كبس بيت فاطمة (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

بسمه تعالى، وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله.

وبعد..

فقد أثار بعضهم في شبكة الميزان الثقافية، موضوع (كبس بيت فاطمة من قبل أبي بكر وعمر) فتصدى بعض أهل السنة باسم (البدري) بطريقة غير سليمة. فكان لنا موقف منه..

وقد جاءت الوقائع كما يلي:

ابن تيمية يعترف

أن أبا بكر كبس بيت فاطمة (عليها السلام)!!

قال ابن تيمية:

(غاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه).

راجع كتابه منهاج السنة الجزء الرابع صفحة 220 من طبعة دار الكتب العلمية.

فهذا اعتراف شيخ الإسلام بن عبد الحليم بن تيمية على الهجوم!!.

(المرسل: علي بحر العلوم)

فجاء رد بعض أهل السنة عليه بطريقة غير سليمة ولا منطقية، والرد هو التالي:

رد (البدري):

سبحان الله على هذا الفهم انقل أولاً عبارة شيخ الإسلام كاملة:

(فصل: قال الرافضي الثامن قوله في مرض موته ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكبسه وليتني كنت في ظلة بني ساعدة ضربت على يد أحد الرجلين وكان هو الأمير وكنت الوزير وهذا يدل على إقدامه على بيت فاطمة عند اجتماع أمير المؤمنين والزبير وغيرهما فيه.

والجواب: أن القدح لا يقبل حتى يثبت اللفظ بإسناد صحيح ويكون دالاً دلالة ظاهرة على القدح فإذا انتفت إحداهما انتفى القدح فكيف إذا انتفى كل منهما ونحن نعلم يقيناً أن أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولاً وآخراً.

وغاية ما يقال إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى أسقطت.

وهذا كله دعوى مختلق وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام.

وأما قوله ليتني كنت ضربت على يد أحد الرجلين فهذا لم يذكر له إسناداً ولم يبين صحته فإن كان قاله فهو يدل على زهده وورعه وخوفه من الله تعالى).

بعد ذكر كلام شيخ الإسلام كاملاً أقول:

لا يوجد في كلام ابن تيمية ما يرمي إليه الشيعة الإثني عشرية بل ذكر ما ينفي ذلك، وكلمة (كبس) التي اخذ القوم يطبلون حولها فهي كلمة عادية لا تدل على الهجوم بعنف وإنما القصد منه الدخول المعروف ولا داعي لتحميل الكلمة أكثر مما يتحمل في فهمها، وإن كان الشيعة الإثني عشرية يرون أن القصد من كلمة (كبس) هي الهجوم بعنف وقوة فعليهم إثبات ذلك.

ردنا على (البدري):

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد، والصلاة والسلام، على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد..

فإن ما نقله (البدري) عن ابن تيمية لا يجدي في رفع الإشكال الذي طرحه بحر العلوم وذلك للأمور التالية:

ما قاله ابن تيمية من أن القدح لا يقبل حتى يثبت اللفظ بإسناد صحيح.

لا يصح, وذلك لما يلي:

أولاً: إن القدح إذا أوجب احتمالاً معتداً فيما يرتبط بترتيب بعض الآثار التي قرر الشارع لها شروطاً، فإن القدح وإن لم يكن سنده صحيحاً يسقط بذلك الشرط المطلوب عن درجة الثبوت، وإذا سقط، فإنه لا يجوز ترتيب تلك الآثار المرتبطة بذلك الشرط..

فمثلاً، إذا كان يشترط في القاضي الاجتهاد والعدالة. وورد ما يفيد القدح بالعدالة أو الاجتهاد حتى لو كان بسند ضعيف، فإن الشرط يصبح مشكوكاً، فلا يصح نصب من ورد القدح فيه للقضاء قبل التأكد من عدم صحة ذلك القدح..

ثانياً: إن القدح إذا ورد من طريق من يحرص على المدح، فإنه يكون بمثابة الاعتراف الذي يكون التخلص من تبعاته أصعب مما لو ورد من قبل الخصوم، أو من أناس محايدين..

ثالثاً: إن حديث التعدي  على بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رواه أهل السنة، ولم يروه الشيعة وحدهم فقد رواه من السنة:

الطبراني في المعجم الكبير ج1 ص62 ومجمع الزوائد ج5 ص203 وسير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص 17 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص117 و118 والعقد الفريد ج4 ص268 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص137 والإمامة والسياسة ج1 ص18 وتاريخ الأمم والملوك ط المعارف ج3 ص430 ومروج الذهب للمسعودي ج1 ص414 وج2 ص301 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص130 وج17 ص164 و168 وج2 ص46 و47 وج20 ص17 و24 وكنز العمال ج3 ص125 وج5 ص631 و632 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج2 ص171 وتاريخ ابن عساكر ـ ترجمة أبي بكر. ومختصر تاريخ دمشق ج13 ص122 ومنال الطالب ص280 وحياة الصحابة ج2 ص24 والمغني للقاضي عبد الجبار ج20  قسم1 ص340 و341 وغير ذلك..

قال عنه في كنز العمال: أبو عبيد في الأموال والعقيلي في الضعفاء وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في فضائل الصحابة والطبراني وابن عساكر وسعيد بن منصور.

وقال: إنه حديث حسن إلا أنه ليس فيه شيء عن النبي (صلى الله عليه وآله). وقد أخرج البخاري كتابه غير شيء من فضائل الصحابة..

فسعيد بن منصور يقول: إنه حديث حسن.. فكيف يدعي ابن تيمية أن الصحة منتفية من هذا الحديث؟!

2ـ وأما ما قاله ابن تيمية: من أن أبا بكر لم يقدم يقيناً على علي والزبير بشيء من الأذى، بل ولا على سعد بن عبادة.. فيرد عليه أيضاً:

أن العلم واليقين خاص بابن تيمية نفسه.. ولا مجال لتعميمه لغيره، ولا يمكن الاحتجاج به على أحد..

كيف وقد روي الكثير مما يدل على أنهم قد قصدوه بالأذى، وقد حاولوا قتله كما ورد في رواية محاولة خالد بن الوليد لذلك بالاتفاق مع أبي بكر، وأن أبا بكر قد ندم على ذلك. حتى تكلم في صلاته حين التسليم يمنع خالداً من المضي فيه.. وقالوا: إن أبا حنيفة قد استند إلى هذه الحادثة بالذات حين أفتى بجواز الخروج من الصلاة بغير التسليم. حسبما نقله المعتزلي، وهو من أهل السنة.

وقد كتب كما روى المسعودي ـ إلى محمد بن أبي بكر يقول له عن أبي بكر وعمر: وقد همّا به الهموم، وأرادوا به العظيم..

وأما تهديده بإحراق بيته إن لم يبايع.. فقد تداوله المؤرخون والمحدثون بصورة ظاهرة..

وفي كتاب (مأساة الزهراء) المجلد الثاني نصوص كثيرة تفيد في هذا المجال..

وقد روى البلاذري: أن أبا بكر قال عن علي ائتني به بأعنف العنف (راجع أنساب الأشراف ج1 ص587).

وفي شرح نهج البلاغة للمعتزلي موارد كثيرة تتحدث عن هذا الأمر وكذا في الإمامة والسياسة.. وغير ذلك من مصادر.

فدعوى القطع بهذه الحدة والشدة لا مجال لقبولها. أو الاعتماد عليها، فضلاً عن الاحتجاج بها.

3ـ وأما قوله: (غاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقيه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء) فإننا نقول فيه:

أولاً: إن هذا من ابن تيمية تكهن ورجم بالغيب، ليس له شاهد، ولا له عليه دليل.

ثانياً: هل كبس بيت أحد غير علي ليكبس بيت علي؟!

ثالثاً: هل هو يتهم علياً بسرقة مال الله، وإخفائه عن الناس؟! وحبسه عن غير مستحقه.

رابعاً: هل كان بيت علي (عليه السلام) هو بيت مال المسلمين؟!

وكيف وصل المال المزعوم إلى بيت علي؟!..

ولماذا لم يوضع هذا المال في غير بيت علي (عليه السلام)؟!

خامساً: قال أهل اللغة: كبس القوم دار فلان هجموا عليها فجأة واحتاطوها أي حتى لا يتمكن ساكنوها من التصرف الموجب لتضليل المهاجمين من مقصودهم..

وفي نص آخر: أنه كشف بيت فاطمة..

فهل رضي أصحاب ذلك البيت بكبسه ثم بكشفه، و بدخول بيتهم بهذه الصورة الاتهامية؟!

وهل رضوا بفعل الكابسين وبدخول الكاشفين؟!

أم فعلوا ذلك من دون إذن؟!

وإذا كانوا قد أذنوا ورضوا فما هو الدليل المثبت لذلك؟!

وإذا كانوا لم يأذنوا فهل هذا الكبس والكشف إلا ممارسة عمل بالقوة؟! أوجب إغضاب أصحاب البيت على من يفعل ذلك؟!..

وقد صرح البخاري وغيره بأن فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، قد ماتت وهي واجدة على أبي بكر.

سادساً: ما معنى قوله: ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز؟!

فلماذا تأخرت رؤيته هذه إلى ما بعد كبسه البيت ودخوله؟!

سابعاً: إنه إذا كان يجوز إعطاؤهم هذا المال، فهل يجوز له كشف بيتهم، وهتك حرمتهم؟!

ثامناً: لماذا لم يفعل بهذا الحكم في البداية. حتى اجترأ على حرمات الله، فما الذي يعرفنا من أن تؤدي عدم فطنته هذه في الموارد الأخرى إلى ما هو أشر وأمر..

وقد قال ابن تيمية: وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط، باتفاق أهل العلم والدين، وإنما ينقل هذا جهال الكذابين، فليصدقه حمقى الغالين الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت..

ونقول:

أولاً: قد أشرنا فيما سبق إلى أن كثيرين من علماء أهل السنة قد نقلوا شيئاً من ذلك، كالطبراني، والبلاذري، والمعتزلي، والمتقي الهندي، وسعيد بن منصور، وابن عساكر، والذهبي، واليعقوبي، وابن عبد ربه، وابن قتيبة، والطبري وغيرهم كثيرون، فهل هؤلاء من جهال الكذابين؟!

ثانياً: إن هذا يدل على عدم وجود إجماع على هذا الأمر..

ثالثاً: لا نعرف أحداً يقول: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة..

رابعاً: وأما ضرب بطنها حتى أسقطت، فقد ذكره أيضاً بعض أهل السنة، فراجع قول النظام في ذلك، على ما نقله الشهرستاني في الملل والنحل وغيره..

وفي كتاب (مأساة الزهراء)، المجلد الثاني نصوص ومصادر كثيرة منقولة عن أهل السنة تدل على ضربهم لفاطمة (عليها السلام)، وعلى إسقاط جنينها، فإن أحببت أن نوردها لك من مصادرها فنحن مستعدون لذلك..

فإن كان هؤلاء من حمقى العالمين، أو من جهال الكذابين، فأنت الذي تقرر ذلك، في أناس هم من أهل نحلتك، وليسوا من الشيعة..

وأما قوله: هذا كله دعوى مختلق، وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلى على من هو من جنس الأنعام..

فنقول فيه:

أولاً: إن الذين ذكروا ذلك هم علماء كبار جداً من أهل السنة فضلاً عن غيرهم..

فكيف يمكن الحكم باتفاق أهل الإسلام على ذلك..

ثانياً: قد عرفت أن كباراً من علماء أهل السنة قد ذكروا ذلك فهل هؤلاء جميعاً من جنس الأنعام..

ثالثاً: كيف ثبت لابن تيمية أن ذلك من الكذب المفترى.

رابعاً: كيف حصل على إجماع أهل الإسلام على ذلك؟.. مع أن معظم علماء أهل السنة قد سكتوا عن إعطاء الرأي في هذا الأمر، أولم يذكروه في كتبهم؟..

وأما قوله: ليتني ضربت على يد أحد الرجلين فهذا لم يذكر له إسناداً، ولم يبين صحته، فإن كان قاله؛ فهو يدل على زهده وورعه إلخ..

ففيه:

أولاً: إن عدم ذكر الإسناد له، لا يدل على عدم وجوده. وفي المصادر التي ذكرناها ما يدل على وجود إسناد له..

ثانياً: إن عدم ذكر الإسناد لا يدل على أنه مكذوب، فكم من الحقائق التي تسالم عليها المسلمون، لا تكاد تعثر لها على إسناد، بل جاءت على شكل نقولات تاريخية عادية..

ثالثاً: دعوى أن ذلك قد جاء على سبيل الورع، أو مع تعارض الشواهد لو وجدت، فإن الأخذ بهذا الاحتمال ليس بأولى من الأخذ بالاحتمال الذي يقابله.. وهو أن يكون ندماً على أمر عظيم أوقع نفسه فيه، ولم يكن أهلاً له..

نتائج ما تقدم:

وبعدما تقدم، نقول:

قد اتضح: أن لا يصح قول البدري:

إن ابن تيمية قد ذكر ما ينفي أن يكون أبو بكر قد قال ذلك. فإن ما ذكره ليس صالحاً لنفي شيء من ذلك..

إن كلمة (كبس) ليست عادية، بل هي تدل على هجوم مفاجئ على بيت ما، لكي لا يتمكن الذين فيه من التخلص مما يراد ضبطه فيه.. وليس الكبس هو الدخول المعروف واستعمالات أهل اللسان تؤيد ما قلناه..

والحمد لله رب العالمين.

وقد ردّ علينا ذلك الرجل بما يلي:

الرد من البدري:

إلى.. العاملي..

ماذا حصل لك، فأرى في ردك التكرار الذي لايفيد فانت قلت:

ثالثاً: إن حديث التعدي على بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رواه أهل السنة، ولم يروه الشيعة وحدهم فقد رواه من السنة:

ثم قلت بعد ذلك:

أولاً: قد أشرنا فيما سبق إلى أن كثيرين من علماء أهل السنة قد نقلوا شيئاً من ذلك،

ثم قلت بعد ذلك:

رابعاً: وأما ضرب بطنها حتى أسقطت، فقد ذكره أيضاً بعض أهل السنة، ثم قلت بعد ذلك:

وفي كتاب مأساة الزهراء، المجلد الثاني نصوص ومصادر كثيرة منقولة عن أهل السنة تدل على ضربهم لفاطمة (عليها السلام)، وعلى إسقاط جنينها.

ثم قلت بعد ذلك:

أولاً: إن الذين ذكروا ذلك هم علماء كبار جداً من أهل السنة فضلاً عن غيرهم..

وأقول: الم يكن كافيا بان تذكر ان علماء السنة ذكروا ذلك مرة واحدة في كلامك بدل هذه الاطالة والتكرار؟؟؟

وهل تظن ان إفحام الخصم والقامه الحجة يكون بكثرة الحروف والكلمات؟؟؟.

وانت قلت: فإن أحببت أن نوردها لك من مصادرها فنحن مستعدون لذلك..

واقول لك: نعم اريدك ان تورد الروايات باسانيدها ولا اكتفي بذكر المصادر، وإلا مقابلا لذلك سوف اذكر لك المصادر التي تكلمت في تحريف القران الكريم من كتبكم دون ذكر الاسانيد والروايات، فهل ستقبل بذلك وتكون ممن يرى التحريف؟؟؟؟

اما قولك: أولاً: إن عدم ذكر الإسناد له، لا يدل على عدم وجوده. وفي المصادر التي ذكرناها ما يدل على وجود إسناد له..

واقول لك: بناء على قاعدتك الخشبية اقول ليس هناك فائدة للأسناد وليس هناك فائدة لعلم الجرح والتعديل، ونصبح كاليهود او النصارى نؤمن بالتوراة والانجيل هكذا دون إسناد!!!!!!

أما ما ذكرته أنت والفاطمي من قبلك حول كلمة (كبس)، فاقول:

اين الامانة العلمية في النقل، لماذا لم توردوا القول الكامل حول معنى كلمة كبس ولماذا اخذتم بالمعنى الذي يؤيد عقيدتكم وتركتم باقي المعاني؟؟؟ انتم بهذه الطريقة لبستم على القارىء لكي يظن ان معنى كملة (كبس) ليس لها إلا معنى واحد؟؟؟

الان اذكر بعض المعاني الاخرى لكلمة (كبس):

(الغريب للخطابي 2 – 572).

يقول: (وقد كبس الرجل إذا قطب يقال عابس كابس وقد كبس رأسه في ثوبه إذا أدخله فيه وقد يكون المكبس بمعنى المقتحم).

ويقول صاحب كتاب لسان العرب(6 / 190): (و كَبَسَ الرجل يَكْبِس كُبُوساً و تَكَبَّس: أَدخـل رأْسه فـي ثوبه، وقـيل: تقنَّع به ثم تغطَّى بطائفته، و الكُباس من الرجال: الذي يفعل ذلك. ورجل كُباسٌ: وهو الذي إِذا سأَلته حاجة كَبَس برأْسه فـي جَيْب قميصه. يقال: إِنَّه لكُباس غير خُباس).

فلاحظ هنا: انه من بين معاني كلمة (كبس) تأتي كذلك بمعنى الدخول، وهذا المعنى هو المعنى الذي اراده شيخ الاسلام ابن تيمية بدليل انه قال بعد ذلك: (وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى أسقطت.

وهذا كله دعوى مختلق وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام.

وأما قوله ليتني كنت ضربت على يد أحد الرجلين فهذا لم يذكر له إسنادا ولم يبين صحته فإن كان قاله فهو يدل على زهده وورعه وخوفه من الله تعالى).

ردّنا على البدري:

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

وبعد..

فقد قرأنا جواب البدري على ما ذكرناه في ردنا على ابن تيمية..

فوجدنا جوابه غير سديد، وذلك للأمور التالية:

أولاً: إنه قد تجاهل أموراً كثيرة، فلم يرد عليها، ولم يعترف بها. ومن يراجع ويقارن يجد صحة ما نقول..

ثانياً: لقد بدأ كلامه بالحديث عن التكرار في كلامنا، وذكر عدة فقرات رأى أنها تكرار لأمر واحد..

ونقول:

إن البدري لم يلتفت إلى ما نرمي إليه من هذا التكرار ـ إذا أردنا أن نلتمس له محلاً حسناً في ذلك ـ فنحن نوضح له ذلك باختصار، وذلك أننا قد تتبعنا كلامه هو وكلام ابن تيمية فقرة فقرة، وأجبنا على كل واحدة منها..

أـ فحين قال ابن تيمية: إن القدح لا يقبل حتى يثبت اللفظ بإسناد صحيح، ويقصد بهذا القدح خصوص حديث (كبس) أو (كشف) بيت فاطمة.. فقد أوردنا له بعض مصادر حديث الكبس والكشف بقولنا:

ثالثاً: إن حديث التعدي على بيت أمير المؤمنين قد رواه أهل السنة ونكرر أننا نقصد بالحديث، حديث الكبس والكشف فقط..

ب ـ وحين قال ابن تيمية: وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى، فهذا ما وقع فيه قط، باتفاق أهل العلم والدين..

قلنا له: كيف تدعي الاتفاق على ذلك مع وجود الكثيرين ممن رووا شيئاً من إقدامه على أذاهم..

ج ـ وحين قال ابن تيمية: (فليصدقه حمقى الغالين، الذين يقولون: إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت..

قلنا له: وأما ضرب بطنها حتى أسقطت فقد ذكره أيضاً بعض أهل السنة.. وأن نفس ضربها مع ملاحظة الإسقاط، وبدون ملاحظة الإسقاط، قد روي هو الآخر في مصادر كثيرة لأهل السنة..

د ـ وحين قال: هذا كله دعوى مختلق، وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام..

قلنا: إن أهل السنة قد رووا ذلك وفيهم علماء كبار جداً فكيف يدعي اتفاق أهل الإسلام على أنه إفك مفترى؟!

فتكرار ابن تيمية استدعى الرد عليه في دعاواه، وكان هذا الرد صالحاً لإبطال كل ما ادعاه ابن تيمية، أو أعاده وكرره..

فإن كان هناك كثرة في الحروف والكلمات، فإنما بدأه ابن تيمية، وقد جاء الجواب مطابقاً للدعوى..

ثالثاً: نحن على استعداد لأن نوردها لك، ولكن لا بد لك أولاً أن تعترف بالحق في النقاط التي لم تستطع الرد عليها.. وإلا فلسوف يكون البحث معك عقيماً.. لأن المقصود بالبحث ليس هو مجرد الإدانة أو الإهانة، بل هو الوصول إلى الحق الذي يرضاه الله..

ولا أقل أن تعترف: أن إجماع أهل الإسلام الذي ادعاه ابن تيمية لا يصح.. وأن تعترف كذلك بعدم صحة التوجيهات التي ذكرها لحديث كبس وكشف بيت فاطمة.. وغير ذلك.

وأن تعترف أيضاً بالنقاط التي أوردناها عليك والتي لم تتعرض لها بكلمة أو بحرف، فتجاهل هذه النقاط لا يعني إلا إقرارك بها، وإلا لما سكت عنها.

رابعاً: إن هذه الأحاديث التي رواها أهل السنة وتضمنت التعدي على بيت الزهراء لا تحتاج إلى أسانيد بل يكفي إيرادهم لها من دون اعتراض منهم عليها، لأنها تمثل اعترافاً منهم في حق أئمتهم، الذين لا يعتقدون عصمتهم..

ولا يجوز رميهم بالحمق، وبالجهل، وبأنهم كالأنعام..

ويكفيك حديث موت الزهراء، وهي واجدة على أبي بكر، وقد أوصت أن تدفن ليلاً، ولم يحضرا جنازتها.. وقد روى ذلك البخاري في صحيحه..

خامساً: إنك تتهددنا بذكر المصادر التي تتحدث عن تحريف القرآن من كتبنا.. ونقول:

أـ إن هذا هروب منك، واعتراف بعجزك عن مواجهة الحق بروح موضوعية تلتزم ضوابط الحوار العلمي، فهو من قبيل قولك: إما أن تسلم لي بلا دليل، أو أهرب من وجهك.

ب ـ إن تهديدك هذا ـ لو فعلته سوف يرتد عليك، وستندم كثيراً وكثيراً جداً، لأكثر من سبب، وستعرفه حينما ننتهي من بحث هذه النقطة، وكن على يقين أن طرح أي بحث آخر قبل الانتهاء من هذا لن يكون مقبولاً، ولن تستطيع أن تجرنا إليه..

وسترى: أن التحريف قد نشأ وترعرع في أحضان غير الشيعة.. وأنكم أنتم حتى الآن لا زلتم تعتقدون بالتحريف، وتسوّقون له عملاً، وتنكرونه لفظاً..

فإن كنت ولا بد عازماً على بحث هذا الموضوع فما عليك إلا أن تعترف بالحق فيما نحن بصدده، ثم ننتقل معك إلى ذلك البحث الهام الذي طالما تمنيت أن أطرحه مع أهل السنة..

ج ـ بالنسبة لإيرادها بأسانيدها نقول: إن من يأتي بها من مصادرها لا يعجز عن إيرادها بأسانيدها، فلا معنى لوضع هذا الشرط.

ولسنا ممن ينكر أهمية الأسانيد.. ولكن قبل أن نوردها بأسانيدها ثم تدعي أنت ضعف هذا السند أو ذلك، لا بد من الاتفاق على ضابطة في الجرح والتعديل.. وبدون ذلك فسيكون البحث عقيماً وسيكون مجرد دعاوى ودعاوى مقابلها، ورفض، ثم رفض في مقابله..

ولا يمكن الاتفاق على هذا إلا بعد الاتفاق في أمر الإمامة ومصادر المعرفة.. بل لا بد أن نبحث أولاً في التوحيد والشرك وفي صفات الله، التي لبعض أهل السنة، وخصوصاً الوهابية.. فيها كلام عجيب وغريب..

د ـ على أن الأسانيد التي تريدون النظر فيها يمكن الاستغناء عنها، إذا ظهر أن هذا الحديث جامع لشروط التواتر.. وذلك بسبب نقله من جهات ومصادر مختلفة، وبصور متعددة كلها تلتقي على إلحاق الأذى بالزهراء (عليها السلام)..

هـ ـ على أن إلحاق الأذى بالزهراء (عليها السلام)، قد ورد بأسانيد صحيحة في كتب أهل السنة، وفي صحيح البخاري بالذات..

ونريد هنا أن نتنبأ بأنك سوف تتهمنا بالتكرار.. ولكنها تهمة لن نهتم لها، إذ أننا نتعمد التكرار هنا حتى لا يتم تجاهل هذا الأمر الحساس والمفصلي، والتشبث بأمور جانبية، تفيد في الهروب من البحث في صلب الموضوع..

سادساً: قلت: بناء على قاعدتك الخشبية، أقول: ليس هناك فائدة للإسناد، وليس هناك فائدة لعلم الجرح والتعديل، ونصبح كاليهود أو النصارى، نؤمن بالتوراة والإنجيل هكذا من دون إسناد..

وأقول:

1 ـ ما الداعي إلى وصف ما قلناه بالقاعدة الخشبية؟ فهل لهذا الوصف ارتباط بإبطال ما قلنا؟!

2 ـ إن السند قد لا يحتاج إليه، إذا احتف الكلام بقرائن قطعية.. أو إذا تراكمت النصوص حتى بلغت حد التواتر..

أو إذا كان النص يمثل اعترافاً بأمر يضر في مصلحة من كتبه وسجله، دون أن يعترض عليه..

3 ـ لو كان لا بد من الاقتصار في معرفة الحقائق على خصوص ما ورد بسند صحيح وفق قواعد فريق بعينه في التصحيح والقبول.. لم يبق من هذه الحقائق إلا صبابة كصبابة الكأس، لا تسمن ولا تغني من جوع..

4 ـ قلنا: إن الكلام إنما هو في حديث كبس بيت فاطمة، وندم أبي بكر على ذلك وعلى أنه لم يبايع أحد الرجلين.. وقد ادعى ابن تيمية: أنه حديث ولم يذكر له إسناد، وقد قلنا له: إن عدم ذكر الإسناد لا يدل على عدم وجود الإسناد، لأنه موجود بالفعل، وقد حسنه سعيد بن منصور. وقد قال الطبراني (ج1 ص62) حدثنا أبو الزنباغ روح بن الفرج المصري، حدثنا سعيد بن غفير، حدثني علوان بن داود البجلي، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه إلخ..

والطعن في هذا السند وجه إلى خصوص علوان.. حيث قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال العقيلي: له حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به فالطعن ليس في شخص علوان.. وإنما أنكروا حديثه، حيث لم يرق لهم مضمونه، كما ذكره ابن حجر في لسان الميزان وغيره..

وقد استشهد العقيلي للحديث الذي لا يتابع عليه بنفس حديث ندم أبي بكر على الثلاث التي منها كشف بيت فاطمة، وعدم قذف الأمر في عنق أبي عبيدة، أو عمر وهو الحديث الذي نتكلم عنه..

فالحديث المذكور إذن هو الذي لم يرق لهم واعتبروا راويه منكر الحديث.. وهل هذا إلا عمل بما تهوى الأنفس، ورد الحديث بالتشهي؟! وهذه الطريقة ظاهرة لدى الذهبي ومن هم على شاكلته..

على أن ما في تصريح سعد بن منصور بحسن هذا الإسناد حجة عليكم..

كما أن روايتكم للحديث من دون اعتراض تمثل اعترافاً بمضمونه، فإن كان مكذوباً فمنكم صدر هذا الكذب..

وأخيراً نقول: إن إنكاره الحديث لا يعني أنه مكذوب من أساسه، فيبقى احتمال صحته قائماً، وذلك ظاهر لا يخفى..

سابعاً: إن حديثنا إنما كان عن موضوع الجرح والتعديل.. وقد قلنا إن وجود ما يفيد الجرح يسقط اليقين بعدالة الشخص، حتى لو كان هذا الجرح مرسلاً وبلا إسناد، فكيف إذا تعددت موارده ومصادره ونصوصه، وخصوصياته..

بل كيف إذا كان هذا الجرح قد ثبتت لوازمه في صحيح البخاري بالذات، حيث أثبت تعديهم على الزهراء (عليها السلام) حتى ماتت وهي واجدة..

ثامناً: وأما ما ذكرته عن معنى كلمة (كبس) فنقول:

أ ـ إن التعبير في الروايات هو (كشف) فليكن هذا قرينة على المراد بالكبس.. بل لماذا لا يكون هذا هو الحجة عليكم..

ب ـ إن أهل اللغة قد صرحوا بأن كبس الدار معناه: أحاط بها فجأة.. وأما باقي المعاني.. فهي لا تتحدث عن كبس الدار.. فكبس الدار ليس له إلا معنى واحد ذكره لنا أهل اللغة..

ج ـ وأما ما ذكره الخطابي، فإن محاولة حرف المعنى إليه تضحك الثكلى، فهل معنى كبس البيت: أنه قطب البيت؟! أو أنه قد أدخل رأسه في ثوبه حين جاء إلى بيت فاطمة..

د ـ وقد اعترفت بأن كبس تأتي بمعنى الدخول.. فلماذا يدخل هؤلاء الرجال بيت فاطمة يا ترى؟!

فإنه لو كان دخولاً عادياً فلماذا يندم عليه أبو بكر؟!

تاسعاً: وأخيراً: إن عدم إجابتك على سائر النقاط التي ذكرناها تؤكد أن ما ورد فيها صحيح، وأن ابن تيمية قد تجنى على العلماء من أهل السنة وشتمهم بدون مبرر، فلماذا لا تعترف بذلك..

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله..

(البدري) من جديد:

وقد وضع البدري رداً على كلامنا يقول فيه متحدثاً عنا بصيغة الغائب:

مازال يكرر ويكرر حتى اصابه الدوار وسوف ارد على الخلاصة من كلامه، فقد قال:

ج ـ بالنسبة لإيرادها بأسانيدها نقول: إن من يأتي بها من مصادرها لا يعجز عن إيرادها بأسانيدها، فلا معنى لوضع هذا الشرط .

واقول: إذن اعطنا كل رواية بسندها ولا تطل الكلام.

اما قوله: في شخص علوان.. وإنما أنكروا حديثه، حيث لم يرق لهم مضمونه.

فأقول: من اين عرفت واكتشفت ذلك؟؟؟

أما قوله: أ ـ إن التعبير في الروايات هو (كشف) فليكن هذا قرينة على المراد بالكبس.. بل لماذا لا يكون هذا هو الحجة عليكم.

فاقول: يكن حجة علينا اذا ايدته الروايات الصحيحة الثابتة فأين هي؟؟؟

اما قوله: د ـ وقد اعترفت بأن كبس تأتي بمعنى الدخول..

فلماذا يدخل هؤلاء الرجال بيت فاطمة يا ترى؟!

فإنه لو كان دخولاً عادياً فلماذا يندم عليه أبو بكر؟!

فاقول لك اين الرواية التي اوردت الندم؟؟؟).

إصرار (البدري):

ويكتب البدري عدة رسائل يصر فيها على موقفه هذا.. وقد كان آخرها رسالة بتاريخ 23/5/1423هـ. هي التالية:

(من يأتي لي برواية ندم ابي بكر مع السند ؟؟؟؟).

فأجبناه على كلامه السابق بما يلي:

متى ينصفنا (البدري):

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. وبعد..

فإن لنا على كلام البدري العديد من الملاحظات، نجملها على النحو التالي:

إنه قد اتهمنا بالتكرار، ونقول:

أولاً: قد أوضحنا له أنه لا تكرار في كلامنا. فلماذا الإصرار؟!

ثانياً: إنه إذا كان الطرف الآخر يتجاهل الدليل القوي مرة بعد أخرى، فما المانع من تكراره له، فلعله غافل عن أهمية الموضوع، ولعله يتجاهله عمداً، فتمس الحاجة إلى معاودة التأكيد عليه لإلزامه به..

إنه ادعى أنه قد أصابنا الدوار من التكرار، ونقول له:

أولاً: إن البدري لا يعلم الغيب.

ثانياً: إن عليه أن يهتم بمناقشة الأدلة والاحتجاجات، ومضامينها، فهي ميزان الحق والباطل.. أما وجود الدوار وعدمه فهو لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً..

ثالثاً: إننا نطمئنه إلى أننا لم نصب ـ ولله الحمد ـ بشيء.. فلماذا يخترع علينا هذه الأخبار؟

وإن كان يتحدث على سبيل المجاز لا الحقيقة ليشير بذلك إلى حيرتنا، فنحن نقول له: ليس ثمة من حيرة لدينا في شيء أيضاً، فنحن ولله الحمد على بينة من أمرنا..

أضف إلى ما تقدم: أننا نشك في لجوء البدري إلى المجازات، فلعله ممن يحاربها وينكرها، شأن كثيرين من أهل نحلته حيث تجد فيهم من يسميه بطاغوت المجاز..

3ـ إنه يقول: إنه سوف يرد على الخلاصة من كلامنا.. ونقول له:

أولاً: إن الإنصاف في الحوار العلمي والموضوعي يفرض مناقشة الدليل بصورة دقيقة وتفصيلية، فإذا ظهر بطلانه قبل بذلك الطرفان، وإذا ظهر صحته التزم الطرفان بمقتضاه..

فما معنى مناقشة الخلاصة..

ثانياً: إننا حين راجعنا كلامه وجدنا أنه لم يناقش حتى الخلاصة، بل اكتفى ببضعة نقاط وأهمل التعرض لسواها، فهل هو قد قبل بها أو لم يقبل بها؟! لا ندري؟..

مع أن من الضروري أن يكون هناك إنصاف في الحوار، ووضوح وتفهم، وابتعاد عن الأسلوب الجارح والمؤذي، كي يكون حواراً بناء، وعلمياً، وراقياً.. وملتزماً، ومنصفاً.. ومعبراً عن أخلاق الإسلام الرفيعة، وليكون ـ من ثَمَّ أمثولة ومثلاً يحتذى..

إن النقاط الأربعة التي سجلها في رسالته هذه الأخيرة.. ترجع إلى أمر واحد، وهي مطالبته بالسند الصحيح لدخول بيت فاطمة.. وسنشير إلى ذلك، ولكننا نذكره بما يلي:

أولاً: إذا كان التكرار عيباً، وقد أعلن هو نفسه عن إدانته، حين توهم أننا قد كررنا..

فإننا نقول له: إنه هو نفسه لم يزل يكرر نفس هذه المقولة، وهي المطالبة بالسند الصحيح للرواية.. وقد نسي جميع الإشكالات الأخرى التي سجلناها في جميع رسائلنا ولم يجب عليها بشيء.. فلماذا جرت باءه، وباء غيره عجزت عن أن تجر؟!

ثانياً: قد قلنا له: إن المتقي الهندي في كنز العمال قد نقل عن سعيد بن منصور أنه قد حسَّن سند رواية كشف أو كبس بيت فاطمة..

ثالثاً: قد أوردنا له سند رواية الطبراني في المعجم الكبير، وقد تحدثنا عنه بما يناسب الحال..

رابعاً: إن موضوع وجود مشكلة كبرى لأبي بكر وعمر مع فاطمة، وقد ماتت (عليها السلام) وهي واجدة على أبي بكر ـ كما صرح به البخاري وغيره ـ كما أن البخاري وغيره قد رووا بالأسانيد الصحيحة عندكم، أن الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها..

إن هذا الموضوع لا مجال لإنكاره، وهو ثابت بالأسانيد الصحيحة..

وحديث كشف بيت فاطمة إنما يريد أن يثبت هذه الحقيقة وهذا هو الذي يخشاه البدري ومن على رأيه.

خامساً: إن الأسانيد الصحيحة لا يبحث فيها حسب مزاج الأشخاص.. ولا حسب مزاج الفئات، فلا بد من الاتفاق أولاً على معايير البحث فيها ثم يبحث في الموضوع وتؤخذ نتيجة البحث بعد ذلك..

سادساً: من قال: إن طريقتكم في التصحيح صحيحة؟!..

ومن قال: إن الرجال الذين تأخذون منهم يصح الأخذ منهم..

ومن قال: إن أخذكم بروايات أهل السنة مبرئ للذمة؟!

والحق يقال: انه لابد أولاً من تحديد مصادر المعرفة، ومعرفة عمن نأخذ معالم ديننا.. ليمكن الدخول في تحديد صحة الأسانيد وفسادها، وذلك معناه، الدخول في بحث الإمامة ومعرفة الظالم من المظلوم والغاصب من المغتصب.. ليتحدد الأمر في الأخذ من اتباع هؤلاء، أو من أتباع أولئك..

سابعاً: وأما إذا دام الأمر على ما هو عليه ففي مقام البحث والاحتجاج، لا يصح لك الاحتجاج علينا برواياتك أنت، كما لا يصح أن نحتج عليك نحن برواياتنا، بل لا بد من الالتزام بضوابط البحث على طريقة الإلزام والالتزام إلى أن يتم الاتفاق، وإقامة الحجة على الطريقة الصحيحة التي يرضاها الله ورسوله، ويتم البخوع لها من الطرفين..

ثامناً: إنه إذا اعترف أهل نحلتك بأمر فلا بد من إلزامك به في مقام الاحتجاج.. إلا أن تعلن بأنهم مخطئون، إن كان ما اعترفوا به يدخل في دائرة الآراء، أو تعلن بأنهم كاذبون إن كان ما اعترفوا به يدخل في باب الرواية..

أما نحن فلسنا مكلفين بالبحث حول صحة أو ضعف سند ما اعترف به علماؤك.. لأننا لا نؤمن بمعاييرك في الرد والقبول.. بل يجب عليك أنت أن تحقق في الرواية التي نحتج عليك بها، واعترف بها علماؤك، ثم عليك أن تأتي وتقول أنت لنا: إن علمائي قد اختلقوا هذا الرواية، واخترعوا هذا الخبر ثم تطلب منا المعذرة، لأن كذب أهل نحلتك قد سبب لنا التعب الذي كنا في غنى عنه..

وحتى لو حكمت أنت على الرواية، ولنفترض: أنك قلت: إنها ضعيفة.. فسوف لن نقبل منك ذلك إلا بشرط يكون فيه الإنصاف منك لنا: وهو أن تحدد: أن الضعف هل هو بسبب تعمدهم للكذب.. أو هو بسبب عدم ثبوت صدقهم..

فإن كان الأول.. فتكون أنت الذي ترمي أهل نحلتك بالاختلاق والوضع.. وذلك يؤثر على مستوى الوثوق بهم..

وإن كان الثاني.. فإن ذلك لا يمنع من أن يكون للحادثة أصل.. وذلك يستوجب سقوط يقينك بصحة موقف الخلفاء..

تاسعاً: قد تحدثنا عن أن طعنهم في علوان الوارد في سند رواية كشف أو كبس بيت فاطمة.. إنما هو في روايته، لا في شخصيته، وقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال ج5 ص135 دار الكتب العلمية، وكذلك ابن حجر في لسان الميزان ج4 ص188:

(قال العقيلي: له حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به).

وفي لسان الميزان ج4 ص190 بعد أن ذكر حديثه حول كشف بيت فاطمة، وحديثاً آخر له عن امر جرى بين معاوية وبين عائشة بنت عثمان، قال عن العقيلي:

(فقال: لا يعرف علوان إلا بهذا، مع اضطرابه في حديث أبي بكر) وراجع: الضعفاء الكبير ج3 ص421 و422.

عاشراً: قد قلنا فيما سبق، ونعود فنكرر ذلك القول: إنه حتى لو كانت الرواية ضعيفة السند، فإن ذلك لا يعني أنها مكذوبة، فلعلها صحيحة في واقع الأمر، لكنها لم توفق بسند معتبر.. فوجود رواية من هذا القبيل يوجد احتمالاً، فلا بد من إزالته، فكيف إذا قوي هذا الاحتمال بما رواه البخاري وغيره، من أن فاطمة قد ماتت وهي واجدة على أبي بكر..

وكيف إذا جمعنا عشرات النصوص من الكتب المختلفة الأخرى التي تؤكد وجود عدوان عليها، وإغضاب لها.. وتؤكد حتى وجود ضرب، وإسقاط جنين..

فإن هذه النصوص إلى جانب تلك تقوي هذا الظن، هذا إن لم تصل إلى حد التواتر الموجب للقطع..

ولا يحتاج التواتر إلى البحث في الأسانيد، بل هو قد يستغني عنها كلياً في بعض الحالات، مع اختلاف مصادر النقل، وعلم عدم تعمد الكذب..

وإذا تحقق أن هذه النصوص موجودة بهذه الكثرة فلا مجال للإنكار، ولا يصح القول بأنه لم يحصل أي شيء.

ونحن نعدك: أننا إذا انتهينا من هذا البحث معك، بأن نقدم لك عشرات النصوص الدالة على العدوان عليها.. وكلها من كتب أهل السنة..

إننا سوف نبقى نطالب البدري بأن ينصفنا في البحث، وأن يجيب على جميع النقاط التي ذكرناها في هذه الرسالة، وفي رسائلنا السابقة..

إذ بدون هذا الإنصاف فإن البحث معه سيكون ضرباً من العبث، والمجون، أو سيكون من شعبة الجنون.

وحول تفسير الكبس بالدخول قد طالبنا بالرواية أيضاً، مع أنه حين يتحدث عن تأويل الرواية، وإيجاد مخرج لها، فلا بد من أن يكون قد سلم ولو جدلاً بمضمونها.. فما هذه المطالبة.. وكيف يصح ذلك التأويل معها؟!

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

النهاية:

ولم يستطع البدري أن يواصل الحوار، فانقطع عند هذا الحد..

والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً..

والصلاة والسلام على رسوله، والأئمة الأطياب الميامين من آله..

جعفر مرتضى العاملي