.

(2) الهدى إلى ديت المصطفى ج1 ص 158ـ159، والصحيح من السيرة ج3 ص 157ـ158.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 53/

البيت (عليهم السلام) وهما غير متعارضتين وغير مضطربتين.

هذا ويضاف إلى ما ذكر: انقطاع أكثر هذه الروايات، لصغر كل من عائشة وابن عباس وأنس وكون الباقين من التابعين مع احتمال عدم كونهم أو بعضهم من المخلوقين آنذاك(1) مضافاً إلى وصف بعض هذه الأخبار بالغرابة(2).

وفي الجامع للقرطبي: وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ولا حضرا معه إلى آخر ما قال(3).

نعم نسبه في روح المعاني إلى الوهم(4).

وفي الجامع أيضاً: وقال (صلى الله عليه وآله) في نفسه: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد فأعرض عنه.  

ـــــــــــــــ

(1) جامع الأحكام ج19 ص 212.

(2) جامع أحكام القرآن ج19 ص 212.

(3) روح المعاني ج30 ص 38.

(4) من وحي القرآن ج24 ص 65.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 54/

قال صاحب كتاب من وحي القرآن: ثم.. إن النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الأوعى والأعرف بالقيمة الروحية التي يمثلها الإسلام في تقييم الأشخاص على أساس التقوى التي تجمع الإيمان والعمل، فلا يجوز أن ينسب إليه، احتقاره للمؤمنين في مسألة الإنتماء إلى مجتمع الدعوة التابع له، وهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجتمع بالمؤمنين سراً، ليدفع عنه هذا الانطباع، حتى يكون مجيء الأعمى إلى مجلسه مفاجأة له(1).

أقول: وهو كلام سليم لكنه ذيَّله يقوله: «ونحن لا نريد أن نؤكد هذه الرواية أو نرفضها..» وهو عجيب بعد وضوح سقوط هذه الروايات لاشتمالها على ما لا يجوز نسيته إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

5ـ فيما ورد الكثير بعد نزول الآيات:

وقد ورد الكثير من الآثار في كتب أهل السنة تتحدث

ـــــــــــــــ

(1) روح البيان ج10 ص331.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 55/

عن سلبيات لهذا الحدث تعقيباً على نزول هذه الآيات.

ففي روح البيان: يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يغتم في عمره كغمة حين أنزلت عليه سورة عبس؛ لأن فيها عتباً شديداً على مثله لأنه الحبيب الرشيد، ومع ذلك فلم يجعل ذلك الخطاب بينه وبينه، فيكون أيسر للعقاب، بل كشف ذلك للمؤمنين ونبه على فعله عباده المتقين، ولذلك روي أن عمر بن الخطاب بلغه أن بعض المنافقين يؤمّ قومه فلا يقرأ فيهم إلا سورة عبس، فأرسل إليه فضرب عنقه لما استدلّ بذلك على كفره ووضع مرتبته عنده وعند قومه(1).

وروى أيضاً: قال الحسن: لما تلا جبرائيل هذه الآيات على النبي (صلى الله عليه وآله) عاد وجهه كأنما استف فيه الرماد، أي تغيّر كأنما ذرّ عليه الرماد، ينتظر ما يحكم الله عليه، فلما قال: لا، سرى عنه(2).

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ض 334.

(2) تفسير جامع البيان مجلد 212 ج30 ص 33، الدر النثور ج8 ص 417 تفسير القاسمي المجلد 7 ص 259 روح البيان ج10 ص 231.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 56/

وقيل: لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتم شيئاً من الوحي كتم هذا عن نفسه(1).

وروي أيضاً: أنه ما عبس بعدها في وجه فقيرٍ قط، ولا تصدّى لغني(2).

وروي أنه (صلى الله عليه وآله): كان بعد ذلك يكرمه(3).

وروي أنه: ما رؤي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد هذه الآية متصدياً لغني عن فقير(4).

وروي أنه (صلى الله عليه وآله): كان يقول له بعد ذلك: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي(5).

ـــــــــــــــ

(1) الكشاف ج4 ص701.

(2) تفسير ابن كثير ص ج4 ص 417.

(3) الدر المنثور ج 8 ص 417.

(4) التفسير الكبير ج 31 ص 54، تفسير القرطبي ج16 ص 213، الكشاف ج4 ص701، التسهيل ص 178، تفسير النيسابوري، مجلد 12 من تفسير الطبري ج 30 ص 25، تفسير المراغي ج30 ص 41، تفسير روح النعاني ج30 ص 39.

(5) مجمع البيان ج10 ص 437، تفسير البرهان ج4 ص 428 عنه نور الثقلين ج5 ص 509 عنه أيضاً وكنز الدقائق وبحر الغرائب ج 14 ص 132، عن مجمع البيان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 57/

هذا عند أهل السنة وأما روايات الشيعة الإمامية فقد روي عن الصادق (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأى ابن أم مكتوم، قال: مرحباً، مرحباً، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله) مما يفعل به(1).

ولم أعثر على من روى هذه الرواية غير الشيخ الطبرسي رحمه الله صاحب مجمع البيان، فراجع المجاميع الحديثية المفسّرة للقرآن كالبرهان ونور الثقلين وكنز الدقائق.

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج10 ص386.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 58/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 59/

الفصل الثاني
والكلام فيه واقع في الأدلة التــي
يمكن أن يستدل بها على عدم صحة
كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)
مــن داخل الآية وخارجهــــا من دون
الاستعانة بروايـات النزول.
والبحث واقع في عدة جهات:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 60/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 61/

الجهة الأولى:

إخباره تعالى بـ قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}، فإنه لا يتناسب مع شأن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، إذ المعنى اللغوي للعبوس هو البسور والتكليح والتقطيب، وضدهما الطلاقة والبشاشة(1)

وفي النهاية الأثيرية: العابس: الكريه الملقى الجهم المحيا(2).

وقد وردت هذه المادة في الكتاب الكريم في موردين(3) غير المورد الذي نحن بصدد بحثه:

الأول: قوله تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}(4).

الثاني: قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}(5).

ـــــــــــــــ

(1) النهاية ج3 ص171.

(2) النعجم المفهرس ص 445.

(3) سورة المدثر الآية 22 ـ 23.

(4) سورة الإنسان الآية 10.

(5) سورة المدثر الآية 11 وليلاحظ التبيان ج10.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 62/

أما الآية الأولى: فقد ورد أنها نزلت في الكافر الذي وصفه تعالى بقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}(1)، وفي التفسير الكبير: أجمعوا على أن المراد به الوليد بن المغيرة(2).

والقرطبي في هذا الموضوع فسر العبوس بما لا يتناسب مع شأنه (صلى الله عليه وآله)(3) فلاحظ.

وأما الآية الثانية: فقد ذكر في مجمع البيان أن العبوس هو المكفهر الذي تعبس فيه الوجوه، ووصف اليوم بالعبوس توسعاً لما فيه من الشدة وهذا كما يقال يوم صائم وليل قائم(4).

قال الشاعر:

 قال السماء كئيبة وتجهما       قلت ابتسم يكفي التجهم في السما

ـــــــــــــــ

(1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 30 ص 198.

(2) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 75.

(3) مجمع اليبان ج10 ص408.

(4) تفسير الصافي ج5 ص285

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 63/

والغرض من هذا بيان المعنى الذي ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ويوصف به ويدعى أنه أنزل في شأنه.

ونحن وإن كنا لا نمنع العبوس عنه مطلقاً ولو كان غضباً لله تعالى، لكن لما عاتب الله تعالى نبيه العابس بشدة وزجره وأنكر عليه، علم أن فعله هذا كان في غير محله، بالتالي يعلم أنه لم يكن صادراً منه، فإن سياق هذه المعاتبات ـ كما يقول العلامة المحقق الجامع بين العلوم الشرعية والعقلية الفيض الكاشاني رحمه الله ـ غير لائقٍ بمنصبه (صلى الله عليه وآله) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام(1).

أما التولي فقد عرفت فيما تقدم عند تفسير الآيات أنه بمعنى الإعراض، وفرض إعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عن الأعمى المقيل عليه ليس فيه مناسبة لشأنه (صلى الله عليه وآله) للزوم الإقبال على الجليس والسلام عليه والتحدث معه ببشر

ـــــــــــــــ

(1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3 ص158.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 64/

وطلاقة وجه وغير ذلك مما هو كثير وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن افتراض كون التولي عن الأعمى لغرض ديني راجح هو الجواب عن كون العبوس كذلك فلا تغفل.

الجهة الثانية:

وصفه تعالى للعابس بأنه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن من يخشى من الفقراء وهذا الفعل ظاهر في قدر ٍمن القبح لا ريب فيه، ووجه الظهور تعليق هذا الفعل، وهو التصدّي أو التلهّي، على وصفٍ هو الغنى في الأول والخشية في الثاني.

ومن الواضح ظهور الكلام في كون التصدّي للمستغني لأجل استغنائه والتلهّي عن الفقير لأجل فقره.

بل في كتاب الصحيح من السيرة: إن في قوله تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}، وقوله تعالى: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، دلالة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح65/

على أن المعني بهذه الآيات كان من دأبه العمل على التصدي للأغنياء، والاهتمام بهم لغناهم ولو كانوا كافرين، والتلهي عن الفقراء والتشاغل عنهم والإعراض ولو كانوا مؤمنين(1) انتهى.

وهذا مما لا يصح أن يوصف به أهل التقى والورع فضلاً عن المعصومين لاسيما مقدمهم وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) لكونه منفراً وهو منزه عنه. ولعدم شباهته بأخلاقه وسعة صدره، وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله): إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بحسن أخلاقكم(2)، وغير ذلك مما هو كثير لا يسع المجال ذكره.

ولعل المراد مما ذكره من الدلالة: أن الآيات تعطي أن العابس كان على صفة التصدي للغني والتلهي عن الفقير كما هو الحال في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ

ـــــــــــــــ

(1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3، ص158.

(2) وسائل الشيعة ـ كتاب الحج ـ باب 107 من أبواب العشرة ـ ج8، وليلاحظ تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص394.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 66/

وَيَخَافُونَ}(1) بضميمة الاختصاص الحاصل من تقديم كل من الضمير والجار والمجرور.

واحتمل البعض: أن يكون المراد من الآية بدلالة كل من الظهور والسياق التعيير والنكير على العابس ولو لم يكن الفعل صادراً منه لأكثر من مرة وهذا واضح لمن راجع الاستعمالات العرفية ولا فرق بين الوجهين فيما نحن بصدده لكن الأول أرجح.

الجهة الثانية:

قوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}، هو من جملة ما يدل على أن هذه الآيات لم تنزل في شأن النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف يقول الله تعالى لنبيه: وما عليك ألا يزكى، والحال أنه (صلى الله عليه وآله) مبعوث لدعوة الخلق وتنبيههم وتزكيتهم وتعليمهم؟! قال الله تعالى:  {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ

ـــــــــــــــ

(1) سورة الإنسان الآية 7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 67/

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}(1)

وكيف لا يكون تزكيتهم عليه وقد أرسل لذلك الغرض وكيف لا يهمه ذلك وقد بذل عمره الشريف في هذا الشأن، وكأن هذا القول ـ لو بني على صحة النزول في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ إغراء بترك الحرص على إيمان قومه!(2)

وصدور هذا الإغراء منه تعالى ونسبته إليه قبيح وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) تدل على حرصه الشديد على قومه، قال تعالى:  {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}(3) وقال تعالى أيضاً:  {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}(4).

ـــــــــــــــ

(1) سورة الجمعة الآية 2.

(2) تنزيه الأنبياء ص119.

(3) سورة فاطر الآية 8.

(4) سورة الكهف الآية 6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 68/

وأيضاً:  {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(1). هذا ولسان حاله {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(2) وقال (صلى الله عليه وآله):  «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»(3).

الجهة الرابعة:

قوله تعالى:  {كَلاَ} إنها تذكرة، فقد ذكر أهل اللغة أن كلا للزجر والنهي تارة، وبمعنى حقاً تارة أخرى(4)،

وفي النهاية: معناها ردع وتنبيه وزجر أي انته لا تفعل، إلا أنها أكد في النفي والردع من لا لزيادة الكاف(5).

وقد وردت في سورة عبس في موضعين أحدهما بالمعنى الأول وهو قوله تعالى:  {كَلاَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}(6).

ـــــــــــــــ

(1) سورة الشعراء الآية 3.

(2) سورة يسن.

(3) البحار ج95 ص167.

(4) لاحظ لسان العرب كلمة كلا.

(5) النهاية ج4 ص199.

(6) سورة عبس الآية 11.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 69/

والآخر بالمعنى الثاني وهو قوله تعالى: {كَلاَ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}(1) أما المورد الأول وهو موضع البحث فإني لم أر من جعلها بغير معنى الزجر وكأنها بهذا المعنى تسليم بينهم، ووجه دلالتها على عدم صحة النسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تقدم الأخبار بصدور العبوس والتولي، مع ما في هذا الأخبار من اللوم والتوبيخ وغير ذلك مشدداً في النهي وكأن النهي كان بحيث لم يكن يكفي معه التقريع السابق.

هذا مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تكفيه الإشارة ولم يكن بحاجة إلى كل هذا، فلم هذا الإصرار على الزجر والتوبيخ لو لم يكن العابس هو غيره (صلى الله عليه وآله) ؟!فما أبعد ما بين هذا الزجر مع ما يصاحبه من اللوم والتقريع وبين شأنه، اللائق به صلى الله عليه وآله.

ـــــــــــــــ

(1) سورة عبس الآية 23.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 70/

ولعل النظر في استعمالات هذه الكلمة الكثيرة والواردة في القرآن بمعنى الزجر يجعلك أكثر أنساً بما ذكرنا فلاحظ الآيات التالية:

{كَلاَ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً}(1).

{قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}(2).

{كَلاَ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى}(3)

{كَلاَ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً}(4)

{كَلاَ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}(5).

{كَلاَ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى}(6).

ـــــــــــــــ

(1) سورة مريم الآية 79.

(2) سورة المؤمنون الآية 100.

(3) سورة المعارج الآية 15.

(4) سورة المدثر الآية 16.

(5) سورة الانفطار الآية 9.

(6) سورة العلق الآية 6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 71/

وغير ذلك كثير فراجع

الجهة الخامسة:

إن تشديد النكير وإعلان العقاب كما عرفت لا يتلاءم مع كون الفعل المعاتب عليه مباحاً، فضلاً عن كونه قد صدر عن فاعله لمصلحة دينية، كما هو شأن النبي، إذ لو كان الفعل كذلك لوجب إطراء فاعله ومدحه والثناء عليه وحق له عندئذ أن يمجده تعالى ويعلي ذكره في كتابة الكريم لأنه لم يرد سوى الخير والصلاح في الدين، ولا أقل من أن يتحبب الله تعالى إلى فاعله على طريقه: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}(1)

لكن الذي رأيناه منه تعالى في هذه السورة هو خلاف ذلك حيث الإنكار والتوبيخ والتقريع وغيره مما تقدم أمام ناظريك، وقد تقدم أيضاً بعض ما روي في ما خلَّفه ـ بزعمهم ـ نزول هذه الآيات في نفسه الشريفة (صلى الله عليه وآله)

ـــــــــــــــ

(1) سورة التوبة الآية 43

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 72/

حتى قال القائل ـ كما يروون ـ ما اغتم لأمر كما اغتم لأمر هذه الآيات، فراجع.

وعلى هذا فإن القول بأنه (صلى الله عليه وآله) إنما فعل ذلك بدافع الحرص على المشركين أن يؤمنوا راجياً إسلامهم استناداً إلى بعض الروايات المتقدمة، كاد أن يخرج مخرج التوسل إلى الواجب بأمر محرم، مع عدم إحراز كون المتوسل إليه وهو الواجب أكثر أهمية من المتوسل به وهو المحرم كما هو الشرط في أمثال هذه المقامات.

إن قلت: لم يكن الأمر كما توهم لكن كان مجرد ترجيح لأمر واجب وهو الدعوة إليه تعالى والتبليغ لدينه على واجب آخر، وهو تعليم الجاهل وجواب مسألته الدينية، فعاقبه الله تعالى لذلك. أو تقول كما قال النيسابوري في تفسيره الإرشاد والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم لأنه جاء مسترشداً وهم جاءوه مستهزئين معاندين، وترك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 73/

المعلوم للموهوم خارج عن محل الاحتياط(1).

والجواب:

أولاً: لا نسلم أن ما فعله (صلى الله عليه وآله) كان مرجوحاً أو موهوباً فلا محل للعتاب حينئذ. وقد صرح الفخر الرازي في تفسيره بأن الأهم هو ما فعله (صلى الله عليه وآله) والمهم هو الذي تركه(2).

ثانياً: لو كانت القضية لا تعدو ما ذكرت من كونها ترجيحاً لواجب على واجب آخر، فالسؤال متوجه نحو ماهية هذين الواجبين اللذين رجح النبي (صلى الله عليه وآله) أحدهما ففعله وترك الآخر ؟

ثم لماذا عوتب على فعل الراجح وترك المرجوح؟

أم أنه رجح المرجوح وترك الراجح فحسب ـ خطاً ـ أن إيمان القوم المشركين أكثر نفعاً من إيمان هذا

ـــــــــــــــ

(1) تفسير غرائب القرآن المطبوع في هامش جامع البيان للطبري المجلد 12 ج30 ص26.

(2) التفسير الكبير ج31 ص54.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 74/

الأعمى، فوجبت معاتبته ولزم الإنكار عليه؟

ثم هل كان هذا المرجح عند هذا التزاحم شرعياً فلم يعرفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كونه هو المبلغ لأحكام دين الله تعالى؟

أم كان المرجح عقلياً لكنه مع كمال عقله (صلى الله عليه وآله) حتى فاق جميع الخلق لم يبلغه؟ أم أنه بلغه لكن لم يعمل به، بل اختارـ كما في بعض التفاسير ـ ما كان الاستغراق فيه مضيعة للوقت. وتفويتاً لفرصة مهمة وهي تنمية معرفة هذا المؤمن الأعمى؟(1)

وهل يصح نسبة ما يلزم منه رمي النبي بالجهل بأحكام العقل أو الدين؟ وهل يمكن أن يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) ترجيح المرجوح وترك الراجح؟

هذه لوازم تلزم هذا القول لست أدري كيف يسع القائل به أن يجيب عنها أو يفكك بين قوله وبينها.

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج24 ص 67و76. وليلاحظ روح البيان ج10 ص 333.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 75/

إذ دعوى كون الاستغراق فيما صنعه تضييعاً للوقت عبارة أخرى عن رميه (صلى الله عليه وآله) بالجهل بأساليب الدعوة إلى الله تعالى، لأنه كان من اللازم عليه (صلى الله عليه وآله) اختيار ما فيه اغتنام الفرص والاستفادة منها على أكمل وجه دونه ما كان بخلاف ذلك.

علماً أن ترجيح المرجوح قبيح فيمتنع صدوره عن الحكيم مثله (صلى الله عليه وآله) ويلزم عليه مع عدم فعله المعصية لو كان عالماً بلزوم الترجيح وبوجود المرجح ولو لم يكن عالماً بأحدهما فاللازم حينئذٍ نقص معرفته (صلى الله عليه وآله) بالأحكام الشرعية أو الطعن عليه في ذكائه ورجحان عقله وحسن تدبيره والحال أنه قد شهد له أعداؤه فضلاً عن أوليائه بخلاف ذلك.

ولو التزم هذا القائل بترك الأولى ـ كما صنعه بعض مفسري العامة(1) ـ لكان أقل إشكالاً وأخف محذوراً

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ التفسير الكيبر ج31 ص 55 ورح البيان ج10 ص 332. ومحاسن التأويل ج7 ص 259.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 76/

علماً أنه في نفسه أمر غير مقبول عند الأعيان المحققين من العلماء. خصوصاً إذا كان متعلقاً بالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)(1) كما تقدم الكلام فيه.

وبعد هذا كله: فهل يمكن أن يترك الله تعالى نبيه فريسة الخطأ والجهل ثم يستدرك ذلك ليعلمه ويربيه بعد وقوعه فيهما.

ثم لم يكتف تعالى بذلك بل أضاف إليه أن أعلن عتابه وإنكاره على الملأ وخلّده خلود الكتاب العزيز.

وهل يصح بعد ذلك أن يسمى كل هذا تأديباً حتى بقول القائل: كان في حجر تربية ربه لكونه حبيباً، فكلما ظهرت نفسه بصبغة حجبت عنه بؤر الحق عوتب وأدب كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي، إلى أن تخلق بأخلاق الله تعالى(2).

وأما ما قيل: من أنه لا مانع من أن يربي الله رسوله

ـــــــــــــــ

(1) مجموعة رسائل السبزواري ـ هداية الطالبين ص 240.

(2) روح البيان ج10 ص 331.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 77/

تدريجياً، ويثبت قلبه بطريقة متحركة في حركة الدعوة تبعاً لحاجتها إلى ذلك(1). فإن كان المراد منه التعليم والتأديب تدريجياً قبل صدور الخطأ والمعصية فهو في محله لكن لا يصح معه دعوى أنه قد رجح المرجوح على الراجح. وتشتد عندئذٍ الحاجة إلى الإجابة عن السؤال حول السبب الداعي إلى توجيه كل هذا اللوم والعتاب والزجر، بل وكل هذه القسوة على حد تعبير هذا القائل(2).

ولا ينبغي أن يكون من التدريج المذكور أنه لا مانع من الوقوع في الخطأ ثم تعليم الله تعالى له بعد ذلك لأنه منافٍ للعصمة حينئذٍ.

علماً أن ما ذكر هنا منافٍ لما ذكره في موضع آخر من أن الله تعالى لا يؤدب أنبياءه الذين لهم امتداد في حياة الأمة كلها بهذه الطريقة.

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 24 ص 65.

(2) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 78/

الجهة السادسة:

إن ظاهر الآيات غير دالٍ على أن المعني بها هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس فيها ما يدل على أنه هو المخاطب فيها بل صدرها مجرد خبر لم يصرح فيه بالمخبر عنه بل نقول: إن في الآية ما يدل على أن المخاطب بها ليس هو النبي لما تقدم في الجهتين الأولى والثانية من عدم صحة وصفه (صلى الله عليه وآله) بالعبوس أو بالتصدي للأغنياء لغناهم والتلهي عن الفقراء لفقرهم.

قال الشريف المرتضى رحمه الله: ولم يرد أنه (صلى الله عليه وآله) كان كذلك، لا في القرآن ولا في خبر مع الأعداء المنابذين فضلاً عن المؤمنين(1). بل تواترت الأخبار على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان على خلاف ذلك مع أعدائه فضلاً عن أوليائه(2).

ـــــــــــــــ

(1) تنزيه الأنبياء ص 119.

(2) تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص 80.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 79/

الجهة السابعة:

إن التصرف المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله) مخالف لحكم الشرع بالتسوية بين الناس كأسنان المشط وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى(1).

ومخالف أيضاً لحكم العقل بإناطة التفضيل بالإيمان والأعمال الصالحة كما هو مقتضى قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(2).

وعليه فلا يصح أن يدعى أنه أقدم على ما هو مخالف للعقل والشرع.

وقد يدعى أن مدلول الآيات يوحي بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستهدف من حديثه مع هؤلاء الصناديد تزكيتهم الفكرية والروحية والعملية بعيداً عن مسألة الاهتمام بالغني تعظيماً لغناه في الحصول على ماله(3).

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج75 ص251 وج 73 ص 350.

(2) سورة الحجرات الآية 13.

(3) من وحي القرآن ج 24 ص 74.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 80/

لكن هذا خلاف الظاهر من هذه الآيات وبعيدٌ عن السياق الذي تجري فيه. كما أن قوله: بعيداً عن الاهتمام.. الخ، يعتبر تبرعاً في تبديل الحيثيات بلا دليل، حيث إن الظاهر أن التصدر للغني كان لأجل غناه كما صرّح به صاحب هذه الدعوى(1). فجعله بعيداً عن مسألة الاهتمام بالغني بحاجة إلى دليل يدل عليه.

الجهة الثامنة:

إن القرينة العقلية المتصلة والواضحة التي يصح الاتكال عليها أثناء المخاطبة المؤيدة بالقطعي من حكم العقل والصريح من دلالة النقل المقطوع صدوره كالكتاب والسنة القطعية تمنع من انعقاد الظهور على خلافها، وفي المقام العصمة المعلومة والثابتة بالعقل والنقل القطعيين مانعة عن انعقاد أي ظهور للآيات على خلافها لكون العصمة من القرائن العقلية الواضحة التي يصح الاتكال عليها عند المحاورة.

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 81/

الفصل الثالث:
والبحث فيه حول ما قيل أو يمكن
أن يقال في الاستدلال على كون
النبي (صلى الله عليه وآله) هو العابس
والجواب عن ذلك.
والكلام يقع في أمور:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 82/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 83/

الأمر الأول:

إن عبوس النبي (صلى الله عليه وآله) إنما كان لله تعالى، غضباً أو تأديباً أو شفقةً، ولا ضير ولا قبح فيه فلا مانع من صدوره عنه (صلى الله عليه وآله)(1).

والجواب:

أما كون العبوس لله تعالى فهو باطل لتوبيخه وتقريعه وتشديده تعالى الإنكار على العابس مما يدل على أن هذا الفعل لم يكن لله فيه رضا فكيف ينسب إليه ويقال عبس (صلى الله عليه وآله) لله تعالى.

نعم لو احتملنا كون التوبيخ واللوم لا على العبوس بل على أمر آخر كفعل القلب مثلاً، كان لهذا الكلام مجال لكن هذا الأمر خطأ قطعاً ويأتي التعرض إليه.

ونعود لنقول: لو صح كونه لله تعالى كان اللازم مدح

ـــــــــــــــ

(1) التفسير الكيبر ج 31 ص 54 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 19 ص 213.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 84/

العابس وتوبيخ غيره لو كان ثمة حاجة للتوبيخ، لاسيما وأن الذي نراه في الآيات. هو العكس، إذ توجه إلى العابس بالتوبيخ واللوم وتلطف مع الأعمى بما قدمنا لك وجهه، ويكفيه ذكره تعالى له في كتابه متحنناً ومترحماً مصحوباً بمطالبة العابس بأداء حقه.

الأمر الثاني:

إن العبوس إنما كان للمضايقة ولم يكن للاحتقار فلا محذور فيه(1).

الجواب:

أولاً: إن العبوس والتولي لما لم يكن في محله كما كشف عن ذلك شدة اللوم والإنكار كما تقدم، فلا يفرق فيه من هذه الجهة بين كونه للمضايقة أو للاحتقار وإن كان الثاني أشد إيلاماً وإيذاءً من الأول.

ثانياً: منافاة العبوس ولو كان للاحتقار لخلقه (صلى الله عليه وآله)

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 24 ص 66 ومجلة الموسم العددان 21ـ22 ص 295.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 85/

الذي نبه عليه قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(1).

ثالثاً: منافاته لصريح الكتاب في قوله تعالى:

{وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}(2).

{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(3).

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(4).

رابعاً: قول الإمام علي (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله ليبغض المعبس في وجه إخوانه(5).

ـــــــــــــــ

(1) سورة القلم الآية 4.

(2) سورة أل عمران الآية 159.

(3) سورة التوبة الآية 128.

(4) سورة الفتح الآية 29.

(5) مستدرك الوسائل كتاب الحج باب 6 من أحكام العشرة نحديث 1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 86/

وفي حديث في صفات المؤمن: هشاس بشاس لا بعباس ولا بخباس(1).

خامساً: إن سورة عبس قد نزلت أوائل الدعوة بعد سورة القلم(2) مما يشير إلى أنه تعالى كان ـ مسبقاً ـ قد أخبر معلناً عن أخلاق نبيه العظيمة، بقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهذا النحو من الإخبار العلني الغيبي من قبل الله تعالى عن أخلاق وصفات هذا النبي (صلى الله عليه وآله) فيه من الإعجاز ما هو واضح مع كثرة محاولات أعدائه (صلى الله عليه وآله) الطعن عليه ولو وجدوا ثمة منفذ إلى ذلك لأعلنوا عنه، فلا أدري كيف يتجرّأ اتباعه على إلصاق هذه الأمور به (صلى الله عليه وآله).

قد يقال: لا نحرز ترتيب نزول السور على النحو الذي ذكرت فينتفي هذا الوجه.

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

(2) الصحيح ج 3 ص 159، وليلاحظ مجمع البيان ج10 ص 405 عند تفسير سورة الإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 87/

والجواب: إن الخلق والعصمة ملكة لا تتخلف عن الفعل المناسب لها، ومع إحراز كون هذا العبوس قبيحاً بحكم العقل فلا يصح صدوره عن المعصوم فضلاً عن سيدهم.

فقبح الفعل مع العلم بهذا القبح وبعواقب ارتكابه يضاف إليه وجود الملكة المانعة عنه (صلى الله عليه وآله) تمنع صدور هذا الفعل ونظائره عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بداية الدعوة ونهايتها بل وقبل الدعوة أيضاً.

سادساً: إن التضايق من الأعمى مع كونه معذوراً بسبب عماه ليس في مورده، والشاهد نزول القرآن بمطالبة العابس بأداء حق الأعمى إليه، سواء كان هذا العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)، أو غيره.

واللازم فيما نحن فيه إما أن يقال: ليس المعاتب هو النبي (صلى الله عليه وآله) أو يلتزم بتخطئة ابن أم مكتوم، فيلزم عليه:

أولاً: مخالفته الواضحة لظاهر الآيات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 88/

وثانياً: لماذا عاتب الله تعالى نبيه والحال أن المخطئ هو غيره.

أويلتزم بأن النبي هو الذي أخطأ وهو كما تراه لا يمكن الالتزام به.

ويمكن أن يقال: إن ابن أم مكتوم لم يكن مسلماً آنذاك فلا محذور فيما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) معه(1).

والجواب: إن من المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله) مرسل لهداية هؤلاء المشركين بل إلى الناس كافة وهو مأمور بالدعوة إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة(2)، فعبوسه في وجه المرسل إليهم لا سيما مع إقبالهم عليه نقض للغرض الذي أرسل لأجله ومن حيث كونه منفراً لهم عن ما يدعوهم إليه.

ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج10 ص 268.

(2) سورة النحل الآية 125.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 89/

ولا يقدم على هذا، العاقل الحكيم لاسيما من كان كالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)(1).

ولو فرضنا أن الأعمى ارتكب خطأً في حقه (صلى الله عليه وآله) فلا يسوّغ ذلك لصاحب الرسالة أن يرتكب ما ينافي غرضه وهذا واضح.

الأمر الثالث:

إن المعبوس في وجهه كان أعمى وهو لا يتأثر بالعبوس فلا محذور أيضاً(2).

والجواب:

أولاً: إن العبوس إن كان لا يضر ابن أم مكتوم ولا يؤذيه لعدم تأثره بذلك لعماه، فإن في هذا الفعل نفسه

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ الذخيرة للشريف المرتضى ج 191، ومقدمة تنزيه الأنبياء له أيضاً، وعلم اليقين للفيض الكاشاني ج1 ص 357.

(2) مجمع البيان ج10 ص 427 والتفسير الأمثل ج19 ص 364 ومجلة الموسم العدد 21ـ 22 ص 295.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 90/

منافاة لخلقه (صلى الله عليه وآله) العظيم ومعه فلا يصح صدور هذا الفعل عنه.

ثانياً: كيف لم يتأثر الأعمى وقد صرحت بعض الروايات(1) بأنه سأله فلم يجبه وكان يتحدث إلى غيره، فإن كان الأعمى لم يتأثر بالعبوس لأنه لا يرى لكنه أحس بأعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عنه لأنه لم يجبه مع مقاطعته إياه فراجع.

ثالثاً: إن كان الأعمى لا يرى، فإن من كان من المشركين في حضرته (صلى الله عليه وآله) آنذاك يسمع ويرى وفي هذا الفعل أمامهم إخلال واضح بلزوم التمسك بالأخلاق الحسنة الكريمة والعالية التي أمر (صلى الله عليه وآله) بالتحلّي بها، وإرشاد الناس إليها، بقوله وفعله وسيرته.

رابعاً: لا يصح صدور هذا الفعل عن النبي (صلى الله عليه وآله) لما يعكسه في أذهان أعدائه من الجالسين بحضرته وغيرهم من آثار سلبية حول علاقة النبي (صلى الله عليه وآله) بأتباعه ومن حوله،

ـــــــــــــــ

(1) الدر المنثور ج8 ص 416.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 91/

لاسيما أن هذه الآيات مكية وسورتها من أوائل السور ونزولها كان في بدايات الدعوة(1).

والغرض من جميع هذا أنه لا يكفي مجرد عمى الأعمى لتصحيح صدور العبوس أو التولي من النبي (صلى الله عليه وآله) أو غيره للعلة المذكورة.

الأمر الرابع:

إن الأعمى لم يراع آداب المجلس حيث قاطع النبي مراراً في مجلسه وهو يتكلم مع الآخرين(2).

والجواب:

أولاً: لا نسلم وجود رواية بهذا المضمون. بل هو انتزاع من بعضها.

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج10 ص 405 وص 425.

(2) التفسير الكبير ج31 ص 45 وتفسير غرائب القرآن المجلد 12 ج30 ص 25 والتفسير الأمثل ج 19 ص 364 وليلاحظ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج19 ص 213.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 92/

ثانياً:  سلمنا فلا نسلم صحة الاعتماد سنداً ومضموناً.

ثالثاً: سلّمنا صحة الاعتماد عليها لكن ما هو الوجه الداعي إلى العمل بها دون غيرها مما هو مختلف معها من الروايات لاسيما روايات أهل البيت (عليهم السلام).

رابعاً: لو كان الأعمى مسيئاً للأدب مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا نزل الوحي مناصراً له، وتوجه بالتوبيخ واللوم إلى العابس، من دون إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى خطأ الأعمى أو تقصيره بل ذكره تعالى في كتابه متلطفاً ومتحنناً مما يكشف عن عدم إساءة ابن أم مكتوم الأعمى.

خامساً: سلمنا كونه مسيئاً له (صلى الله عليه وآله)، فما كان ينبغي له (صلى الله عليه وآله) أن يعبس في وجهه ويتولى عنه وقد قال الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 93/

تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(1).

وقد نزلت هذه الآية في أوائل الدعوة(2).

وقال تعالى أيضاً: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}(3).

وقال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)(4).

وفي آية:  {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}(5). وفي أخرى:  {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}(6).

وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

ـــــــــــــــ

(1) سورة الشراء الآية 214ـ 215.

(2) الميزان ج20 ص 204.

(3) سورة الحجر الآية 88.

(4) سورة الأنعام الآية 52.

(5) سورة الشعراء الآية 114.

(6) سورة هود الآية 29.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 94/

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}(1).

وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}(2).

الأمر الخامس:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}(3). والنداء هنا كان كالصارف للكفار عن قبول الإيمان، وكالقاطع على الرسول أعظم مهماته فهو أولى، أن يكون ذنباً ومعصية(4).

والجواب:

هو الجواب المذكور في الأمر الرابع، ونزيد هنا أننا نمنع الأولوية، لأن الأعمى لم يصرف الكفار عن

ـــــــــــــــ

(1) سورة الكهف الآية 28.

(2) سورة الأنعام الآية 54.

(3) سورة الحجرات الآية 4.

(4) التفسير الكبير ج31 ص 54.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 95/

النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يمنع الرسول (صلى الله عليه وآله) من أداء مهمته ولو فرضنا أنه قاطعه.. وتنزيله منزلته في قوله: كالصارف، وكالقاطع لا ينفع في تصحيح الأولوية.

ثم لو سلمنا أنه صرف الكفار عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وقاطعه لكنه محرم منفصل ومستقل عن حرمة النداء من وراء الحجرات، وهو إنما يكون كذلك مع تعمد ارتكابه دون قصور لجهل أو خطأ واحتمالها في حق الأعمى لا مجال لدفعه.

الأمر السادس:

إن ما جرى إنما كان اتكالاً منه (صلى الله عليه وآله) على ما بينه وبين الأعمى واعتماداً منه (صلى الله عليه وآله) على وحدة الحال ووثاقة الصلة وعمقها بين النبي (صلى الله عليه وآله) والأعمى بحيث لم تكن هذه العلاقة تخضع لحساب!! كعلاقة الرجل بأولاده. استناداً إلى أنه كان يدخل على النبي مع زوجاته، وإلى استخلافه (صلى الله عليه وآله) له في المدينة عند

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 96/

الخروج إلى الغزو(1). ويقرب منه ما في جامع الأحكام من أنه (صلى الله عليه وآله) إنما قصد تأليف المشرك ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان(2).

والجواب:

إن الرواية التي استدل بها على المدعى إنما تدل على أن ابن أم مكتوم كان قد دخل على النبي وهو مع زوجاته، ولا دلالة فيها على أنه كان يدخل عليه (صلى الله عليه وآله) كذلك باستمرار، والرواية كما أوردها في الوسائل هي: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة وحفصة فقال لهما قوما فادخلا البيت، فقالتا: أنه أعمى، فقال لهما: إن لم يكن يراكما فإنكما تريانه(3).

وفي رواية أخرى عن أم سلمة، قالت: كنت عند

ـــــــــــــــ

(1) من وحي القرآن ج 24 ص 65ـ66 ومجلة الموسم العدد 21ـ22 ص 294ـ295، المسائل الفقهية ج2، فصل مسائل في العقيدة.

(2) جامع الأحكام ج19 ص 213.

(3) الوسائل ـ كتاب النكاح ـ الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح الحديث1 و4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 97/

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال احتجبا، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا بيصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!(1).

واشتهار أمر هذه الرواية لا يوجب دلالتها على أنه كان يدخل بيت النبي كذلك على نحو الاستمرار، إذ لا وجه ظاهر لتكرر هذا الأمر في حضوره (صلى الله عليه وآله) مع زوجاته وقد نهاهن عنه، والواقعة المروية قد تكون واحدة وقد تكون متعددة ـ وإن كنا نشك في ذلك ـ لكن لا ضير في هذا التكرار مع عدم اتحاد الزوجات لاحتمال ـ وإن كان بعيداً في نفسه ـ عدم بلوغ هذا الحكم زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اللاتي كنّ معه عند حدوث الحادثة لاحقاً ولم يكنّ عند حدوثها سابقاً.

نعم، نحن نستبعد بل نمنع ـ وكذا يمنع كل من تدبر هذه الرواية ـ تكررها مع الزوجة عينها، كما نمنع أن

ـــــــــــــــ

(1) نفس المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 98/

يكون ابن أم مكتوم قد فعل ذلك مراراً وأقره عليه، إلا أن يكون في ذلك حينئذٍ مغمز على ابن أم مكتوم، أو على صاحبة الفعل هذا من زوجاته، لتقدم نهيه (صلى الله عليه وآله) عن ذلك كما هو واضح.

علماً أنه قد روي عن فاطمة (عليها السلام) أنه استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): لم حجبته وهو لا يراك؟ فقالت (عليها السلام) يا رسول الله، إن لم يكن يراني فأنا أراه وهو يشم الريح. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أشهد أنك بضعة مني(1).

وهذا يدل على رغبته (صلى الله عليه وآله) باحتجاب أهل بيته ونسائه وهذا يمنع الاعتماد بإقراره للأعمى بالدخول عليه وهو مع نسائه كما ذكر المستدل.

وعلى كل حال فلا دلالة لهذا الحديث على ما ذكره من وحدة الحال ووثاقة الصلة. كما لا دلالة للروايات

ـــــــــــــــ

(1) مستدرك وسائل الشيعة ـ كتاب النكاح ـ الباب 100 من أبواب مقدمات النكاح الجديث 1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 99/

على قبول النبي لدخول الأعمى عليه مع نسائه بل هي على خلافه أدل.

وأما استخلافه (صلى الله عليه وآله) إياه على المدينة، فقد رواه الطبري وغيره، قال: واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين(1).

أقول:

أولاً: ليس في الاستخلاف دلالة على هذه الصلة المدعاة، ولم يثبت أنه تكرر ذلك أكثر من مرتين، علماً أن كثرة الاستخلاف أيضاً لا تدل على المدعى، حيث إنه (صلى الله عليه وآله) ليس محكوماً في علاقاته التنظيمية والإدارية للعلاقات الشخصية بل للكفاءة واللياقة.

ثانياً: سلمنا عمق الصلة، لكن هذا لا يقتضي الاسترسال في الجانب الشخصي للعلاقة، الذي عبر عنه المستدل بوحدة الحال، لمخالفته للروايات المتكاثرة الآتية.

ـــــــــــــــ

(1) جامع البيان المجلد 12ج 31 ص 33 وتفسير الكبير ج31 ص 54 وجامع القرطبي ج 19 ص 213 والدر المنثور ج8 ص 417.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 100/

ثالثاً: يقول المستدل في غير موضوع إن العلاقة مع المعصومين هي من خلال الرسالة لا من خلال الأشخاص(1)، وهذا يقتضي ـ لو سلمناه ـ أن يكون كذلك من الطرفين لا من طرف غير النبي (صلى الله عليه وآله) فقط، فعلى هذا علاقة النبي بنا فقط من خلال الرسالة وهو (صلى الله عليه وآله) ملتزم بأداب وأحكام العشرة الشرعية في سلوكه وتصرفاته مع ابن أم مكتوم وغيره من القريبين إليه والبعدين عنه(2).

رابعاً: لو تنزلنا عن ذلك كله، فهنا نتساءل: كيف أعمل النبي (صلى الله عليه وآله) وحدة الحال المزعومة هذه أمام الأجانب لاسيما إذا كانوا مشركين، مع أنه لا يصح إسقاط حق الطرف الآخر لمجرد وحدة الحال هذه من

ـــــــــــــــ

(1) مجلة الموسم، ص 312، ودعاء الأفتتاح ص 135.

(2) العلاقة مع النبي هي علاقة الرسالة التي جعل أجرها المودة في القربى، حيث قال تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى/24) وعن الإمام الباقر (عليه السلام): أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم لا حظ مجمع البيان ج9 ص 28 والمودة هي الحب فب جميع مداخل الخير كما في لسان العرب فراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 101/

دون مراعاة مشاعره أمام الآخرين.

ففي الخبر: لا تضيعنّ حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخٍ من أضعت حقه(1).

وقد وردت الروايات الكثيرة جداً والتي تأمر بلزوم المعاشرة على النحو الذي يبقى معه شيء من الاحتشام بين الطرفين، لا على النحو الذي ذكر من «أنه لم يكن يخضع لحساب كعلاقة الرجل بأولاده»، لمنع هذا أمر في المشبه والمشبه به معاً. للزوم مراعاة حقوق الآخرين ولو كان هو الولد كما في رسالة الحقوق لزين العابدين (عليه السلام) وغيرها من الروايات الدالة عدم صحة صدور هذا الفعل عنه (عليه السلام)، لاستلزامه فعل المرجوح وترك الأولى ـ لو سلمنا جوازه ـ من وجوهٍ كثيرة يبعد جداً ـ مع استحاله بعضها في حقه (صلى الله عليه وآله) حتى بناءً على القول بجواز ترك الأولى ـ مخالفته (صلى الله عليه وآله) لها مجتمعة في فعلٍ واحد.

ـــــــــــــــ

(1) الوسئل ـ كتاب الحج ـ باب 122 من ابواب العشرة حديث12.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 102/

فليلاحظ من أبواب العشرة من كتاب الحج في الوسائل الأبواب التالية:

باب استحباب حسن المعاشرة والمجاورة والمرافقة.

باب كيفية المعاشرة مع أصناف الإخوان.

باب تعظيم الأصحاب ومناصحتهم.

باب كراهة الانقباض من الناس وفيه الخبر التالي:  «الانقباض من الناس مكسبة للعداوة».

باب استحباب التحبب إلى الناس والتودد إليهم.

باب استحباب مجاملة الناس ولقائهم بالبشر واحترامهم.

وفيه الخبر التالي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث يصفين ود المرء لأخيه المسلم: يلقاه بالبشر إذا لقيه ويوسع له في المجلس إذا جلس إليه.

باب تحريم السلام على الفقير المسلم بخلاف السلام على الغني وفيه: قال الرضا (عليه السلام): من لقي فقيراً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفح103/

مسلماً فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان.

باب استحباب مصافحة المقيم ومعانقة المسافر عند التسليم عليه.

باب استحباب التبسم في وجه المؤمن.

10ـ باب استحباب الصبر على أذى الجار وغيره.

11ـ باب استحباب تقسيم لحظات الإنسان بين أصحابه بالسوية.

12ـ باب كراهة ذهاب الحشمة بين الإخوان بالكلية والاسترسال.

13ـ باب استحباب حسن الخلق مع الناس فيه: إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً. وأكمل الناس عقلاً أحسنهم خلقاً.

14ـ باب استحباب الإلفة بالناس وفيه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 104/

15ـ باب استحباب كون الإنسان هيناً ليناً.

16ـ باب استحباب طلاقة الوجه وحسن البشر وفيه: صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار. وفيه أيضاً: إلق أخاك بوجه منبسط.

17ـ باب استحباب العفو.

18ـ باب استحباب كظم الغيظ.

19ـ باب استحباب مداراة الناس.

20ـ باب وجوب أداء حق المؤمن وجملة من حقوقه الواجبة والمندوبة وفيه في الحديث العاشر: وأن لا يقول له أف.

21ـ باب استحباب التراحم والتعاطف والتزاور والإلفة.

22ـ باب استحباب التسليم والمصافحة عند الملاقاة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 105/

23ـ باب استحباب المصافحة مع قرب العهد باللقاء ولو بقدر دور نخلة.

24ـ باب استحباب المعانقة للمؤمن.

25ـ باب تحريم إيذاء المؤمن وإهانته وإذلاله وخذلانه واحتقاره والاستخفاف به: ومنه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من استخف بفقير مسلم فقد استخف بحق الله.

وليلاحظ من كتاب جهاد النفس من الوسائل، الأبواب التالية:

باب، جملة مما ينبغي القيام به من الحقوق، حق الصاحب والجليس والمسيء.

باب، استحباب ملازمة الصفات الحميدة وفيه:

يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم عمن جهل عليك.

باب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 106/

باب استحباب الصبر في جميع الأمور.

باب استحباب الحلم.

باب استحباب الرفق.

باب استحباب التواضع.

باب استحباب التواضع عند تجدد النعمة.

تأكد استحباب التواضع للعالم والمتعلم.

وفي مستدرك الوسائل أيضاً جملة من هذه الأبواب، كما أن في بعض كتب الصحاح لدى العامة شيئاً غير يسير مما ذكر لا مجال للتوسع فيه. فراجع إن شئت.

ومع هذا فكيف تصح نسبة مخالفة هذه الأمور والمعاني مجتمعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والحال أن الروايات الدالة عليها أكثر من أن تحصى وهو القائل (صلى الله عليه وآله): إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق(1).

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج16 ص 210.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 107/

وهو الذي أرسل بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(1).

وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(2). ومن هذا كله يظهر جواب ما نقلناه عن جامع الأحكام للقرطبي فلا تغفل.

الأمر السابع:

قوله (صلى الله عليه وآله): لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، فقد استدل به على صدور موجب العتاب منه (صلى الله عليه وآله) في زمانٍ سابق على كلامه هذا فدلت على أنها نزلت فيه (صلى الله عليه وآله).

والجواب:

هذه الرواية كما رواها الطبرسي مرسلة، ولم أعثر على من رواها غيره، وكل من أوردها في كتابه عنه نقلها قال:

ـــــــــــــــ

(1) سورة البقرة الآية 44.

(2) سورة الأحزاب الآية 21.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 108/

روي عن الصادق ثم أنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا رأى ابن أم مكتوم، قال: مرحباً، مرحباً، لا والله، لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله) مما بفعل به(1) وقد يدعى أن هذه الرواية بمعنى الرواية الأخرى المتقدمة:

مرحباً بمن عاتبني فيه ربي(2). والدالة على نزول هذه الآيات في شأنه (صلى الله عليه وآله).

لكنك قد عرفت أن الرواية الثانية لا يمكن الاعتماد عليها وأن الوارد من طرق أهل البيت إنما هو الرواية الأولى ولا دلالة فيها على أن العبوس قد صدر منه (صلى الله عليه وآله) سابقاً، لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام، لعدم دلالة نفي الشيء حاضراً أو لاحقاً على ثبوته سابقاً، كما أن العكس أيضاً صحيح.

بل يمكن أن يكون المراد بهذه الرواية ـ بملاحظة ما

ـــــــــــــــ

(1) لاحظ فقرة ما ورد بعد نزول الآيات.

(2) نفس المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 109/

تقدم من الكلام في العصمة وفي سبب النزول ورواياته ـ التعريض من النبي (صلى الله عليه وآله) بالعابس الذي نزلت الآيات فيه(1)، ويرشد إليه المروي سبباً للنزول من طرق أهل البيت (عليهم السلام) (2).

ثم إن هذا يشعر ـ إن لم يدل ـ بعدم إيمان المعرض به لعدم جواز تعيير المؤمنين بذنوبهم.

بل لم يستبعد في الصحيح من السيرة أن يكون الظاهر من الرواية النفي القطعي لإمكان صدور مثل هذا عنه (صلى الله عليه وآله)(3)، فيتنافى حينئذٍ مع دعوى أنه عاتبه بالفعل.

ويحتمل تحريف هذه الرواية ـ كما في الصحيح من السيرة(4) أيضاً ـ بقولهم: أهلاً بمن عاتبني فيه ربي، موجهاً بذلك عدم صحة العمل بهذه الرواية.

ـــــــــــــــ

(1) ومثل هذا الوجه يمكن أن يجرى قي بعض ما دل على أنه كان يكومه (صلى الله عليه وآله) نعم في بعضها ما يمنع ذلك فلاحظ.

(2) راجعه فقرة سبب النزول.

(3) الصحيح من السيرة ج3 ص 161.

(4) المصدر السابق ج162.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 110/

وقد عرفت أن الأمر ليس موقوفاً على ثبوت التحريف، فإن ثبت فبها ونعمت وإلا فانفراد الطبرسي بروايتها مع كونها مرسلة ومخالفة لصريح الكتاب والسنة وسائر الوجوه النقلية والعقلية يكفي في الحكم عليها بعدم الاعتماد والوثوق.

الأمر الثامن:

قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}، حيث استدل بها على أن المخاطب هو من الذين من شأنهم أن يتزكى الناس على أيديهم.

والجواب:  ليس في هذه الآية، ولا في غيرها ما يدل على أن التزكي المرجو حصوله إنما يرجى، على يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا الكلام يجري سواء بنينا على كون العابس هو النبي أو بنينا على كون العابس هو غيره وسواء في هذا الأخير بنينا علو كون المخاطب بالآية هو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 111/

نفس العابس أو النبي (صلى الله عليه وآله) بتقدير «قل يا محمد» كما ذكره في التبيان(1).

ويشهد لهذا كون التزكية والتعليم أمراً عاماً يشمل لزوم القيام به كل قادرٍ عليه حسب طاقته ووسعه.

ومع الإغماض عن هذا، فالاستدلال بهذه الآية على ما ذكر معارض بدلالة قوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}، على أن المخاطب بها رجل ليس من شأنه أن يتزكى على يديه وقد أشار إليه المرتضى(2).

وحينئذٍ، فلا تتم الدلالة في نفس الآيات على كون النزول في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) فاستدعت الحاجة الرجوع إلى الروايات والوجوه العقلية المتقدمة وقد عرفت ما فيها من الاضطراب والوهن، كما عرفت أيضاً حكم العقل بقبح صدور هذا الفعل منه (صلى الله عليه وآله) فلا نعيد.

 ـــــــــــــــ

(1) التبيان ج19 ص 269.

(2) تنزيه الأنبياء ص 119.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 112/

الأمر التاسع:

إن فعله (صلى الله عليه وآله) كان يوهم ترجيح الدنيا على الدين وتقديم الأغنياء على الفقراء وقلة المبالاة بانكسار قلوب الفقراء وإن كان الأعمى مستحقاً للتأديب(1).

الجواب: إن الإيهام المذكور إما أن يكون موجباً لتعنون هذا الفعل من النبي بعنوان آخر أو لا، وعلى الثاني فلا وجه للتعرض للنبي بالعتاب ولا بأي شيء آخر، وعلى الأول فإما أن يكون هذا العنوان هو الحرمة أو الكراهة، والأول باطل قطعاً والثاني مدفوع بكل هذا النكير والزجر الكاشف عن ما هو أعظم من ذلك.

ويمكن أن يجاب بوجوه أخرى تقدمت فلا داعي للإعادة.

الأمر العاشر:

والكلام فيه مبني على استحقاق العمى للتأديب وهو

ـــــــــــــــ

(1) التفسير الكبير ج31 ص55.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 113/

أن المعاتبة إنما كانت على ما في قلبه (صلى الله عليه وآله) حيث كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه كما ذكره الفخر الرازي في تفسيره(1).

والجواب:

أولاً: نمنع كون الأعمى مستحقاً للتأديب وقد تقدم وجهه.

ثانياً: نمنع كون المعاتبة على ما في قلب، كيف؟

وقد قال تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى.. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، وهذا صريح في صدور الفعل في الخارج، والظاهر كون العبوس كذلك كما يقتضيه السياق، وقد عرفت أن الإنكار به أشد من قوله تعالى: {عبس وتولى} فراجع.

ثالثاً: كيف يميل إلى المشركين، وينفر عن الأعمى

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 114/

مع إيمانه. وقد قال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(1).

رابعاً: منافاة هذا الميل للمسلكيات الأخلاقية العظيمة ولو لم يصدر عنه (صلى الله عليه وآله) فعل في الخارج.

خامساً: ما تقدم من كون المناط في التفصيل هو التقوى وأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، قال تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(2).

الأمر الحادي عشر:

قد يستدل بإجماع المفسرين على كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)(3). والجواب:

أولاً: طعن بعض أعيان العامة على مفسريهم بالجهل في خصوص المقام فراجع(4). إذا كانوا بما رووا جهلاء فهم بما دروا أجهل.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الفتح الآية 29.

(2) سورة الحجرات الآية 13.

(3) التفسير الكبير ج 31 ص 55.

(4) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 212.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 115/

ثانياً: إن الإجماع وإن كان كذلك عند العامة لكن علماء الشيعة قاطعون على كون العابس هو غيره (صلى الله عليه وآله)، والطبرسي في مجمع البيان أيضاً كذلك ومن نسبه إلى غير هذا فقد وهم والذي صنعه رحمة الله في تفسيره إنما هو توجيه رواية العامة على فرض صحتها. فراجع(1).

ثم إن الإجماع كذلك لا حجية فيه لعدم كشفه عن رأي المعصوم كما هو مبنى الشيعة الإمامية في الإجماع(2).

الأمر الثاني عشر:

إن ما فعله (صلى الله عليه وآله) لا ذنب فيه لكنه من باب ترك الأولى والأفضل وقد عوتب لأجل ذلك(3).

والجواب:

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج10 ص 437.

(2) لاحظ رسائل الشيخ الأنصاري ج0 ص77، وأصول الفقه ج2 ص 88.

(3) التفسير الكبير ج31 ص 55. الفصل ح4 ص 47 ولاحظ تفسير القاسمي ج7 ص 259 عنهما. روح البيان ج10 ص 331.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 116/

أولاً: تقدم مراراً ظهور الآيات في النكير والزجر عن أمرٍ محرم لا ينبغي صدوره من النبي لمكان (كلا) وغيرها مما تقدم فلا نعيد.

ثانياً: ورد أنه ما عرض لعلي (عليه السلام) أمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما على نفسه(1) وهذا صريح في عدم ارتكابه لما هو خلاف الأولى والنبي بذلك أولى.

ثالثاً: قد عرفت حكم ترك الأولى في التمهيد فراجع.

الأمر الثالث عشر:

إنه تعالى عاتب نبيه ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان فقيراً كان أصلح وأولى من الأمر الآخر وهو الإقبال على الأغنياء

ـــــــــــــــ

(1) البحار ج41 ص 133.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 117/

طمعاً في إيمانهم وإن كان ذلك نوعاً من المصلحة(1)

والجواب: يعلم مما تقدم مفضلاً في الجهة الخامسة فلا نعيد.

الأمر الرابع عشر:

قد يستدل بوحدة السياق مع السورة السابقة من دلالة سورة النازعات على الأمر لموسى أن يكون لين القول مع فرعون عسى أن يخشى ولكن فرعون طغى ولم يخش فأُمر (صلى الله عليه وآله) أن تكون همته موجهة إلى من يخشى لأن القول ينفع معه(2).

الجواب:

أولاً: ليس في ترتيب السور أي حجية، لكونه فعل غير المعصوم إذ ليس من المعلوم أن القرآن الموجود بين أيدينا قد جمع في وقت متقدم عن وفاته (صلى الله عليه وآله) وأن

ـــــــــــــــ

(1) الجامع لإحكام القرآن ج 19 ص213، من وحي القرآن ج24 ص67 و76.

(2) يلاحظ الجواهر في تفسير القرآن ج25 ص43.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 118/

ترتيب سوره لم يكن من الصحابة(1).

ثانياً: إن لزوم التوجه إلى فرعون لعله يخشى لا يحصر الأمر في الدعوة والتذكير لمن يخشى فعلاً وهو الأعمى بل هو على خلاف ذلك أدل للزوم التوجه إلى المشركين علهم يخشون وهؤلاء الصناديد إن لم يكونوا أقل من فرعون فهم ليسوا بأكثر منه فساداً وعلواً. هذا مضافاً إلى الكثير مما مر ويصلح الإجابة به هنا فلا نعيد.

ـــــــــــــــ

(1) البيان في تفسير لقرآن ص 240. وحقائق هامة ص 146.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 119/

الخاتمة:

والذي تحصل إلى هنا عدم إمكان الاعتماد على هذه الروايات لعدة أمور:

أولاً: اضطرب بعضها في نفسه

ثانياً: اختلافها فيما بينها.

ثالثاً: منافاتها للخلق العظيم المقطوع.

رابعاً: منافاتها لصريح القرآن في كثير من آياته.

خامساً: مخالفتها للدليل العقلي القاضي بقبح صدور المنفر عنه (صلى الله عليه وآله) والمنافي للعصمة.

سادساً: مخالفتها للعصمة من وجوه أُخر.

سابعاً: استلزامها ما لا يمكن الالتزام به من المخالفات للآداب والأحكام الشرعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 120/

ثامناً: معارضتها بما روته الأمامية من طرق أهل البيت.

تاسعاً: مخالفتها لظهور الآيات وللسياق الذي جرت فيه.

عاشراً: ضعف أسانيدها حيث لم تصل إلينا من جهة الثقات من رواة أصحابنا عن أئمتنا الأطهار، بل رواها غيرهم وقد غرفت ما فيها من الضعف.

وهذا الأخير لم نبحثه مفصلاً وإنما اكتفينا بما سبقنا إليه غيرنا من العلماء أثابهم الله حيث لم تشعر بمزيد حاجة إلى ذلك لعدم وصول النوبة إلى الأسانيد بعد سقوطها عن الاعتبار بالوجوه المتقدمة.

ومن كل هذا يظهر ضعف القول بأن جعل العابس غير النبي يستلزم صرفاً للآيات عن ظاهرها إذ قد عرفت عدم ظهورها في كون العابس هو النبي وأن القرائن من داخلها وخارجها تشير إلى خلاف هذا، ولو تنزلنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 121/

وسلمنا هذا الظهور لم يكن مانع من صرفها عنه مع وجود المقتضي لذلك من جهات كثيرة خصوصاً الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) المعضدة بالوجوه العقلية والنقلية فلزم العمل على وفقها والحمد لله.