ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
1/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
2/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
3/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
4/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
5/
والحمد لله، والصلاة
والسلام على محمد وآله..
ظلمتم
في الحياة وفــي الممـات وأنتم
للــورى سفـن النـجـاة
وأنتم
خــير خلــق الله طـراً وأعظـم مـالـه مـن مـعجزات
ولولاكـم
لـمـا خلق الـبـرايا ولا وجــدت جمـيع الكائنات
لكـم
عـند الإله مقـام صـدق علـيٌ
حـافـلٌ بــالمكرمـات
تسـامى
مـجدكـم حـتى كـأن السفـــوح لـه ذرى للنـيرات
بكـم
قـد تـم نـور الله يوم الـ ـغدير
بـرغـم آنـاف الـطـغاة
وصــرح الدين قد شدتم فكـانت دعــائمه شــوامخ راســيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
6/
وأبطل
كيد مـن ظلموا وأبـدى خيــانـات لـهم
ومـؤامـرات
وأكمـل
ديـنـه بـكـم وتمت فــواضله عـلى مــاض وآت
وأحيانا
بكم بل كل ما في الـ وجــود فــأنتم عين الــحياة
وإن
شموس فضلـكم ستبقى بــآفاق الــهداية مشـرقــات
فــيا
نـور الإله ويا منـــار الهدى
استهدى بــه كل الــهداة
ويـا
حجج الإله على البرايـا وآيــات الإلـــه الـــبينات
وصــفوة
أطيبين وطــيبات زكت مـن أطهرين وطــاهرات
ويا
كهفي ويا أملي وعــزي ويا ذخــري وغـاية أمــنياتي
عليكم
جـل معتمدي وربـي بكم يعفو غـداً عـن ســـيئاتي
وأنتم
عـدتي إن طــالبوني غـداً بالبــاقيات الصــالحات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
7/
والحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، إلى
قيام الدين.
وبعد..
فهذه هي الطبعة الثانية
لكتاب «أهل البيت في آية التطهير» نقدمها إلى
القراء الكرام، على أمل أن يجدوا في هذا الكتاب، ما ينفع أو يجدي في تعريف الناس
بالحق، ودفع شبهات أهل الأهواء.
وهي تختلف عن الطبعة
الأولى بما فيها من الإضافات الكثيرة والإصلاحات العديدة، التي زادتنا ثقة بمطالب
هذا الكتاب، وجعلتها أكثر وضوحاً في بيان ما نرمي إليه، وأشد إلزاماً وأقوى
برهاناً.
وقد ألحق بهذا الكتاب
رسالتان كان البعض ممن يتظاهر بحب «أهل البيت»
(عليهم السلام) والولاء لهم، قد هيأهما ليعطيني إياهما. وقد بُذلت فيهما محاولة
مريرة لإبطال الحقائق الدامغة التي تضمنها هذا الكتاب، حتى إذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
8/
ظهر عجزهم عن الخدشة في
أي من تلك الحقائق الناصعة التجأوا إلى التزوير والتلاعب بالنصوص تارة، وإلى
محاولة بلبلة الأفكار بإلقاء الشبهات متوسلين لذلك بلطائف الحيل أخرى.
وقد أظهرت هاتان
الرسالتان مدى حرص البعض على إبطال الحقائق المرتبطة بـ«أهل البيت» (عليهم
السلام)، أو تشويهها في أذهان الناس. وهذا الحرص قد ظهر أيضاً منه ومن كل من يدور
في فلكه، ويأتمر بأمره في عشرات بل مئات الموارد الأخرى، حيث انصبت جهودهم على
تصغير شأن «أهل البيت» (عليهم السلام)
وإزالتهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، وإنكار مقاماتهم، والتشكيك بفضائلهم.
ولكن فألهم قد خاب،
وطاشت سهامهم، وتدارك الله هذه الأمة بلطف منه، فأظهر منهم ما كان خافياً على أكثر
الناس، وكانت «الفضيحة» لهم، أعز الله دينه، ونصر عباده، ولله الحمد، وله المنة..
والصلاة
والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين.
عيثا
الجبل (عيثا الزط سابقاً)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
9/
(الْحَمْدُ للهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ).
والصلاة والسلام على
خير خلقه، وأشرف بريته، محمد المصطفى وآله الطيبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهرهم تطهيراً.
وبعد..
فقد سنحت الفرصة لي
أخيراً لبحث موضوع: «أهل البيت في القرآن».
من خلال دراسة «آية التطهير» الموجودة في سورة الأحزاب، والتي صرحت بأن الله
سبحانه قد أذهب الرجس عن «أهل البيت»، وطهرهم
تطهيراً..
.. وكانت حصيلة ذلك هي
هذا البحث الذي بين يدي القارئ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
10/
العزيز، والذي أرجو أن
يكون مفيداً في كشف الحقائق التي شوهتها، أو طمستها يد التحريف والتزييف التي تعمل
لخدمة أهداف سياسية أو تتحرك بوازع من حقدٍ دفين، أو من هوى مذهبي، أو عصبية أو
حمية جاهلية.
ولسوف يلاحظ القارئ
الكريم: أن البحث العلمي الموضوعي والنزيه، قادر على أن يميز الخبيث عن الطيب،
والسليم عن المحرف، والصحيح من الزائف. مهما كانت الظروف والأحوال، وأياً كانت
النتائج والآثار ولن ترهبه مظاهر الصخب والغضب، ولا العجيج والضجيج، الذي يثيره
الباطل ويتوسل به دعاته، لإطفاء نور الحقيقة، وطمس إشراقتها وبهجتها.
وفي الختام، فإنني أسأل
الله سبحانه أن يوفقني لبحث هذا الموضوع بصورة أوسع وأتم، ليكون نفعه آكد وأعم.
والحمد لله على ما أنعم،
والشكر له على ما ألهم.
والصلاة والسلام على عباده
الذين اصطفى، محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
11/
لا أخفي على
القارئ الكريم: أن
طبيعة هذا البحث، وأسلوبه، وكيفية تعاطيه مع الآية الشريفة قد فرض علينا بعض
الالتزام والتقيد الذي أفرز قدراً من توزع اللمحات هنا، واللفتات هناك. مما نعتقد
أن وقوف القارئ عليه كله، سيكون مفيداً في إعطائه صورة أكثر وضوحاً، وأقرب إلى
التكامل والانسجام.
من أجل ذلك، فإنني إذا جاز لي أن أتمنى على القارئ الكريم
شيئاً فما أتمناه عليه هو أن يضع في حسابه: أن قراءة جميع فصول الكتاب، لن تكون
مجرد سياحة لا تنتج له إلا المزيد من التعب والإرهاق، بل هو سوف يجد في كثير من
مواضعه ومواقعه، ما ينفع ويجدي. ولعله حين يتركه بعد أن يكون قد أتّمه، يكون أكثر
رضىً، وارتياحاً منه لو أنه اكتفى بقراءة بعض فصوله، دون البعض الآخر..
فإلى القارئ الكريم
أتقدم سلفاً بعذري. وإليه خالص حبي وشكري، وعلى الله توكلي وتيسير أمري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
12/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
13/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
14/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
15/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
16/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
17/
لقد وردت عبارة «أهل البيت» في موارد كثيرة جداً، في كلمات الرسول
تعبيراً عن جماعة خاصة يُنسَبون إليه (صلى الله عليه وآله).
وقد ذُكرَت لهم أوصاف،
وجُعلت لهم منزلة، ولَزمت الأمة تجاههم حقوق ومسؤوليات كثيرة ومتنوعة، كما أنها
هامة وخطيرة.
وقد ورد الحديث عن هذه
الجماعة بالذات في القرآن الكريم أيضاً، في أكثر من مورد، وأكثر من تعبير، وكان
التعبير عنهم بـ «أهل البيت» واحداً منها
أيضاً.
وحيث إن البعض قد ذهب
عن عمد، أو غير عمد، يميناً وشمالاً، في تحديد مراد القرآن من خصوص كلمة «أهل البيت»؛ فقد رأينا: أن نبادر إلى بحث هذا الأمر
بالذات.
ومن
الله نستمد العون، وعليه نتوكل..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
18/
ونقول:
لقد حدد الرسول الأكرم (صلى
الله عليه وآله) المراد من هذه الكلمة: «أهل البيت»
في أحد المواضع التي وردت في القرآن الكريم، بصورة لا تقبل الشك ولا التأويل.
ولكن ذلك ـ ويا لهول
الخطب ـ لم يستطع أن يحسم مادة الخلاف، وذلك لوجود من يريد أن يصرّ على مخالفة
الرسول (صلى الله عليه وآله) بصورة صريحة أو مبطنة، في هذا المورد بالذات، لسبب أو
لآخر!!.
وتفصيل
الحديث في ذلك كله، هو فيما يلي من مطالب.
لقد وردت كلمة «أهل البيت» في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
الأول:
في قصة موسى (عليه
السلام)، حينما كان طفلاً صغيراً، والتقطه آل فرعون، ليكون لهم عدواً، وحزناً، فلم
يقبل الرضاعة من أية امرأة، وتحير آل فرعون في أمره، فجاءت أخته، فقالت لهم:
(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)(1).
وليس في الآية ما يوضح
ما قصدته أخت موسى من تعبيرها هذا،
(1) سورة القصص، آية12.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
19/
فهل أرادت به الساكنين
في بيت من البيوت بقطع النظر عن خصوصية القرابة أم لاحظت القرابة وقصدت كل من لهم
قرابة بذلك البيت؟ أم بعضهم؟ وهل أرادت خصوص القرابة النسبية؟ أم ما يعم النسبية
والسببية؟ أو ما يعمهما مع من ينسب إلى البيت بالولاء؟ أو بالتربية؟ أو ما هو أعم
من ذلك أيضاً؟.
هذا بالإضافة إلى أن
التعبير قد جاء بصيغة التنكير: «أهل بيتٍ» لا
بصيغة التعريف: «أهل البيت».
الثاني:
في قصة إبراهيم (عليه
الصلاة والسلام)، حينما عجبت زوجته من بشارة الملائكة لها بإسحاق، ومن وراء إسحاق
يعقوب، فقالت الملائكة لها: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ
اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ)(1) فاعتبرت زوجة إبراهيم من جملة
«أهل البيت» لأنها وقعت في الآية مورداً
للخطاب.
ونقول:
إن ذلك لا يصلح دليلاً
على أن الزوجة تكون من «أهل البيت» في كل
مورد أطلقت فيه هذه الكلمة، حتى فيما لا يكون هناك قرينة صالحة
(1)
سورة هود، آية73.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
20/
لتعيين المقصود.
وذلك لأن توجيه الخطاب
في الآية الآنفة الذكر لزوجة إبراهيم يصلح قرينة على دخولها في المراد من كلمة «أهل البيت». ولكنه لا يصلح دليلاً على أن كلمة «أهل البيت» موضوعة لما يعم الزوجة، بحيث لابد أن
يتبادر ذلك إلى الذهن بمجرد سماع هذه الكلمة، ومن دون أية قرينة. وسيأتي المزيد من
الحديث حول هذه الآية إن شاء الله تعالى.
الثالث:
قوله تعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ
اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ
تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ
وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى
فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً
خَبِيراً).
فقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قد وقع بين الآيات التي تخاطب زوجات
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بل هو جزء إحدى هذه الآيات؛ فأوجب ذلك الشبهة
لدى البعض في المراد بآية التطهير، واتخذه البعض الآخر مبرراً لإثارة بعض الشكوك
حول المفاد الحقيقي للآية الشريفة، كما سنرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
21/
ونحن قبل كل شيء نعرض
هنا أقوال وآراء الناس في المراد بكلمة «أهل البيت»
في الآية المباركة، فنقول:
إن
مراجعة كلمات المفسرين وغيرهم تعطينا:
أن هناك أقوالاً عديدة
حول المراد بـ«أهل البيت»
في الآية الكريمة وهي التالية:
1 ـ ما ادعاه عكرمة(1)،
وكان ينادي به في الأسواق، ويدعو الناس إلى المباهلة فيه، وهو: أن المراد بـ «أهل البيت» في آية التطهير خصوص نساء النبي (صلى
الله عليه وآله)، ولا يشمل غيرهن.
(1)
راجع جامع البيان ج22 ص7 والدر
المنثور ج5 ص198 عنه وعن ابن مردويه، وفتح القدير ج4 ص278 و279 والتبيان ج8 ص308
وسير أعلام النبلاء ج8 ص208 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483 والتفسير الحديث ج8 ص268
و263 عنه وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص206 والميزان ج16 ص310 ومجمع البيان ج8 ص356 وأسباب النزول ص204 والمواهب اللدنية ج2
ص122 ونور الأبصار ص110 والصواعق المحرقة ص141 ولباب التأويل للخازن ج3 ص366
وإسعاف الراغبين، «بهامش نور الأبصار» ص108 وأحكام القرآن ج5 ص230 وتاريخ الإسلام
للذهبي (عهد معاوية) ص133 ومرقاة الوصول ص106 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص182.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
22/
وقد نسب هذا القول إلى
ابن عباس أيضاً، برواية عكرمة، وسعيد بن جبير عنه(1)
ونسب أيضاً إلى مقاتل(2).
وإلى عطاء، والكلبي،
وسعيد بن جبير(3). وعروة بن الزبير، الذي ادعى
أيضاً: أن الآية نزلت في بيت عائشة(4).
2 ـ وقال آخرون: المراد أصحاب الكساء، وهم: النبي (صلى
الله عليه وآله)، وعلي، وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام)، بالإضافة إلى زوجات
النبي (صلى الله عليه وآله).
(1) الدر المنثور ج5 ص198 عن ابن ابي حاتم، وابن
عساكر، وابن مردويه، وفتح القدير ج4 ص278 و279 وتاريخ الإسلام للذهبي (عهد معاوية)
ص133 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483 وسير أعلام النبلاء ج2 ص221 و208 وتهذيب تاريخ
دمشق ج4 ص208 والمواهب اللدنية ج2 ص122 وأسباب النزول ص302 ونور الأبصار ص110
والصواعق المحرقة ص141 ولباب التأويل ج3 ص466 وإسعاف الراغبين «مطبوع بهامش نور
الأبصار» ص108 ومرقاة الوصول ص106 والجامع لأحكام القرآن ج41 ص182.
(2) فتح القدير ج4 ص278 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص206
ونور الأبصار ص110 ولباب التأويل ج3 ص466 وإسعاف الراغبين «بهامش نور الأبصار»
ص108.
(3) فتح القدير ج4 ص278 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص206 عن ابن جبير والجامع لأحكام
القرآن ج14 ص182 عن عطاء.
(4) الدر المنثور ج5 ص198 عن ابن سعد، وراجع فتح
القدير ج4 ص279 ومرقاة الوصول ص10 وراجع تفسير الميزان ج16 ص310.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
23/
وبعضهم ذكر الزوجات،
وأصحاب الكساء باستثناء النبي، كما عن الفخر الرازي، والخطيب، كما ذكره القسطلاني
على البخاري(1).
3 ـ وقيل المراد: النبي وحده(2).
4 ـ وقيل: المراد بنو هاشم، ولا يشمل النساء(3).
5 ـ وقيل: المراد بهم من ناسبه (صلى الله عليه
وآله) إلى جده الأدنى.
6 ـ وقيل: من اجتمع معه في رحم.
7 ـ وقيل: من اتصل به بسبب أو بنسب(4).
(1) راجع في ذلك كلاً أو بعضاً: السنن الكبرى ج2
ص150 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 و209 والمواهب اللدنية ج2 ص123 وفتح القدير ج4
ص280 وإسعاف الراغبين مطبوع بهامش نور الأبصار» ص108 ومرقاة الوصول ص107 و108
والجامع لأحكام القرآن ج14 ص183 وكلام ابن روزبهان موجود في دلائل الصدق ج2 ص94
وراجع نظرية الإمامة ص181 و182 عن التحفة الاثني عشرية ص202.
(2) راجع: الصواعق المحرقة ص141.
(3) راجع فتح القدير ج4 ص280 والجامع لأحكام القرآن
ج4 ص183 عن الثعلبي، وزيد بن أرقم وتفسير الميزان ج16 ص310 ولباب التأويل للخازن
ج3 ص466 وإسعاف الراغبين «مطبوع بهامش نور الأبصار» ص108 وفي ص107 قال: «وفي
رواية: أنه أدرج معهم بقية بناته، وأقاربه، وأزواجه».
(4) المواهب اللدنية ج3 ص127.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
24/
8 ـ
وقال أبو حيان: «لما كان أهل البيت يشملهن وآباءهن، غلب المذكر على المؤنث»(1).
9 ـ وقيل: المراد: النساء، وجميع بني هاشم الذين
حرموا الصدقة(2).
10 ـ وقيل: هم علي وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام).
ونصّت بعض الروايات والأقوال على دخول النبي فيهم(3).
ونسب هذا القول إلى أنس
بن مالك، وواثلة بن الأسقع(4)، وأبي سعيد الخدري
وعائشة، وأم سلمة(5)، وأصر عليه الطحاوي، والكنجي
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص209.
(2) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 والتسهيل لعلوم
التنزيل ج3 ص137 وإسعاف الراغبين «مطبوع بهامش نور الأبصار» ص108 والصواعق المحرقة ص141.
(3) راجع ينابيع المودة ص294 والصواعق المحرقة ص141
والمواهب اللدنية ج2 ص123 وفتح القدير ج4 ص279 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 وإسعاف الراغبين
ص108 وتفسير القمي ج2 ص193 و194 والكشاف ج3 ص538 ومشكل الآثار ج1 ص332 و339
والمعتصر من المختصر ج2 ص266 و267 وغير ذلك مما سيأتي.
(4) مجمع البيان ج8 ص356.
(5) تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 وراجع: مجمع البيان ج8
ص356 وإسعاف الراغبين ص108 عن الخدري وغير ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
25/
الشافعي، والذهبي،
والقمي(1)، وهو قول مجاهد، وقتادة، والكلبي(2) بل هو قول الجمهور(3).
وأكثر المفسرين(4).
بل قال
البعض: أجمع المفسرون، وروى
الجمهور(5): أن الآية نزلت في أهل الكساء.
وقالوا: إن مقصود مدّعي إجماع المفسرين: أنهم أجمعوا
على شمول الآية لآل البيت، وهم أصحاب الكساء، أما الزوجات فالخلاف في دخولهن
موجود.
أو المراد إجماع من
يعتد بقوله في مقام النزول وشبهه. وليس عكرمة ومقاتل من هؤلاء، لأن هذا يرجع إلى
الإخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أو
(1) راجع: مشكل الآثار ج1 ص332 ـ 339 وكفاية الطالب
ص54 وخلاصة عبقات الأنوار ج2 ص67 و371 وتاريخ الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء
الراشدين) ص44 وتفسير القمي ج2 ص193 و194.
(2) فتح القدير ج4 ص279 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208
والجامع لأحكام القرآن ج14 ص182 عن فرقة منهم الكلبي، وإسعاف الراغبين ص108 عن
جماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة.
(3) تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 وفتح القدبر ج4 ص279. وراجع: المواهب اللدنية ج2
ص123.
(4) ينابيع المودة ص294 وراجع: الصواعق المحرقة
ص141.
(5) نهج الحق ص173 وراجع المطبوع ضمن إحقاق الحق ج2
ص502.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
26/
عمن يعتد بقوله من
الصحابة. وعكرمة ومقاتل متهمان بالكذب(1).
وقد أضافت بعض الروايات
الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)(2). وقد ادّعى
البعض إجماع الإمامية على شمول آية التطهير لجميع الأئمة (عليهم السلام)(3).
وإذا
أمعنا النظر في الأقوال الآنفة الذكر نجد أنها تدور حول عناصر ثلاثة:
الأول:
دخول الزوجات في المراد
من كلمة «أهل البيت» إما باستقلالهن. أو مع
أصحاب الكساء، أو مع سائر بني هاشم، أو مع ما هو أوسع، أو أضيق من ذلك.
الثاني:
دخول من عدا أصحاب
الكساء من أقارب النبي (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم، الذين حرموا الصدقة،
ولهم مع النبي (صلى الله عليه وآله) قرابة نسبية. وقد
(1) راجع إحقاق الحق للتستري تعليقات آية الله
المرعشي ج2 هامش ص502 وراجع نفس إحقاق الحق للتستري ج2 ص565 ودلائل الصدق ج2 ص95.
(2) راجع هذه الروايات في كتاب آية التطهير في
أحاديث الفريقين للأبطحي ج1 و2 وكتاب سليم بن قيس ص150.
(3) راجع هامش كتاب جوامع الجامع ص372.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
27/
يضيف البعض إليهم
الزوجات والنبي (صلى الله عليه وآله) مع إصرار بعض آخر على نفيهن.
الثالث:
الاختصاص بأهل الكساء،
وتضيف إليهم طائفة بقية الأئمة الاثني عشر المعصومين (عليهم السلام)، استناداً إلى
روايات عديدة تصرح بذلك.
والأدلة كلها تعود في
حقيقتها إلى نفي أو إثبات هذه العناصر، وإن اختلفت ـ جزئياً ـ في ما ترمي إلى
إثباته..
غاية الأمر: أن ما ذكره البعض من أن المعني في آية التطهير
هو خصوص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ والذي يتراءى للنظر: أنه زائد على
العناصر الثلاثة المتقدمة ـ لم نجد من تصدى للاستدلال له. ولم نتمكن ـ رغم تتبعنا
لهذا الأمر ـ من الوقوف على من التزم به وتبناه، ولذا فلا نرى حاجة للتعرض له
نفياً أو إثباتاً في بحثنا هذا.
ولسوف نقتصر هنا على ما
له ارتباط مباشر بالعناصر الثلاثة الآنفة الذكر، فإلى ما يلي من مطالب..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
28/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
29/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
30/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
31/
إنه لا ريب في أن
الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أعرف من كل أحد بالقرآن ومعانيه، وإشاراته،
ومراميه، وهو المرجع والملاذ إذا اشتبهت الأمور، ومست الحاجة إلى التوضيح أو
التصحيح.
لكن ما يثير الانتباه
في هذا المجال: أننا نرى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتصدى أحياناً ـ
وبصورة طوعية ـ للتوضيح، ووضع النقاط على الحروف، حتى في أمور يظن لأول وهلة أنها
من الواضحات.
لكن المفاجأة تواجهنا
ونحن نرى: كيف أن الأهواء السياسية، والعصبيات الجاهلية تحاول أن تمد يد الخيانة،
وتمارس التزييف والتحريف بالنسبة لنفس ذلك الشيء الذي تصدى الرسول (صلى الله عليه
وآله) لتوضيحه، وترسيخه، وتصحيحه. وكأنه (صلى الله عليه وآله) حين تصدى للتفسير
والتحديد، ودفع الشبهة، كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
ولكن لما كان المساس
بالنص القرآني ـ حذفاً، أو زيادة، أو تحريفاً ـ يكاد يلحق بالممتنعات، ودونه خرط
القتاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
32/
فإنهم توصلاًً إلى
تحقيق أهدافهم الشريرة يعمدون إلى تحريف معانيه، ودلالاته، والتلاعب بها، بدلاً من
تحريف مبانيه، وكلماته، وقد أشار الإمام الباقر (عليه السلام) إلى ذلك فيما كتبه
إلى سعد الخير، حيث يقول:
«أقاموا حروفه، وحرفوا
حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم
بتركهم للرعاية»(1).
وهذا بالذات هو ما حصل
بالنسبة إلى آية التطهير النازلة في أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف
الملائكة.
إذ رغم التأكيدات
النبوية الكثيرة والمتواصلة، والتي استمرت أشهراً عديدة، وربما إلى حين وفاته (صلى
الله عليه وآله) على أن المراد بـ«أهل البيت في آية التطهير» هم خصوص أهل الكساء، وأنهم
استناداً إلى هذه الآية مطهرون من الذنوب.
نعم.. رغم ذلك نجد حملة مسعورة تهدف إلى حرف هذا
الأمر عن مواضعه الحقيقية، وإثارة الشبهات حول دلالة الآية، حتى ولو كان ذلك بقيمة
تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله)، ودفع قوله بصورة ذكية ومبطنة.
ونجد في هذا الفصل إلماحة
إلى تفسير النبي (صلى الله عليه وآله) لآية التطهير، ثم سيرى القارئ بنفسه ـ إن
شاء الله ـ من خلال سائر ما ذكرناه في هذا
(1) راجع الكافي ج8 ص53 والبحار ج75 ص359 والوافي
ج5 ص274 والمحجة البيضاء ج2 ص264 والبيان لآية الله الخوئي ص249.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
33/
الكتاب بعض الكيد الذي
جاء به الآخرون من خلال الشبهات التي أثاروها، والدعاوى الباطلة التي أطلقوها.. فإلى
ما يلي من صفحات.
لقد رويت روايات كثيرة
جداً تؤكد على أن المقصود بـ «أهل البيت» في الآية الشريفة هم أهل الكساء، وقد
رواها العلماء والمحدثون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. وهي متواترة من طرق أهل
السنة فضلاً عن تواترها من طرق الشيعة أيضاً.
وأهل الكساء
هم: النبي (صلى الله عليه
وآله)، وعلي، وفاطمة، والحسنان (عليهم السلام).
وقد قال
المحقق الكركي (رحمه الله): «إنه
قد بلغ التواتر، وأفاد اليقين، دع عنك ما رواه الشيعة، فيما لا يبلغه الحصر والعد
نهايته. وأي رواية في السنة أثبت من هذه الرواية، التي قد اتفق على نقلها رواة أهل
السنة، ورجال الشيعة الإمامية، أهل الحق، الذين هم خاصة «أهل البيت» وخالصتهم. وإذا تطرق إليها منع السنة،
لم يبق في السنة شيء إلا وتطرق إليه المنع»(1).
وعلى حد
تعبير الحسكاني: «قد
كثرت الرواية فيه»(2).
(1) نفحات اللآهوت ص85.
(2) شواهد التنزيل ج2 ص10.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
34/
وعلى حد
تعبير آخر: «لا تحصى كثرة»(1).
وقال بعض
آخر: «أجمع المفسرون، وروى الجمهور»(2).
وفسروا ذلك: بأنهم أجمعوا على شمول الآية لأهل الكساء،
والخلاف إنما هو في دخول زوجاته، أو المراد: إجماع من يعتد بقوله في أمر النزول
وشبهه. وقد تقدم نقل ذلك.
وقال
العلامة الطباطبائي (رحمه الله):
«وهي روايات جمة، تزيد على سبعين حديثاً، يربو ما ورد منها من طرق السنة على ما
ورد منها من طرق الشيعة، فقد رواها أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة، وعائشة، وأبي
سعيد الخدري، وسعد، وواثلة بن الأسقع، وأبي الحمراء، وابن عباس، وثوبان مولى النبي،
وعبد الله بن جعفر، وعلي، والحسن بن علي (عليهم السلام) في قريب من أربعين طريقاً.
وروتها الشيعة عن علي،
والسجاد، والباقر والصادق والرضا (عليهم السلام)، وأم سلمة، وأبي ذر، وأبي ليلى،
وأبي الأسود الدؤلي، وعمرو بن ميمون الأودي، وسعد بن أبي وقاص في بضع وثلاثين
طريقاً»(3).
ولكن يتضح بالمراجعة
لهذه الرواية وأسانيدها أن رواتها أكثر من
(1) تأويل الآيات الظاهرة ج2 ص456.
(2) نهج الحق ص173.
(3) الميزان (تفسير) ج16 ص31.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
35/
ذلك بكثير.
ويكفي أن
نذكر: أن بعض العلماء قد ألف
كتاباً حول آية التطهير، وقد خصص المجلد الأول منه ـ الذي يربو على أربع مئة صفحة ـ
لذكر نصوص الحديث، فرواه عن أكثر من خمسين صحابياً، بالإضافة إلى ما روي بطرق
كثيرة جداً عن أئمة أهل بيت العصمة الاثني عشر (صلوات الله وسلامه عليهم) ثم ما
روي عن التابعين، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء(1).
وأخيراً، فإن القندوزي
الحنفي بعد ما روى عن مودة القربى: أن رسول الله بقي تسعة أشهر يأتي باب فاطمة
ويقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وذلك بعد ما نزلت: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..) قال:
«وروي هذا الخبر عن ثلاثمائة من الصحابة»(2).
والطريف في
الأمر: أن الرجل المعروف
بانحرافه عن علي (عليه السلام) وأهل بيته، ويجهد لإنكار أكثر ما ورد فيهم (عليهم
السلام) ـ وهو ابن تيمية ـ لم يستطع إلا
الاعتراف بصحة حديث الكساء، فقال: «أما حديث الكساء،
(1) الكتاب هو باسم: آية التطهير في أحاديث
الفريقين للسيد علي الموحد الأبطحي.
(2) ينابيع المودة ص174.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
36/
فهو صحيح»(1).
ونحن نشير هنا إلى حديث
الكساء ومصادره، بالمقدار الذي يتيسر لنا في هذه الفرصة المحدودة. ثم نبين المراد
من آية التطهير، وأنها إنما تنطبق على خصوص هؤلاء، من دون انخرام لظهور السياق، بل
السياق يعضد ذلك ويؤيده، بصورة قوية وظاهرة. ثم نشير إلى فساد أدلة الآخرين
للأقوال التي التزموا بها، وفقاً لما قدمناه في الفصل الأول، فنقول:
إن لحديث الكساء نصوصاً
كثيرة عن كثير من الصحابة والتابعين. وكلها تفيد: أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) أخذ ثوباً فجلل فيه علياً، وفاطمة والحسنين (عليهم السلام)، وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
وبعضها تقول: إنه قد
دعا لهم بذلك(2).
(1) منهاج السنة لابن تيمية ج3 ص4 وج4 ص20.
(2) راجع هذه الأحاديث الكثيرة جداً على اختلاف
ألفاظها في المصادر التالية: جامع البيان ج22 ص5 و7 والدر المنثور ج5 ص198 و199
عنه وعن ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والخطيب، والترمذي،
والحاكم، وصححاه، والبيهقي في سننه، وابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وفتح القدير ج4 ص279=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
37/
= و280 وجوامع الجامع ص372 والتسهيل لعلوم التنزيل
ج3 ص137 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص457 ـ 459 والطرائف ص122 / 130 المناقب
لابن المغازلي ص301 ـ 307 وشواهد التنزيل ج2 ص11 ـ 92 ومسند الطيالسي ص274 والعمدة
لابن بطريق ص31 ـ
46 ومجمع الزوائد ج7 ص91 وج9
ص121 و119 و146 و167ـ 169 و172 وأسد الغابة ج4 ص49 وج2 ص9 و12 و20 وج3 ص413 وج5
ص66 و174 و521 و589 وآية التطهير في أحاديث الفريقين المجلد الأول كله. وأسباب
النزول ص203 ومجمع البيان ج9 ص138 وج8 ص356 و357 والبحار ج35 ص206 / 223 وج45 ص199 وج37 ص35 و36 ونهج الحق ص173 / 175 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص182
وصحيح مسلم ج7 ص130 وسعد السعود ص204 و106 و107 وذخائر العقبى ص21 ـ 25 و87 وكشف
اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص405 والإيضاح لابن شاذان ص170 ومسند أحمد ج4 ص107
وج3 ص259 و285 وج6 ص292 و298 و304 وج1 ص331 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483 / 486
وكفاية الطالب ص54 و242 و371 و377 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من
تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص184 و183 والمعجم الصغير ج1 ص65 و135 والجامع
الصحيح ج5 ص663 و699 و351 و352 وخصائص الإمام علي (عليه السلام) للنسائي ص49 و63
والمستدرك على الصحيحين ج2 ص416 وج3 ص172 و146 و147 و158 و133 وتلخصيه للذهبي (مطبوع بهامشه) وتفسير القمي
ج2 ص193 والتبيان ج8 ص307 ـ 309 والتفسير الحديث ج8 ص261
و262 ومختصر تاريخ دمشق ج7 ص13 والبرهان (تفسير) ج3 ص309 ـ 325 وتفسير فرات ص332 ـ
340 ووفاء الوفاء ج1 ص450 وراجع: نزهة
المجالس ج2 ص222 ومنتخب ذيل المذيل للطبري ص83 وحبيب السير ج1 ص407 وج2=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
38/
=ص11 والشفاء لعياض ج2 ص48 وسير أعلام النبلاء
ج10 ص346 و347 وج3 ص270 و315 و385 و254 والغدير ج1 ص50 وج3 ص196 وإحقاق الحق
(الملحقات) ج9 ص1 / 69 وج3 ص513 / 531 وج2 ص502 / 573 وج14 ص40 ـ 105 وج18 ص359 /
383 عن مصادر كثيرة جداً وسليم بن قيس ص 105 و52 و53 وراجع ص100 ونزل الأبرار ص102
ـ 104 و108 وكنز العمال ج13 ص646 ونوادر الأصول ص69 و265 والصراط المستقيم ج1 ص184
/1 88 وقال في جملة ما قال: (أسند نزولها فيهم صاحب كتاب الآيات المنتزعة. وقد
وقفه المستنصر بمدرسته، وشرط أن لا يخرج من خزانته. وهو بخط ابن البواب. وفيه سماع
لعلي بن هلال الكاتب. وخطه لا يمكن أحد أن يزوره عليه) ومرقاة الوصول ص105 ـ 107
وذكر أخبار أصبهان ج2 ص253 وج1 ص108 وتهذيب التهذيب ج2 ص297 والرياض النضرة ج3
ص152 و153 ونهج الحق (مطبوع ضمن إحقاق
الحق) ج2 ص502 و563 ومصابيح السنة ج4 ص183 والكشاف ج1 ص369 والاتقان ج2 ص199 و200
وتذكرة الخواص ص233 وأحكام القرآن لابن عربي ج3 ص1538 والفصول المهمة لابن الصباغ
ص7 و8 والإصابة ج2 ص509 وج4 ص378 وترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) لابن عساكر
(بتحقيق المحموي) ص63 / 70 والصواعق المحرقة ص141 ـ 143 و137 ومتشابه القرآن
ومختلفه ج2 ص52 وتفسير نور الثقلين ج4 ص270 ـ 277 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش
نور الأبصار) ص106 و107 ونور الأبصار ص110 ـ 112 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1
ص224 / 243 والاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج4 ص46 وج3 ص37 وفرائد السمطين ج1
ص316 و368 وج2 ص10 و19 و22 / 23 وينابيع المودة ص107 و167 و108 و228 و229 و230
و260 و15 و8 و174 و294 و193 والعقد الفريد ج4 ص313 ومقتل =
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
39/
وأكثرها يصرح بأنه (صلى
الله عليه وآله) قد منع إحدى النساء عائشة، أو أم سلمة، أو زينب. من الدخول مع أهل
الكساء:
ولسوف يطلع القارئ على
خصوصيات الروايات في المطالب والفصول التالية، إن شاء الله تعالى.
= الحسين (عليه السلام)
للخوارزمي ج2 ص61 / 62 وراجع: التاريخ الكبير للبخاري ج1 قسم2 ص69 / 70 و110 وراجع
ص197 وكتاب الكنى للبخاري ص25 ـ 26 ونظم درر السمطين ص 133 و238 و239 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص207 ـ 209 والنهاية في
اللغة ج1 ص446 ولباب التأويل ج3 ص466 والكلمة الغراء «مطبوع مع الفصول المهمة»
ص203، 217 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص104 و106 وترجمة
الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص60 ـ 76 والمعتصر
من المختصر ج2 ص226 و267 وراجع أيضاً: المواهب اللدنية ج2 ص122 والمحاسن والمساوئ
ج1 ص481 ونفحات اللآهوت ص84 و85 وتيسير الوصول ج2 ص161 والكافي ج1 ص287 ومنتخب كنز
العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج5 ص96 عن ابن أبي شيبة وكنز العمال (ط الهند) ج16 ص257 والاتحاف ص18 وتاريخ
الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) ص44وأحكام القرآن للجصاص ج5 ص230 وتاريخ بغداد ج10 ص278 وج9 ص26 / 27
والمناقب للخوارزمي ص23 و224 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص300 ومشكل الآثار ج1 ص332 ـ 339 والسنن الكبرى ج2
ص149 ـ 152 وج7 ص63 والبداية والنهاية ج5 ص321 وج8 ص35 و205 ومنهاج السنة ج3 ص4
وج4 ص20 وعن ذخائر المواريث ج4 ص293 وعن ميزان الاعتدال ج2 ص17.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
40/
ونجد: أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) قد أًصر إصراراً عظيماً على هذا الأمر. وحاول أن يزيد الأمر
ثبوتاً، وتأكيداً، ورسوخاً. ثم أن يزيل أية شبهة أو ريب فيما يرتبط بالمراد من «أهل البيت». ويسلب أصحاب الأغراض السياسية،
والأهواء والتعصبات الجاهلية أية فرصة للتحريف، أو التزييف. وذلك من خلال أسلوب
عمل انتهجه، وخطة رائعة اتبعها، حيث إنه (صلى الله عليه وآله) قد بقي ستة أشهر(1) كلما خرج إلى الصلاة يأتي باب فاطمة ويقول: الصلاة
يا «أهل البيت»، (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
(1) جامع البيان ج22 ص5 وكنز العمال ج16 ص257
ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج5 ص96 عن ابن أبي شيبة، ولباب التأويل ج3
ص466 والتفسيرالحديث
ج8 ص262 والدر المنثور ج5 ص199 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483 والفصول المهمة للمالكي ص8 وينابيع المودة ص108 و260
و193 ومجمع الزوائد ج9 ص121 و168
والبرهان (تفسير) ج3 ص324 والطرائف ص128 ومسند أحمد ج3 ص259 و285 وشواهد التنزيل
ج2 ص11 / 15 و48 و50 و92 والبحار ج35 ص223 و227 والجامع الصحيح ج5 ص352 ومستدرك
الحاكم ج3 ص58 وسير أعلام النبلاء ج2 ص134 وأحكام القرآن لابن عربي ج3 ص538 وأسد
الغابة ج5 ص521 وتيسير الوصول ج2 ص161 وأنساب الأشراف ج2 ص104 (بتحقيق المحمودي)
وذخائر العقبى ص24 والبداية والنهاية ج8 ص205.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
41/
أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
وقد روي ذلك عن غير
واحد.
وقيل: بقي تسعة أشهر(1).
وقد يكون
أحدهما: (تسعة، ستة) تصحيفاً
للآخر، بسبب عدم وجود النقط في السابق، وتقارب الرسم فيهما.
وقيل: بقي سبعة أشهر(2).
(1) راجع: الدر المنثور ج5 ص199 عن ابن مردويه
والطرائف ص128 والمناقب للخوارزمي ص13 والبحار ج35 ص223 وإحقاق الحق ج2 ص563
والبرهان (تفسير) ج3 ص232 وتفسير فرات ص339 ومشكل الآثار ج1
ص338 و339 وينابيع المودة ص174و193 والتاريخ الكبير للبخاري (كتاب الكنى) ص25 و26
والعمدة لابن بطريق ص41 و45 وذخائر العقبى ص24 و25 عن عبد بن حميد وشواهد التنزيل
ج2 ص29 و52 وكفاية الطالب ص376 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص405 والبحار
ج35 ص214 و223.
(2) جامع البيان ج22 ص6 وفتح القدير ج4 ص280 عنه
وعن ابن مردويه، ووفاء الوفاء ج2 ص450 وراجع ص467 وذيل المذيل (للطبري) ص83 وشواهد
التنزيل ج2 ص50 و91 ونور الأبصار ص112 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار)
ص108 والبداية والنهاية ج5 ص321 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
42/
وقيل: ثمانية أشهر(1).
وقيل: بقي شهراً(2).
وقيل: أربعين صباحاً(3).
وقيل: تسعة عشر شهراً(4).
وقيل: سبعة عشر شهراً(5).
(1) الدر المنثور ج5 ص199 عن ابن جرير، وابن مردويه
وشواه التنزيل ج2 ص28 و50 و51 و91 و89 وكفاية الطالب ص376 وينابيع المودة ص260
ونور الأبصار ص112 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص107.
(2) مسند الطيالسي ص274 وأسد الغابة ج5 ص66.
(3) الدر المنثور ج5 ص199 عن ابن مردويه والمناقب
للخوارزمي ص23 ووفاء الوفاء ج2 ص45 وراجع ص467 وشواهد التنزيل ج2 ص27 و28 و51 ومجمع الزوائد ج9 ص169 والصراط المستقيم
ج1 ص88 ونور الأبصار ص112 وتفسير فرات ص338 و339 والبرهان (تفسير) ج3 ص313 و314
وأمالي الصدوق ج1 ص257 والبحار ج35 ص209 و213 و215 و216.
(4) مجمع الزوائد ج9 ص169 والصراط المستقيم ج1 ص188
عن ابن قرطة في مراصد العرفان عن ابن عباس، قال: ونحوه عن أنس، وأبي بردة، وأبي
سعيد الخدري.
(5) مجمع الزوائد ج9 ص169 وشواهد التنزيل ج2 ص50.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
43/
وقيل: عشرة أشهر(1).
وفي بعض
المنقولات: لم يحدد وقتاً(2).
وقيل: بقي (صلى الله عليه وآله) إلى آخر عمره الشريف(3).
وقال البعض: «يُروى هذا الخبر بأسانيده عن الثلاث مئة من
(1) شواهد التنزيل ج2 ص50 وينابيع المودة ص260
وراجع: تفسير فرات ص339 ونهج الحق (المطبوع ضمن إحقاق الحق) ج2 ص563 وراجع: نهج
الحق المطبوع مستقلاً ص174 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص405 والبحار ج35
ص214.
(2) راجع: الدر المنثور ج5 ص199 عن ابن أبي شيبة،
وابن جرير، والترمذي وحسنه، وأحمد، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن
مردويه، عن أنس، والبرهان (تفسير) ج3 ص313 ونور الأبصار ص112 وإسعاف الراغبين
(مطبوع بهامش نور الأبصار) ص108 وفتح القدير ج4 ص280 عمن ذكرهم السيوطي آنفاً
وأمالي المفيد ص318 وأمالي الطوسي ج1 ص88 وأسد الغابة ج5 ص174 وقال: أخرجه الثلاثة
ونزهة المجالس ج2 ص179 وشواهد التنزيل ج2 ص47و50 ونظم درر السمطين ص239 وينابيع
المودة ص8و9 والاستيعاب بهامش الإصابة ج4 ص46 ومشكل الآثار ج1 ص338 والمعتصر من
المختصر ج2 ص267 والبحار ج35 ص208 وج73 ص36.
(3) البرهان (تفسير) ج3 ص317 والبحار ج35 ص207
وتفسير القمي ج2 ص67.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
44/
الصحابة، منهم من قال:
ثمانية أشهر، ومنهم من قال: عشرة أشهر»(1).
ومن الواضح: أن الاختلاف في المدة هنا لا يوجب وهناً في
الرواية، ولا شكاً في الواقعة إذ أن من القريب للاعتبار: أن يكون كل واحدٍ من
هؤلاء الناقلين قد نقل ما لاحظه بنفسه.
ولعل بعضهم قد أقام على
مراقبة فعله (صلى الله عليه وآله) هذا شهراً، والبعض الآخر قد راقبه ستة، أو
ثمانية أشهر، أو إلى آخر حياته، إلى آخر ما تقدم.
فيكون كل راوٍ قد نقل
خصوص مشاهداته، من دون تعرض لنفي مشاهدات الآخرين.
ويمكن أن تكون الآية قد
نزلت عدة مرات، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد عاود فعل ذلك في عدة فترات ثم
كان (صلى الله عليه وآله) في كل واحدة منها يأتي إلى باب فاطمة (عليها السلام)
ويقول ويفعل ذلك.
وسيأتي في أول الفصل
الخامس بيان وجه الجمع بنحوٍ أتم. وأكثر معقولية إن شاء الله تعالى.
(1) ينابيع المودة ص260.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
45/
وقد أفادت الروايات عدم
شمول آية التطهير لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، ونفت كل شبهة وشك في ذلك،
حيث إنها قد دلت صراحة على منع النبي (صلى الله عليه وآله) عائشة من الدخول معهم
تحت الكساء، وعدم كونها من «أهل البيت»، وكذا
الحال بالنسبة لأم سلمة. وغيرها.
فلاحظ
النصوص المختلفة التالية:
إن عائشة
قالت للنبي (صلى الله عليه وآله) في قصة الكساء: أنا من أهلك؟! قال: تنحي، فإنك إلى خير(1).
وفي نص آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) قد منع زينب من
الدخول معهم، وقال لها: مكانك، فإنك إلى خير إن شاء الله تعالى(2).
(1) تفسير القرآن العظيم ج3 ص485 وشواهد التنزيل ج2
ص37 و38 و39. وفيه: ولم يدخلني معهم. وفرائد السمطين ج1 ص368 والصراط المستقيم ج1
ص186 و187 و185 وكفاية الطالب ص323 والتفسير الحديث ج8 ص262 عن الطبري، وابن كثير،
والعمدة لابن البطريق ص40 ومجمع البيان ج8 ص357 والبحار ج35 ص222 عنه.
(2) البحار ج35 ص222 / 223 والطرائف ص128 وفرائد
السمطين ج2 ص19 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص485 وشواهد التنزيل ج2 ص32 والصراط
المستقيم ج1 ص187 والعمدة لابن البطريق ص40 وأشار إليه في نفحات اللآهوت ص84
وإحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص52.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
46/
وذكرت نصوص
أخرى: أن أم سلمة قالت
حينئذٍ: اللهم اجعلني منهم، فقال (صلى الله عليه وآله): أنت مكانك، وأنت على خير(1).
أو قالت: فأنا معهم يا نبي الله؟
قال: أنت على مكانك، وإنك على خير(2).
أو قالت: فجئت أدخل معهم، فقال: مكانك، إنك على خير(3).
أو قالت: يا رسول الله، أدخلني معهم، قال: يا أم سلمة،
إنك من صالحات أزواجي، ولا يدخل هذا المكان إلا مني(4).
(1) جامع البيان ج22 ص7 والدر المنثور ج5 ص198.
(2) الدر المنثور ج5 ص198 عن ابن مردويه، والخطيب،
وأسد الغابة ج2 ص12 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص351 و663 والتفسير الحديث ج8 ص261
عن التاج الجامع للأصول ج3 ص308 و309 ونزل الأبرار ص103 و104 وينابيع المودة ص230 و107
وشواهد التنزيل ج2 ص70 و69 وفيها: اجلسي مكانك، فإنك على خير. والجامع لأحكام
القرآن ج14 ص184 والبحار ج35 ص227 ومختصر التحفة الاثني عشرية ص151.
(3) ذخائر العقبى ص21 وترجمة الإمام الحسين لابن
عساكر (بتحقيق المحمودي) ص64 وينابيع المودة ص228 و107 عن الدولابي والترمذي.
وفيه: قفي مكانك الخ. البحار ج35 ص223.
(4) تفسير فرات الكوفي ص335 وراجع ص337 فثمة حديث
آخر، فيه تفصيلات أخرى، ونقله في البحار ج35 ص215 مكتفياً بالفقرة الأولى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
47/
أو قال لها: إنك على خير، أو إلى خير(1).
(1) هذا القول موجود في جلِّ إن لم يكن كل المصادر
التي تقدمت وستأتي، ولكننا نذكّر القارئ بالمصادر التالية:
الدر المنثور ج5 ص198
عن الطبراني، وابن مردويه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب وفتح
القدير ج4 ص279 وجامع البيان ج22 ص6 و7 وجوامع الجامع ص372 والفصول المهمة للمالكي
ص8 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص457 ـ 459 وكفاية الطالب ص12 و372 وإسعاف الراغبين
(مطبوع بهامش نور الأبصار) ص106 وتفسير فرات ص332 ـ 340 ومجمع البيان ص356و357
وأسد الغابة ج3 ص413 وج2 ص12 والجامع الصحيح ج5 ص351 و663 و669.
وراجع أيضاً: مشكل
الآثار ج1 ص33 / 336 ونور الثقلين ج4 ص370 ـ 277 والبرهان (تفسير) ج3 ص309 ـ 325 وذخائر
العقبى ص21 و22 وشواهد التنزيل ج2
ص23 و24 و31 و58 و62 و64 و65 و67 و71 و73 و79 ـ 90 والعمدة لابن بطريق ص33 و39 والطرائف ص124 / 126
والبحار ج35 ص220 و270 و226 و209 و213 و214 و219 وتاريخ بغداد ج9 ص26 و127 وج10 ص278 وحبيب السير ج1 ص304 وج2 ص11
وينابيع المودة ص107 و230 و228 و294 ومستدرك الحاكم ج2 ص416 وتفسير القرآن العظيم
ج3 ص484 و485 و483 والمواهب اللدنية ج2 ص122 وأسباب النزول ص203 والتفسير الحديث
ج8 ص261 و262 ونزل الأبرار ص103 و104 ومختصر والتفسير الحديث ج8 ص261 و262
ومختصر تاريخ دمشق ج7 ص13 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص207 ومناقب الإمام علي (عليه السلام) =
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
48/
أو قالت: يا رسول الله، ألست من «أهل البيت»؟ قال: إنك على خير، إنك من أزواج النبي(1).
أو قال: إنك إلى خير، وأنت من خير أزواجي(2).
أو قالت: ألست من أهلك؟
= لابن المغازلي ص303 و305 والصواعق المحرقة ص141
و227 ولباب التأويل للخازن ج3 ص466 ومسند أحمد ج6 ص292 و404 والسنن الكبرى ج2 ص150
والكافي ج1 ص287 ونظم درر السمطين 133 و238 و239 وفرائد السمطين ج1 ص316 وترجمة
الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص62 / 64 و66 و67 و71
و73 وترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص66 وص68
وسليم بن قيس ص53 و150 ونفحات اللآهوت وإحقاق الحق ج2 ص568 ومجمع البيان ج8 ص357.
(1) الدر المنثور ج5 ص198 عن ابن مردويه، ومشكل
الآثار ج1 ص334 وحياة الإمام الحسن (عليه السلام) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي)
ص70 وجامع البيان ج22 ص7 وشواهد التنزيل ج2 ص55 ـ 60 و71 والعمدة لابن بطريق ص44
ولباب التأويل للخازن ج3 ص466 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص485 ونزل الأبرار ص3 وتيسير الوصول ج2 ص161 ونفحات اللاهوت ص84
ومرقاة الوصول ص106 والبحار ج35 ص217 وص228.
(2) إحقاق الحق ج2 ص568.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
49/
فقال: إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي(1).
أو قالت: أنا من «أهل
البيت»؟ قال: إنك من أهلي خير. وهؤلاء أهل بيتي. وأهل بيتي أحق(2).
أو قالت: أدخلني معهم، قال: إنك من أهلي(3).
أو قالت: أدخلني معك في الكساء، فقال لها: يا أم سلمة
أنت بخير وإلى خير، وإنما نزلت هذه الآية فيّ وفي هؤلاء(4).
وفي نص آخر: وأنا من أهل بيتك؟ وجئت لأدخل معهم، فقال: كوني
مكانك يا أم سلمة، إنك إلى خير، أنت من أزواج نبي الله(5).
أو قالت: يا رسول الله، أنا من «أهل البيت»؟ فقال إن لك عند الله خيراً. فوددت أنه
قال نعم، فكان أحب إلي مما تطلع عليه الشمس وتغرب(6).
(1) الكافي ج2 ص287 وتاريخ بغداد ج10 ص278 والسيرة
النبوية لدحلان ج2 ص330 والبحار ج35 ص211 وتفسير العياشي ج1 ص250 ـ 252.
(2) المستدرك على الصحيحين ج2 ص416 وتلخيصه للذهبي
بهامشه.
(3) جامع البيان ج22 ص7.
(4) كتاب سليم بن قيس ص53.
(5) أمالي الطوسي ج1 ص378 والبحار ج35 ص208.
(6) مشكل الآثار ج1 ص336 وشواهد التنزيل ج2 ص88
وراجع تفسير فرات ص377.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
50/
وفي نص آخر: فقال: أنت من صالح نسائي، يا عمرة. فلو كان قال
نعم. كان أحب لي مما تطلع عليه الشمس(1).
أو قال، بعد
منعه لها: إنك على خير(2).
أو قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، فقال:
إنك على خير(3).
أو قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟
قالت: فوالله ما أنعم. وقال إنك على خير(4).
أو قالت: يا رسول الله، ألست من «أهل البيت»؟
قال: إنك على خير، إنك من أزواج النبي، وما قال: إنك
من «أهل البيت»(5).
أو قالت: يا رسول الله، هل أنا من أهل بيتك؟
(1) البحار ج35 ص316.
(2) الصواعق المحرقة ص227.
(3) نفحات اللآهوت ص84.
(4) جامع البيان ج22 ص7 وتفسير القرآن العظيم ج3
ص483.
(5) ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ
دمشق (بتحقيق المحمودي) ص69 وشواهد التنزيل ج2 ص82 ونظم درر السمطين ص459 وراجع:
البحار ج35 ص209 والخصال ج2 ص403.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
51/
فقال: لا، ولكنك إلى خير(1).
وفي نص آخر: أجاب (صلى الله عليه وآله) بقوله: بلى، ولكنه
أدخلها الكساء، بعد ما قضى دعاءه لابن عمه، وابنيه، وابنته(2).
ومن الواضح: أنه حين يتعدد نقل الواقعة، فإن الإجمال
والتفصيل، وذكر بعض الخصوصيات أحياناً وحذفها أحياناً أخرى، والنقل بالنص الحرفي
مرة، وبالمعنى مرة ثانية، يكون أمراً عادياً وطبيعياً، ولا يوجب ذلك ضعفاً ولا
وهناً في الرواية.
ويقول
البعض: «والظاهر أن هذا الفعل
قد تكرر منه (صلى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة. ويدل عليه اختلاف هيئة
اجتماعهم، وما جللهم به، ودعاؤه لهم، وجواب أم سلمة»(3).
(1) التبيان ج8 ص308 ومتشابه القرآن ومختلفه ج2 ص52
والبحار ج35 ص231.
(2) مشكل الآثار ج1 ص335 وراجع ص333 وتفسير فرات
ص335 والبرهان (تفسير) ج3 ص321 وشواهد التنزيل ج2 ص74 و75 والطرائف ص126 وذخائر
العقبى ص22 و23 والعمدة لابن بطريق ص36 وينابيع المودة ص294 و228 والبحار ج35 ص221
وج45 ص199 والصواعق المحرقة ص142 وترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) من تاريخ
دمشق (بتحقيق المحمودي) ص65 ومسند أحمد ج6 ص298.
(3) ذخائر العقبى ص22 وينابيع المودة ص108 و109 و294
وراجع: نور الأبصار ص112 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص107 والصواعق=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
52/
ولعله تكرر في غير بيت
أم سلمة أيضاً، كما تدل عليه الرواية التي تذكر: أن عائشة قد طلبت الدخول في
الكساء، فمنعها النبي (صلى الله عليه وآله)، وأمرها بالتنحي. وكذلك الحال بالنسبة
إلى زينب.
ولعل في تكرار الواقعة
في بيوت أزواجه (صلى الله عليه وآله) إلماحة غير قاصرة إلى عدم شمول الآية لأية
واحدة منهن.
وقد حاول البعض التشكيك
في تواتر حديث الكساء، على اعتبار: أن هذا الحديث يتضمن: أن علياً وفاطمة الزهراء (عليهما
السلام) قد ناما إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولا يعقل أن ينام هؤلاء
أمام أعين الناس الأجانب، كما لا يعقل أن تظهر زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)
رغبتها بالنوم إلى جانب زوجها (صلى الله عليه وآله)، ومن حولهما الناس يسمعون
ويرون.
ومعنى ذلك: أن هذه الواقعة قد حصلت في داخل البيت، حيث لم
يكن أحد سوى النبي (صلى الله عليه وآله)، وعلي، والحسنين (عليهم السلام)، وأم سلمة
حاضراً.
فلم يكن هناك أشخاص
آخرون يمكنهم نقل هذه الواقعة عن مباشرةٍ وحسٍ، فتنحصر الرواية في هؤلاء.
نعم يمكن أن يكون عمر
ابن أم سلمة الذي كان عمره حينئذٍ
= المحرقة ص142 ومن
أراد الوقوف على خصوصيات الحديث المختلفة، فليراجع كتاب آية التطهير في أحاديث
الفريقين في مجلديه: الأول والثاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
53/
خمس أو ست سنوات، قد
حضر الواقعة، ونقلها أيضاً عن حس.
وعليه فمن ينقلها سوى
الستة المذكورين، ولم يصرح باسم واحدٍ من هؤلاء الستة، فإننا نعلم: أنه قد أسقط
الواسطة.
ومما تقدم
يظهر: أن حديث الكساء ليس
متواتراً في جميع طبقاته، بل هو من قسم المستفيض، لأن روايته منحصرة بأربعة أشخاص
من هؤلاء الستة، لأننا لم نجد رواية للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا لفاطمة لهذا
الحديث(1).
ونقول:
أولاً: لعل بعض الناس لا تكفيهم رواية علي والحسنين (عليهم
السلام) وهم الأئمة المعصومون المطهرون، بل هم بحاجة إلى أن ينضم إليهم غيرهم(!!)
لتصح الرواية عندهم!!.
وثانياً: إن هذه القضية ـ حسبما أسلفناه ـ منقولة عن
عشرات الصحابة، بطرق وألفاظ مختلفة.
وقد ذكر
الأبطحي في كتابه:
آية التطهير في كتب الفريقين طائفة كبيرة من هذه الروايات.
ومن غير
المعقول: أن تحذف الوسائط في
جميع تلك الروايات. نعم، قد تحذف الواسطة في مورد، أو موردين، وربما في ثلاثة
موارد، لأسباب
(1) مجلة: مكتب تشيع، (السنة الثانية) عدد جمادي
الثانية ص64 / 85 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
54/
استثنائية، وغير مطردة.
وأما حذفها في عشرات الموارد، وبالنسبة لقضية بخصوصها فذلك بعيد في الغاية، بل غير
معقول، ولا مقبول.
وثالثاً: إن عدداً من أولئك الرواة يصرحون بحضورهم
للواقعة، ومشاهدتهم لها، أو برؤيتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو يمر بباب
فاطمة (عليها السلام) أشهراً عديدة ليؤكد مضمون الآية. ومعنى ذلك هو أن الواسطة لم
تحذف لا عمداً ولا سهواً.
ورابعاً: إن طائفة من الروايات قد صرح رواتها بسماعهم
تصريح النبي (صلى الله عليه وآله) بنزول الآية في الخمسة الطاهرين، أو سمعوا ذلك
من علي أو فاطمة، أو من الحسنين (عليهم السلام). وتواتر النقل عن هؤلاء كاف في
الثبوت، فإنه إذا ثبت ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن تكذيبه ـ
والعياذ بالله ـ يكون كفراً وخروجاً عن الدين. بل وكذا تكذيب علي (عليه السلام)،
الذي هو مع الحق والحق معه، وتكذيب سائر الخمسة، ينتهي إلى تكذيب النبي(صلى الله
عليه وآله) أيضاً.
وخامساً: لماذا ادعى هذا الكاتب: أن في حديث الكساء، أن
فاطمة (عليها السلام) قد نامت تحت الكساء إلى جانب علي (عليه السلام) والنبي (صلى
الله عليه وآله) والحسنين (عليهما السلام) أمام الرجال الأجانب؟! مع أن هذا الحديث
قد صرح: بأنه (صلى الله عليه وآله) قد جمعهم، وجللهم بذلك الكساء، ثم نزلت الآية
الشريفة.
بل قد صرحت رواية جابر
للحديث بالجلوس تحت الكساء ـ لا بالنوم ـ فقد روى جابر بن عبد الله عن علي (عليه
السلام): أنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله) ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من
الفضل؟! الخ. وهذه هي الرواية التي اعتمد عليها ذلك الكاتب نفسه، وليس فيها ذكر
للنوم لا من قريب ولا من بعيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
55/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
56/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
57/
وقد ادعى
البعض: أن قصر الآية على علي،
وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام) يخالف نص القرآن(1).
وقال
إسماعيل حقي عن حديث الكساء:
لو فرضت دلالته على عدم كون النساء من «أهل البيت»
«لما اعتُدَّ بها؛ لكونها في مقابلة النص»(2).
ونقول
له ولغيره:
1 ـ قد تقدم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد صرح
بقصر الآية على أصحاب الكساء، فإن كان ذلك يعتبر مخالفة لنص القرآن؛ فإن النبي (صلى
الله عليه وآله) يكون أول من خالف هذا النص، والعياذ بالله.
2 ـ إننا خلافاً لهؤلاء، واتباعاً للنبي (صلى الله
عليه وآله) نقول: إن ذلك ليس فقط
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208 وروح البيان ج7 ص171.
(2) روح البيان ج1 ص171.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
58/
ليس فيه مخالفة لنص
القرآن، ولا حتى لظاهره، وإنما هو منسجم معه تمام الانسجام وهو مقتضى دلالة سياقه
أيضاً.
وأما إرادة الزوجات
فليس لها ما يبررها، لا على نحو الخصوص، كما ادعاه عكرمة، وأضرابه، ولا على نحو
الدخول في إطلاق الخطاب، ولو مجازاً. ويتضح ذلك بالتأمل فيما يلي من مطالب:
وبالمراجعة
إلى أهل اللغة، يتضح: أن
إطلاق عبارة «أهل البيت» على الزوجات، وكونهن
مشمولات لها موضع شك كبير، إن لم نقل: إنه يمكن الجزم بخلافه، فقد قال الزبيدي:
«ومن المجاز: الأهل
للرجل: زوجته ويدخل فيه الأولاد»(1).
ومعنى هذا: أن قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأم سلمة:
إنك من أهلي قد ورد على سبيل المجاز أيضاً.
وعند ابن
منظور: سئل النبي (صلى الله
عليه وآله): اللهم صل على محمد وآل محمد، من آل محمد؟
قال قائل: أهله، وأزواجه.
كأنه ذهب إلى أن الرجل
تقول له: ألك أهل؟
(1) تاج العروس ج1
ص217
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
59/
فيقول: لا. وإنما يعني ليس له زوجة.
قال: هذا معنى يحتمله اللسان. ولكنه معنى كلام لا
يعرف إلا أن يكون له سبب كلام يدل عليه، وذلك أن يقال للرجل: تزوجت؟
فيقول: ما تأهلت، فيعرف بأول الكلام: أنه أراد ما
تزوجت.
أو يقول
الرجل: أجنبت من أهلي، فيعرف
أن الجنابة لا تكون إلا من الزوجة. فأما أن يبدأ الرجل، فيقول: أهلي ببلد كذا الخ(1).
وهذا معناه أن دلالة
كلمة الأهل على الزوجة إنما تكون مع القرينة لا بدونها.
والراغب الأصفهاني
أيضاً قد أشار إلى أن إرادة الزوجة من لفظ «الأهل»
إنما هو من باب الإطلاق والاستعمال، الذي هو أعم من الحقيقة، فقد قال: «وعُبِّر
بأهل الرجل عن امرأته»(2).
وأخيراً فقد
قال البعض: «لكن هل أزواجه من أهل
بيته؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد.
إحداهما: أنهن لسن من «أهل
البيت»، ويروى هذا عن زيد بن أرقم»(3).
(1) لسان العرب ج11 ص38.
(2) مفردات الراغب ص29.
(3) منهاج السنة ج4 ص21.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
60/
وظاهر كلام
زيد: أنه ينكر ويستنكر صدق
العنوان «أهل البيت» على الزوجات بحسب اللغة
والعرف كما سنرى حين نقل كلامه مع مصادره الكثيرة، حين الكلام على القول بأن
المراد بـ «أهل البيت» هم جميع بني هاشم.
فظهر مما
تقدم: أن أهل اللغة يقولون:
إن الزوجة ليست من أهل الرجل.. ودلت نفس أقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأم
سلمة، وعائشة، وزينب على أنها ليست من «أهل البيت»
ودل عليه أيضاً قول زيد بن أرقم حيث استنكر أن تكون الزوجة من أهل بيت الرجل.. إذ
استدل على ذلك بأن الزوجة تكون عند الرجل الدهر، ثم يفارقها فترجع إلى أهلها
وقومها فكيف تكون من أهل بيته..
بل إننا
نقول: لنفترض جدلاً أن أهل
اللغة يقولون بأن الزوجة أهل للرجل وأن زيد ابن أرقم لم ينكر كونها من «أهل البيت» لكن إخراج رسول الله (صلى الله عليه
وآله) لهن، ومنعهن من الدخول تحت الكساء يدل على أن للنبي (صلى الله عليه وآله)
اصطلاحاً جديداً لا بد من الوقوف عنده، والانتهاء إليه، والالتزام به ولأجل ذلك
حصر «أهل البيت» في خمسة، فلم يشمل العباس
ولا أبناءه مع أن العباس أقرب نسباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه
السلام) ونسبة علي (عليه السلام) ونسبة أبناء العباس إلى النبي واحدة أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
61/
قد يرى
البعض: أن ورود آية التطهير
في ضمن آيات الخطاب مع النساء يبرر، دعوى اختصاص الآية بهن، أو شمولها لهن على أقل
تقدير كما سيأتي(1).
ونقول:
إننا نرجئ الكلام حول
الدلالة السياقية إلى موضع آخر سيأتي إن شاء الله، ونكتفي هنا بالقول: إن سياق
القرآن لا يأبى عن إرادة خصوص أصحاب الكساء بل يبقى السياق على حاله، لا ينخرم
ولاينفصم، ولا يختلف، ولا يتخلف إن لم يكن هو المتعيّن، دون غيره مما ذكروه وذلك
لما يلي:
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً).
(وَإِنْ كُنْتُنَّ
تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ
(1) ستأتي مصادر هذا القول حين الكلام حول الاستدلال بالسياق على
اختصاص الآية بالزوجات أو شمولها لهن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
62/
لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ
أَجْراً عَظِيماً).
(يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَنْ
يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً).
(وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ
للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ
وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً).
(يَا نِسَاء النَّبِيِّ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ
بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً).
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ
وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي
بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً).
وتستمر
الآيات إلى أن نقول:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي
أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)(1).
(1) الأحزاب الآية28/37.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
63/
ثم تستمر الآيات في
الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه، ومع المؤمنين في ما يخص شأن النبي (صلى
الله عليه وآله) فلتراجع.
ونقول:
ألف: إن الظاهر الصريح المستفاد من هذه الآيات هو أن
الله سبحانه:
1 ـ قد أمر نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأن
يخيِّر نساءه بين الله ورسوله، وبين الحياة الدنيا وزينتها.
2 ـ وأمره بأن يقول لهن: يا نساء النبي لستن كأحد
من النساء.
3 ـ وأمره أيضاً بأن يقول لهن:
لا تخضعن بالقول.
وقلن قولاً معروفاً.
وقرن في بيوتكن.
ولا تبرجن تبرج
الجاهلية.
وأقمن الصلاة، وآتين
الزكاة.
وأطعن الله ورسوله.
4 ـ وبعد أن ينفذ النبي (صلى الله عليه وآله) ما
طلبه الله منه، ويبلغ هذه الأوامر للنساء، يواصل الله سبحانه خطابه لمقام النبوة،
وبيت الرسالة، ليخبره: بأن هذه الأوامر والنواهي التي أمره أن يبلغها لهن، إنما
جاءت لأجل الحفاظ على قدسية بيت النبوة، ومهبط الوحي والتنزيل، ومختلف الملائكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
64/
وعلى هذا
الأساس يكون: (يَا
نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ الخ) استمراراً لأمر الله تعالى لنبيه (صلى
الله عليه وآله) بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ..)
فهو مقول القول أيضاً، علاوة على ما سبق من تخييرهن بين الدنيا والآخرة.
ب: ولو صرفنا النظر عن ذلك، لأجل الإصرار على أن
قوله تعالى: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ الخ)
إنما هو خطاب منه تعالى للنساء مباشرة؛ فإننا نقول أيضاً: إنه لا يضر فيما نرمي
إليه؛ لأنه قد جاء على سبيل الالتفات إليهن، وتكون النتيجة هي:
1 ـ أنه تعالى، قد أمر نبيه بأن يخير نساءه بين
الله ورسوله، وبين الحياة الدنيا وزينتها.
2 ـ ثم التفت الله سبحانه إليهن وخاطبهن مباشرة،
بعنوان أنهن منسوبات إلى النبي، لا بعنوان كونهن مجرد نساء. فأمرهن وزجرهن، وقرر
لمن تأتي منهن بفاحشة مبينة: أن يضاعف لها العذاب ضعفين، ولمن تطيع الله ورسوله،
أن تؤتى أجرها مرتين. وقرر أيضاً: أنهن لسن كأحد من النساء، إن التزمن جانب التقوى
والورع.
3 ـ ثم عاد سبحانه وتعالى إلى خطاب مقام النبوة
وبيت الرسالة من جديد، موضحاً أن سبب هذا الالتفات إلى الزوجات وعلة ما أصدره
إليهن من أوامر وزواجر هو إذهاب الرجس عن هذا البيت، وتطهيره، فإن الحفاظ على
قدسية بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
65/
ومختلف الملائكة ضرورة
لابد منها، لحفظ الرسالة نفسها.
فالخطاب للنبي ـ كما
ظهر من خلال الآيات الشريفة ـ إنما هو من حيث إنه نبي، وصاحب وحي وقداسة إلهية، لا
بما هو شخص.
ومن الواضح: أن حفظ بيت النبوة والرسالة، ما هو إلا حفظ
للرسالة نفسها.
فالكلام مع النساء إذن،
قد جاء على طريق الالتفات إليهن، كالالتفات الذي في قوله تعالى: (مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ)(1).
فيلاحظ: أن الحديث قد
كان عن الله تعالى بصورة الحديث عن الغائب الرحمان _ الرحيم _ مالك، ثم التفت
وخاطب الله تعالى مباشرة من موقع الحضور بين يديه تعالى فقال (إِيَّاكَ
نَعْبُدُ).
الإرادة بماذا تعلقت؟:
ويظهر من كلام العلماء
الأبرار (رضوان الله عليهم): أن الإرادة الإلهية المعبر عنها بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ..) قد تعلقت أولاً
وبالذات بإذهاب الرجس، وبالتطهير(2).
(1) سورة الفاتحة الآية
3/5.
(2) ستأتي المصادر لذلك إن شاء الله تعالى حيث الحديث حول
انحصار آية التطهير بأهل الكساء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
66/
ولكننا
نقول:
إن الظاهر هو أنها قد
تعلقت أولاً وبالذات بأمر آخر، وهو نفس الأوامر والزواجر التي توجهت إلى زوجات
النبي (صلى الله عليه وآله).
بيان
ذلك:
أنه تعالى قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ). ولم
يقل: إنما يريد الله أن يذهب، أو إذهاب الرجس عنكم.
ولو أنه قال يريد أن
يذهب الرجس عنكم لكانت الإرادة متعلقة بنفس الإذهاب؛ وذلك معناه أن الرجس موجود
فيهم ويريد الله إزالته عنهم وحاشاهم (صلوات الله عليهم) بل الصحيح هو أن الرجس
ليس فيهم بل هو في غيرهم ويريد الله إزالته عن الغير حفاظاً وإكراماً لـ«أهل البيت»
(عليهم السلام).
بيان
ذلك:
أن كلمة «إنما» تفيد حصر المقصود والغاية من الأمر والنهي
لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) في حفظ «أهل البيت»
وتطهيرهم.
واللام في «ليذهب» هي لام كي، وهي تفيد التعليل، أي أن ما
بعدها يكون علة لما قبلها، كقولك: «جئت لأكرمك»؛
فمدخول اللام، وهو الإكرام، علة لما قبلها وهو المجيء.
فما ذكره البعض من أن
متعلق الإرادة هو نفس إذهاب الرجس، ليس على ما يرام لا من حيث التركيب ولا من حيث
المعنى حسبما أوضحناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
67/
بل متعلق الإرادة شيء
آخر، ويكون الإذهاب علة لتعلق الإرادة به.
وذلك الشيء الذي تعلقت
به الإرادة هنا هو نفس التكاليف، والأوامر والنواهي الصادرة لزوجات الرسول (صلى
الله عليه وآله)؛ فإن الله سبحانه قد أراد منهن ذلك لأجل إذهاب الرجس.
وبتعبير آخر: إذهاب
الرجس عن «أهل البيت» علة لإرادة الله سبحانه
من زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) ـ بالإرادة التشريعية ـ أن يفعلن كذا، أو
يتركن كذا.
فلا دلالة في الآية على
أن النساء من «أهل البيت»، بل فيها دلالة على
العكس إذ لو كانت النساء داخلات في مدلول الآية لكان المناسب أن يقول: إنما يريد
الله أن يذهب عنكم الرجس لأن نساءه قد صدر منهن أشياء هي من الرجس ومنها حرب الجمل
بقيادة بعض نسائه (صلى الله عليه وآله).. أضف إلى ذلك أن لا رجس على الرسول (صلى
الله عليه وآله) ليريد الله إزالته عنه
ويتضح ذلك بملاحظة
النظائر التي استعملت فيها لام كي، بدلاً من كلمة «أن»
في القرآن الكريم، وغيره.
فلاحظ: قوله تعالى في
ذيل آية الوضوء والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ)(1).
أي أن أمره تعالى لكم
بالتيمم بدلاً عن الوضوء، إنما هو لأجل أن يطهركم.
فالتطهير لهم علة
لإرادة هذا الأمر منهم بالإرادة التشريعية.
(1) سورة المائدة الآية6.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
68/
وفي مورد آخر، بعد أن
ذكر الله تعالى بعض التشريعات والأحكام قال:
(يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ
لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(1).
وقال تعالى في موضع
آخر: (بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)(2).
وفي مورد آخر يقول
تعالى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ
إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3).
ومما يزيد
الأمر وضوحاً: أننا نجد آيتين قد
تعرضتا لأمر واحد، ولكن إحداهما قد جاءت «بأن» والأخرى «بلام كي»، التي تقدر بعدها
أن.
فبعد أن ذكر الله
سبحانه قول اليهود والنصارى في عزير، والمسيح، قال: (اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَ
هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ
إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(4).
وقال تعالى في مورد
آخر: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
(1) سورة النساء الآية26.
(2) سورة القيامة الآية5.
(3) سورة التوبة الآية 55.
(4) سورة التوبة الآية31 و32.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
69/
وَهُوَ يُدْعَى إِلَى
الإِسْلاَمِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا
نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(1).
والسبب في اختلاف
التعبير أنهم في المورد الأول (أي في سورة التوبة) قد تعلقت إرادتهم مباشرة في
إطفاء نور الله، فاستعمل الله كلمة «أن»،
وقال: يريدون أن يطفئوا.
أما في هذا المورد
الأخير فقد تعلقت إرادتهم بالافتراء على الله، لأجل أن يطفئوا، فالإطفاء كان
داعياً لهم، وعلة وسبباً لتعلق إرادتهم بالافتراء والكذب، فاستعمل «اللام» فقال: «يريدون ليطفئوا».
ثم رأيت أن الراغب
الأصفهاني قد أشار إلى ذلك أيضاً، فقال: «يريدون أن يطفئوا نور الله، يريدون
ليطفئوا نور الله.
والفرق بين الموضعين:
أن في قوله: «يريدون أن يطفئوا»، يقصدون إطفاء نور الله.
وفي قوله: «ليطفئوا» يقصدون أمراً يتوصلون به إلى إطفاء
نور الله»(2).
والأمر في آية التطهير
كذلك أيضاً كما أوضحناه.
(1) سورة الصف الآية 7 و8.
(2) المفردات للراغب ص305.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
70/
من الأمور
التي لا يجهلها أحد: أن
الأولوية القطعية هي من الظهورات اللفظية التي جرى عليها القرآن، كما جرى عليها
أهل اللسان في محاوراتهم، وبيان مراداتهم.
والأولوية القطعية،
ومفهوم الموافقة هذا موجود هنا أيضاً، ويدل على عصمة «أهل البيت» (عليهم السلام) بشكل قاطع ونهائي.
وتوضيح
ذلك بالمثال على النحو التالي:
إنه إذا كان ثمة رجل
يعزّ عليك، وتهتم بالحفاظ على مقامه، وترسيخ وتأكيد احترامه، فإنك ستنزعج كثيراً
إذا رأيت ولده أو غيره ممن ينتسب إليه يرتكب بعض المخالفات التي تسيء إلى سمعة
أبيه، وتدفع بالناس إلى توجيه النقد إلى ذلك الأب، ولسوف تردع ذلك الولد عن فعله
ذاك؛ بهدف الحفاظ على كرامة الأب، وسمعته.
أما الولد نفسه، فقد لا
يكون واقعاً في دائرة اهتماماتك أصلاً، بحيث لو لم يكن ابناً لذلك الرجل لما تعرضت
له، ولما وجدت الدافع القوي في نفسك لأمره ولا لنهيه.
والحال في الآيات
الشريفة من هذا القبيل، فالله إنما يأمر وينهى نساء النبي الأكرم (صلى الله عليه
وآله)، لأن مخالفاتهن سوف تنعكس سلباً على أهل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
71/
بيت الرسالة أنفسهم. فـ«أهل البيت»
هم الأهم ولا يريد الله سبحانه أن ينالهم أدنى رجسٍ أو هنات، ولو من طرف خفي، كما
لو كان ذلك الرجس صادراً ممن ينسبون إلى ذلك البيت نسبة مجازية، كما تقدم عن أهل
اللغة عن زيد بن أرقم، وأوضحه الرسول (صلى الله عليه وآله) في حديث الكساء.
وهذا هو غاية الاهتمام
بـ«أهل البيت»،
وهو يقع في سياق شمولهم بالعنايات والألطاف الإلهية، والتوفيقات الربانية.
ومعنى ذلك
كما قلنا: أن الدلالة على
الاهتمام الإلهي بطهر «أهل البيت»، وعدم لحوق
أي رجس بهم أولاً وبالذات، لسوف تكون أشد وأعظم وأهم، وآكد وأتم.
ثم إنه إذا كان الله
تعالى يريد أن يذهب حتى الرجس الذي ينسب إلى «أهل
البيت» (عليهم السلام)، ولو بالعرض والمجاز، فإنه يريد إذهاب ما يلحق بهم (عليهم
السلام) أولاً وبالذات بطريق أولى؛ فنستفيد، بمفهوم الموافقة والأولوية القطعية: أن
الله سبحانه قد طهرهم ونزههم فعلاً عن الرجس، لاسيما وأن المقام مقام تعظيم لبيت
النبوة، وهو يدخل في نطاق خطة إلهية، تعمل على إبعاد الرجس بكل حالاته ومجالاته،
حتى ما كان منه ليس لهم فيه أي اختيار، بأن كان صادراً عن أشخاص آخرين كالزوجات.
فإذا كان الله سبحانه
يبادر للمنع من حصول هذا، حتى لَيقرر للزوجات ضعفي العذاب، والثواب لو بدرت منهن
أية بادرة، فإن ذلك يكشف عن تصميم إلهي أكيد على أن لا يلحق «أهل البيت» أنفسهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
72/
رجس أصلاً، لا أولاً
وبالذات ولا ثانياً وبالعرض.
ومما يشير إلى أن
الأهمية إنما هي لأهل بيت النبوة لا للزوجات ـ بل هنّ كغيرهن من بني الإنسان، ما
ألمحت إليه الآيات التي سبقت الآيات التي هي مورد البحث والتي تحدثت عن أن الله
تعالى قد أمر نبيه بأن يخير زوجاته بين الحياة الدنيا وزينتها، فيمتعهن النبي (صلى
الله عليه وآله)، ويسرحهن سراحاً جميلاً.. وبين الله ورسوله، والدار الآخرة، فإن
الله ـ والحالة هذه ـ قد أعد للمحسنات منهن أجراً عظيماً.
فهذا التخيير يشير إلى
أنه ليس للزوجات أهمية مميزة، وترجيح خاص لهن.
وفي الآية أيضاً إشارة
إلى أن اللواتي يخترن الله ورسوله قد كن على قسمين: محسنات وغير محسنات.
أضف إلى
ذلك: أن السورة نفسها قد
ذكرت بعد ذلك: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان بالخيار بين أن يرجي من يشاء
منهن، وأن يؤوي إليه من يشاء.
فكل ذلك يشير بوضوح:
إلى أن الأهمية الباعثة على تسجيل الموقف هنا إنما هي للنبي (صلى الله عليه وآله)،
وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بما هو نبي وقد قال الإمام الحسين (عليه
السلام): إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة.
وبيت النبوة له حالات
وشؤون يجب مراعاتها وهناك تكاليف ومسؤوليات تجاهه يجب الالتزام بها. خصوصاً من قبل
الزوجات وليس المراد «أهل البيت» بمعنى السكن
ولا «أهل البيت» بمعنى العشيرة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
73/
وقد أكد ذلك حين اختار
أن يخاطبه بالقول: يا أيها النبي قل لأزواجك ويخاطبهن بالقول: يا نساء النبي ولم
يقل: يا نساء الرسول أو نحو ذلك ولم يقل: أيتها النساء أو يا محمد، حتى لا يفهم
الأمر على أنه حديث معه كشخص من الناس أو يقال إن الهدف هو الحفاظ على ثقة الناس
به وانقيادهم له كرسول، من خلال سلوك زوجاته.
كل ذلك يدل على أن
الأمر والزجر للزوجات لا لخصوصية وامتياز ذاتي لهن، إذ قد ظهر من الآيات أنه
يعاملهن معاملةً عادية جداً.
بل الخصوصية هي للنبي (صلى
الله عليه وآله)، بما هو نبي وهي التي توجب الحفاظ عليه ولأجل ذلك قرر سبحانه أن
يكون العذاب والثواب لزوجاته ـ هذا النبي بما هو نبي ـ ضعفين في صورة المخالفة والموافقة،
حتى إنهن إذا خرجن عن صفة الزوجية للنبي بما هو نبي، فإنهن كما دلت عليه آية
التخيير يصبحن كسائر النساء الأُخريات.
ولأجل ما ذكرناه بالذات
كان التهديد الإلهي للتين تظاهرتا على النبي (صلى الله عليه وآله) بالطلاق، ثم ضرب
لهن مثلاً بامرأتي نوح ولوط، وما كان لهما من المصير الذي انتهتا إليه.
هذا..
ونلاحظ أخيراً: أن
القرآن قد تحدث في موارد متعددة عن زوجات الرسول بطريقة تُظهر أنهن لسن في منأى عن
ارتكاب الذنب، فلتلاحظ آيات سورة الأحزاب، والطلاق، والتحريم.
وقد حكى سبحانه عن صدور
مخالفات كبيرة من بعضهن، ولم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
74/
يمنع من صدور المزيد من
ذلك في المستقبل، كما قد حصل ذلك بالفعل ممن خضن منهن حروباً قتلت فيها الألوف من
النفوس المسلمة والبريئة، دونما سبب معقول، أو مقبول.
أما «أهل البيت» فقد تحدث الله تعالى عنهم في هذه الآية،
وعلى لسان نبيه في عشرات المواقع والمواضع بطريقة مباينة تماماً، لحديثه عن
الزوجات فأوضح أن الله سبحانه قد عصمهم وطهرهم، كما أنه (صلى الله عليه وآله) قد
جعلهم بأمر الله عِدْلاً للقرآن، وسفينة للنجاة، والعروة الوثقى، إلى غير ذلك مما
يظهر بملاحظة النصوص المشهورة والمتواترة، والتي تفوق حد الحصر والعدّ.
وبذلك كله ظهر أنه
تعالى يريد بأوامره للزوجات أن يتوسل إلى إذهاب الرجس عن «أهل البيت»، وقد جاء التعبير بالإذهاب لا بالإزالة
ربما ليشير إلى أن الرجس ليس فيهم وإنما هو يتوجه إليهم عن طريق غيرهم، فيحل في
غيرهم «كالزوجات» لينسب إليهم بالعرض والمجاز خصوصاً وأن النبي المعصوم بالقطع
واليقين من جملتهم..
ومن
المعلوم: أن الإرادة على نحوين:
تكوينية: وهي التي تتعلق بفعل المريد نفسه، أي بتكوين
الشيء وإيجاده. كالإرادة الإلهية التي تعلقت بإيجاد الزرع والشجر والشمس والقمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
75/
وتشريعية: وهي التي تتعلق بفعل الغير، على أن يصدر العمل
منه باختياره.
وقد اتضح
مما تقدم: أن الإرادة الملحوظة في
الآيات أولاً وبالذات. لم تتعلق بإزالة الرجس مباشرة لكي تكون إرادة تكوينية بل هي
إرادة تشريعية تعلقت بأوامر وزواجر موجهة إلى زوجات الرسول الأكرم (صلى الله عليه
وآله).
وهي إرادة منبثقة عن
إرادة أخرى ـ سيأتي الحديث عنها إن شاء الله ـ تعلقت بإذهاب الرجس عن «أهل البيت»، وتطهيرهم إلى درجة العصمة. والإرادة
الأولى قد دلت عليها الآية صراحة أما الإرادة الثانية فقد دُلّ عليها بمفهوم
الموافقة، والأولوية القطعية.
ولاشك في أن الإرادة
التشريعية أشد وآكد، وأكثر رسوخاً وجديةً من إرادة التكوين، في دلالتها على عظيم
فضل «أهل البيت» (عليهم السلام) وذلك لأن
الله سبحانه وهو في مقام جلاله وعزته يهتم بأن لا يلحق بيت النبوة ـ لا العشيرة
ولا بيت السكنى ـ وهم الخمسة أصحاب الكساء أدنى شيء يوجب حزازة وإساءة إليهم ولو
من طرف خفي ولو بالانتساب المجازي إليهم، بل هو يضع أحكاماً إلزامية يلزم بها
أناساً آخرين ليسوا منهم بل لهم بهم علقة عرضية بسبب مصاهرة توجب الاختلاط بهم.
فيأمر أولئك الأغيار وينهاهم ثم يعاقبهم على مخالفة أوامره وزواجره فذلك يكشف عن
درجة الاهتمام بأولئك الناس الذين يريد الحفاظ عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
76/
أما لو كانت الإرادة
تكوينية وقد تعلقت بإذهاب الرجس عنهم فإنها لا تدل على عظيم فضلهم عنده، إذ لو
فرضنا أن إرادة التكوين قد تعلقت بخلق شيء بعينه فإن ذلك لا يدل على عظمة ذلك
المخلوق.
وإرادة خلق الذباب لا
تدل على عظمة الذباب بل تدل على الحاجة إليه. كما أن حاجتنا إلى سائق سيارة لا تدل
على عظمة ذلك السائق ولا على قداسته نعم قد يكون لذلك السائق قداسته لأسباب أخرى
غير مجرد كونه سائقاً.
والأمر هنا
كذلك، فإنه حينما يشرع الأمر
والنهي لأناس آخرين ويبيّن أنه يضاعف العقاب على المخالفة من أجل الحفاظ على غيرهم
فإن العظمة لذلك الغير تصبح ظاهرة ولا حاجة إلى الاستدلال عليها بأكثر من ذلك.
بل قد يقال: لو كانت الإرادة في الآية تكوينية تتعلق بإزالة
الرجس عنهم فإن ذلك قد يكون على العجز والضعف أدل، لدلالتها على الحاجة إلى التدخل
الإلهي للمساعدة، وهذا التدخل كما يمكن أن يكون للتكريم، كذلك يمكن أن يكون لظهور
الحاجة والضعف.
والحاصل: أن الآية تتضمن إخباراً عن أن الله سبحانه يرعى
«أهل البيت»، ويريد تطهيرهم من كل رجس، حتى
ما كان منه ثانياً وبالعرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
77/
وذلك يعني أنهم قد
حصلوا على الطهارة التامة بالفعل، فاستحقوا منه هذه العناية التامة وهذا التكريم
العظيم فاختصاصهم بهذه العناية الإلهية يتضمن إخباراً صادقاً وشهادة إلهية(1) بأنهم حاصلون على مزية
الطهر، ونفي الرجس، دون كل من عداهم، إلى درجة العصمة التي صرح بها الرسول الأكرم (صلى
الله عليه وآله) ـ مستشهداً بهذه الآية «آية التطهير»
بالذات حيث قال: «فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب»(2).
وفي دعاء عرفة يقول
الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك،
وجعلتهم الوسيلة»(3).
وكلام الأئمة (عليهم
السلام) في أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن «أهل
البيت» وطهرهم تطهيراً فعلاً كثير جداً، لا مجال لاستقصائه، فراجع أدعيتهم،
ومجادلاتهم مع المنكرين لفضائلهم وغيرها(4).
(1) وقد نص على أنها تضمنت شهادة إلهية بالطهارة أمير المؤمنين (عليه
السلام) في خطابه لأبي بكر في أمر فدك فراجع: علل الشرايع ج1 ص191 والاحتجاج
للطبرسي ج1 ص123 وتفسير القمي ج2 ص156 و157.
(2) ستأتي مصادر هذه الحديث في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله
تعالى.
(3) راجع الصحيفة السجادية الدعاء رقم47.
(4) راجع: آية التطهير في أحاديث الفريقين، المجلد الأول
والثاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
78/
وبعد: وقد اتضح من جميع
ما قدمناه أن آية التطهير لا تشمل زوجات رسول الله ولا تنطبق إلا على أهل الكساء،
إذ انها قد دلت على عصمة «أهل البيت» (عليهم
السلام) من كل ذنب، والفقرات المتعلقة بنساء النبي (صلى الله عليه وآله)، قد قررت
إمكان صدور الذنب منهن.
بل وتوقع وقوعه من
بعضهن أيضاً، كما ربما يشير إليه الوعيد بمضاعفة العذاب ضعفين، وقوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) ثم علق ذلك على التقوى
فقال: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) وأوضح من ذلك وأقربه إلى
التوبة، قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).. وهي
الآية التي كان المسلمون يواجهون بها عائشة حين خرجت لحرب علي (عليه السلام).
ولبيان ما نرمي إليه في
توضيح المراد من الآية، نقول:
أن كلمة «إنما» تثبت ما نفته «ليس»
عند الزجاج وغيره، كقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاءِ)، ومتعلق التطهير، وهو الرجس، مطلق محلى بـ «أل الجنسية» فالآية تفيد نفي ماهية جنس الرجس بنحو
العام الاستيعابي المجموعي عن «أهل البيت».
كما أن المقام مقام
تشريف وتكريم، ويقصد فيه التأكيد التام، ولأجل ذلك نراه تعالى قد نص على التطهير
بعد ذكره إذهاب الرجس، مصدّراً بأداة الحصر، ثم أكده بالمصدر الذي هو مفعول مطلق،
وهو كلمة «تطهيراً»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
79/
منوناً بتنوين التعظيم،
أو التنكير، ليذهب الذهن فيه كل مذهب.
كل ذلك ليفيد ـ على حد
تعبير السمهودي: أن إرادته تعالى، منحصرة على تطهيرهم، ثم أكده بما يدل على أن
طهارتهم طهارة كاملة، وفي أعلى مراتب الطهارة(1).
وكل ما ذكرناه لا
يتناسب مع القول بأن الإرادة في الآية المتعلقة بإذهاب الرجس مجرد إرادة تشريعية
قد دل عليها بمفهوم الموافقة حسبما تقدم بيانه، فيكون المعنى أن الله سبحانه يريد
من «أهل البيت» تشريعاً أن لا يفعلوا ما فيه
رجس والسبب في أن ذلك لا يتناسب مع ما ذكرناه هو: أن الله سبحانه وتعالى يريد
للبشر جميعاً أن يعملوا بالتكاليف والأحكام، ولا يرضى منهم بالتخلف ولو في مورد
واحد، ولا ينحصر ذلك في زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا في «أهل البيت» (عليهم السلام)، فلا يبقى مبرر لهذا
الحصر، وذلك التأكيد، ولا معنى للتشريف والتكريم، وإفادة امتيازهم عن كل احد، بأمرٍ
لا اختصاص لهم به.
ولأجل ذلك نجد عدداً من
العلماء، قد قال: إن الإرادة في آية التطهير هي إرادة تكوينية، يستحيل انفكاكها عن
تحقق المراد، فيستحيل لحوق الرجس بهم، وانفكاك الطهارة عنهم(2).
(1) راجع نص عبارة السمهودي في ينابيع المودة ص109.
(2) راجع في كون الإرادة تكوينية، وغير ذلك من خصوصيات ذكرناها:
متشابه القرآن ومختلفه ج2 ص52 والتبيان ج8 ص308 ومجمع البيان ج8 ص357=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
80/
بل لقد استفادوا من
الآية عصمة «أهل البيت» حتى عن السهو والخطأ
والنسيان وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى.
ونحن نوافقهم على ذلك
ولكننا نخالفهم في قولهم بأن الإرادة تكوينية..
وبعد أن اتضح: أن
الإرادة الملحوظة في الآية أولاً وبالذات والمصرح بها بكلمة «يريد»، هي الإرادة
التشريعية، ولكنها منبثقة عن إرادة أخرى تكوينية متعلقة بنفس التطهير لـ«أهل البيت»
(عليهم السلام)، والتي ينتج عنها حقيقة: أنهم (عليهم السلام) معصومون من الذنوب
بالفعل ـ نعم بعد وضوح ذلك ـ فإن السؤال الذي يلح بالإجابة عليه هنا هو: هل هذه
العصمة اختيارية؟ أم أنها مخلوقة فيهم، بصورة جبرية! بحيث لا يمكنهم التخلف عن
الخير، ولا التصدي لفعل الشر تكويناً؟!.
والجواب:
إنه لا شك في أن العصمة
من الذنب وغيره(1) اختيارية، وليس فيها
= والبحار ج35 ص233 وتأويل الآيات الظاهرة ج2
ص456 والأصول العامة للفقه المقارن ص149 و150.
(1) قد أوضحنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله
عليه وآله)، بعد
الحديث عن غزوة بدر: أن العصمة عن السهو والخطأ والنسيان اختيارية أيضاً، فضلاً عن العصمة
عن الذنوب والقبائح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
81/
أي نوع من أنواع
الإكراه والإجبار ولولا ذلك لبطل الثواب والعقاب، ولزمت محاذير أخرى، ونوضح ذلك في
ما يلي:
إن الله تعالى هو الذي
يفيض الوجود على الناس، وعلى أفعالهم ولكن العباد هم الذين يختارون أفعالهم
ويبادرون إليها. والله لا يبخل بإفاضة الوجود عليهم وعليها.
فآية التطهير تفيد: أنه
تعالى قد علم أن الأئمة لا يختارون إلا ما شرعه الله ويرضاه.
وذلك بسبب ما زودهم
الله تعالى به من استعدادات ذاتية، وملكات نفسانية، وتوفيقات إلهية، وإمدادات
غيبية. وبسبب أن عقولهم راجحة وفطرتهم معتدلة، وميزاتهم متوازنة وبسبب معرفتهم بما
هو حق وباطل، وبما هو حسن وقبيح، بجلال الله وعظمته، وقدرته وسائر صفاته جل وعلا،
نعم بسبب ذلك كله يسعون إلى نيل الكمالات، وإلى الحصول على أسمى الدرجات، والله لا
يبخل عليهم لتنزه ساحته عن البخل، فيفيض عليهم من نعمه ويغمرهم بفيض كرمه على
قاعدة:
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(1).
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ
(1) سورة محمد (صلى الله عليه وآله)، الآية /17.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
82/
الْمُحْسِنِينَ)(1).
إذن، فالله
سبحانه إذا كان يعلم: أنهم
لا يختارون، إلا ما هو حسن وجميل، وما هو حق، وصلاح وفلاح، وأنه سوف يستجيب
لإرادتهم تلك باستمرار ولن تتعلق إرادته التكوينية إلا بهذا النوع من الأفعال
المرضية، والمحبوبة له تعالى، فيصح أن يخبرنا تعالى ـ بواسطة مفهوم الموافقة في
الآية الكريمة، كما تقدم ـ عن أنه سوف لن يريد بالإرادة التكوينية إلا إذهاب الرجس
والتطهير لهم.
تماماً كما هو الحال في
الأنبياء الذين هم معصومون أيضاً، فإن الله لا يريد بالإرادة التكوينية إلا ما
يختارونه هم.. وهم لا يختارون إلا ما هو خير وصلاح، وفلاح، ونجاح.
والسر في عدم اختيارهم
إلا ما شرعه الله ويرضاه، أن الإنسان حيث يكون على درجة من الخلوص والصفاء، لم
تنجسه الجاهلية بأنجاسها، ولم يرث عن سلفه إلا الخصال الحميدة، والمزايا الفريدة،
وقد تهيأ له أن يتربى خير تربية، وحصل على أفضل المزايا الأخلاقية والإنسانية،
وكان على درجة عالية من التعقل والوعي، والمعرفة بالله، وبشرائعه وأحكامه، مع
سلامة في الفطرة، وتوازن في المزايا، ومع قوة في الإرادة، فإنه سوف لا يفكر في
الإقدام على أي قبيح. بل هو سوف ينفر من ذلك، ويتأذى منه، مع أن له
(1) سورة العنكبوت، الآية69.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
83/
تمام الاختيار والحرية،
والقدرة على أن يفعل أو لا يفعل.
ولكنه حيث يراه منافياً
لإنسانيته، وموجباً للنقص والتلاشي لكمالاته وخصائص شخصيته؛ فإنه لا يقدم على
ارتكاب ذلك الأمر القبيح مهما كانت الظروف، وأياً كانت الأحوال، تماماً كما (وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(1). مع قدرته تعالى على ذلك، والسبب هو منافاة ذلك لمقام ذاته
الأقدس، ولكماله، وعدله، ولألوهيته سبحانه.
وكما لا يقدم الإنسان
العاقل والمتوازن على شرب السم. وكما لا يقدم الطفل على وضع يده في النار، وكما لا
تقدم الأم على ذبح ولدها، ولا على فعل كثيرٍ من الأشياء التي يرى الإنسان: أن
فعلها مخل بكرامته، وبشخصيته.
فاتضح: أن مراد علمائنا من قولهم: إن الإرادة في آية
التطهير تكوينية لا تشريعية هو ذلك، وليس المراد: أن العصمة مخلوقة فيهم بصورة
إجبارية، بحيث يفقدون معها القدرة على المخالفة هنا، والموافقة هناك.
ونحن، وإن
كنا قد قلنا، إننا قد لا نمنع من أن
يكون ما أراده علماؤنا الأبرار (رضوان الله تعالى عليهم) صحيحاً، ولكننا أوضحنا
أيضاً أننا نرى: أن للآية الشريفة التي هي مورد البحث منحى آخر، وأنها
(1) سورة الكهف الآية49.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
84/
بدلالتها اللفظية لا
تتلاءم مع محذور الجبر، ولا تلتقي معه ولا هي ناظرة إليه، لا من قريب، ولا من بعيد،
إذ أن الإرادة فيها التي دُلّ عليها باللفظ هي التشريعية، وأما الإرادة التكوينية
فقد دُلّ عليها بمفهوم الموافقة، وهي لم تتعلق بفعل الإنسان أصلاً، ونعود فنوضح
ذلك فيما يلي:
إننا نستفيد من إسناد
الإذهاب والتطهير إلى الله سبحانه، في قوله: (يُذْهِبَ)
وَ (يُطَهِّرَكُمْ) ثم من العدول في الآية عن التعبير بـ «يريد أن يذهب» إلى التعبير بـ (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ): أنه تعالى قد تعلقت إرادته
أولاً وبالذات بإذهاب الرجس، وإبعاده. لا بإجبار «أهل
البيت» وقهر إراداتهم ومنعها من التحرك نحو الرجس.
بل هو تعالى يريد أن
يقذف بالرجس ويرمي به بعيداً عنهم (عليهم السلام)؛ فإن قربه منهم وقربهم منه مبغوض
له تعالى، على حد قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)(1).
وقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)(2).
وثمة آيات عديدة أخرى
تشير إلى ذلك.
فالله سبحانه قد أراد
أن يبعد الرجس وكل العيب عن «أهل البيت»،
(1) سورة الأنعام الآية151.
(2) سورة الإسراء الآية23.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
85/
ولو ثانياً وبالعرض
كالذي يصدر من زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، اللواتي لسن حقيقة من «أهل البيت». وذلك إظهاراً لكرامتهم، وليزيد من درجة
الحصانة تجاه ذلك الأمر المبغوض، حيث لا تبقى أية حالة من الملابسة له، أو استنشاق
روائحه والعيش في أجوائه. هذا بالإضافة إلى الحصانة الكامنة فيهم (عليهم السلام)،
عن طريق معرفتهم بالله سبحانه، وقوة ورسوخ ملكاتهم، فلا يختارونه، ولا يفكرون فيه،
بل ويتأذون منه وينفرون عنه. رغم أن إرادتهم طليقة وحرة، ولا يمارس أحد عليها أي
ضغط أو إكراه، كما أوضحناه فيما سبق..
وآخر توضيح لنا هنا:
إن هناك إرادة تشريعية
في الآية، وقد تعلقت بالأوامر والزواجر الموجهة إلى زوجات رسول الله (صلى الله
عليه وآله) وهو ما تعلقت به كلمة: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ).
وهي منبثقة عن إرادة
تكوينية تعلقت بإبعاد الرجس عنهم، والتطهير لهم. ونستفيد هذه الثانية بالدلالة
عليها بمفهوم الموافقة المستند إلى الإشعار بها من خلال نسبة إذهاب الرجس والتطهير
في قوله تعالى: (يُذْهِبَ عَنْكُمُ) و(يُطَهِّرَكُمْ)
إلى الله سبحانه. لأن الفاعل لكلا الفعلين المذكورين إنما هو ضمير عائد
للفظ الجلالة المتقدم في (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
86/
ولكن هذه الإرادة
التكوينية له تعالى، إنما تعلقت بإبعاد الرجس وبالتطهير. ولم تتعلق بنفس الفعل
الصادر عن «أهل البيت»؛ حيث إنه تعالى لم يقل: يريد الله أن يجعلكم
تفعلون هذا وتجتنبون ذاك مثلاً؛ لتكون إرادتهم مقهورة لإرادته سبحانه تعالى
التكوينية.
بل تعلقت بإبعاد الرجس
عنهم، بتوجيه الأوامر والنواهي لغيرهم إكراماً لهم، مع إبقاء إرادتهم حرة طليقة،
من دون أدنى تعرض لها. بل قد صرف النظر عنها بالكلية، حسبما أسلفناه.
وآخر ما
نشير إليه هنا هو أننا نلاحظ:
أنه تعالى قد علق طهارة النساء على إرادتهن فقال: (إِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا..) وقال:(إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ..).
ولكنه تعالى حين تحدث
عن طهارة «أهل البيت»، فإنه قد جعل طهارتهم
متعلقاً لإرادته هو سبحانه وتعالى، سواء الإرادة التشريعية، المصرح بها في قوله
تعالى: (يُرِيدُ اللهُ) من خلال الأوامر الموجهة إلى
النساء أو التكوينية المتعلقة بالتطهير وإبعاد الرجس عن «أهل البيت» (عليهم السلام)، والمدلول عليها بمفهوم
الموافقة، مع الإلماح إليها بإسناد التطهير وإذهاب الرجس إليه تعالى.
ولا يفوتنا هنا التنبيه
إلى أنه ربما يكون السر في إصرار البعض على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
87/
التصرف في مدلول الآية،
رغم وجود الروايات الصحيحة والمتواترة التي تؤكد اختصاصها بالخمسة أصحاب الكساء،
هو خشيتهم من التقدم خطوة أخرى باتجاه ربط الآية بموضوع الإمامة، فإن ذلك لسوف
يتسبب في إيجاد إحراجات كبيرة لهم، ولأولئك الذين يريدون إبعاد أهل بيت النبوة (عليهم
السلام) عن موضوع الإمامة، ليتسنى لهم إثبات شرعية خلافة وإمامة الذين استأثروا
بهذا الأمر لأنفسهم، رغم النصوص الكثيرة جداً والمتواترة في أكثر من مورد، وأكثر
من مناسبة على ضد ما يريدون، وعلى خلاف ما يشتهون.
ويتأكد هذا الإحراج
فيما يواجهونه من إصرار أكيد من قبل «أهل البيت»
(عليهم السلام)، على أن الإمامة حق لهم، دون كل من سواهم، وقد شاع هذا الأمر عنهم
وذاع، إلى حدٍ لا يمكن لأحد أن يرتاب أو أن يشكك فيه.
فإذا كانوا مطهرين بنص
هذه الآية الشريفة، فلابد من قبول كل ما يقولونه وينقلونه حول هذا الأمر، وسواه، والتسليم
والبخوع لهم فيه.. وذلك يعني وضع علامة استفهام كبيرة حول شرعية خلافة الآخرين.
وهذا ما لا يمكن لهؤلاء
أن يتصوروه، أو أن يفكروا فيه، في أي من الظروف والأحوال.
ولأجل ذلك فلا مانع لدى هؤلاء من التلاعب بالآية القرآنية
والتشكيك، والتصرف في دلالتها، كما لا مانع من ردّ الروايات المتواترة والصحيحة
والصريحة، أو التمسّك في مقابلها بما هو أوهى من بيت العنكبوت، كما سنرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
88/
وفي
اتجاه آخر، فإننا نجد بعض العلماء يقول:
إننا إذا راجعنا تفسير
آية: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لاَ
يَمَسُّهُ إِلاَ الْمُطَهَّرُونَ)(1).
فإننا نجد: أن تفسيرها الذي هو الأقوى عند العلماء والأوفق
بسياق الآيات: هو أن المراد بمس القرآن نيل معانيه، والوصول إليها، والوقوف عليها،
وذلك لا يكون إلا للذين طهرهم الله سبحانه، وهم «أهل
البيت» وأصحاب الكساء خاصة دون كل من عداهم..
ومعنى ذلك: هو أنهم حين جعلهم الله عدلاً للكتاب في حديث:
إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
فإنما أراد بذلك أن يكونوا دون سواهم هم الذين يفسرون القرآن للناس، وأن يكونوا
القائمين على دين الله، وتطبيق أحكامه، ونشر تعاليمه، وذلك هو ما يراد من الإمامة
والخلافة بعده
(صلى الله عليه وآله).
(1) سورة الواقعة، آية77 / 79.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
89/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
90/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
91/
لقد اتضح
مما تقدم: أن توجيه الخطاب لـ«أهل البيت»
الذين هم أهل الكساء، ليس فيه مخالفة للسياق القرآني، بل هو موافق له، ومنسجم معه.
دون أدنى لبسٍ، أو شبهة.
ونزيد في توضيح هذا
الأمر بالإشارة إلى بعض الخصوصيات، فنقول:
ألف: إن السياق إنما يكون دليلاً وحجة في صورة ما لو
علم أن المتكلم بصدد بيان موضوع واحد، من مبدأ كلامه إلى نهايته؛ ليكون بعض كلامه
قرينة على البعض الآخر. فإذا ورد ما يخالف ذلك، فإنه يكون مخالفاً للظهور السياقي،
ويكون فيه ـ أحياناً ـ إخلال بالناحية البلاغية، والبيانية.
ب: وربما لا يكون المتكلم بصدد بيان أمر واحدٍ،
وإنما هو يذكر أموراً متعددة ومختلفة. ومتخالفة في موضوعاتها وأحكامها، وإن كانت
تدخل في نطاق غرض عام وجامع ـ يكون هو الجامع بين متفرقاتها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
92/
والمؤلف لمختلفاتها كالدين
أو الشريعة مثلاً ـ ففي هذه الحالة لا يكون التعرض للموضوعات المختلفة، لا يكون
خلافاً للظهور السياقي، ولا يخل بالناحية البيانية والبلاغية، إلا إذا تعرض لبيان
أمر لا يدخل في ذلك الغرض الأقصى، والعام، والجامع، كما هو واضح.
ج: إن وحدة السياق لا تلازم وحدة الموضوع والحكم؛
فإن الأسلوب البياني قد يفرض التعرض لبيان بعض الحيثيات، التي لها مساس بما هو محط
النظر، وإن اختلفت عنه في طبيعتها وماهيتها.
وقد روي عن أبي جعفر (عليه
السلام) أنه قال: ليس شيء أبعد من عقول الرجال من القرآن؛ إن الآية لتكون أولها في
شيء، وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه(1).
وعن أبي عبد الله (عليه
السلام): يا جابر، إن للقرآن بطناً، وللبطن ظهراً، وليس شيء أبعد من عقول الرجال
منه: إن الآية لينزل أولها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في شيء، وهو كلام متصرف
على وجوه(2).
ومن اللافت: أن المثال الذي قدمه الأئمة (عليهم السلام) في
هذا الصدد هو نفس آية التطهير، التي هي موضع البحث، فقد روي عن أبي جعفر (عليه
السلام) أنه قال:
(1) هذا المضمون موجود في البحار ج89 ص95 وراجع الوسائل ج18 ص142 و150 وتفسير العياشي ج1 ص12
والمحاسن للبرقي ص300.
(2) راجع: وسائل الشيعة ج18 ص150 وتفسير العياشي ج1 ص11.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
93/
ليس شيء أبعد من عقول
الرجال من تفسير القرآن، إن الآية ينزل أولها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في
شيء، ثم قال:
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). من ميلاد الجاهلية(1).
ولكن ذلك لا
يعني: أن لا تكون هناك جامعة
كلية وعامة تكون تلك الموضوعات المختلفة كلها داخلة فيها..
وبعد
ما تقدم نقول:
قد ذكرنا في
الفصول المتقدمة ما يوضح: أن
آية التطهير هي من القسم المذكور في فقرة: «ألف»
إذ أن الآيات قد جاءت لتخاطب النبي(صلى الله عليه وآله)، وتطلب منه أن يبلغ زوجاته
بعض الأوامر والزواجر، بهدف الحفاظ على البيت النبوي الشريف.
ويمكن تطبيق القسم
الثاني المذكور في الفقرة «ب» على آية التطهير
أيضاً؛ إذا لاحظنا: أن الجامع العام وهو الحفاظ على «أهل البيت» (عليهم السلام)، استدعى إصدار أوامر
ونواهي مختلفة للزوجات، مع أن الكلام متصل، وله سياق واحد.
(1) تفسير العياشي ج1 ص17 والبحار ج89 ص110.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
94/
ولو أننا قبلنا: أن
الخطاب لم يكن موجهاً إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا لبيت النبوة والرسالة،
بل كان موجهاً للنساء من أول الأمر.
فإننا
نقول:
إن ذلك لا يوجب أن تكون
آية التطهير خاصة، بل ولا حتى شاملة للنساء، إذ أن ثمة طريقين آخرين يؤديان إلى
تخصيص الآية الكريمة بأصحاب الكساء، ولا يختل السياق القرآني، ولا يلزم التكذيب
للرسول (صلى الله عليه وآله) في إصراره المتواصل على خروج النساء عن مفاد الآية.
وهذان الطريقان هما:
فإن الالتفات هو من
الأساليب البيانية، التي جرى عليها الناس في محاوراتهم.
وهو يعطي الكلام جمالاً،
ورونقاً، وإشراقاً. وله أيضاً فوائد جليلة لأنه يشد السامع، ويثير انتباهه، ويجعله
يتطلع لمعرفة هذا الجديد، وإلى سماع المزيد.
وقد استخدم القرآن هذا
الأسلوب في كثيرٍ من الموارد، حتى في فاتحة الكتاب، كما تقدم، وكما يكون الالتفات
من الغيبة للخطاب كما ورد في سورة الفاتحة، أو عكسه كذلك قد يكون من شخص لآخر كما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
95/
في قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ).
وحكمة هذا
الالتفات في آية التطهير: هو
الإشارة إلى أن تأديب الزوجات إنما هو من توابع إذهاب الرجس والدنس عن «أهل البيت»، وإكراماً لهم حتى لا يلحقهم بسببهن
وصمة أو عيب(1).
ولنا أن نعتبر قوله
تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ..) جملة اعتراضية، إذا صححنا ورود الاعتراض في آخر الكلام،
أو اعتبرنا الآيات سابقاً ولاحقاً كلها ذات وحدة واحدةً، جاءت الجملة الاعتراضية
فيما بينها؛ للإشارة إلى حيثيات ودوافع الحكم الوارد في الفقرات السابقة واللاحقة.
وهذا الاعتراض ليس فقط
قد جاء معقولاً ومقبولاً، بل هو راجح ومطلوب، بل ضروري أيضاً؛ لحكمة ونكتة، وهي بيان
هذا الأمر الهام والخطير، أعني أن الإرادة الإلهية قد تعلقت بتطهير «أهل البيت»، ثم هو لبيان الفرق الشاسع بين أهل بيته
الحقيقيين، وبين الزوجات اللواتي لا يصح توهم أنهن في مستوى أهل بيت النبوة في
العصمة والطهارة.
وبعد هذا فإن الجمل
الاعتراضية كثيرة في القرآن، وقد قال تعالى:
(1) راجع: نفحات اللاهوت ص85، ودلائل الصدق ج2 ص72.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
96/
(فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ
قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)(1).
وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)(2).
وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً..) إلى أن قال: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)(3).
وأمثال ذلك في القرآن
ليس بعزيز.
ولنفترض: أن السياق القرآني يؤيد كون الخطاب للنساء، فإن
رفع اليد عن الظهور السياقي، الذي هو أضعف الظهورات، لأجل وجود قرينة بل قرائن
داخلية وخارجية على خلافه، ليس فيه أي محذور.
(1) سورة يوسف الآية28 و29.
(2) سورة الواقعة الآية
76.
(3) سورة لقمان الآية13ـ 16.
وليراجع حول الالتزام
بالاستطراد والاعتراض: تفسير القمي ج2 ص193 / 194 والكلمة الغراء (مطبوع مع الفصول
المهمة) ص213 / 214 ونهج الحق (هامش) ص174.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
97/
وقد ظهر وسيظهر وجود
قرائن عديدة في الآيات نفسها، ووجود روايات متواترة صحيحة وصريحة تعين «أهل البيت» في من سوى الزوجات، أي في خصوص أهل
الكساء، وليس في ذلك أية مخالفة للأسلوب البلاغي والبياني، فقد تعودنا من البلغاء
الإشارة إلى العديد من المطالب في كلامهم الذي يوردونه في مقام واحد، وفي سياق
واحد، إذا كان له جهة كلية عامة وجامعة.
ومن القرائن الذي ذكرت
على أنها توجب رفع اليد عن الظهور السياقي.
فيلاحظ هنا تذكير
الضمير في آية التطهير، في: «عنكم» و «يطهركم»،
مع أن الضمائر الواردة في السابق واللاحق هي ضمائر الإناث: «وقرن
في بيوتكن» و «لا تبرجن» و «أقمن
الصلاة» و «آتين» و «أطعن»،
وغير ذلك(1).
(1) راجع: التسهيل لعلوم التنزيل ج3 ص137 والكلمة الغراء (مطبوع
مع الفصول المهمة) ص213 / 214 والتبيان ج8 ص38 والمواهب اللدنية ج2 ص123 عن زيد بن
علي وكذا في البحار ج35 ص207 والبرهان (تفسير) ج3 ص319 ونفحات اللاهوت ص85 وهامش
نهج الحق ص174 وتفسير=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
98/
بل لقد اعتبر البعض هذا
دليلاً على عدم إرادة النساء في الآية.
واعتبره
البعض الآخر: أنه يدل على عدم
اختصاص آية التطهير بهن، على خلاف ما ادعاه عكرمة ونسب إلى غيره من اختصاص الآية
بالنساء(1).
وقد دافع القائلون
بشمول الآية للنساء، واختصاص الخطاب فيها بهن، بوجوه:
=القمي ج2 ص193 / 194 وفتح القدير ج4 ص279 ومشكل
الآثار ج1 ص338 و339
والمعتصر من المختصر ج2 ص267
والصراط المستقيم ج1 ص185 ونوادر الأصول ص266 وإحقاق الحق للتستري ج2 ص566
والميزان (تفسير) ج16 ص310 وأضواء على متشابهات القرآن ج2 ص117 والأصول العامة
للفقه المقارن ص158.
وجوامع الجامع ص372
تعليقات السيد محمد علي القاضي (في الهامش) ونظرية الإمامة ص182 عن المناظرات
للكاظمي ص9 وراجع أيضاً: الجامع لأحكام القرآن ج14 ص182 / 183 والصواعق المحرقة
ص141 وينابيع المودة ص294.
(1) الفصل الأول، فقرة: الآراء والاجتهادات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
99/
قالوا: إن الضمير
المذكور قد ورد في الآية على سبيل التغليب، للمذكر على المؤنث(1).
ونقول:
إن هذا غير تام.
أولاً:
لأن التغليب إنما يصار
إليه، حيث يحرز عدم الخصوصية لأي من الطرفين أو الأطراف في نظر المتكلم، وحيث يعلم
بأنه يريد شمول الحكم للجميع، مع عدم وجود قرينة على الخلاف.
وفي مورد
البحث: ليس فقط لا نحرز أنه
يريد شمول الحكم، بل هناك العديد من القرائن والشواهد على التمييز فيما بين
الأطراف.
ويكفي في ذلك ما ذكرناه
من روايات صحيحة وصريحة في انحصار المراد من «أهل
البيت» في أصحاب الكساء، مع تصريح طائفة
(1) راجع: المواهب اللدنية ج2 ص123 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص208
والسنن الكبرى ج2 ص150 وراجع: التبيان ج8 ص308 / 309 والتفسير الكبير ج25 ص209
وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج22 ص10 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص183
وكلام ابن روزبهان ضمن كتاب دلائل الصدق ج2 ص64 وضمن إحقاق الحق ج2 ص564.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
100/
كبيرة منها بخروج
الزوجات عنهم(1).
ثانياً:
قال
العلامة المجلسي:
«إن مخاطبة الزوجات
مشوبة بالمعاتبة والتأنيب، والتهديد، ومخاطبة «أهل
البيت» محلاّة بأنواع التلطف، والمبالغة في الإكرام. ولا يخفى بعد إمعان
النظر المباينة التامة في السياق بينها وبين ما قبلها، وما بعدها»(2).
ثالثاً:
قد تقدم ما يفيد وجود
إشكال في أصل صدق عنوان: «أهل البيت» على
الزوجات، حتى مع افتراض أن يكون المراد بالبيت هو بيت السكنى، مع أنه افتراض باطل
كما اتضح في الفصول السابقة.
رابعاً:
لو فرضنا أن المراد هو
بيت السكنى، فإننا نقول ـ كما يتضح من ملاحظة بعض روايات حديث الكساء ـ إن المراد
به خصوص البيت الذي جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه أهل الكساء، حيث نزلت
الآية الشريفة فيهم. وتكون الألف واللام هنا في كلمة: «البيت» للعهد الخارجي. وإلا
(1) التبيان ج8 ص308 / 309.
(2) البحار ج35 ص235.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
101/
فإن بيت الزهراء وعلي،
كان غير بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي تسكنه أم سلمة أو غيرها.. ويعزز هذا
التوجه التنويع في التعبير حيث قال تعالى مخاطباً للنساء: «بيوتكن».
ولكنه عبر هنا فقط بقوله: «أهل البيت».
خامساً:
وأخيراً..
قد تقدم: أن السياق يؤيد ويؤكد كون المراد بـ «أهل البيت» خصوص أهل الكساء. ولا حاجة إلى دعوى
التغليب، ولا إلى غيرها.
إن محط النظر في الرد
والقبول إنما هو التغليب بالنسبة إلى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) وانضمامهن
إلى أهل الكساء وعدمه. أما تغليب الذكور على الإناث بالنسبة إلى أهل الكساء أنفسهم،
لكون فاطمة (عليها السلام) فيهم، فلا إشكال في كونه حاصلاً، ومراداً له تعالى،
حسبما صرحت به الروايات المتواترة.
الوجه الآخر الذي ذكروه
دفاعاً عن قولهم بشمول الآية للزوجات، وتوجيه اختلاف الضمائر تذكيراً وتأنيثاً،
هو: أن لفظ «البيت» كلي، يطلق على الجمع(1).
(1) راجع: نظرية الإمامة ص182 وراجع: مختصر التحفة
الاثني عشرية ص151.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
102/
ونقول:
1 ـ إن بعض ما ذكرناه في الإجابة على الوجه السابق
آت هنا.
2 ـ إن كون لفظ «البيت» كلياً لا يصح بحسب مصطلح
أهل العلم.
3 ـ إن القرينة القطعية قد دلت على أن النساء لسن
مرادات له تعالى في آية التطهير.
4 ـ إن هذا التوجيه لا يجدي، فإن الظاهر هو: أن
المراد بـ «البيت» ـ كما ألمحنا إليه ـ ليس هو بيت السكنى وإلا فإن القضية قد حدثت
في بيت أم سلمة، أو عائشة، أو زينب، فلماذا منعها من الدخول تحت الكساء، ولم يرض
باعتبارها من «أهل البيت»؟! فالمقصود هو بيت
النبوة.
وقد قلنا: إنه تعالى حين تحدث في نفس الآية عن بيت سكنى
الأزواج، قد جاء بلفظ الجمع، مضافاً إليهن، فقال تعالى: (وَقَرْنَ
فِي بُيُوتِكُنَّ)(1) ثم قال بعدها: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي
بُيُوتِكُنَّ)(2).
ولكنه في آية التطهير
قد جاء بلفظ «البيت» محلى بألف ولام العهد.
فلو كان المراد به بيت سكنى الأزواج، لكان المناسب الإتيان بلفظ
(1) سورة الأحزاب الآية 33.
(2) سورة الأحزاب الآية
34.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
103/
الجمع، كسابقه ولاحقه،
لا الإفراد بلام العهد.
أضف إلى ما
تقدم: أنه قد كان لعلي (عليه
السلام) بيته الذي يسكن فيه، وهو غير بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلو كان
المراد بيت السكنى، فإن دخول علي وفاطمة والحسنين (عليهم السلام) يحتاج إلى إثبات،
مع أن دخولهم في مدلول الآية لا ريب فيه.
ولو سلمنا: أن المراد هو بيت السكنى فقد تقدم جوابه قبل
صفحتين في الإيراد الرابع على القول بالتغليب. فراجع..
وأما إرادة العشيرة من
كلمة «البيت» فقد قلنا أكثر من مرة: إنه لا يصح لأن العباس وعقيلاً وأبناءهما وغيرهم ليسوا من «أهل البيت» بلا ريب مع أنهم عشيرة الرسول، والعباس
أقرب نسباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام).
قد يقال: يستفاد من نسبة البيوت إلى الزوجات، لا إلى
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أن في نسبتها إليه شرفاً عظيماً، ولا يريد
الله أن يخص النساء بهذا الشرف.
هذا بالإضافة إلى أنه
تعالى قد أراد أن يظهر التمايز فيما بين الزوجات، وبين «أهل البيت» النبوي الحقيقيين، وهم أهل الكساء (عليهم
السلام)، فلا يتصور أحد: أنهن وأولئك بمنزلة واحدة بالنسبة إليه (صلى الله عليه
وآله). بل أهل بيته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
104/
منه وإليه. وليس كذلك
زوجاته اللواتي لم يرض حتى بنسبة البيت الذي هنّ ساكنات فيه إلى رسوله (صلى الله
عليه وآله).
وقد يقال أيضاً: إن التذكير للضمير إنما هو باعتبار لفظ «أهل»، وقد
قال الله سبحانه: في قصة الملكين لزوجة إبراهيم: (أَتَعْجَبِينَ
مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)(1).
وقال تعالى: (قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا)(2) والقائل هو موسى لامرأته.
وكما يقول الرجل
لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته. فيقول: هم بخير(3).
ونقول:
إن
ذلك لا يصح لعدة أمور، هي التالية:
1 ـ إن لفظ الأهل يذكر ويؤنث، كما نص عليه الزمخشري
في
(1) سورة هود الآية
73.
(2) سورة القصص الآية 29.
(3) راجع: فتح القدير ج4 ص279 ونوادر الأصول ص266 والجامع
لأحكام القرآن ج14 ص183 ومختصر التحفة الاثني عشرية ص150 ونظرية الإمامة ص182 عن
التحفة الاثني عشرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
105/
تفسير آية: (هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)(1).. فكان الأولى هنا
الجري على سياق الآيات، وإيراد الضمير مؤنثاً أيضاً.
2 ـ إن اللفظ قد يكون مفرداً ومعناه مثنى وقد يكون
معناه جمعاً.. وتارة يلاحظ المعنى وأخرى يلاحظ اللفظ، وقد جمعها الشاعر في كلمة «كلا»، حيث راعى لفظها تارة، ومعناها أخرى، حين قال
في وصف جوادين يتسابقان:
كلاهما
حين جدّ الجري بينهما قـد أقلعا وكِـلا أنفيهمـا رابـي
والأمر ها هنا كذلك،
فإن لفظ «الأهل» في الآية مفرد، وإن كان
معناه الجمع، فهل الأولى مراعاة ذلك أيضاً؟ فلماذا إذاً أتى بضمير الجمع، وقال:
عنكم، ويطهركم، ولم يراع جهة الإفراد، فيرجع الضمير إليه كذلك؟!.
3 ـ إن كلمة «أهل»
في آية التطهير تابعة لكلمة «عنكم»، والتابع
لا يؤثر في المتبوع لا تذكيراً ولا تأنيثاً.
والقول: بأن كلمة عنكم أيضاً تابعة لـ«أهلٍ» آخر
منتزع من النساء.
لا يصح، إذ لو صح
لاقتضى أن تكون الضمائر السابقة في الآية أيضاً بالتذكير، مع أنها كلها قد جاءت
بالتأنيث. فما هو وجه العدول في
(1) الآية في سورة النساء/75. وكلام الزمخشري في الكشاف ج1
ص535.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
106/
ذيل الآية إلى
التذكير؟!(1).
4 ـ أما بالنسبة لآية: (رَحْمَةُ
اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، فإنما يقصد بها الذكور،
وهم أهل بيت إبراهيم، ودخول المرأة فيهم ربما يكون للتغليب والتجوز، فالقياس عليه
في غير محله. لأن التغليب مع قيام القرينة عليه مما لا ينكره أحد.
وهكذا الحال بالنسبة
لقوله تعالى: (قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا).
وكذا يقال بالنسبة لقول
الرجل لصاحبه: كيف أهلك يريد زوجته، فيقول: هم بخير. فإنه مما قامت القرينة على
تعيين المراد منه. ومع وجود القرينة، لا يوجد إشكال، ولا هو محل كلام أو جدال.
5 ـ هذا بالإضافة إلى وجود فرق في الاستعمال: بين
أهل الرجل وأهل بيت الرجل، فإن إطلاق كلمة «أهل»
على الزوجة، لا يلزم منه صحة إطلاق كلمة «أهل البيت»
عليها.
وقد تقدم في روايات
حديث الكساء، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نفى أن تكون أم سلمة من «أهل البيت»، ولكنه قرر: أنها من أهله.
6 ـ بل ربما يكون دخول زوجة إبراهيم في «أهل البيت» في قوله
(1) ذكر الأجوبة الثلاثة المتقدمة السيد محمد علي
القاضي في حاشيته على جوامع الجامع ص372
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
107/
تعالى: (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)،
من جهة أنها كانت ابنة عم إبراهيم (عليه السلام)(1). فهي داخلة في «أهل البيت»
من جهة النسب لا من حيث كونها زوجة. ولا أقل من الشك في ذلك.
وبعد أن استدل البعض
بالدلالة السياقية على إرادة زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) من الآية، ولم ير
في اختلاف الضمائر الموجودة في الآية الشريفة أيّ محذور، قال: «فذِكْر حال الآخرين
بجملة معترضة، بلا قرينة ولا رعاية نكتة، ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق
وافتتاح كلام جديد، مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى،
فينبغي أن يعتقد تنزهه عن تلك المخالفة»(2).
ونقول:
إن هذا الكلام صحيح في
حد نفسه، ولكن قد ظهر أن المناسبة موجودة. وهي أن الله تعالى قد أمر ونهى نساء
النبي، من أجل الحفاظ على بيت النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، وإبعاد العيب عنه (صلى
الله عليه وآله) وعن الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) وذلك تشريفاً له (صلى
الله عليه وآله) ولهم وتكريماً، وإعلاءً لشأنهم (عليهم الصلاة والسلام)، ولأجل أن
مصلحة الإسلام والدعوة
(1) راجع قصص الأنبياء للنجار ص100.
(2) مختصر التحفة الاثني
عشرية ص149.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
108/
تقتضي ذلك، وتفرضه.
أما القرينة الصارفة عن
هذا الظهور، فهي الروايات الصحيحة والصريحة المتقدمة، بالإضافة إلى قرائن أخرى
تأتي إن شاء الله تعالى.
هذا كله، عدا عن أنه لا
مخالفة للسياق في الآية حسبما أوضحناه، فلا نعيد.
وبعد.. فإنه إذا كان
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، مشمولاً لآية التطهير كما يقول به جمهور
العلماء والمحققين، وكما نصت عليه الروايات المتقدمة لحديث الكساء.
وفرضنا: أن الخطاب في الآية متوجه إلى النبي (صلى الله
عليه وآله) أيضاً ـ تغليباً كما سبق وادعاه البعض ـ فإن الأمر يصبح أكثر إشكالاً.
وذلك لأن الخطاب السابق
واللاحق إن كان متوجهاً إلى النبي أيضاً ولزوجاته، فإنه يلزم أن يكون (صلى الله
عليه وآله) مأموراً بالقرار بالبيت، وعدم التبرج، وهو ممن يضاعف له العذاب ضعفين،
ويؤتيه الله أجره مرتين، وهو واضح الفساد.
مع ملاحظة: أن الضمائر السابقة واللاحقة خاصة بالإناث.
وإن كان (صلى الله عليه
وآله) ليس مشمولاً للخطاب السابق واللاحق، لزم اختلاف السياق، وكون الله تعالى قد
كان يخاطب جماعة، ثم غيّر أسلوب خطابه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
109/
من ضمير الإناث إلى
الذكور؛ للتبدل الحاصل في من يخاطبهم..
أضف إلى ما
تقدم: أن إذهاب الرجس
والتطهير للنساء إنما هو بالمباشرة، لأنه إنما يحصل بامتثالهن ما صدر إليهن من
أوامر وزواجر. أما تطهير النبي (صلى الله عليه وآله) فهو بنحوٍ آخر، أي ثانياً
وبالعرض أي بواسطة عدم العيب له بسبب نسائه؛ لأن الطهر له ليس بواسطة المذكور في
الآيات من عدم التبرج والقرار في البيوت الخ، ليكون طهراً بالمباشرة بسبب ذلك.
فيكون قد استعمل
التطهير، وإذهاب الرجس في نحوين مختلفين تمام الاختلاف، من دون جامع ظاهر بينهما
ولا يصح ذلك على نحو الاستقلال، كما يقوله كثيرون..
وحتى لو كان المراد هو
تطهير النبي (صلى الله عليه وآله) بالمباشرة عن الأرجاس التي تناسبه كرجل، فإنه
يرد عليه: أن ذلك لم يذكر في الآيات؛ فاستعمال التطهير وإذهاب الرجس المذكور في
الآيات بالنسبة إلى النساء وفي أمور أخرى لم تذكر بالنسبة للنبي أيضاً مما لا
يساعد عليه الكلام، ولا يمكن فهمه ولا تفهيمه لأحد.
وقد نجد
البعض يحاول أن يورد على
القول؛ بأن سياق الآيات يوجب القول بأن زوجاته (صلى الله عليه وآله) هن المرادات
في آية التطهير.
بأن القرآن قد نزل
تدريجاً، ولم يترتب في الجمع حسب ترتيبه في النزول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
110/
وقد كان الرسول (صلى
الله عليه وآله) يعين المواضع التي ينبغي أن توضع فيها الآيات النازلة، فيقول:
ضعوا هذه الآية في سورة كذا، وضعوا تلك في سورة كذا. فقد يكون الرسول وضع آية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..). في
هذا الموضع من آيات الخطاب لنساء النبي (صلى الله عليه وآله)، من أجل صيانة القرآن
عن أن تناله يد الخيانة، بالتصرف والتحريف. إذ لو لم يفعل الرسول ذلك لوجد الآخرون
أنفسهم أمام إحراجات كبيرة فيما يختص بأمر الإمامة، وموقعها، وخصائصها، من الطهارة
والعصمة، حينما يواجهون النص القرآني الصريح في هذا المجال.
وعلى هذا فالسياق لا
يكافئ الأدلة الصحيحة والصريحة عند تعارضهما، لعدم الوثوق حينئذٍ بنزول الآية في
ذلك السياق. بل لابد من ترك فحوى السياق ـ لو سلم ظهورها فيما زعموا ـ والاستسلام
لحكم تلك الأدلة القاطعة. وذلك لا ينافي البلاغة، ولا يخل بالإعجاز(1).
أو قد يكون عثمان أو
غيره قد جعل آية التطهير في هذا الموضع، ظناً منه أن نساء النبي (صلى الله عليه
وآله) هن المعنيات بها، واجتهاداً في الترتيب.
ومن
المعلوم: أنه قد وقع اختلاف
كثير في ترتيب المصاحف،
(1) راجع: الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (مطبوع مع الفصول
المهمة) ص213 / 214 وراجع: الصراط المستقيم ج1 ص185. والميزان (تفسير) ج16 ص312.
وراجع: الأصول العامة للفقه المقارن ص158.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
111/
حتى اصطلح الناس على
مصحف عثمان، وقد رووا: أنهم حين جمعوا القرآن فقدوا آية من سورة الأحزاب، فوجدوها
عند خزيمة بن ثابت(1).
بل من الممكن أن يكونوا
قد وضعوا آية التطهير في سياق مخاطبة النساء؛ لبعض مصالحهم الدنيوية. وقد ظهر من
الأخبار عدم ارتباطها بقصتهن، فالاعتماد في هذا الباب على النظم والترتيب في غاية
البطلان(2).
وربما يجدون في قوله
تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، على انسجامها
واتصالها، لو قدر ارتفاع آية التطهير من بين جملها، ما يؤيد ذلك(3).
أضف إلى ذلك: وجود أخبار تدل على سقوط آيات كثيرة، حتى من
سورة الأحزاب التي هي مورد البحث، فلعله قد سقط من قبل الآية وبعدها آيات لو ثبتت
لم يفت الربط الظاهري بينها(4).
ونقول:
إننا وإن كنا نوافق على
أن القرآن ليس مرتباً على حسب النزول، إلا
(1) راجع: إحقاق الحق للتستري ج2 ص570 والبحار ج35
ص234 وراجع أيضاً: الميزان (تفسير) ج16 ص234 ولكن كلامه مطلق هنا.
(2) البحار ج35 ص234.
(3) الميزان (تفسير) ج16 ص312.
(4) البحار ج35 ص234.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
112/
أننا لا نستطيع قبول
سائر ما ذكروه هنا. وذلك للأسباب التالية:
1 ـ إن ما دلّ على أن النبي (صلى الله عليه وآله)
كان هو الذي يعين مواضع الآيات، لا يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) قد تصرف حتى
في أجزاء الآية الواحدة، كما هو الحال هنا؛ لأن آية التطهير جزء من آية، وليست آية
مستقلة، وهل يعقل أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد لفق بين جزء آية وجزء آية
أخرى؟! إن نظير ذلك لم يُنقَل إلينا ولا ادعاه أحد. ومجرد الاحتمال لا يكفي.
2 ـ ما ذكروه من أن من الممكن أن يكون التحريف قد
نال القرآن بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لا يصح، فإن سور القرآن
وآياته كانت معروفة بأسمائها ومحفوظة ومكتوبة لدى العشرات من الصحابة منذ عهد
النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي كان قد وظّف كُتّاباً يكتبون القرآن، ويعملون
على حفظه وضبطه بإشراف مباشر منه (صلى الله عليه وآله).
3 ـ إن تصرف النبي (صلى الله عليه وآله) في القرآن
إن كان بالشكل الذي يوجب حجب دلالة آية عن معناها المقصود فهو غير معقول، لأن ذلك
بذاته يكون تحريفاً للقرآن وتضييعاً للحق، ويجعل الناس معذورين بالمخالفة، ويكون
لهم الحجة بعد الرسل.
وإن كان لم يوجب ذلك،
فلا مجال ولا مبرر للتصرف المذكور، ولا يصح ما قصد إليه من صيانة القرآن من
التحريف، ويبقى المحذور الكبير المقتضي للتحريف قائماً بالفعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
113/
إلا أن
يقال: لا ريب في أن هذا
الجزء من الآية الذي يصرح بتطهير «أهل البيت»
(عليهم السلام) قد نزل مستقلاً في مناسبة قضية الكساء. ولكن النبي (صلى الله عليه
وآله) قد وضع هذه الفقرة في ضمن آيات خطاب النساء بأمر من الله سبحانه وتعالى، من
أجل تشريف أهل الكساء، وتفهيم الزوجات وغيرهن أنهن لسن في مستوى هذه الصفوة
المطهرة، وهذا الكلام لا محذور فيه كما هو ظاهر..
4 ـ ولو سلمنا اختصاص الآية بالزوجات فمعنى ذلك أن يكون
تصريح النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث الكساء باختصاص الآية بأهل الكساء غير
سديد فكيف ونحن نجده (صلى الله عليه وآله)، يصرّ في أكثر من مرة ـ على الظاهر ـ
على خروج نسائه عن مفاد الآية الشريفة؟!
5 ـ لقد أثبتنا في كتابنا «حقائق هامة حول القرآن الكريم» ـ بصورة قاطعة ـ :
أن القرآن سليم من أي تحريف أو تبديل فيه، وتحدثنا أيضاً عن ترتيب القرآن ونزوله.
وغير ذلك من بحوث، فليراجعه من أراد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
114/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
115/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
116/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
117/
وبعد ما تقدم، فإننا
استكمالاً للبحث، نورد هنا بعض ما أشير، أو تحسن الإشارة إليه، من لمحات قد يرى
البعض: أنها تفيد في إثراء الفكرة وفي استجماعها للعناصر التي تزيدها قوة
وتجذُّراً ورسوخاً، وتعطيها، إشراقة جمالية، لابد لها منها، مادام أن إهمالها سوف
يعطي القارئ انطباعاً، ويثير فيه شعوراً بأن البحث مبتور وناقص، الأمر الذي ربما
يفقده قسطاً من الثقة به، بجامعيته ويجعله يتردد في الغنى والاستغناء به.
أضف إلى ما
تقدم: أن هذا هو ما تفرضه
الأمانة العلمية، وتلزم به الوظيفة الشرعية، والوجدانية، حيث لابد من استكمال
البحث، من جميع جوانبه، والوقوف على كل شاردة وواردة فيه، بحيث لا يبقى ثمة عذر
لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.
فنقول:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
118/
قد يقال: إن الروايات المتقدمة، الدالة على أن النبي (صلى
الله عليه وآله) بقي أشهراً، وفي بعضها: بقي إلى أن توفي، يأتي في كل يوم، أو عند
كل صلاة إلى بيت فاطمة (عليها السلام)، ويقول: الصلاة الصلاة: (إِنَّمَا يُرِيدُ
اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..) ـ قد يقال ـ إن ذلك يدل على تأخر قضية
الكساء، ومن ثم على تأخر نزول آية التطهير، إلى أواخر حياته (صلى الله عليه وآله).
مع العلم أن آيات خطاب
النساء في سورة الأحزاب قد نزلت قبل ذلك بسنوات، وذلك حينما طلبت منه عائشة
أموالاً، فنزلت آية التخيير، والتي هي أول آيات خطاب النساء في هذه السورة.
ونقول:
إن فعل النبي (صلى الله
عليه وآله) المذكور وإن كان يقوي احتمال تأخر نزول الآية، ولكنه لا يكفي للاعتماد
عليه في مجال الاستدلال. إذ أن الظاهر هو تكرار جمعه (صلى الله عليه وآله) لهم تحت
الكساء من جهة كما أن هناك نصوصاً تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) قد بقي من حين
قضية الكساء إلى حين وفاته يأتي إلى باب فاطمة (عليهما السلام) ويقرأ الآية. فيمكن
أن يكون قد حدث حديث الكساء بل ذلك هو الظاهر بعد ولادة الحسنين (عليهما السلام)
بمدة سنة، أو سنوات. وعلى كل حال فلا شك في انسجام الآيات في سورة الأحزاب مع آية
التطهير، وانسجامها أيضاً مع فقرات نفس الآية التي وقعت فقرات التطهير جزءاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة 119/
منها رغم أن حديث
الكساء الثابت بصورة قاطعة يدل على أن فقرات التطهير قد نزلت منفصلة عن بقية فقرات
الآية، التي هي جزء منها.
وأما احتمال أن تكون
آية التطهير قد نزلت قبل ولادة الحسنين (عليهما السلام) ثم لما وُلِد الحسنان (عليهما
السلام) صار يجمعهم تحت الكساء ويقرأ الآية فقد يقال إنه بعيد، وليس هناك ما
يؤيده.. غير أن الظاهر أن حديث الكساء قد تكرر منه (صلى الله عليه وآله) في أكثر
من مرة.
ومن الممكن أن تكون هذه
الآية قد نزلت أكثر من مرة أيضاً تبعاً لذلك. بهدف التعريف بـ «أهل البيت» المقصودين فيها، حتى لا يبقى عذر
لمعتذر.
ولعله تبعاً لتكرر قضية
الكساء كان (صلى الله عليه وآله) قد كرر المجيء إلى بيت فاطمة عند كل صلاة، أو في
كل غداة، وكان يستمر في كل واحدة مدة، ثم في المرة الأخيرة استمر على ذلك حتى
توفاه الله تعالى.. كل ذلك بهدف إزاحة أية علة، وإبعاد أية شبهة. إلى درجة أنه قد اضطر
حتى من عُرف بانحرافه عن علي وأهل بيته إلى أن يعترف بصحة هذا الحديث الذي أجمع
عليه المفسرون وغيرهم.
قال بعض
العلماء: «هل المراد من إذهاب
الرجس عن «أهل البيت» هو دفع الرجس أو رفعه؟
فإن كان الأول، فالزوجات خارجات عن حكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
120/
الآية؛ فإن أكثرهن ـ إن
لم يكن كلهن ـ كن في الرجس قبل الإسلام.
وإن كان الثاني، فلا
محيص من القول بخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن حكم الآية، فإنه لم يكن
فيه الرجس أصلاً، لا قبل البعثة ولا بعدها؛ باتفاق الأمة الإسلامية قاطبة.
مع أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) داخل في حكم الآية قطعاً بالاتفاق، فلا يمكن القول بخروج رسول
الله (صلى الله عليه وآله) عن حكمها.
فثبت الأول وانتفى
الثاني، وخرجت الزوجات عن حكم الآية قطعاً»(1) انتهى.
وقد كان من
المناسب لهذا الكاتب أن يضيف إلى ذلك: أن بعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ـ كعائشة ـ كانت
بعد نزول الآية تبغض أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حد أنها كانت لا تحب أن
تذكره بخير أبداً، كما قاله ابن عباس(2)، مع وجود النهي القاطع من رسول الله (صلى الله عليه وآله)
عن بغضه (عليه السلام).
(1) تعليقات السيد محمد علي القاضي الطباطبائي على جوامع الجامع
(هامش) ص372 على ذلك الكتاب.
(2) الطبقات الكبرى ج2 ص232 ومسند أحمد ج6 ص34 و228 والجمل
للمفيد ص82 / 83 وأنساب الأشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ص544 / 545 وراجع: الإرشاد للشيخ المفيد ص107.
ومختلف الكتب التي تتحدث عن صلاة أبي بكر بالناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
121/
كما أنها قد خرجت عليه،
وهو إمام زمانها، الذي قال فيه رسول الله.
(صلى الله عليه وآله)
حربك حربي(1)، وقتل بسبب ذلك ألوف من المسلمين الأبرياء. وخالفت بذلك أمر
الله سبحانه لها بالقرار في بيتها.
هذا كله عدا عن تظاهرها
هي وحفصة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى أمرهما الله تعالى بالتوبة من
ذلك وخاطبهما تعالى بقوله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، ثم ضرب الله لهن مثلاً، بامرأة نوح وامرأة لوط.
فكل ذلك يدل على أنها
لم تكن محط نظر الآية الشريفة أعني آية التطهير، وإلا لكانت قد حفظت نفسها عن
الوقوع في تلك المزالق والمهالك، كما هو معلوم.
قال الإمام السيد عبد
الحسين شرف الدين (رحمه الله) تعالى:
«ثم غشّاهم ونفسه بذلك
الكساء، تمييزاً لهم عن سائر الأبناء، والأنفس، والنساء.
فلما انفردوا تحته عن
كافة أسرته، واحتجبوا به عن بقيّة أمته، بلّغهم الآية، وهم على تلك الحال، حرصاً
على أن لا يطمع بمشاركتهم أحد من الصحابة والآل، فقال مخاطباً لهم، وهم معه في
معزل عن كافة
(1) ينابيع المودة ص55 و130 والمناقب للخوارزمي
ص76.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
122/
الناس: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1)».
وكلامه هذا (رحمه الله)
تعالى، هو الحق الذي لا محيص عنه، ولا مفر ولا مهرب منه. ولا يصح ما قاله الدهلوي
المعروف بتعصبه المقيت، ومجانبته للحق والصواب حيث عكس الأمر، وحاول التمويه
والتشويه، حين قال:
«إنما يدل التخصيص
بالكساء على كون هؤلاء المذكورين مخصصين، إذا لم يكن لهذا التخصيص فائدة أخرى
ظاهرة. وهي هنا دفع مظنة عدم كون هؤلاء الأشخاص في «أهل
البيت»، نظراً إلى أن المخاطب فيها هن الأزواج فقط»(2).
ونقول:
إن
هذا الكلام لا يصح، وذلك لما يلي:
1 ـ قد عرفنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب أنه (صلى
الله عليه وآله) قد أخرج أم سلمة، وعائشة، وزينب عن أن يكنّ في جملة «أهل البيت».
2 ـ قد عرفنا: أن صدق عبارة «أهل البيت» على الزوجات غير
(1) الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء (مطبوع مع الفصول المهمة)
ص205 وراجع الأصول العامة للفقه المقارن ص156.
(2) مختصر التحفة الاثني عشرية ص152.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
123/
واضح، بل لقد أنكره زيد
بن أرقم.
ويستفاد ذلك أيضاً من
استفهام بعض الزوجات وسؤالهن الرسول (صلى الله عليه وآله) عن ذلك.
3 ـ لماذا حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على
إدخال خصوص أصحاب الكساء في أهل بيته، ولم يدخل العباس، ولا عقيلاً، ولا أولادهما،
ولا غيرهم من أقاربه.
4 ـ إن إرادة الزوجات من آية التطهير، وخطابهن بها،
لا يناسب سياقها، حسبما قدمناه مشروحاً فيما سبق من فصول.
إلى غير ذلك مما تقدم
وسيأتي مما يوضح بصورة قاطعة: أن كلام الدهلوي ما هو إلا مكابرة فاشلة، لا تستند
إلى أساسٍ علمي صالح. فكلام الإمام شرف الدين هو الأولى، والأعلى.
ومما يوضح هذه القضية
ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) من أنه قال:
لو سكت رسول الله (صلى
الله عليه وآله) فلم يبين مَن أهل بيته، لادّعاها آل عباس، وآل عقيل، وآل فلان،
وآل فلان، ولكن الله أنزل في كتابه تصديقاً لنبيه: (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الخ)(1).
(1) الكافي نشر مكتبة الصدوق ج1 ص287 وراجع: تفسير
فرات ص110 وتفسير العياشي ج1 ص250 والبحار ج35 ص211.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
124/
وهناك قضية ذكرها لي
علامة جليل، قال أنها جرت للعلامة الأميني (رحمه الله) تعالى. وهي باختصار:
أنه (رحمه الله) اجتمع
مع بعض علماء أهل السنة، فبادره ذلك العالم بسؤال عن آية التطهير، فيمن نزلت؟. أفي
زوجات النبي؟. أم في غيرهن؟.
أجابه
العلامة الأميني بسؤالٍ مفاده:
إنه لو كانت آية
التطهير قد نزلت في الزوجات، ولهن فيها أدنى نصيب، فهل ترى أن أم المؤمنين عائشة
تترك هذا الأمر، فلا تكتبه على جبهة جملها «عسكر»
الذي ركبته في حرب الجمل، حيث كانت تحرّض الناس على القتال ضد علي (عليه الصلاة
والسلام)؟.
فأجاب
ذلك الرجل بالإيجاب.
فرحم الله العلامة
الأميني، وسقياً ورعياً لذلك العالم المنصف، فإن عائشة كانت بأمسّ الحاجة إلى
أمثال هذه الحجج، لاسيما في مقابل أخي الرسول، ووصيّه، الذي هو مع الحق والحق معه،
يدور معه حيث دار.
واللافت: أن أكثر من واحدة من نساء النبي (صلى الله عليه
وآله) قد صرحت بنزول الآية في أصحاب الكساء، بل قد صرحن بأن رسول الله (صلى الله
عليه وآله) قد أخرجهن من الآية وعنها.
ولم تدّع واحدة منهن
دخولها بخصوصها، ولا دخول سائر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
125/
الزوجات في مفاد الآية،
ولا في حديث الكساء.
وحين أخبر شهر بن حوشب
أم سلمة عن النشاط الواسع، الذي كان يقوم به الأخطبوط الأموي، ومبغضو علي و«أهل البيت» (عليه السلام) ضده وضدهم، (صلوات الله
عليهم) نجدها قد تصدت (رحمها الله تعالى)، للدفاع عن الحق، بإيمان وإخلاص، وقررت:
دخول علي وأهل بيته في
مفاد آية التطهير، وخروج النساء عن مفادها.
مع أن البعض قد يجد فيما
ذكرته (رحمها الله) ما يوجب الانتقاص لها، والتقليل من احترامها. ولكنها (رحمها
الله) لم تكن لتعبأ بهذه الأحكام الجائرة، والناشئة عن نفوسٍ مريضة وحاقدة
وشريرة..
يقول لها
شهر بن حوشب: يا أم المؤمنين، إن
أُناساً من قِبَلنا قد قالوا في هذه الآية «أشياء».
قالت: وما هي؟.
قلت: ذكروا هذه الآية: (إِنَّمَا
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً) فقال بعضهم: في نسائه، وقال بعضهم في أهل بيته.
قالت: يا شهر بن حوشب، والله، لقد نزلت هذه الآية في
بيتي هذا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
126/
وفي مسجدي هذا. أقبل
النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم، حتى جلس معي في مسجدي هذا، على مصلاي هذا..
ثم ذكرت حديث الكساء،
ونزول آية التطهير، وأنها طلبت أن تُدْخِلَ رأسها معهم، فقال لها (صلى الله عليه وآله)
يا أم سلمة، إنك على خير(1).
وقد روى البيهقي وغيره،
قال: سئلت عائشة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالت:
وما عسيت أن أقول فيه،
وهو أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لقد رأيت رسول الله (صلى الله
عليه وآله) قد جمع شملته على علي وفاطمة والحسن والحسين (عليها السلام)، وقال:
هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
قيل لها: فكيف سرت إليه؟!.
قالت: أنا نادمة. وكان ذلك قدراً مقدوراً(2).
نحن
لا نريد أن نعلق على هذا الحديث بشيء إلا أننا نقول:
(1) شواهد التنزيل ج2 ص72 / 73.
(2) المحاسن والمساوي للبيهقي ج1 ص471 وراجع: شواهد التنزيل ج2
ص38 / 39 وتفسير نور الثقلين ج4 ص276 ومجمع البيان ج8 ص357 وراجع: البحار ج35 ص222
عن الطرائف ص30.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
127/
إن ما يثير الانتباه
هنا أن أم المؤمنين تنحو باللائمة هنا على القدر الإلهي، وبذلك تكون قد برأت نفسها،
أو فقل قد خففت من ذنبها إلى درجة كبيرة!!.
وما نريد أن
ننبه إليه هنا هو: أن
مسألة الجبر الإلهي قد استدل بها كثيرون لأمورٍ عجزوا عن إيجاد التبرير المعقول،
والمقبول لها، فأحالوا الأمر على الله سبحانه، ووجهوا التهمة إليه مباشرة، حيث
أمنوا من التكذيب، ومن أن يتصدى أحد للدفاع عنه تعالى.
وقد صدرت هذه الإحالات
على الله سبحانه وتعالى، ودعاوى أن ما صدر منهم لم يكن لهم حيلة فيه، بل الله
أجبرهم عليه، عن عدد من كبار الصحابة والحكام والسياسيين.
ونوضح
ذلك هنا بقدر ما يسمح لنا به المقام، فنقول:
إن عقيدة الجبر، هي من
بقايا عقيدة أهل الكتاب، وقد صرحت بها كتبهم المحرفة بصورة واضحة، فراجع: التوراة،
والتلمود، والإنجيل أيضاً(1).
(1) ذكر موارد ذلك يوجب تطويلاً على القارئ، وخروجاً عن الموضوع،
ولذلك فنحن نكل تتبع ذلك في مصادره إلى القارئ إن وجد حاجة ماسة له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
128/
وقد حكى الله ذلك عن
اليهود، فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(1).
ثم كانت أيضاً من عقائد
المشركين الذين حكى الله عنهم قولهم:
(سَيَقُولُ الَّذِينَ
أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا
مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(2).
ثم إن هذه العقيدة قد
بقيت مهيمنة على عقلية الكثيرين من الناس الذين أسلموا، رغم شدة محاربة الإسلام
لها. ومحاولاته الجادة لاقتلاعها من عقل وفكر الإنسان العربي، المبهور بأهل
الكتاب، والمتأثر برواسب الشرك.
ولكن ذلك لم يكن أمراً
سهلاً ولا ميسوراً. فاستمرت هذه العقيدة تظهر في مواقف وتصريحات الكثيرين منهم.
حتى على مستوى أولئك
الذين كان لهم نصيب في السلطة والحكم، بل في أعلى مستويات القيادة بعد رسول الله (صلى
الله عليه وآله).
وقد ظهرت هذه العقيدة
في الكثير من مواقف وكلمات الخلفاء بعد الرسول، باستثناء علي، (عليه السلام) ثم في
كلمات معاوية، وعائشة، وخالد بن الوليد، وعمر بن سعد، والمنصور، وغير هؤلاء كثيرون،
كما يظهر من
(1) سورة المائدة الآية64.
(2) سورة الأنعام الآية148.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
129/
مراجعة النصوص
التاريخية وغيرها.
وقد كانت هذه العقيدة هي
المفتاح السحري، الذي تحلّ به الرموز، وتفتح به الكنوز، وتدفع به جميع الاعتراضات،
وتسد به جميع المنافذ.
فهي التي برر بها عثمان
تمسكه بالحكم إلى أن قتل.
وبررت بها عائشة خروجها
لحرب أمير المؤمنين علي (عليه السلام). كما تقدم قريباً.
واحتج بها معاوية لعهده
لولده يزيد الخمور والفجور بالخلافة بعده.
واستدل بها عمر بن سعد
لقتل الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة (عليه الصلاة والسلام)، وارتكاب مجزرة
كربلاء.
وهي الحجة التي استدل
بها خالد بن الوليد لقتل مالك بن نويرة وأصحابه المسلمين.
وهي التي برر بها
معاوية والمنصور العباسي منع الناس من الحصول على حقوقهم من بيت مال المسلمين.
ولم يقتصر الأمر على
ذلك بل وضعت الأحاديث على لسان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لتأييد هذه
العقيدة وتأكيدها، وترويجها ونشرها ويمكن الوقوف على شطر مما ذكرناه بالمراجعة إلى
المصادر الواردة في الهامش(1).
(1) إن ما تقدم من أمثلة وشواهد، ومن أحاديث أيضاً موجود في المصادر=
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
130/
= المختلفة
بصورة متفرقة، فمن أراد أن يقف على متفرقاته ويجمع بين شتاته، فليلتقط بعضه من المصادر التالية:
تأويل مختلف الحديث ص5 و6 و29 و45 و48 و82 و83 و128 و235 و236
والهدى إلى دين المصطفى ج2 ص162 و271 والمصنف للصنعاني ج10 ص119 / 122 و18 وج6
ص356 وحياة الصحابة ج2 ص12 و95 و94 و230 وج3 ص487 و492 و501 و529.
وراجع: الغدير ج7 ص147 و154
و158 وج8 ص132 وج9 ص34 و95 و192 وج10 ص333 و245 و249 وج5 ص365 وج6 ص128 و117 ونور
القبس ص31 و266 و65 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج4 ص69 ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش
تفسير الخازن) ج1 ص401 وقاموس الرجال ج6 ص36 والفتوح لابن أعثم ج4 ص239 وربيع الأبرار ج2
ص64 / 65 وج1 ص821 والمعجم الصغير ج1 ص158 و74 و130 و255 وج2 ص67 و55
والطبقات الكبرى ط صادر ج5 ص148 و543 وج7 ص163 و417 وج3 ص72 و66 وكلمة الأديان
الحية ص77 و80 والإلمام ج6 ص119 ولسان الميزان ج1 ص448 والكفاية في علم الرواية
ص166 وجامع بيان العلم ج1 ص20 وج2 ص148 و149 و150 وضحى الإسلام ج3 ص81 وشرح نهج
البلاغة للمعتزلي ج1 ص340 وج12 ص78 / 79 والإمامة والسياسة ص183 والأخبار الدخيلة
(المستدرك) ج1 ص193و197 ومقارنة الأديان (اليهودية) ص271 و249 وأنيس الأعلام ج1
ص279 و257 والتوحيد وإثبات صفات الرب ص80 ـ 82 والمقدمة لابن خلدون ص143 و144
والأغاني ج3 ص76 والعقد الفريد ج1 ص206 وج2 ص112 وتاريخ الأمم والملوك ط =
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
131/
ولكن الشيء الذي لاشك
فيه هو أن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) قد قاوم هذا النوع من الاعتقادات
الفاسدة، والوافدة، وتصدى له، وقد زخرت كلماته وخطبه بما يدل على خطل هذه العقيدة
وفسادها. وشهرة
= الاستقامة
ج2 ص445 وبحوث مع أهل السنة والسلفية ص43/49 عن العديد من المصادر وتذكرة الخواص
ص104 / 105 وتاريخ بغداد ج1 ص160 وبهج الصباغة ج7 ص120 والدر المنثور ج6 والمغازي
للواقدي ج3 ص904 والموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج3 ص92 و93 ومصابيح السنة
للبغوي ج2 ص67 ومناقب الشافعي ج1 ص17 وصحيح البخاري ج8 ص208 والمعتزلة ص7 و39 / 40 و87 و91 و201 و265، عن: المنية والأمل ص126 والخطط للمقريزي ج4 ص181
والملل والنحل ج1 ص97 / 98 والعقائد النسفية ص85 ووفيات الأعيان ص494.
وفي الإمام الصادق
والمذاهب الأربعة ج3 ص45 عن الطبري ج6 ص33 وج3 ص207 وعن الترمذي ص508.
وفي حياة الصحابة نقله
عن المصادر التالية: كنز العمال ج3 ص138 / 139 وج8 ص208 وج1 ص86 وصحيح مسلم ج2 ص86
وأبي داود ج2 ص16 والترمذي ج1 ص201 وسنن ابن ماجة ج1 ص209 والسنن الكبرى ج9 ص50
وج6 ص349 ومسند أحمد ج5 ص245 ومجمع الزوائد ج6 ص3 وج1 ص135 وتاريخ الطبري (مقتل
برير) ج4 ص124 وج3 ص281 والبداية والنهاية ج7 ص79.
ونقل أيضاً عن: جامع
البيان ج6 ص60 وعن تفسير القرآن العظيم ج1 ص594 وعن أنساب الأشراف ج5 ص24.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
132/
ذلك عنه وكونه هو حامل
رايته يغني عن ذكر الشواهد الكثيرة له..
ولعل هذا هو بعض السر
في إصرار الحكام الأمويين على إشاعة هذه العقائد الفاسدة وترسيخها في أذهان وعقول
الناس، فإنهم كانوا يظهرون حرصاً شديداً على مضادة عليٍ وإبطال آثاره ومخالفته في كل
ما جاء عنه حتى ولو كان هو نص القرآن، وصريح العقل والوجدان، وذلك هو ديدنهم، وتلك
هي طريقتهم، كما يظهر بأدنى مراجعة لحياتهم، وسيرتهم، وسياساتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
133/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
134/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
135/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
136/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/صفحة
137/