ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 1/

السيد جعفر مرتضى العاملي
بيان الأئمة في الميزان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 2/

الكتاب: بيان الأئمة في الميزان
المؤلف: السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي
الطبعة الأولى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 3/

بيان الأئمة في الميزان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 4/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 5/

الوضاعون وموقفنا منهم:

قبل كل شيء، أقول: إنني لا أتهم مؤلف كتاب: «بيان الأئمة». بأنه هو الذي وضع الأخبار، ونسبها إلى المعصومين.

بل أقول: إنه قد يكون قد أخذ من الكذابين والوضاعين، بحسن نية، وسلامة طوية، غافلاً عن حقيقة دينهم، فأودع كتابه بعض أباطيلهم..

ولا أذيع سراً إذا قلت: إن بداية معرفتي بما يحتوي عليه ذلك الكتاب من إشكالات، ترجع إلى عدة سنوات خلت. وقد ذكرت هذا الأمر لأكثر من واحد من أهل العلم والمعرفة، وعبرت لهم عن شعوري بضرورة التصدي لهذا النوع من المؤلفات بقوة وحزم، لما يمثله التساهل في هذا الأمر من خطورة ظاهرة، إذا وجد الوضاعون أنفسهم في مأمن وسلام وفي منأى عن العتاب والملام، والحساب وحتى العقاب، ولو بفضح أباطيلهم، وكشف زيفهم، حتى لا يغتر بترهاتهم الساذج والجاهل، ولا تنطلي حيلهم على العالم والعاقل.

ولكن ما كان يحجزني عن المبادرة والتصدي شخصياً لهذا الأمر هو:

أولاً: إصرار بعض الأشخاص، الذين يعرفون مؤلف الكتاب على غض النظر عن هذا الأمر على اعتبار: أن مؤلفه رجل مسنّ، وطاهر الذات، وعليه سيماء الصلاح والتقوى، وليس ممن يظن في حقه الجعل والوضع والاختلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 6/

وثانياً: إن إثارة هذا الأمر يمكن أن تعطي لأعداء المذهب مستمسكاً ومادة للتشنيع على الطائفة بأسرها، واتهامها باتخاذ أسلوب الوضع والجعل وسيلة لإثبات ما تدعيه، الأمر الذي سوف ينتهي بالتشكيك الظالم وبوضع علامة استفهام كبيرة حول مجمل ما نذهب إليه ونعتقده، وقد يخدع ذلك كثيراً من السذج والبسطاء، الذين يتأثرون بالدعايات، ولا يقيّمون الأمور على أساس علمي منصف وصحيح.

ولكنني عدت فأقنعت نفسي بأن هذين السببين لا يكفيان لذلك.

أما بالنسبة للسبب الأول، فلأمرين:

أحدهما: أن نقد الكتاب لا يعني اتهام نفس مؤلفه بالكذب والوضع، أو بالتحريف للحقائق إذ من الممكن أن يكون قد سمع شيئاً من ذلك من بعض شياطين الإنس الذين حازوا على ثقة المؤلف.. فزعموا له أنهم سمعوها من العالم الفلاني، أو قرأوها في المخطوطة الفلانية، أو في غيرها مما لا وجود له أصلاً، أو مما كان له وجود لكنه اندثر وباد.

ومما يعزّز هذا الاحتمال ما يذكرونه عن المؤلف من طهارة ذات وسلامة قلب، وظهور صلاح.

وأما احتمال أن يكون المؤلف نفسه يرى أن رؤية الإمام (عليه السلام) في المنام، وسماع بعض الأمور منه، أو خطور أمور على البال يحسبها كشوفات عرفانية!! يبرر له اعتبار ذلك رواية له عن الإمام، الذي رآه، أو تخيله حال خطور ذلك الخاطر له. وحيث إنه لا يجرؤ على التصريح بحقيقة الأمر، فإنه يلجأ إلى هذا الأسلوب، وهو الإحالة على مخطوطات يدعي الفوز بالوصول إليها، والإطلاع عليها. أما هذا الاحتمال فإننا نجل المؤلف الكريم عنه، ونبرؤه منه استناداً إلى ما سمعناه من صلاح واستقامة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 7/

الثاني: إن من البديهي: أن الحفاظ على الشؤون والقضايا الدينية أهم بكثير من الحفاظ على كتاب، أو على شخص يحتمل في حقه أن يكون قد وقع فريسة الأوهام والخيالات، أو التجهيل والتضليل، من قبل بعض الناس الذين لا يتورعون عن الكذب حتى على الله ورسوله.

وذلك كله يعطي: أنه لا مانع من إثارة الموضوع وطرحه بالأسلوب العلمي النزيه والمهذب، بقصد الدفاع عن الحق والدين، لا بقصد التجريح والتشهير.

وأما السبب الآخر: فنقول:

أولاً: إنه هو الآخر ليس كافياً، إذ إن استغلال المغرضين والحاقدين لهذا الأمر بصورة ظالمة، ورخيصة، لا يبرر السكوت عن موضوع كهذا..

فإن الكل يعلم، ومنهم أولئك الحاقدون أن ما يقوم به شخص من طائفة، لا يعني جواز نسبته إلى الطائفة بأسرها، وإدانتها به، لاسيما إذا كانت تتصدى لمعالجة ما جاء به هذا الشخص بالوسائل المتاحة لها، وفي حدود إمكاناتها.

أضف إلى ذلك: أن هذا الأمر مما لا تكاد تسلم منه طائفة على الإطلاق، بل هو من مشكلات الجميع على حد سواء، ولا نريد الدخول في موضوع كهذا، فإن ذلك يصبح من قبيل المهاترات، التي لا توصل إلى نتيجة، ولا تحقق هدفاً..

ثانياً: إن تشنيعات المغرضين، ومثيري الشغب لا يجب أن تمنع من قول الحق، والدفاع عن أساس الدين، إذا كان هذا التشنيعٍ، مستنداً إلى تقصيرهم في تحري الحق بالوسائل المناسبة، التي تمكنهم من معرفته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 8/

فهم المسؤولون عن هذا التقصير، وإذا ما انخدع أحد بتشنيعات هؤلاء، فإن المسؤولية تقع على عاتق من قصر في واجبه بمتابعة الحق والحقيقة..

وأن ترك الانحراف يستشري وعدم الوقوف بوجه الذين يتلاعبون بالدين، وبالمفاهيم والقيم والحقائق لهو أشد خطراً، وأعظم ضرراً من انخداع مؤقت ومحدود لحفنة من الناس. إذا كانت نتيجة ذلك السكوت تكريس الانحراف، وصيرورته هو المهيمن على فكر ومفاهيم الأجيال المتعاقبة على مرّ العصور، وكر الدهور.

ويتجلى هذا الخطر ويتعاظم إذا نالت يد التحريف والتزوير مناطق حساسة، وشديدة المساس بحياة الإنسان، وبمستقبله، وبمصيره.

وأخيراً.. فإننا نذكّر: بأن التصدي لهؤلاء الوضاعين والمحرفين في بداية الطريق أسهل وأيسر من تركهم يسرحون ويمرحون، حتى يستفحل أمرهم، ويصلب عودهم، ويعظم خطبهم، وتتعاظم جرأتهم، لتصل إلى حد المساس بما هو أجلّ، وأقدس، وأغلى، والنيل مما هو أسمى وأعلى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 9/

نظرة عابرة على كتاب «بيان الأئمة»:

وبنظرة عابرة نلقيها على الكتاب، كتاب: «بيان الأئمة».. فإننا نجد:

أن المؤلف قد حشد في كتابه روايات كثيرة، وحاول تفسيرها بما راق له وخطر على باله، وقد رأينا:

1 ـ أنه قد أسند قسماً من هذه المرويات إلى بعض الكتب المعروفة والمتداولة، وقد ظهرت بعض الهنات في ما يرتبط بالتدقيق في نقل النص.. وليس هذا الأمر مما يهمنا بالفعل.. ونحيل القارئ الكريم إلى القيام بعملية مقابلة ومقارنة ليتضح له ذلك.

2 ـ إنه قد أسند قسماً آخر من منقولاته الأخرى إلى كتب غير معروفة، ولا مألوفة، ولا سمع بها أحد. لعله لا وجود لها إلا في مخيلة، مخترع اسمها الرنان.

3 ـ إن بعض هذه الكتب وإن كان يمكن أن تكون حقيقية، فإن اسمها موجود في بطون الكتب إلا أننا لم نقف عليها، وقد تكون مما اندثر وباد ولم يصل إلينا منه إلا الاسم.. فجاءت نسبة بعض الروايات المزعومة إليها لتعزز من الاطمئنان لدى القارئ بوثاقة النقل، مع اطمئنان واضع الرواية إلى أنه ليس بمقدور أحد أن يتأكد من صحة المنقول مهما نقّب وبحث.

4 ـ إن عدداً من الروايات قد ذكره المؤلف منسوباً إلى الإمام من دون أن يسنده إلى مصدر بعينه.

5 ـ إن بعض ما ادّعي كونه رواية قد نسب إلى أشخاص مجهولين، لم تذكر لنا أسماؤهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 10/

6 ـ وأخيراً.. فإنه ادعى في كتابه أن لديه أسراراً لا يتحملها سائر بني الإنسان حيث قال:

«وقد أطلعنا الله سبحانه، ورزقنا من الإثارة على كثير من الأسرار الغريبة، والأمور والقضايا العجيبة، والوقائع المهيبة، وقد أودعنا هذا الكتاب ما فيه عبرة لمن اعتبر من ذوي الألباب فأثبتنا فيه ما تقبله العقول والأذهان، وأخفينا من الأسرار ما لا يتحمله سائر بني الإنسان»(1).

وعهدة هذه الدعوى على مدّعيها، والله هو العالم بالحقائق..

 التصحيف، والتحريف:

قد لفت نظرنا في الكتاب: أنه حتى وهو ينقل عن المصادر المطبوعة والمتداولة، فإنه يتصرف فيها بالتصحيف والتحريف، والزيادة والنقيصة، ولا ندري السبب في ذلك..

وحيث إن تتبع ذلك فيه يحتاج إلى وقت طويل، فإننا نكتفي بذكر أنموذج واحد، على سبيل الشاهد والمثال، وبإمكان القارئ أن يجد عشرات الموارد من خلال المقارنة والاستقصاء. وهذا النموذج هو التالي:

روى الشيخ المفيد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، أنه قال: «.. أما والله، إن من ورائكم الأدبر، لا تبقي، ولا تذر، والنهاس الفراس، والقتال الجموح، يتوارثكم منهم عدة، يستخرجون كنوزكم من حجالكم، ليس الآخر بأرأف من الأول.. إلى أن قال: اللهم سلط غليهما

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص501.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 11/

بحرك، وانزع منهما نصرك»(1).

وقد نقلها المؤلف عن نفس المصدر المطبوع، ولكن عبارته كما يلي: «إن من ورائكم الذر الأذر، لا تبقي ولا تذر، والهاس الفراس، والقتال الجموح، بنوا ربّكم منكم عشرة، يستخرجون كنوز لكم من حجالكم، ليس الآخر بأروق من الأول..إلى أن قال: اللهم سلط عليهما نحرك، وأزغ منهما نصرك»(2).

فالأدبر                  أصبحت: الذر الأذر.

والنهاس                أصبحت: الهاس.

ويتوارثكم منهم عدة     أصبحت: بنور ربّكم منهم عشرة.

وكنوزكم                أصبحت: كنوز لكم.

وبأرأف بكم من         أصبحت: بأروق من.

وبحرك وانزع          أصبحت: نحرك، وأزغ

كل هذا التحريف والتصحيف قد جاء في ثلاثة أسطر فقط..

وعلى هذه فقس ما سواها:

وأما فيما يرتبط بالموضوعات من الأحاديث، فنذكر أمثلة تؤكد لدينا القناعة بأن واضعها، ومخترعها، لم يكن على درجة كافية من الذكاء، فظهرت عليها سمات الافتعال، والوضع، حتى لا تكاد تخفى على ذي عينين فنقول:

ـــــــــــــــ

(1) الإختصاص ـ ص155و156.

(2) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص162.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 12/

أحداث في إيران والعراق:

الرواية الأولى: الملاحم والفتن مخطوط للمجلسي.

«بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: بلدة يجري في وسطها النهر، وفي جنبها مضجع الإمامين، يقوم فيها رجل أول اسمه عبد، ينقلب على الملك، حتى يقتل ملكهم، ووزراءه، وأحباءه، حتى يقتل عبد الإله، ويمثل بأعضائه، ولا يخفى على الناس ذلك.

ثم في شهر الصيام يقوم رجل آخر أول اسمه عبد فيقتل العبد الأول.

ثم إن العبد الثاني الذي يقتل العبد الأول في النصف من شهر الصيام يطير في طائرة، فتحترق، ويهلك.

وينقلب ملك العجم في محرم، بسفك الدماء، حتى يفر ملك العجم لئلا يأخذه الناس، ثم يهلك غماً، وتدوم الفتنة، ويدوم الانقلاب، وبشر الناس بظهور الحجة»(1).

الرواية الثانية: «مما سمع من بعض الثقات الأعلام، عن أحد الأئمة (عليهم السلام) قال: إذا قتل في العراق الصبي، وهو من سلالة النبي، وتحكم الجندي، انقلب الناس رأساً على عقب، وكثر الهرج، ويحتقر المؤمنون، وتكثر

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص227.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 13/

العصابات»(1).

ولهذا الحديث بقية ظاهرة الضعف، واضحة السقوط، فراجع.

ثم شرح صاحب الكتاب فقرات الروايتين المتقدمتين، وذكر: أن المراد بالعبد الأول، وبالجندي هو عبد الكريم قاسم، وبالصبي هو الملك فيصل، والمراد بالعبد الثاني: عبد السلام عارف.

المناقشة:

وأجدني في غنى عن التعليق على هاتين الروايتين المزعومتين. ولكنني ألفت نظر القارئ إلى:

أ: غفلة هذا الواضع وجهله، فإنه يستعمل كلمة «ينقلب» و«الانقلاب» بدل كلمة «يثور» و«الثورة». مع أن معناها باللغة الفارسية، وإن كان هو ذلك، ولكنها في اللغة العربية لا تؤدي هذا المعنى.

ب: أضف إلى ذلك: أن كلمة طائرة لم تكن من الألفاظ المتداولة في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) بما لها من المعنى المعروف في العصر الحاضر.

فهل كان الإمام يخلط الفارسية بالعربية. وهل كان يستعمل ألفاظاً لم تكن قد وضعت للمعاني المقصودة منها، ثم لا يجد من يعترض عليه، أو من يتساءل عن المقصود بهذه الألفاظ، أو يستهجن استعماله (عليه السلام) لها. وقد كان الأحرى بهذا الرجل ـ وهو غير عربي ـ أن يعرض هذا النص الذي صاغه على رجل عربي ليصلحه له، قبل أن يعرضه على الناس منسوباً إلى الإمام الصادق (عليه السلام).

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأمة ـ ج1 ـ ص300.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 14/

ج: كما أننا لم نفهم كيف ولماذا ينقلب الناس رأساً على عقب إذا تحكم عبد الكريم قاسم، بعد قتل فيصل، فهل كان حال الناس في زمن فيصل أفضل من حالهم في الزمن الذي تلاه؟

د: ونذكّر أخيراً بأن كلمة «العصابات» بما لها من معنى متداول، في أيامنا، إنما هي من الكلمات المستحدثة، ولم تكن في السابق تستعمل بهذا المعنى المعروف لها في هذا العصر.

هـ: أما إطلاق كلمة الصبي على الملك فيصل، الذي كان عمره حوالي عشرين عاماً فعهدته على واضع الرواية نفسه، فإن كان يجد في اللغة العربية ما يسوغ هذا الإطلاق، فليدلنا عليه، وسنكون له من الشاكرين..

هذا كله عدا عن ركاكة عبارات الروايتين، كما هو ظاهر لا يخفى.

الرواية الثالثة: وقال: مجمع النورين للشيخ علي ابن الشيخ المرندي رحمه الله عليه، عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «وكأني بك بالزوراء يعقد عليك خمسة من الجسور لم يكن مثلهن في عهد بني العباس، ويبنون بالآجرّ والحديد، وتظن الناس: أنه ليس لله رزق ولا شراء إلا بالبصرة، وبغداد. وتكون مقتلة مما يلي دجلة. ويقتل عبد الإله، والسعيد. ويكون قتل عبد الإله على يد جيش يبعثه إلى الشام، وبعد ذلك فتوقعوا فرج آل محمد.

قال صاحب مجمع النورين بعد هذا الخبر: إن هذا الخبر نقلناه من كتاب مخطوط، وهو الجزء الثالث والعشرين من بحار الأنوار المترجم بالفارسية، وجدناه مسطوراً بهامش الكتاب بقلم دقيق بكتابة خطية.

الرواية الرابعة: وعنه (عليه السلام) قال: وبعد قتل عبد الإله يملك رجل في العراق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 15/

لا ذمة له ولا ضمير، يستولي على جميع الناس، ويختلق الاختلاف بين الناس، وتقع في دوره مجزرة، ومقتلة عظيمة في إحدى نواحي بغداد، حتى ينتهي إلى دور الربيعي، وهو رجل ناصبي مبغض لنا أهل البيت»(1).

المناقشة:

إننا قبل تسجيل ملاحظاتنا نحب لفت نظر القارئ إلى أن ما يلاحظه من خلل في اللغة وفي النحو، في هاتين الروايتين، ليس منشؤه أننا غلطنا في النقل. بل نحن ننقل له عبارته كما هي من دون تصرف فيها..

وبعدما تقدم نقول:

إن هذا الذي ذكره فيه الكثير من النقاط المثيرة للتعجب. ونذكر منها:

ألف: إنه يظهر من الروايات الثلاثة المتقدمة: أو واضعها مندهش جداً بما جرى لعبد الإله، ونوري السعيد، وفيصل. كما أنه ينظر إلى شخصية عبد الكريم قاسم خاصة نظرة متميزة، جعلته يستحق ـ بنظره ـ أن يتحدث الأئمة عنه، وعن أفاعيله. كما أنه رأى أن قتله أيضاً كان أمراً غير عادي، فجعل لقاتله نصيباً من روايته المفتعلة.

وأخيراً.. فلا ندري لماذا لم تدهشه أعمال صدام حسين العجيبة والغريبة، حيث لم يرد لها ذكر في العلامات التي رواها عن الأئمة، والتي سطرها في كتابه، كما لم يرد ذكر لغيره من الطواغيت الجبابرة إلا الربيعي، وعبد الله الأحمر، وعبد الكريم قاسم، وعبد الإله، ونوري السعيد، ومن كان للمؤلف حساسية تجاههم على ما يظهر.

ب: لقد ادّعى مؤلف الكتاب: أن هذا الحديث كان سراً من الأسرار،

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص190.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 16/

وأنه هو الذي أبداه، حيث لا محذور في إبدائه!!(1) مع أنه إنما ينقله عن كتاب مجمع النورين المدّعى!! وعن حاشية الترجمة الفارسية للبحار، بقلم دقيق، بكتابة خطية.

ج: إن روايته قد جعلت الجسر يعقد على الزوراء، وهو اسم مدينة بغداد، وهو تعبير لا يصح، لأن الجسر إنما يعقد على النهر، لا على المدينة.

د: لقد جاء في روايته كلمة «دور» وذلك في قوله: «وتقع في دوره مجزرة» وكذا في عبارة: «حتى ينتهي الأمر إلى دور الربيعي».

وهو تعبير فارسي، مأخوذ من كلمة «دوران» بمعنى «الفترة الزمنية». فهل ضاقت اللغة العربية عن أن يجد فيها الإمام الكلمة التي تعبر عن هذا المعنى فاستفاد من اللغة الفارسية؟! وكان الخلط منه بين اللغتين، داعياً للناس ليتعلموا اللغات الأجنبية، وليفهموا ما يرمي إليه.

ﻫـ: والأغرب من ذلك ما ذكره المؤلف، في تعليقه وشرحه للرواية، وكذا الرواية المزعومة حيث قد طبقت المجزرة التي تدعي الرواية حصولها في نواحي بغداد في زمن عبد الكريم قاسم على ما جرى بين الجيش العراقي وبين الأكراد.

ولا ندري كيف أصبحت منطقة الأكراد من نواحي بغداد!!.

و: يلاحظ: أن الجسور المعقودة على النهر في بغداد قد تجاوزت عدد الخمسة، فصارت سبعة جسور، أو أكثر، وإنما كانت خمسة قبل عدة سنوات، ويتحدث واضع الرواية عن تلك الفترة التي عاشها في بغداد حيث رأى خمسة فقط.

ز: أما الربيعي الذي تحدثت الرواية عنه، وكان في عهد عبد الكريم

ـــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ـ ج1 ـ ص191.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 17/

قاسم، فهو كما ذكر مؤلف الكتاب: ذلك الرجل الذي نصبه عبد الكريم قاسم، عضواً لمجلس قيادة الثورة. إذ لم يكن غيره في هذا العهد بهذا الاسم.

ولا ندري لماذا اختص الربيعي بهذا الوسام الخطير، دون سائر أعضاء مجلس قيادة الثورة. فإن من بينهم من قد يكون أكثر نشاطاً وبغضاً ونصباً. إلا إن كان الضمير يرجع إلى الرجل الذي لا ذمة له ولا ضمير.

كما أنه لم يكن له دور متميز على دور غيره منهم، بل لعل فيهم من كان دوره أفخم وأعظم.

 نفط الظهران:

الرواية الخامسة: «روي في أخبار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في المغيبات، هو أنه ذهب في سرية من الجيش إلى بعض بلاد الحجاز، المسمى بـ «الظهران» فوقف في مكان فيه الرمل، فجعل يجر الرمل وينحّيه، وينظر في الأرض ما تحت الرمل.

فقال له بعض أصحابه: لماذا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين؟‍!

قال: إن في هذا المكان عين من النفط.

قال: وما هو النفط.

قال: عين تشبه الزيت، لو أخرجتها من هذا المكان لأغنيت جميع العرب منها»(1).

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص315.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 18/

المناقشة:

وتثور أمامنا هنا أسئلة عديدة، نذكر منها:

ألف: إن كلمة نفط عربية متداولة، وكان النفط معروفاً عند الناس، ويستعملونه أيضاً، وقد سئل الإمام الباقر عن ثبوت الخمس فيه باعتبار أنه من المعادن، فأجاب بالإيجاب(1) فلماذا لم يفهم ذلك الرجل معنى هذه الكلمة‍! لا ندري.

ب: كما أننا لا ندري كيف يغني العرب جميعهم من عين النفط، مع أن النفط لم يكن له في زمنه تلك القيمة الكبيرة، ولا كان ثمة سيارات، ولا طائرات، ولا مصانع تحتاج إليه، ولم يكن ثمة دول ترغب في شرائه لاستعماله في مصانعها، وفي سائر مرافقها.

ولا كان يمكن تجزئة النفط واستخراج مشتقاته ثم استخدامها في المجالات المختلفة.

ج: متى ذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الظهران. أفي أيام خلافته؟ الجواب: لا، فإنه كان منشغلاً في حروبه مع أهل الجمل وصفين والنهروان، ولم يغادر مقر خلافته إلا لأجل ذلك حتى توفاه الله تعالى.

أم في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!. والجواب أيضاً بالنفي، فإن سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغزواته معروفة ومحدودة، ولم يذكر أحد من علماء الإسلام، ومؤرخيه، ومحدثيه، أنه أرسل سرية إلى الظهران ـ وهي مركز نفطي في بلاد الحجاز قرب منطقة البحرين ـ لاسيما

ـــــــــــــــ

(1) الوسائل ـ ج6 ـ ص343.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 19/

وأن خطاب أصحابه له (عليه السلام) بأمرة المؤمنين إنما بدأ بعد حجة الوداع، وبعد نصبه ولياً للمؤمنين يوم غدير خم.

وهو (عليه السلام) في هذه الفترة كان إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن توفاه الله، كما يظهر بأدنى مراجعة للتاريخ.

وأما في عهد الخلفاء الذين استأثروا لأنفسهم بالحكم بعد الرسول، فإنه لم يشارك في أي عمل عسكري، ولا غيره كما هو معروف.

د: إن المؤلف، لم يذكر لنا من أين أخذ هذه الرواية، وعلى أي مصدر، أو فقل: على أي من المخطوطات(!!) اعتمد. أم أنه وجد هذه الرواية معلقة في الهواء، أو نزلت عليه من السماء؟!.

ﻫـ: كما أننا لم نجد في الرواية ما يشير إلى أنه (عليه السلام) حين نظر إلى ما تحت الرمل الذي جرّه برجله، هل وجد شيئاً أم أنه كان ينظر في لا شيء، بهدف إثارة فضول أصحابه لطرح السؤال عليه؟!.

و: وأخيراً.. لماذا لم يخرج هذه العين ويغنيهم جميعاً، فما هذه القسوة منه على أصحابه وعلى العرب ولماذا لم يطالبوه بإصرار وإلحاح باستخراجها ليحصلوا على الغنى الدائم. ويستريحوا من البلاء الذي كانوا فيه؟!.

نعمة الكهرباء:

الرواية السادسة: أنه لما رجع الإمام أمير المؤمنين من قتال أهل صفين، أخبر بأمور غائبة:

منها: أنه وقف في صدر نهرٍ في شمال العراق، ونظر إلى الماء ينزل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 20/

من الأعلى إلى الأسفل، فقال: ليمكن أن يستضاء العراق من هذا الماء.

وفي رواية، قال (عليه السلام): لو شئت لجعلت من هذا الماء نوراً(1).

وأسئلتنا هي التالية:

ألف: إننا لم نستطع أن نفهم كيف يمكن أنه يمرّ (عليه السلام) على شمال العراق، مع أنه قادم من صفين، ـ وهي في غرب العراق ـ متوجهاً إلى الكوفة التي هي جنوبي العراق(2) على بعد مئة وخمسين كيلو متراً من بغداد.

ب: أين يقع هذا النهر الذي وجده في شمال العراق، ينزل من الأعلى إلى الأسفل، حيث قال ما قال، وهو واقف على صدره وما هي ميزاته ومواصفات هذا النهر، فهل هو أعظم من الفرات الذي كان بالقرب منه في أكثر الأوقات في ذلك السفر، وتلك الحرب؟

ج: لماذا لم يطلب منه أصحابه أن يجعل لهم من ذلك الماء نوراً؟! أو لماذا لم يطلبوا منه أن يعلمهم كيفية الحصول على ذلك النور على الأقل؟!

أم يعقل أن يكونوا قد زهدوا بهذه النعمة الكبيرة؟! أو أن كلمته لم يهتم لها أحد من أصحابه، ولم تثر فضول أيٍ منهم!.

د: ويبقى السؤال الكبير والأهم. عن مصدر هذا الحديث، ما هو؟ وأين هو؟ وما هي فلسفة إهماله، مع ما نشهده من الحرص على ذكر المصادر في سائر الموارد.

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص315/316.

(2) نلفت النظر إلى أن الكوفة تقع وسط العراق تقريباً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 21/

الذرة التي تدمر العالم:

الرواية السابعة: «وجدت في كتاب مخطوط، في مكتبة الإمام كاشف الغطاء قدس سره، حديثان شريفان [كذا] عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الذرّة:

الحديث الأول: قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، في كلام له: وأن الذرة لتحرق العالم.

الحديث الثاني: وقال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كلام له: وإن من ذرةٍ لنار»(1).

إن إطلاق الكلام بهذه الصورة لا يغني عن ذكر المصدر لهذا الذي يقول عنه أنه حديث، فلماذا لم يذكر لنا اسم الكتاب المخطوط؟ أو اسم مؤلفه؟!..

وهل كان إطلاق اسم الذرة على القنبلة الذرية متداولاً في الصدر الأول؟!..

الطائرات القاذفة، والراديو:

الرواية الثامنة: عن مجموعة خطية، للشيخ محمد علي القاضي، من كتاب زين الفتى، مرسلاً عن سلمان الفارسي، عن رسول الله، في حديث جاء فيه:

«.. وأهل المغرب يسمعون صوت أهل المشرق، وأهل المشرق يسمعون صوت أهل المغرب، والقرآن يقرأ بالمزامير. والحديد يجري على ظهر

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص161.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 22/

الهوى وتمطر عليهم ناراً. ويموت من أهل الأرض من السبعة خمس، ويكون موتهم بالطاعون والموت الأحمر، فعند ذلك يهبط عيسى، فيقترحون عليه اقتراحاً، فيقول: ذلك ليس لي، فيأتي المهدي، ويتسلم زمام الأمر»(1).

المناقشة:

ولنا هنا العديد من الملاحظات، نذكر منها:

ألف: إن هذا الحديث ـ كأمثاله مما سبق ـ إنما وجد في كتاب مخطوط.. ولا ندري إن كان يقصد بالحديد الذي يجري على ظهر الهوى هو الصواريخ، أم يقصد الطائرات الحربية، التي تقذف حممها من الجو. ولكنه لم يصرح باسم الطائرة هنا، كما ورد التصريح باسمها في حديثه الذي ذكر فيه احتراق عبد السلام في الطائرة.

كما أننا لا ندري إن كان يقصد أن الخمسة من السبعة يموتون بقذائف تلك الطائرات أم يموتون بوسائل أخرى؟!..

كما أننا نستغرب كيف لم يتساءل أحد من السامعين، عما يحل لهم هذه الألغاز، ويجيبهم على هذه الأسئلة؟!.. أم يعقل أن لا تكون هذه الأسئلة قد مرت لهم على بال؟!

ب: إن ظاهر الرواية المزعومة هو أن عيسى (عليه السلام) ينزل من السماء، ويجتمع بالناس، ويقترحون عليه أمراً، وذلك كله قبل أن يأتي إلى المهدي (عجل الله فرجه) وقبل تسلمه عليه السلام زمام الأمر. وهو خلاف ما جاء في الروايات.

ج: يلاحظ الخطأ في عبارة: «من السبعة خمس»، والصحيح خمسة، مع احتمال أن يكون الخطأ من الناسخ..

د: إن بعض الفقرات في هذا الحديث المزعوم، وإن كانت واردة في الأحاديث المعتبرة، لكن المشكلة هي أن ثمة إضافة في الحديث، وتصرفات بمضامينه، قد جعلته حديثاً هجيناً، غريب الأطوار، لا مجال لقبوله، ولا للتصديق به..

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص153.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 23/

الشيطان الإريل:

الرواية التاسعة: «روي عن الإمام أمير المؤمنين، انه خرج مع كميل بن زياد إلى موضع خارج الكوفة، فوقف، وقال:

يا كميل بن زياد، ها هنا موضع قبرك، ثم أشار بيده المباركة يميناً وشمالاً، وقال:

وستبنى من ها هنا وها هنا دور وقصور، ما من بيت في ذلك الزمان إلا وفيه شيطان إريل»(1).

وقد نقل هذا الخبر عن مجموعة خطيبة للشيخ محمد علي القاضي النجفي.

وأقول:

أ: ليت أحداً غير هذا الرجل يخبرني بما يشفي الغليل عن هذه المجموعة الخطية، وعما فيها من عجائب وغرائب. فأين عنها العلماء والباحثون، والمنقبون عن كل يتيمة.

ولماذا لم يفطن ورثة الشيخ القاضي إلى ما في هذه المجموعة من نفائس، وأعاجيب، أو من أفائك وأكاذيب!

وكيف ومن أين وصلت هذه الخرائد والفرائد إلى الشيخ القاضي فأودعها مجموعته؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لا ولن تجد لها جواباً مقنعاً، ومفيداً.

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص25.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 24/

ب: والذي يثلج الصدر، ويبعث السرور والبهجة: أن الإمام (عليه السلام) قد تكلم هنا باللغة الإنكليزية، وأتى بالاصطلاح الذي سوف يخترعه الإنكليز بعد مئات السنين، وسوف يختاره تبعاً لهم العراقيون وسكان الخليج دون غيرهم، للتعبير عن مقاصدهم.

فإن «الإريل» بالإنكليزية، التي جرى عليها العراقيون والخليجيون إسم لـ «هوائي الراديو والتلفزيون».

ولا ندري لماذا اختار عليه السلام خصوص هذا الاصطلاح، ورجحه على غيره من اللغات الحية، كما أننا لا نعرف لماذا عدل عن الاصطلاح العربي وهو كلمة «هوائي» إلى اصطلاح وافد وغريب.

ج: لم نفهم لماذا أطلق على الإريل أنه شيطان، ولم يطلق هذا اللقب على الراديو أو التلفزيون نفسه، مع أنه هو أولى به والأجدر.

د: وإذا كنا قد أصبحنا في عصر الإنترنت، الذي لا يحتاج إلى «إريل»، والذي يتوقع له أن يدخل إلى بيوت الناس، مثل الراديو وجهاز التلفاز. لم يشر إليه أيضاً، ولو بكلمة.

هـ: أضف إلى ما تقدم: أن فتاوى العلماء لم تحرم اقتناء هذا الشيطان!! والاستفادة منه!! حيث لم يعتبروا الراديو والتلفزيون من الآلات التي يحرم استعمالها.

وقد أجازت هذه الفتاوى بيع وشراء هذه الآلات، واقتنائها في البيوت.

و: هذا كله.. عدا عن الركاكة الظاهرة في عبارة الرواية المزعومة.

الرواية العاشرة: السكك الحديدية:

ناظم الإسلام: «روى الكرماني في كتابه المذكور: أن من العلائم لظهور الإمام الحجة بن الإمام الحسن، اتخاذ الطرق الحديدية، وإنشائها في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 25/

الدول والمماليك الإسلامية»(1).

ونقول:

إن كان الكرماني قد نقل هذه الفقرة عن الإمام، فلماذا لم يذكر اسمه، وسنده إليه، والمصدر الذي نقل عنه؟! مع لفت النظر إلى أن تعبيراتها لا تناسب كونها منقولة عن الإمام، أو النبي. وإن كان التعبير بـ «روى» يشير إلى ذلك.

وإن كانت من اجتهادات الكرماني، أو ناظم الإسلام، أو غيرهما، فمن أين للكرماني، ولغيره معرفة أمرٍ كهذا؟! فهل أطلعه الله سبحانه على الغيب؟ أم أنه رأى في المنام؟ أم ماذا؟

كما أننا لم نفهم وجه تخصيص هذا الأمر بالدول والممالك الإسلامية، دون سائر الدول، التي سبقت إلى ذلك.

وأخيراً.. لابد أن نتساءل عن مدى أهمية أو خصوصية الطرق الحديدية، حتى يجعل اتخاذها من علامات ظهور الحجة (عليه الصلاة والسلام).

ولماذا لم يتحدث لنا الإمام عليه السلام، عن الدراجة الهوائية؟! أو السيارات؟ أو نحو ذلك؟..

مرجعية الإمام الخوئي من علامات الظهور:

الرواية الحادية عشرة: «روى بعض أهل العلم هذا الحديث، وكان وارداً من إيران، قبل خمس سنوات، أو أكثر بعد أن سئل [كذا] السيد الخوئي (مدّ ظله) عن اسمه، واسم أبيه، فقال: إني وجدت هذا الحديث في كتب الغيبة:

روى أحد الأئمة (عليهم السلام) قال: إن من علائم الظهور: أن آخر مجتهد مقلد في النجف، وبعده لا يكون مجتهد مقلد غيره، هو السيد أبو

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص156.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 26/

القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي(1).

ونقول:

إننا نلاحظ:

ألف: إن هذا الرجل ـ وأقصد به واضع الرواية ـ قد رأى تهجير الحكم البعثي للعلماء، واضطهاده لهم، وضعف الحوزة العلمية بسبب ذلك.

ورأى أيضاً الروايات التي تقول: إن العلم يأرز من الكوفة كما تأرز الحية في جحرها، وينتقل إلى بلدة يقال لها قم، وذلك عند قرب ظهور قائمنا.

ورأى تعاظم شأن الحوزة العلمية في قم، ولاسيما بعد الثورة الإسلامية، وبعد ما جرى للحوزة في النجف الأشرف.

نعم: إنه قد رأى ذلك كله.. فطاب له أن يسجل ذلك في حديث، وينسبه إلى الأئمة ليجلب إليه انتباه السذج والبسطاء والغافلين عن حقيقة الأمر.

ب: إن كلمة «مجتهد» و «مقلد» إنما هي اصطلاحات مستحدثة، ولم تكن متداولة في عصر الأئمة (عليهم السلام)، سوى ما ورد في التوقيع الشريف، عن الإمام الحجة، حول ما يرتبط بتقليد العوام.

ج: إن مدينة النجف لم تكن موجودة في عهدهم (عليهم السلام)، وإنما كانت «الكوفة» هي المدينة العامرة، التي تحدث الأئمة عنها باستمرار، والنجف إنما هي مكان يعبرون عنه بظاهر الكوفة وإذا أطلقوا عليه كلمة «النجف» فإنما ذلك لأجل كونه اسما‌ً للمكان لا للمدينة..

د: وقد توفي السيد الخوئي قبل سنوات، وبقي في النجف مجتهدون، وفيهم مراجع كبار، يقلدهم الناس، سواء في العراق، أو في غيره من أقطار العالم الإسلامي..

ولعل بعضهم قد استأثر بالسهم الأوفر من المقلدين..

هـ: إن المؤلف لم يذكر لنا اسم الراوي القادم من إيران، ولا ذكر لنا

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص318.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 27/

ذلك الراوي اسم الكتاب الذي ينقل عنه. وهذه الكتب الغيبة بين أيدينا فلماذا لم نعثر فيها على ما عثر عليه، بل هو لم يذكر لنا اسم الإمام المروي عنه أيضاً. وكل ذلك مجهول في مجهول في مجهول!! فاقرأ وأعجب.

الشورى، وتغيير السنة!!:

الرواية الثانية عشر: «مناقب العترة لابن فهد الحلي (رحمه الله): عن حذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، قال النبي (صلى الله عليه وآله):

الويل الويل لأمتي من الشورى الكبرى، والشورى الصغرى.

فسئل عنهما فقال: أما الشورى الكبرى، فتنعقد في بلدتي بعد وفاتي لغصب خلافة أخي، وغصب حق ابنتي. وأما الصغرى، فتنعقد في الزوراء لتغيير سنتي، وتبديل أحكامي.

وفي دلائل النبوة لابن فهد أيضاً نقل نفس الخبر بتغيير يسير في بعض عباراته، ولذا لم نذكره»(1).

وقد فسر المؤلف الشورى الصغرى بقانون الأحوال الشخصية المعمول به في العراق..

المناقشة:

ونسجل على هذا الحديث الملاحظات التالية:

ألف: إن تفسير المؤلف للشورى بقانون الأحوال الشخصية الذي صدر في السنوات الأخيرة في العراق.

لا ندري ما هو المبرر له، مع العلم بأن سن القوانين المخالفة للإسلام قد بدأ في العديد من الممالك الإسلامية منذ أمدٍ بعيد..

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص292.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 28/

ب: إنه قد ذكر بعد هذا الحديث مباشرة حديثاً آخر يفسر فيه الزوراء «بالري»(1) وهي منطقة طهران. ومع أن هذه الرواية إنما جاءت عن كعب الأحبار، ولكنه هنا قد نسبها إلى المعصوم(2).

مع أن هذا التفسير خلاف ما هو معروف ومشهور، وقد شاع وذاع من أن المراد بالزوراء هو بغداد.

فهل جاءت هذه الرواية ليكتمل الإيحاء بأن مجلس الشورى الإسلامي، الذي تأسس بعد ظهور الدولة الإسلامية، هو الشورى الصغرى، الذي يغيّر السنة، ويبدل الأحكام الإسلامية، كما لهج به بعض من اطلع على روايته المزعومة هذه.

خصوصاً.. وإن كتاب «بيان الأئمة» قد طبع بعد قيام الدولة الإسلامية في إيران بعدة سنوات..

ج: إن إطلاق اسم «الشورى الكبرى» على ما جرى في السقيفة، يوحي بصحة دعوى أتباع الخلفاء بأن ما جرى في السقيفة قد كان شورى بين أهل الحل والعقد. مع أن المعروف باسم الشورى هو الشورى التي شكلها عمر بن الخطاب لتنتخب عثمان خليفة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية: فيا لله وللشورى!! متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر..

د: ثم إننا لم نجد أحداً من المسلمين استدل بهذا الحديث بالذات، لا على بطلان السقيفة، ولا على بطلان شورى عمر بن الخطاب، رغم كثرة المعترضين، وتواتر الإدانات لهما. وقد كان من المناسب أن يستدل به حذيفة أو جابر على الأقل.

هـ: ونشير أخيراً إلى الغلط الذي وقع فيه واضع الرواية في اسم أبي حذيفة حيث إن اسمه «اليمان». فتخيل: أن هذا ليس إسماً، وإنما هو نسبة إلى اليمن، وأنه «اليماني» بإضافة ياء النسبة. وهذا دليل على براعة هذا الرجل في الرجال!!

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص293.

(2) راجع: البحار ـ ج52 ـ ص225 والغيبة للنعماني ـ ص146/147.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 29/

صفات نساء راكبي السيارات:

الرواية الثانية عشر: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في آخر الزمان رجال يركبون الميامر، حتى يأتوا على أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة النجد المعممات، إلعنوهن: إنهن ملعونات»(1).

ثم ادّعى: أن الميامير جمع «ميمر» وهو: «الشيء السريع الحركة، وهو ينطبق على: الدراجات النارية، والهوائية، والسيارات».

وذكر أن: «النجد جمع نجود، وهي الإبل الطويلة العنق، فيكون المعنى أن تلك النساء التي تأتي في آخر الزمان على رؤوسهن شعر كسنام الإبل المعمم بالشعر، أي يصنعن شعورهن مثل السنام المعمم، فمن كانت بهذه الصفة جاز لعنها للأمر بلعنها»(2).

ونقول:

قد تجد في روايات أهل السنة فقرات تشبه بعض فقرات هذه الرواية بصورة أو بأخرى، ولكن بعض فقراتها الأخرى ليست كذلك، كما سنرى..

وفي جميع الأحوال نقول:

ألف: أما بالنسبة للميمر: فلا أصل له في لغة العرب أصلاً. فهو من مختلقات واضع الرواية، أو من اقتباساته من بعض اللغات الأخرى كما عودناه في روايات سابقة.

ب: إن هذا المعنى الذي ذكره للنجد، لم نجده في كتب اللغة، فإن «النُّجدُ» جمع «نَجْد». والنجد هو الطريق الواسع. والظاهر: أن الصحيح هو: البخت هي الإبل الخراسانية. أعجمي معرب.

ج: وبالنسبة لسنام الإبل المعمم بالشعر، نقول:

هل يكون سنام الإبل الطويلة العنق هو المعمم بالشعر دون غيرها من

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص115.

(2) المصدر السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 30/

الإبل؟! وهل كانوا يقيسون أعناق الإبل؟ ويميزون بين طويل الأعناق وقصيرها؟!

د: وبعد.. فهل كل من جاء إلى المسجد بالسيارة تكون نساؤه على الوصف المذكور! أي كاسيات عاريات، وقد عممن رؤوسهن بالشعر حتى يصبح مثل سنام الإبل!. وهل كل من لا يأتي إلى المسجد بالسيارة تكون نساؤه محتشمات وليست على الوصف المذكور؟!

وها نحن نرى المؤمنين والعلماء في إيران، والعراق، وفي جميع بلاد العالم يذهبون إلى المساجد بسياراتهم ودراجاتهم، ولا نرى نساءهم على هذه الصفة، بل هن غاية في الحشمة، والالتزام بالحجاب الشرعي.

هـ: ونفس واضع الرواية: هل يركب السيارة أم لا؟

وهل إذا كان المسجد بعيداً كمسجد جمكران يرفض ركوب السيارة للوصول إليه؟

وإذا ركب إليه، فهل هو يخشى على نسائه من أن تنطبق عليهن تلك الصفات؟!.

 عبد الله الأحمر:

الرواية الرابعة عشر: روي أن رجلاً أتى إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، فسأله: متى يقوم القائم (عجل الله فرجه).

فقال له الإمام: أئنك من أهل الشام.

فقال: نعم.

فقال: إذا ملك في الشام عبد الله الأحمر فترقبوا خروج السفياني، وبعده

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 31/

يخرج القائم(1).

ونقول:

ألف: عبد الله الأحمر هو الرجل المعروف الموجود فعلاً في سوريا، وهو من شخصياتها المعروفة، المشاركة في الحكم.. ولكنه ليس هو الحاكم الفعلي للبلاد، وهكذا فقد خاب فأل هذا الرجل واضع الرواية، وطاش سهمه.

ولو فرض أن هذا الرجل سيحكم، فما هي ميزته التي فرضت أن يجعل من علامات السفياني؟!..

إن هناك بلاداً عديدة كلها أشخاص لهم أسماء، ولهم دور قد يكون فيه شيء من الفرادة والتميز.. فلماذا لا تذكر أسماؤهم في جملة من يترقب ظهور السفياني إذا ملكوا..

ب: ليته ذكر لنا مصدر هذه الرواية، ومن أي مخطوطة(!!) أخذها.

وليته كذلك، ذكر لنا سندها لنتأمل فيه، ونتعرف على رواة هذه الرواية العجيبة والغريبة، وهذه الخريدة الفريدة التي فاز بها هذا الرجل.

 الرواية الأخيرة:

نور الأنوار، بحذف الإسناد، عن سدير الصيرفي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من أهل الكوفة، فأقبل عليهم وقال لهم:

حجوا قبل أن لا تحجوا، قبل أن يمنع البر جانبه، قبل أن يمنع الغربيون الحج(2).

ونقول:

إنه لا إشكال في صدر الحديث، إنما الإشكال هو في قوله: قبل أن يمنع الغربيون الحج.

حيث إننا قد سئمنا التعليق على هذه الأباطيل، غير أننا نكتفي هنا بلفت نظر القارئ إلى:

ـــــــــــــــ

(1) بيان الأئمة ـ ج2 ـ ص545.

(2) بيان الأئمة ـ ج1 ـ ص295.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 32/

ألف: المصدر المزعوم(!!)

ب: الإسناد المحذوف(!!)

ج: الفقرة الأخيرة من هذه الرواية!!، وخصوص كلمة «الغربيون».

 الكلمة الأخيرة حول هذه المزاعم:

ونعود فنذكّر القارئ بأن واضع هذه الروايات، وسواها مما لم نذكره مما حفل به الكتاب المشار إليه «بيان الأئمة» لم يكن على درجة كافية من الذكاء، حيث لم ينجح في سد جميع المنافذ والفرج التي تهدي إلى الحق، وتكشف الزيف والدجل.

وقد اتضح من الأمثلة التي ذكرناها: أن واضع هذه الأباطيل، لم يتحدث عن شيء غائب ومغمور، ولا عن أمر غامض ومستور، وإنما هو قد رأى أموراً كالراديو والتلفزيون، والتلفون، والسيارة، والطائرة والكهرباء وووالخ. وعايش أشخاصاً وأحداثاً ووقائع بهرته، واحتلت في نفسه موقعاً خاصاً، فاختلق لها من الأحاديث والروايات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) ما يدل عليها، أو يشير إليها.

ولعله رأى ذلك في منام، استطاعت نفسه أن تقدم صوراً يألفها، ويعرفه، لتحدثه عن هذه القضايا التي كان مبهوراً بها. ولعله تخيل أن الإمام هو الذي يقول له هذا القول من خلال حضور الصور المناسبة لما حدّث به نفسه، ثم استيقظ، واعتبرها رواية، فأثبتها بهذه الصفة، ولم يشر إلى الرؤيا أو إلى حديث النفس هذا..

ولعل أحداً زعم له ذلك فصدّقه، وجرت الأمور على السجية، ومن دون رجوع إلى ما يحكم به العقل، وتقضي به الروية.

ورغم أن هذه المزعومات قد جاءت في الكتاب مختلطة بأحاديث أخرى مما وجده في المصادر المتوفرة لديه، ورغم بذل جهد كبير في محاولة تمويه أمرها على الناس، وصياغتها من قبل واضعها بأسلوب تعمد أن يكون فيه شيء من الإيهام والإبهام، حيث نسبها إلى كتب مزعومة، سماها بأسماء طنانة ورنانة، أو إلى كتب يعلم بأنها قد اندثرت وبادت..

وكذلك رغم بذل الجهود الكبيرة لإقناع القارئ، بوثاقة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

/صفحة 33/

الأشخاص المجهولين، الذين ينقل عنهم.

نعم: إنه رغم ذلك كله لم يستطع الفوز بما يطلب، ولا الحصول على ما يريد، فقد بقيت هذه المزاعم ظاهرة الزيف، واضحة البطلان، بينة الخطل، ويظهر ذلك ببعض التأمل، وقليل من الجهد. فإن الله لم يوفقهم لإشاعة الباطل، وطمس معالم الحق والحقيقة.

 التحذير والختام:

وإنما اكتفينا بهذا القدر من البحث حول هذا الكتاب وما فيه، لأن هدفنا لم يكن ـ من أول الأمر ـ هو تتبع كل ما فيه، ورصد كل هفواته، وإظهار جميع ترّهاته، وإنما أحببنا ـ فقط ـ تقديم نماذج يسيرة إلى القارئ الكريم، ليكون على حذر شديد حتى لا يقع في الشرك المنصوب، ويصبح أسير الأوهام والأباطيل.

ونريد أن نؤكد له: أن مصادرنا الموثوقة، التي ألفها علماؤنا الأتقياء الأبرار لابد أن تكون هي المرجع والملاذ، وأن من المستحسن أن تمر بمرحلة البحث والتمحيص، والتحقيق العلمي لتمييز الصحيح من السقيم، والحق من الباطل، والسليم من المحرف، وهذا هو النهج الذي التزمه علماؤنا وأكدت عليه نصوص الشريعة والدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.