خلفيات
كتاب مأساة الزهراء
(عليها السلام)

الجزء الخامس


الطبعة الخامسة 1422هـ. الموافق 2002م. مزيدة ومنقحة حسب المواضيع من قبل المؤلف


المقصد السابع
أهل الكتاب وكتبهم وأعداء الله

الفصل الأول
أهل الكتاب والتوحيد

بداية:

إننا نذكر هنا نبذة من مقولات البعض التي ذكرها في كتبه ونشراته ومؤلفاته لكي نكون قد قمنا بواجبنا، وليعرف الجميع: أننا حين كتبنا كتابنا: (مأساة الزهراء) لم يكن الدافع لنا هو مجرد الانفعال والتعصب لقضية تاريخية، هامشية (!) أخطأ فيها من أخطأ، وأصاب فيها من أصاب.. كما يقوله البعض ويروّج له آخرون. فإن نقاشنا مع صاحب هذه المقولات لا ينحصر في هذه القضية، بل يتعداها إلى ما هو أعظم وأكبر، وأدهى وأخطر..

ونذكر هنا نماذج من مقولاته مما يرتبط بموضوع: التوحيد وأهل الكتاب.

وسوف يجد القارئ الكريم أمامه مصادر ذلك كله مع ذكر رقم الجزء والصفحة، ليتمكن من الرجوع بنفسه إليها، من أجل الوقوف عليها... وإذا أراد المزيد فسيجد في كتب ذلك البعض ما يريد. والموارد التي اخترناها هي التالية:

 

1103 ـ الإسلام يلتزم مقدسات أهل الكتاب.

وفي محاولة لتقديم إغراءات، هي في الحقيقة عبارة عن تنازلات، نجد البعض يقول:

"إن المسلمين عندما يطلقون المسألة الإسلامية للجمهورية الإسلامية في أي مكان فانهم ينطلقون من الخط القرآني الذي يعترف بأهل الكتاب، ويدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ويلتزم مقدسات أهل الكتاب ولا يلغيهم".

وقفة قصيرة:

ونقول:

هل يلتزم الإسلام بثالوث أهل الكتاب أم يقبل بإنجيلهم، وتوراتهم؟ أم بكنائسهم وبيعهم؟ أم بغير ذلك مما يظنون قداسته كما هو ظاهر كلامه؟

أما قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله}. فلا يعني أنه يقول عنهم: إنهم موحّدون. كما يزعم هذا البعض بل هو يدعوهم إلى قبول هذا التوحيد فلا يعبدوا غير الله، ولا يشركوا به عيسى ولا غيره.. وقد صرّح القرآن بمقولتهم هذه كما سيأتي..

 

1104 ـ الثالوث المسيحي لا إشكال فيه.

وينقل المطران إلياس عودة في مقدمة كتاب: تحدي الممنوع عن ذلك البعض قوله:

".. وهو لا يتردد في الإشارة إلى الفرق بين المعنى الظاهري لعقيدة الثالوث المسيحية، وهو الذي يثير التساؤلات والمعنى اللاهوتي والعميق لها"[1].

وقفة قصيرة:

إن كتاب (تحدي الممنوع) يتبناه ذلك البعض ويلتزم به، وقد وضع كلام المطران عودة في مقدمته، وقد أسند المطران هذا الكلام إلى ذلك البعض ولم يعترض عليه.

إذن فالمعنى اللاهوتي العميق للثالوث لا يثير التساؤلات... وليس فيه إشكال!! مع أن الله سبحانه قد قال: {لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة}!!!

 

1105 ـ (أهل الكتاب) ليسوا كفارا بالمصطلح القرآني.

1106 ـ التوحيد الإيماني لأهل الكتاب.

ثم إن ذلك البعض يقول عن كتاب تحدي الممنوع ـ الذي يعتبر نفسه مسئولا عنه:

"إذا كان هناك شخص يترجم الكتاب إلى الإنكليزية، فنحن مستعدون لإجازته في ذلك"[2].

ثم نجد المطران إلياس عودة يقول في مقدمة الكتاب عن النص القرآني فيما يتصل بأهل الكتاب إنه:

"محكم من حيث تمييزه بينهم وبين الكفار، ومن حيث عدم نفيه للتوحيد الإيماني عندهم، إن القرآن لا ينفي التوحيد الإيماني عن المسيحيين، ويعتبر أهل الكتاب عنصرا آخر غير المشركين"[3]

ويقول البعض:

"المسلمون يعتبرون أن المسيحيين يكفرون، باعتبار أنهم يكفرون برسول الله (ص)، ويكفرون بالقرآن، ليس المراد الكفر بالله.

فالقرآن أكد أن المسيحيين يلتقون مع المسلمين في توحيد الله {وقولوا آمنا بالذي انزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.

فالمسلم لا يعتبر المسيحي كافرا في مسألة الإيمان بالله، وإن كان يناقشه في تفاصيل هذا الإيمان"[4].

ويقول:

"ليس معنى أن القرآن يقول عن أهل الكتاب إنهم كافرون: أنه الكفر الذي يخرجهم عن الإيمان بالله، وعن توحيده، ولكن معناه الكفر بالرسول"[5].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ قد تحدث القرآن عن كفر النصارى في قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم}[6].

ويقول سبحانه: {يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ورسوله وما أنزل إلينا..}[7].

وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا اله واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب اليم، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام، أنظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّا ولا نفعا والله هو السميع العليم قـل يا أهـل الكتـاب لا تغلوا في دينكـم غير الحق..}[8].

وقال عز وجل: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله}[9].

وقال سبحانه: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنّى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}[10].

فظهر من الآيات السابقة أن القرآن يعتبر النصارى كفارا بل ومشركين أيضا. لا من حيث كفرهم بالرسول وحسب، وإنما لما يعتقدونه في الألوهية أيضا..

2 ـ أما قوله تعالى: {قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد} فإما هو ناظر لأولئك الذين بقوا على شريعة عيسى عليه السلام، لأن ما يؤمن به المسلمون ليس هو ما عليه المسيحيون بالفعل، وإنما هو ما أنزله الله حقيقة على عيسى(ع).

وإما أن يراد به تقرير الحقيقة التي أكّدها الإسلام، من وجهة نظر الإسلام الذي لا يحكي إلاّ الواقع، وإلاّ الحقيقة.

3 ـ أما ما نقله عنه المطران إلياس عودة من أن القرآن لا يعتبر أهل الشرك كفارا، فهو لا يصح أيضا، وذلك لما ذكرناه من الآيات الصريحة في كفرهم. هذا بالإضافة إلى قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}.

فقد حكم الله سبحانه على أهل الكتاب كلهم بالكفر، لأن كلمة (من) هنا بيانية لا تبعيضية، إذ لو كانت تبعيضية لكان عليه أن يقول: (والمشركون) ـ بالرفع ـ إذ إن جرّها يقتضي أن يكون بكلمة (من) المقدرة، فهل يلتزم بأن يكون بعض المشركين مؤمنين؟!.

 

1107 ـ التثليث شرك فلسفي وليس شركا ً إيمانيا.

1108 ـ الشرك الفلسفي والشرك المباشر.

1109 ـ تجسد الله كتجسد الكلمة في كتاب.

1110 ـ كفر أهل الكتاب ككفر بعض المسلمين بالمعنى العميق.

ثم هو يعتبر تثليث الأقانيم مسألة فلسفية تتحرك في دائرة فهم سر الله، وهذه محاولة للتقليل من بشاعة هذا الأمر وغرابته إسلاميا، فيقول:

"إن مسألة تثليث الأقانيم هي مسألة فلسفية تتحرك في دائرة فهم سر الله، وفهم شخصية الخالق. ربما كانت هناك أفكار تتحدث عن ابن بالتجسد، وأب بالتجسد، ولكن الفكرة الموجودة في أغلب التفكير المسيحي هي أن المسألة ليست مسألة تجسد كما هو التجسد الإنساني عندما يكون هناك ابن منفصل عن أب، ولكنه تماما كما هي الكلمة عندما تتجسد في كتاب، قد تتجسد في شخص"[11].

فالثالوث بذلك قد أصبح أقل غرابة وخطأ مما قد يتصوره الناس، بل لم يعد فيه أي إشكال، فلم يعد ثمة حرج من الجهر بالقول:

إن القرآن حين تحدث عن كفر النصارى، فإنما تحدث عنه باعتباره:

"كفرا فلسفيا في التفاصيل بلحاظ الصفات تماما كما هو الرأي الكلامي، أو الفقهي الذي يرى المجسمة في الدائرة الإسلامية كافرين بالمعنى العميق. وهذا هو ما تحرك فيه الجدل الكلامي بين القائلين بخلق القرآن، والقائلين بقدمه"[12].

وفي مورد آخر يقول:

"إن الإسلام اعتبر الكلمة السواء التي تجمعهم بالمسلمين تمثل عبادة الله الواحد، ورفض اعتبار الإنسان ربا للإنسان.

ويختلف معهم في اعتبار المسيح تجسيدا له؛ فإن الله لا يمكن أن يتجسد، مما يجعل هذه العقيدة شركا فلسفيا، لا شركا مباشرا"[13].

وقفة قصيرة:

ونقول:

قد راقت هذه الأفكار لبعض المسيحيين أنفسهم إلى درجة أن قال أحد رجالاتهم الكبار عن دفاعات هذا البعض عن تثليث المسيحيين:

"هو نوع من التقريب بين المعتقدات لا تفوته العبقرية"[14].

مع أن القرآن قد قال:

{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}.

وقال:

{وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}(المائدة 116).

ولا ندري كيف استفاد من القرآن كفر النصارى فلسفيّا وتوحيدهم إيمانيا، ومن جهة ثانية فقد تقـدم أن دعوة الله تعالى أهـل الكتاب إلى كلمة سواء ليس معناها الاعتراف بأنهم موحدون، بل هي دعوة منه لهـم إلى التوحيد، ونبذ عبادة غير الله سبحانه، فهـي على كفرهم أدلّ.

 

1111 ـ النصارى واليهود موحدون كالمسلمين.

1112 ـ لا شرك عند اليهود والنصارى، لا في العبادة ولا في العقيدة.

1113 ـ يمكن اكتشاف قناعات مشتركة ومشاعر قريبة مع اليهود.

ويقول البعض في تفسيره قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله}:

".. إنها تطرح مع فكرة اللقاء على قاعدة مشتركة.. ليمكن لنا من خلال ذلك أن نكتشف وجود لغة مشتركة، وقناعات مشتركة.. ومشاعر قريبة إلى بعضها مما يوحي بوجود أساس واقعي للتفاهم.. لأن القضايا المسلمة لدى كل فريق يمكن أن تتدخل لتحسم الخلاف في القضايا المتنازع فيها.. فهي تدعوهم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فنحن نؤمن بالوحدانية كما تؤمنون، وبذلك فإننا نلتقي معاً في نطاق عبادة الله الواحد فلا نشرك في العقيدة ولا نشرك في العبادة.. وعلى ضوء ذلك فإننا نلتقي في فكرة أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، لأن ذلك يعني الشرك بالله في خلقه.. فلا مجال لأن نحل ما حرمه الله علينا، إذا أمرنا هؤلاء بذلك ولأن نحرم ما أحل الله لنا، إذا أمرنا هؤلاء بذلك.. فإن ذلك يعني الخضوع والعبادة اللذين يؤديان إلى الشرك في نهاية المطاف.. وهذا هو ما استوحاه أحد أئمة أهل البيت (ع) في هذه الفقرة فيما يروى عنه، في الجواب عن سؤال قدم إليه، وخلاصته، أن اليهود لا يتخذون بعضهم أرباباً من دون الله فكيف يطرح عليهم هذه الصيغة التي تشعر بوجود شيء لديهم من هذا القبيل فيريد الله أن يخلصهم منه ويفرض عليهم منهجه الحق؟.. وكان الجواب يتلخص في التأكيد على هذا الجانب، فإنهم أحلو لهم حراما وحرموا حلالاً فاتبعوهم في ذلك فكانت تلك ربوبية عملية، وهذا ما نواجهه، في ساحة العمل المنحرف، في التزامنا بما تصدره بعض المؤسسات أو الحكومات من قوانين تتنافى مع قوانين الإسلام ومفاهيمه، فإن ذلك يمثل إشراكاً في جانب العمل وإن لم يكن إشراكاً في خط العقيدة[15].

وقفة قصيرة:      

إن ما يستوقفنا هنا بالإضافة إلى إطلاقه مقولة: "إن الأئمة يستوحون من الآيات القرآنية"، التي ناقشناها في المقصد الأول: (المنهج الفكري والاستنباطي) و قلنا إنها تنافي حقيقة: أن ما عندهم هو علم من ذي علم نعم، إن الذي يستوقفنا هنا هو ما يلي:

1 ـ حكمه على النصارى بأنهم يؤمنون بالوحدانية كالمسلمين، ويلتقون معهم في عبادة الله الواحد، فلا يشركون في العقيدة ولا في العبادة، مع أن الله قد تحدث عنهم بخلاف ذلك كما أوضحنا فيما تقدم من هذا الفصل، وقد قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا اله واحد}[16].

وقال تعالى مخاطباً النصارى: {قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضراً ولا نفعاً وهو السميع العليم}[17].

وقال عز وجل: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}[18].

وثمة آيات أخرى تفيد هذا المعنى يمكن مراجعتها لمن أراد التوسع والاستقصاء.

ويشير إلى ذلك أيضا أنه لما نزل قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} قال ابن الزبعرى: فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد عيسى؛ فأُخبر النبي (ص)، فقال: يا ويل أمه، أما علم أن (ما) لما لا يعقل، و (من) لمن يعقل؟ الخ..[19] حيث أقرّه(ص) على أنهم يعبدون عيسى (ع) وأنكر عليه استفادة عموم قوله {ما تعبدون} للإنسان، مع أنها في لغة العرب مختصة بغيره.

2 ـ قوله: يمكن اكتشاف لغة، أو قناعات مشتركة، أو مشاعر قريبة إلى بعضها بيننا وبين اليهود.. هو أمر لا يمكن قبوله؛ بعد أن قال الله عز وجل: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود}.

كما أننا لا ندري كيف يمكن أن نكتشف قناعات مشتركة بين التوحيد والتثليث المسيحي؟.

 

1114 ـ بعض اليهود يعتقدون بأن لله ولداً.

1115 ـ بعض النصارى يعتقدون بأن لله ولداً.

يقول البعض:

".. وهكذا نجد أن فكرة الولد لله، فيما تمثلت به من عقيدة بعض النصارى وبعض اليهود، وبعض العرب، كانت ناشئة من القدرات الخارقة التي يدعونها لهؤلاء، فيما يرون أنه لا يمكن أن يكون إلا عن نسبة إلهية عضوية، نظرا إلى أن أصحاب هذه العقيدة لا يتعقلون إمكانية إعطاء الله لهؤلاء بعضا من القدرة التي قد يصنعون بها ما يقومون به من المعجزات، أو ما يعيشونه من أوضاع مميزة.. و في ضوء ذلك نعرف أن التخلف بفهم بعض الأمور هو المسؤول عن انحراف العقيدة، وأن الاستغراق في تضخيم الأشخاص، فيما يوحيه من تصورات، وفيما يثيره من انفعالات هو الأساس في عبادة الشخصية، ولو بطريقة غير مباشرة، مما يفرض على العاملين الحذر في إثارة الحديث عن صفات العظماء، في تقييم شخصيتهم، ذلك لاعتماد النظرة الموضوعية الهادئة بعيدا عن النظرة الانفعالية الحادة"[20].

وقفة قصيرة:

قال تعالى: {وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنىّ يؤفكون}..[21].

لكن ذلك البعض لا يرضى بنسبة ذلك إلى اليهود، و لا إلى النصارى، بصورة مطلقة، كما أطلق القرآن ذلك. بل هو ينسبه إلى بعض من هؤلاء، وبعض من أولئك.!!

ورغم أنه في هذا الموضع قد ذكر ذلك بصورة خالية عن الترديد والاحتمال، فإنه في موضع آخر وهو يفسر الآية المذكورة أعلاه، والتي هي من سورة التوبة،لا يغفل عن التصريح بما لا يتوافق مع إطلاق الآية، فهو يقول:

".. وقد لا يكون هذا القول لليهود وللنصارى ظاهرة شاملة في الجميع، بل ربما كان حالة محدودة في بعض الأشخاص والمراحل. وإنما ينسبها الله إليهم من خلال إرادته لتقديم النموذج الحي للانحراف، في التصور والعقيدة"[22].

ولا ندري كيف نفهم ما يرمي إليه في تعليله للآية التي تنسب ذلك إلى عامة النصارى؟ فهل إن إرادة تقديم النموذج الحي تستدعي أن ينسب أمرا إلى أناس لا يعتقدون به، أو لا يعتقد به الكثيرون منهم على حدّ قوله؟!

إننا لا نريد أن نسمح لأنفسنا بالاسترسال في الإحتمالات إلى حد يجعلنا نعتبر أن قوله هذا يمثل جرأة على العزة الإلهية في اتهامه تعالى ـ والعياذ بالله ـ بالقصور في التعبير عن مقصوده؟!.

ولا نريد أن نتهمه بأنه ينسب إلى الله تعالى: أنه تعمد تشويه صورة اليهود والنصارى بنسبة أمر إليهم أكثرهم بريء منه! لأنه كان مجرد حالة محدودة في الأشخاص والمراحل؟

كما لا نريد أن نتوهم: أن كلام هذا البعض يدخل في نطاق مغازلة النصارى وغيرهم فإن ذلك لا يبيح له ولا لغيره تبرئتهم مما ينسبه القرآن إليهم؟!

 

1116 ـ الجزية ضـريبة مقابل الحماية والإعفاء من الجندية.

1117 ـ الجزية ضـريبة تعني فرض سلطة الإسلام على غير المسلمين.

1118 ـ المسيحية والإسلام مجرد تنوع في بعض التصورات التفصيلية للدين.

1119 ـ فرضت الجزية لمعالجة الحالة القائمة في المجتمع الأول للدعوة.

يقول البعض في معرض حديثه عن الجزية التي يفرضها الإسلام، على أهل الكتاب من غير المسلمين:

".. الأمر الذي يجعل الإنسان يشعر بالأجواء المشتركة في القيم الروحية والفكرية والتشريعية.. في حركة المجتمع العملية، وبذلك تلتقي الساحة المشتركة بالكثير من الإيجابيات التي لا تهزمها، السلبيات الأخرى.. ولهذا أقر الإسلام التعايش الإسلامي المسيحي في مجتمع واحد.. ولكنه أراد لحكمه أن يكون في المواقع المتقدمة التي تحكم الساحة كلها، من أجل المحافظة على قوة القاعدة وسلامة خط السير، واستمرار حركة العقيدة في أجواء الدعوة والعمل، من دون حواجز ثابتة أو مواقف معقدة.. يسمح للمجتمع أن يتنوع في تصوراته التفصيلية للدين مع عدم الموافقة على بعض هذه التصورات، ولكنه لم يسمح له أن يكون خارج سلطته أو حكمه، لأن المجتمع الذي تتعدد فيه السلطات سوف يكون محكوما للتمزق والضعف والفساد وهذا مما لم يمكن للإسلام أن يسمح به، لأنه يؤدي إلى الخراب والدمار، فلا بد من وحدة السلطة،.. ولا بد من التقاء جميع أفراد الشعب على أساس الخضوع لتلك السلطة فكيف يكون الخضوع..

أما في المسلمين فبالالتزام بمفاهيم الإسلام في عقيدته وشريعته وأسلوبه في العمل والحياة.. في باب النظرية والتطبيق.. لأن ذلك هو معنى الانتماء للإسلام على مستوى الحكم والعقيدة والحياة تماما كأية أمة تلتزم بعقيدة معينة ونظام معين إذا عاشت في داخل الإطار الذي تحكمه تلك العقيدة وذلك النظام.. واما في غير المسلمين الذين لا يريد الإسلام أن يفرض عليهم أحكامه في كثير من القضايا العبادية والقتالية والحياتية المتعلقة ببعض الأوضاع والعادات.. فلا بد له من فرض سلطته بطريقة أخرى، وهي فرض ضريبة تابعة في تقدير كميتها ونوعيتها لتقدير ولي الأمر الذي يدرس المسألة من موقع مصلحة الإسلام العليا، ودراسته للواقع الذي يعيشه هؤلاء من ناحية واقعهم المالي ونحوه.. وليس لهذه الضريبة التي تسمّى بالجزية كما نلاحظ التعبير بذلك في الآية.. أي مدلول تعسفي فيما يتعلق بإنسانية هؤلاء بل هي على العكس من ذلك ـ ذات مدلول واقعي يتحرك من موقع النظرة إلى الأعباء التي يتحملها الحكم الإسلامي، فيما يحمله من مسئولية حماية هؤلاء ورعايتهم وتوفير الضمانات الحقيقية لوجودهم، مع عدم تحمليهم أية مسئولية في الدخول في الحروب، التي يخوضها المسلمون ضد الآخرين ممن يدينون بدينهم، أو ممن يختلفون عنهم في ذلك.. وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على المسلمين.. ولولي الأمر أن يعفو عنها في بعض الظروف وله أن يخفف منها في بعض آخر"[23].

إلى أن قال:

".. وربما كان من الملاحظ أن الجزية لم تذكر في القرآن إلا في هذه الآية.. مما قد يوحي بأن القرآن كان يركز الموضوع من ناحية المبدأ.. من خلال معالجة الحالة القائمة في المجتمع الأول للدعوة.. لتكون نقطة الانطلاق للتشريع الذي تتكفله السنة النبوية، فيما يلهم الله به نبيه من تفاصيل الشريعة.. وهذا باب يمكن لنا أن نفتحه في دراستنا القرآنية.. لنقف ـ من خلاله ـ حيث يقف النص القرآني في مدلوله فلا نحمله اكثر مما يتحمل اعتمادا على أن التشريع يتسع لأكثر ما يتسع له النص مما يؤدي إلى التأويل أو توسيع المعنى بعيدا عن ظاهر اللفظ.. بل نترك الأمر في تكامل التشريع إلى السنّة التي جاءت لتعطينا توضيح ما أجمله القرآن وتوسيع ما شرعه من حيث المبدأ.. إنها ملاحظة للتفكير وللمناقشة فيما نرجو أن نصل به إلى النتائج الصحيحة في الفهم القرآني الصحيح والله العالم.

ومن خلال ذلك نستطيع أن نستوحي الفكرة الإسلامية التي تضع مسألة الدعوة إلى القتال في نطاقها الطبيعي المعقول فلا تكون عملية سيطرة غاشمة للقوة ضد حرية الإنسان وإرادته.. بل تكون عملية إخضاع قانوني للسلطة الحاكمة في عملية تنظيمية دقيقة وهذا ما يمكننا أن نفهمه بقليل من التفصيل"[24].

وقفة قصيرة:

إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:

1 ـ إن هذا البعض يقول:

".. إن الجزية المفروضة على أهل الكتاب هي مجرد دفع ضريبة في مقابل حمايتهم وإعفائهم من محاربة إخوانهم في الدين أو غيرهم، وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على المسلمين".

وذلك من منطلق أنه قد أقر "التعايش الإسلامي المسيحي في مجتمع واحد".

معتبرا أن الإسلام يسمح للمجتمع أن يتنوع في تصوراته التفصيلية للدين، مع عدم الموافقة على بعض هذه التصورات.

مع أن الله سبحانه قد صرح بان الجزية ليست مجرد ضريبة، وإنما هي أكثر من ذلك حيث اعتبر أنه لابد من قتال هؤلاء الناس {حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون}، وهذا معناه أن هذه الجزية تستبطن الصغار والذل لأولئك الذين يستكبرون عن الحق، و يمتنعون عن الاستجابة له. قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون}[25].

2 ـ لماذا التخفيف إلى هذا الحد من حدة الفوارق بين الإسلام والمسيحية، فهل الإختلاف بينهما ـ حقا ـ هو مجرد تنوع في بعض التصورات التفصيلية، حيث إن الإسلام يوافق على بعض تلك التصورات ولا يوافق على بعضها الآخر؟ أم أن الخلاف بينهما اعمق واكبر، واشد واخطر؟!.

3 ـ لقد حاول البعض أن يستفيد من عدم ذكر القرآن للجزية إلا في سورة التوبة: أن القرآن يريد معالجة حالة كانت قائمة آنذاك، أي في المجتمع الأول للدعوة، محدودة بحدود الزمان والمكان. وعلى هذا الأساس لا بد أن يقف عند حدود النص القرآني، فلا يحمله اكثر مما يتحمل. بل يكون النص مجرد نقطة انطلاق للتشريع الذي تتكفله السنة النبوية، استنادا إلى أن التشريع يتسع لأكثر مما يتسع له النص.

فلا بد أن يترك الأمر في تكامل التشريع إلى السنة، وإلا لوقعنا في التأويل أو توسيع المعنى، بعيدا عن ظاهر اللفظ.

ونقول:

أ ـ إن هذا لو صح لوجب أن يجري بالنسبة لآية الخمس، وبالنسبة لآية صلاة الجمعة مع أنه يقول: إنها آبية عن التخصيص بزمان دون زمان، إلى غير ذلك من آيات كثيرة.

فلماذا لا يحمل كل تلك الآيات على أنها قد وردت لمعالجة حالة كانت قائمة في عصر الدعوة الأول؟.

ب ـ إن ما ذكره هذا البعض هنا فراراً عن الإلتزام بالجزية، التي لابد أن يعطوها {عن يد و هم صاغرون}.. يتناقض مع قوله الآخر:

"إن العناوين القرآنية هي العناوين الأصلية التي تحكم وتفسر كل مفردات العناوين الموجودة في السنة، فهي التي توسعها وتضيقها لأنها هي الأساس في حركة الأحكام في الموضوعات.

كما أن المفهوم القرآني هو المفهوم الحاكم على كل جزئيات المفاهيم الموجودة في الأحاديث، لأنه هو المقياس لصحة الأحاديث وفسادها"[26].


الفصل الثاني
الإنجيل والتوراة


1120 ـ الإنجيل أكثره (على الأقل) كلام الله.

1121 ـ بعض المسلمين قد يقول بتحريف الإنجيل.

البعض يعتبر أن هذا الإنجيل المتداول. أكثره ـ على الأقل ـ كلام الله، فقد وجه إليه سؤال:

هل تعتبر الإنجيل الذي بين أيدينا كلام الله؟.

فأجاب:

"هو على الأقل في أكثره كلام الله. لكن هناك جدل بين المسلمين والمسيحيين في بعض الأمور التي قد يختلف فيها المسلمون والمسيحيون.

ربما يقول بعض المسلمين: إن هناك تحريفا، وربما يرّد عليهم المسيحيون ذلك، لكن لا إشكال أن الإنجيل الذي جاء به السيد المسيح أنزله الله سبحانه وتعالى"[27].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ يلاحظ كلمة ـ على الأقل ـ فهل يريد أن يقول إن الإنجيل الموجود فعلا، يحتمل أن يكون (كله كلام الله)؟.

وليلاحظ أيضا قوله:

ربما يقول بعض المسلمين الخ..

فهل بعض المسلمين فقط يقول ذلك؟

أم أنهم جميعا يقولون بذلك؟

وهل يوجد فعلا من المسلمين من يقول بعدم تحريف الإنجيل؟؟

وهل أكثر هذا الإنجيل ـ على الأقل ـ هو كلام الله؟

ألا يعني احتماله أن يكـون جميعه كلام الله أنه ليس في الإنجيل أي تحريف فضلا عن أن يكون كله من التأليف؟!.

2 ـ إن المسيحيين أنفسهم يصرحون بأن هذه الأناجيل هي من تأليف من هي بأسمائهم. واليك بعض كلماتهم حول ذلك:

أ ـ (إن النظرية السائدة بين العلماء في الوقت الحاضر: أن إنجيل مرقس كان أقدم إنجيل كتب. وأن متّى ولوقا أسّسا كتابيهما جزئيا على مرقس.. وجزئيا على مصادر أخرى غير معروفة حصلا عليها.)[28].

ب ـ إن مرقس هو المرجع الأكبر لمتّى ولوقا، لأن إنجيل مرقس هو على العموم الكـرازة الشفوية، التي أراد الكرازة البشريون كتابتها[29].

ج ـ حسب التقليد المبكر جدا، المسلم للكنيسة، فان القديس يوحنا كتب إنجيله تحت إلحاح شديد ومتواصل من رجال الكنيسة.. وبهذا يقول التقليد: إنهم اضطروا يوحنا لكتابة إنجيله بعد أن تعهدوا بالصوم والصلاة... إذن فسرُّ الإلحاح على القديس يوحنا لكتابة إنجيله واضح، لأن بلبلة الأفكار بسبب مهاجمة الهراطقة للإيمان المسيحي الخ..[30].

د ـ ويذكر هو ـ أي لوقا ـ أنه كتب هذا الإنجيل بعد بحث دقيق، إذ كانت ظروف طيبة، ولا بد أن موارده كانت جيدة[31].

هـ ـ أسفار الكتاب المقدس هي عمل مؤلفين عرفوا بأنهم لسان حال الله في وسط شعبهم، ظل عدد كبير منهم مجهولا..[32].

و ـ وقال لوقا في أول إنجيله:(إذ كان الكثيرون ـ قد أخذوا في إنشاء رواية للأحداث التي جرت فيما بينّاه، على حسب ما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان، ثم صاروا خداما للكلمة رأيت أنا أيضا ـ بعد إذ تحققت بدقة جميع الأشياء من البدء، أن أكتبها إليك بحسب ترتيبها أيها الشريف، ثاوفليس، ولكي تعرف جيدا قوة التعليم الذي وعظت به[33].

 

1122 ـ ليس من المعلوم أن الإنجيل معرض للنسخ.

1123 ـ أحكام الإنجيل هي أحكام القرآن.

1124 ـ هذا الإنجيل لا يتعرض للشريعة المفصّلة لكي ينسخ.

1125 ـ الإنجيل أخلاق ومبادئ وقيم عامة في البعد الروحي والإنساني فلا مجال لنسخه.

1126 ـ القرآن مصدّق لهذا الإنجيل الموجود بين أيدينا.

1127 ـ الحاجات الطارئة بعد التوراة والإنجيل فرضت إحداث اجتهاد جديد.

1128 ـ المفاهيم القديمة في التوراة والإنجيل تتبدل.

1129 ـ الإنجيل والتوراة اللذين بين أيدينا هما نفس اللذين كانا في زمن النبي (ص).

1130 ـ التحريف في التوراة والإنجيل مختص ببعض الجزئيات كالبشارة بالرسول (ص).

1131 ـ لو كان تحريف التوراة والإنجيل كبيراً.

1132 ـ الحُكم بما في هذا الإنجيل من مبادئ وقيم يلتقي بالحُكم بما في القرآن.

يقول البعض:

"ليس من المعلوم أنَّ الإنجيل قد تعرّض للنسخ في آياته لا سيّما أن مضمونه ليس متضمناً للشريعة المفصّلة، بل هو أخلاق ومبادئٌ وقيمٌ عامةٌ في البعد الروحي والإنساني، فلا مانع من أن يتوجّه القرآن إليهم بالحكم بما في الإنجيل لأنه يلتقي بالحكم بما في القرآن، الأمر الذي يشدّهم ـ من موقع اللقاء ـ إلى ما في القرآن على أساس (الكلمة السواء). والله العالم"[34].

ويقول أيضاً:

"وقد لاحظنا أن القرآن قد صرّح عن وجود بعض الأحكام في التوراة، كما في القصاص. وهذا ما يجعل من الإسلام رسالة جامعة للرسالات، مع بعض الاختلاف في الحاجات الطارئة التي تفرض إحداث اجتهاد جديد، أو تبديل مفهوم قديم.

وربما نستفيد من الحديث عن القرآن بأنه مصدّق الذي بين يديه، أن هذا الحديث موجه إلى اليهود والنصارى الذين يحتفظون بالتوراة والإنجيل ليقارنوا بين القرآن وبين الكتابين، ليجدوا صدق هذه الدعوة فإذا عرفنا أن الكتاب الذي بأيدينا من التوراة والإنجيل هو الكتاب الذي كان بأيديهم في زمن الدعوة، فإننا نخرج من ذلك بنتيجة واضحة، وهي أن الإنجيل والتوراة لم يحرّفا بالدرجة التي لا يبقى فيها مفهوم صحيح من مفاهيم الرسالة أو آية سالمة من التحريف من آياتهما، بل إنهما يتضمّنان الكثير من النصوص الصحيحة والمفاهيم الحقّة التي تصلح أن تكون أساساً للمقارنة بينها وبين القرآن لمعرفة صدقه، من خلال اشتماله على ما في التوراة والإنجيل، ليكون التحريف مختصاً ببعض الجزئيات كالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك ولولا ذلك.لما كان هناك مجال للإحتجاج بهما على صـدق القـرآن، لاختلاف مفاهـيمهـما ـ بلحاظ التحريف ـ عن مفاهيم القرآن، والله العالم"[35].

وقفة قصيرة:

ونلاحظ على كلام هذا البعض الأمور التالية:

1 ـ إن من يقرأ التوراة المتداولة في هذه الأيام سيلاحظ: أن أكثر ما جاء فيها لا يمكن القبول به.. وأن الكثير من مضامينها يصل في سخفه، وابتذاله حدوداً خطيرة إلى درجة يصبح معها القول بكون التحريف جزئياً ويسيراً مهزلة من المهازل، وسخرية بالعقل البشري، ومهانة له. وذلك بدءاً من تجسيم الله، وانتهاءً.. بالحديث عن عريّ الأنبياء، وارتكابهم الجرائم، والزنا حتى بالبنات والأخوات، وشرب الخمر، وقتل النفوس المحترمة.. إلى غير ذلك مما يندى له جبين الإنسان ألماً وخجلاً..

فقول البعض إذن:

"إن التحريف إنما نال بعض جزئياتها من قبيل البشارة بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.."

لا يمكن قبوله، وليس له دليل يدل عليه، ولا نحب أن نقول أكثر من ذلك..

2 ـ هذه هي التوراة المتداولة بمرأى منا ومسمع، وتلك هي أحكامها ومفاهيمها التي يتحدّث عنها هذا البعض، فليرجع إليها الناس ليروا مدى بعد الكثير منها عن مقتضيات الفطرة، وأحكام العقل، وعن الخُلُقِ الرضي الكريم..

3 ـ وأما عن مضمون الإنجيل، وأنه أخلاق، ومبادئ، وقيم عامة في البعد الروحي والإنساني.. فهو إنما يتحدث عن هذا الإنجيل الذي بين أيدينا، والذي ينسب مريم إلى الفاحشة حين يتهمها بيوسف النجار..

كما أنه يقرّر أن المسيح هو ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة.. وأن.. وأن..

فهل إن ذلك كله.. يلتقي فيه مع القرآن؟!. أم أن التحريف قد اقتصر ـ حسب دعوى هذا البعض ـ على البشارة بنبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)؟!

4 ـ ومن الذي قال لهذا البعض: إن الإنجيل الحقيقي المنزّل من عند الله، والموجود عند صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه، والذي هو وحي إلهي، يلتقي مع هذا الكتاب، الذي لا شكّ في أنه قد أُلِّف بعد عهد عيسى عليه الصلاة والسلام.؟!.

5 ـ على أن الله سبحانه قد صرّح في القرآن الكريم في عدة آيات بأن التوراة والإنجيل قد أُنزلا من عند الله سبحانه؛ {وأنزل التوراة والإنجيل}[36].

ونحن نرى أن هذا الإنجيل الذي بين أيدينا مجرّد سيرة ذاتية للمسيح. ويصرّح علماء النصارى بأنه من تأليف أناس بأعيانهم وأشخاصهم، عاشوا بعد السيد المسيح بعشرات السنين. فراجع الفصل السابق من هذا الكتاب.

فكيف نفسّر قوله:

"إن التحريف لم ينل إلا بعض الجزئيات، كالبشارة بالنبي محمد ونحو ذلك"؟!

يقول الشيخ البلاغي: (إن أكثر الموجود في العهدين لا تُعقل نسبته إلى وحي الله لأنبيائه، وإن القسم الباقي لا نقدر ان نجد له سنداً يوصله إلى الأنبياء والوحي)[37].

وفيما يرتبط بالسؤال عن السبب في أن البيضاوي والرازي قالا: إن التحريف إنما هو بالتأويل. وعن ابن تميمة قال: إن التحريف الواقع في العهدين هو تبديل المعاني.. أجاب البلاغي رحمه الله بجواب مسهب، فكان مما قال:

(إن كتب العهدين كانت مخفيّة بسيطرة علماء الدين منكم (النصارى) ومن اليهود، مستورة حتى على عامة اليهود والنصارى، ولم تظهر، وتنتشر باللسان العربي والفارسي إلا قبل قرنٍ أو قرنين، بعناية البرتستنت وإصلاحهم، ولم يكن لها أثر في بلاد الإسلام في زمان هؤلاء الذي ينقل عنهم الغريب بن العجيب، ولم يكن لهم نصيب من معرفة أمرها إلا السماع باسمها..[38].

وقد حكى الله سبحانه: أن القرآن يبين: أن اليهود يُبدون من التوراة ما يوافق أهواءهم على القراطيس، ويخفون كثيراً. فهو يقول:

{.. قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس، تجعلونه قراطيس تبدونها، وتخفون كثيراً}[39].

وقال تعالى: {يحرّفون الكلم من بعد مواضعه}[40].

وبعد.. فإن وجود بعض الأحكام فيما يسمّيه اليهود توراةً، لا يعني: أن التحريف مختص ببعض الجزئيات كما يقول هذا البعض. ولا يكفي ذلك لإصدار مثل هذه الأحكام.

6 ـ قلنا أكثر من مرة: إن الله سبحانه حين يقول: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله}، فإنما يريد أن يفرض عليهم التزام التوحيد ورفض عبادة غير الله سبحانه.. لأنهم يدّعون أن ربهم هو المسيح، على قاعدة الأب والابن والروح القدس.. كما هو معلوم..

ولا يريد الله سبحانه أن يقول في الآية المشار إليها آنفاً: إن بيننا وبينكم نقاط التقاء هي التوحيد، ونقاط افتراق.. فلنلتق على ما اتفقنا عليه، ولنتحاور فيما افترقنا فيه ـ على حد تعبير البعض.. الذي أخذه عن أحمد حسن البنا ـ زعيم الإخوان المسلمين، أو عن رشيد رضا المعروف بكونه سلفياً.

فإننا لم نلتق معهم على عبادة الله الواحد، لأنهم يختلفون معنا في هذا الأمر أيضاً.

7 ـ إن قوله تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون..}[41] يدل على أن فيه، أحكاماً تفصل بها المنازعات، وتكون مرجعاً لحل الاختلافات. فما معنى نفي ذلك؟! من قبل البعض بصورة قاطعة ونهائية..

8 ـ لا أدري كيف أفسّر قول هذا البعض عن أحكام الإسلام وتشريعاته التي اقتضتها الحاجات الطارئة بأنها اجتهاد فهل النبي صلى الله عليه وآله هو أحد المجتهدين أم أن المراد هو الإجتهاد في إصدار الأحكام في المنازعات المالية، أو الحدود والقصاصات؟! لكن من البديهي أن ذلك لا يدخل في دائرة التشريع بحيث يكون من الأحكام الكليّة العامة، بل هو مجرّد بذل جهد في تشخيص الواقع في موارد جزئية وخاصّة، تخضع للتشريع، ومن موارد انطباق قواعده وأحكامه.

وإن كان مراده: أن الحالا ت الطارئة تقتضي إحداث اجتهادات جديدة، ينتج عنها وضع أحكام كلية وعامة.. فإن من الواضح: أن أحكام الإسلام ليست من قبيل الاجتهاد.

9 ـ ما معنى تعبيره "بالتبديل في مفهوم قديم.."فهل المفاهيم الدينية ـ بما هي مفاهيم ـ قابلة للتبديل؟! وهل هناك جديد وقديم في المفاهيم الدينية؟!

10 ـ أما بالنسبة إلى دليله على عدم تحريف التوراة والإنجيل، إلا في بعض الجزئيات، كالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله..

وهو أنها لو كانت محرّفة بدرجة كبيرة، لم يصح الاحتجاج بها على صدق القرآن.

فهو احتجاج عجيب وغريب..

إذ من القريب جداً أن تكون لديهم بعض نسخ التوراة الحقيقية والإنجيل الحقيقي بالإضافة إلى ما هو محرّف.. حيث كانوا يتكتمون على تلك، ويبعدونها ما أمكنهم عن أنظار عوامهم.. حتى لا يجدوا فيها هذا التوافق والانسجام الظاهر والعميق فيما بينها وبين القرآن، حتى لا يكون ذلك سبب هدايتهم إلى الحق ودخولهم في هذا الدين الحنيف.. ولا يبقى لأولئك الأحبار والرهبان المزوّرين للحق أي دور، فيواجهون الفشل الذريع والخيبة القاتلة..

فكانوا يظهرون ما حرّف من التوراة والإنجيل.. ولم يكن بإمكانهم الاحتجاج على الرسول بكتبهم المحرّفة، لأن الخرق سوف يتسع على راقعه. وتكون الفضيحة عليهم أعظم، حينما يضع المسلمون أيديهم على تناقضات كتبهم، ويظهرون ما فيها من عوار، وخلل..

ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه عن معرفتهم برسول الله (صلى الله عليه وآله): الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم..[42].

وقد قال الله عنهم: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى، من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون}[43].

ويقول: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمنا قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار}[44].


الفصل الثالث
الدفاع عن أعداء الله

يقول البعض: "أسعى لاقتحام المسلمات"


بداية:

إننا سنورد في هذا الفصل مجرّد عيّنات عن دفاع هذا البعض عن أعداء الله وعن المرتدين، الذين أعلنوا الحرب على الإسلام، وهتك حرماته، وتحقير مقدساته..، وذلك بصورة صريحة تارة، ومبطنة أخرى. ومن أراد المزيد، فسيجده في مواضع كثيرة من كتب هذا البعض ونشراته، ومحاضراته.. فنقول:

 

1133 ـ مصادرة كتب الضلال لا تحقّق النتائج المرجوّة.

1134 ـ مصادرة الكتب ومهاجمة الكاتب.. تجعل لهما شعبية وتأييداً.

1135 ـ لو أخذت كتب الضلال طريقها بسلام قد لا تحدث لها هذه الشعبية.

1136 ـ ربما كانت مصادرة الكتب في الماضي تقوّي الحق وتضعف الباطل.

1137 ـ التصدّي للكتب اليوم يقوّي الباطل، ويضعف الحق.

1138 ـ كلما أهملت كتاب الضلال أكثر كلما فقد قوته أكثر.

1139 ـ أعط الحرية للباطل تحجّمه.

1140 ـ أعط الحرية للضلال تحاصرها.

1141 ـ الباطل إذا ظهر فقد يقبله الآخرون وقد لا يقبلونه.

1142 ـ إذا اضطهد الباطل ولاحقت من يلتزم به، فسيأخذ معنى الشهادة.

1143 ـ إضطهاد الباطل يجعله الفكر الشهيد.

1144 ـ نحن نعطي الباطل قوّته إذا منعناه حريته.

1145 ـ إذا أعطيناه الحرية وناقشناه فسينكمش.

1146 ـ علماء دين ومثقفون يحبّون الراحة في الحوار فيمارسون قمع الفكر الآخر من الحوار.

يقول البعض:

"أعطِ الحريّة للباطل تحجّمه، وأعط الحريّة للضلال تحاصرها، لأن الباطل عندما يتحرك في ساحة من الساحات، هناك أكثر من فكرٍ يواجهه، ولا يفرض نفسَه على المشاعر الحميمة للنّاس، يكون فكراً مجرّد فكر، قد يقبله الآخرون، وقد لا يقبلونه، ولكن إذا اضطهدته، ومنعت الناس من أن يقرأوه، ولاحقت الذين يلتزمونه بشكلٍ أو بآخر، فإنّ معنى ذلك، أنّ الباطل سوف يأخذ معنى الشهادة، وسيكون (الفكر الشهيد) الذي لا يحمل أية قداسةٍ للشهادة، لأنّ الناس تتعاطف مع المُضطَّهَدين، لا الناس المُضطهِدين، حتى مع الفكر المضطّهد، مع الحبّ المضطهد، ومع العاطفة المضطهدة، لذلك نحن نعطي الباطل قوّته، عندما نمنعه حريّته، ولكنّنا عندما نعطيه الحرية، ثم نأخذ حريتنا في مناقشته بالأساليب العلميّة الموضوعيّة، فإنه إذا لم يبتعد عن الساحة تماماً، سينكمش وسيأخذ مكاناً صغيراً له في الساحة.. بعضُ الناس سواءً كانوا سياسيين، أم كانوا علماء دين، أم كانوا مثقفين، لا يُحبّون أن يتعبوا في مواجهة الفكر الآخر، ولذلك فإنّهم يحبون أن يقمعوا الفكر الآخر ليرتاحوا من الجدل والمجادلين، ومن الحوار والمحاورين بعض الناس لا يحبّون أن يدخلوا في مواقع الحوار، ولذلك فإنّهم يضطهدونك لأنّهم لا يريدون أن يتعبوا في مناقشتك"[45].

وسئل البعض:

تقوم بعض المراكز الدينيّة الرسمية في العالم العربي والإسلامي بمصادرة بعض الكتب التي تعتبر أنً مضامينها تحمل شيئاً من التحدّي للإسلام، ألا تعتقدون أنَّ أعمالاً كهذه تصنع من أفكار هؤلاء (أفكار شهداء) يتعاطف الجمهور معها؟

فأجاب:

"نحن قد نتفق مع هذه المراكز الدينية الرسميّة وقد نختلف معها في تقويم أنَّ هذا الكتاب أو غيره مخالفٌ للإسلام أو غير مخالف. ولكننا لا نعتقد أن مصادرة هذه الكتب يمكن أن تحقّق النتائج التي يريدها هؤلاء ويعتقدون أنّ من واجبهم المحافظة على الإسلام، بمصادرة هذه الكتب التي تتحدث عن الإسلام بشكلٍ سلبيّ، عن عقيدته وشريعته ومقدساته، لأننا بحسب التجربة، رأينا أنَّ مصادرة الكتب ومهاجمة الكتّاب تجعل شعبية للكتاب المصادر، وشعبيّة وتأييداً للكاتب، قد لا تحدث هذه الشعبيّة فيما لو أخذت هذه الكتب طريقها بسلام..

نحن نقول، ربّما كان الواقع السياسي والثقافي في الماضي يجعل من مصادرة الكتاب أو منعه من الإنتشار وسيلة من وسائل تقوية الحق وإضعاف الباطل.. أما الآن فإن الوقوف ضد الكتب يقوّي الباطل ويضعف الحق، لأن القوى المعادية تعلن معركة الحريات في الوقت الذي لا تستطيع هذه المراكز الدينية مواجهتها.

وعلى هذا فكلما أهملت الكتاب الذي يواجهك أكثر كلما فقد قوته أكثر، وكلما حاربته أكثر كلما أخذ قوة من قوى الاستكبار في العالم، حيث صار الحديث عن الكاتب والكتاب، بأن الكاتب بطل الحرية والكتاب كتاب الحريات، في الوقت الذي لا يمثل الإثنان معاً شيئاً لا في معنى الحرية ولا في معنى البطولة.

لا نعتقد أن مصادرة الكتب تحقق النتائج التي يريدها من يرون أن من واجبهم المحافظة على الإسلام"[46].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إذا كان إعطاء الحريّة للباطل من موجبات تحجيمه، وإعطاء الحرية للضلال من موجبات محاصرته، فلماذا شرّع الله النهي عن المنكر؟! فليعطِ للمنكر حريته فإنه يحاصره ويحجّمه. أليس الباطل والضلال من جملة المنكرات؟!.

2 ـ وإذا صح هذا، فلا بد ان يصح العكس، فيقال: إذا سلبت حرية الهدى فانه ينتشر، وإذا سلبت حرية الحق، فانه ينطلق ويكبر؟!

والدليل على ذلك قوله:

"أما الآن فان الوقوف ضد الكتب (أي كتب الضلال والإنحراف) يقوي الباطل، ويضعف الحق".

وقوله:

"لذلك نحن نعطي الباطل قوته عندما نمنعه حريته".

3 ـ وإذا صح قول هذا البعض:

"كلما أهملت الكتاب الذي يواجهك أكثر كلما فقد قوته أكثر، وكلما حاربته أكثر، كلما أخذ قوة من قوى الاستكبار في العالم، حيث صار الحديث عن الكاتب والكتاب، بأن الكاتب بطل الحرية، والكتاب كتاب الحريات".

نعم، إذا صح قوله هذا.. فان فتوى آية الله العظمى السيد الخميني قدس سره في حق سلمان رشدي تصبح بلا مبرر..

بل إن هذه الفتوى تصبح جريمة كبرى، لا بد من معاقبة من أصدرها رضوان الله تعالى عليه، لأنه قد تسبب، بتقوية كتاب "آيات شيطانية"، وجعل منه كتاب "الحرّيات"، ومن سلمان رشدي بالذات "بطل الحرية" على حد تعبير هذا البعض!!.

4 ـ إن هذا البعض يريد أن يفسح المجال للكتب التي تتحدث عن الإسلام، وعن عقيدته وشريعته ومقدساته بشكل سلبي، حتى لو كانت تتضمن سبّ النبي (ص)، ونسبة الخنا والدعارة ـ والعياذ بالله ـ إلى بيت النبوة والرسالة والإمامة.

نعم، إنه يريد لهذه الكتب أن تأخذ طريقها بسلام ـ على حدّ تعبير هذا البعض ـ رغم أن الحكم الإسلامي في من سبّ رسول الله (ص) هو القتل..

وذلك استناداً منه إلى استحسانات عقلية لم يُقم لها الإسلام وزناً، حينما فرض محاصرة الباطل، واضطهاد المنكر، ومنعه ورفضه باليد، وباللسان وبالقلب وهو أضعف الإيمان.

5 ـ وقد اعترف هذا البعض فيما نقلناه عنه آنفاً بأنك حين تعطي للضلال وللباطل حريته، فانه يكون مجرد فكر قد يقبله الآخرون.. وقد لا يقبلونه.. وسؤالنا هو:

ماذا لو قبل الآخرون هذا الفكر، واختاروا طريق الضلال؟!

فهل يرضى الله تعالى بإفساح المجال للضلال إلى أن يقبله الآخرون؟!

وهل الخطة الإلهية هي إفساح المجال للضلال لينتشر، ثم يقوم بمقاومته بعد ذلك.. أم أن اللازم هو وأده وهو في مهده؟!.

إنه إذا صح ذلك.. فلماذا لا يكون الأنبياء دعاةً للضلال أولاً، وممن يسهم في نشره، ثم بعد ذلك يوجد المناخ المناسب لبذل الجهد، وللجدل وللمجادلين.. وذلك لكي لا يصبح الضلال شهيداً.. ويكون فكره "الفكر الشهيد" على حد تعبير هذا البعض؟!!

6 ـ ولم نستطع أن ندرك سرّ حكمه الذي أطلقه حين قال: إن الضلال والباطل "لا يفرض نفسه على المشاعر الحميمة".. في حين أننا نرى باستمرار أن الكثيرين من دعاة الضلال يصبحون من أشد الناس تعلقاً بضلالهم، وهم يضحّون من أجله بكل غال ونفيس، ويقدمون أنفسهم قرابين له، بملء إرادتهم، وعن سابق معرفة وتصميم.. وكم رأينا مشاهد حتى على شاشات التلفاز تقشعرّ لها الأبدان من دقّ المسامير في الأكف وفي الأرجل، من أجل التعبير عن المشاعر الحميمة تجاه فكرٍ يصرّح هذا البعض نفسه بأنه فكر باطل على أقل تقدير..

ويقول البعض:

عمن ينكر نبوّة داود وسليمان (عليهما السلام)، ويستدل على أن نبي الله يوسف لم يكن أميناً على عرض مولاه، ويقول عن نبي الله داود: كان لوطياً مفضوحاً ـ يقول ـ ما يلي:

 

1147 ـ الشكّ في العقيدة ليس كفراً.

1148 ـ البقاء على الشك لا يجعله مرتداً.

1149 ـ الإقتناع بالكفر لا يجعله مرتداً ما لم يعلن ذلك.

1150 ـ الإعلان بالكفر هو الجريمة وليس الكفر نفسه.

سئل البعض:

هل يوجب الإرتداد عن الإسلام ـ والعياذ بالله ـ القتل. أو بمعنى آخر: هل يباح دم المرتد حقاً؛ فإذا الجواب نعم. هل يتعارض ذلك مع حرية الفكر الإنساني؟.

فأجاب:

"قد تخلق مسألة الإرتداد اهتزازاً أو ارتباكاً في داخل النظام العام للدولة والمجتمع مما قد يسيء إلى القاعدة التي يرتكز عليها توازن المجتمع المسلم؛ ولذلك فإنها تدخل في صلب النظام العام، من خلال الحدود الموضوعية له التي قد تفرض وضع العقوبات الرادعة. ولذلك فهي لا تتّصل بحرية الفكر؛ لأن الإسلام يفتح كل ساحته الثقافية لكل صاحب شبهة في الدين، ليجيب على كل سؤال، وليتابع البحث والحوار مع صاحب الشبهة إلى نهاية المطاف.

وقد ورد في أحاديث أهل البيت (ع) عن رجل سأل الإمام الصادق (ع) قال: رجل شكّ في الله؟

قال: كافر.

ثم قال: شك في رسول الله؟

قال كافر.

ثم قال: إنما يكفر إذا حجد.

مما يعنى: أن الشكّ في العقيدة ليس كفراً ما دام الإنسان باحثاً عن الحقيقة كما أن بقاءه على الشك، أو اقتناعه بالكفر لا يجعله مرتداً، ما لم يعلن ذلك، الأمر الذي يجعل الإعلان هو الجريمة.

أما الحديث عن تعارض ذلك مع حرّية الفكر، فإن جوابه هو أن الفرق بين الدولة الإسلامية وغيرها هو أن الإسلام يقيم دولته على أساس العقيدة، مما يجعل للعقيدة، دور الأساس في توازن الدولة والمجتمع. ويجعل من الإساءة إليها أو تهديدها إساءة وتهديداً للنظام كله.

أما غيرها فإنها لا تقوم على العقيدة، ولذلك لا دخل للعقيدة في حركة النظام، بل تكون الجريمة في الخيانة العظمى للأرض أو للأمور الحيوية الأخرى..

وبكلمة واحدة: إن إعلان الارتداد هو الجريمة. وليس الارتداد الفكري الذي يعيش في داخل الفكر"[47].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ قد نقلنا كلام هذا البعض كله لأنه. ما فتئ يتهم من يعترض على أفكاره وطروحاته بأنهم يمارسون ذلك على طريقة ويل للمصلين. أو بأنهم يقطّعون كلامه بصورة تفقده مضمونه الأساس ليصبح دالاً على خلاف مقصوده.

رغم علم هذا البعض ـ ومن حوله معه ـ بأن الرد على هذا الإتهام سهل جداً، وذلك بالطلب إلى السامع والقارئ بأن يرجع إلى نص كلامه في نفس الجزء والصفحة المسجّل، ليجد أن الكلام تام في دلالته، وأن كل ما يتصل بموضع الإشكال مذكور من بدايته إلى نهايته..

ولكن المشكلة هي أنهم يعرفون: أن القليلين جداً من الناس هم الذين يبادرون إلى هذا الأمر.. وأن أكثر الناس يأخذون الأمر بحسن نيّة وسلامة طويّة، وبثقة ومحبة، واستبعاد خصوصاً وهم يرون هذا البعض يجهر بذلك علناً مع التأكيد الشديد، ومع إظهار البراءة وإزجاء تظلمّ خاشع ما عليه من مزيد..

2 ـ بالنسبة للبقاء في دائرة الشك، نقول: لقد تحدثنا عن هذا الموضوع فيما تقدم من هذا الكتاب، فلا نعيد، وأشرنا إلى ذلك أيضاً في الوقفة القصيرة السابقة غير أننّا نضيف: أننا لا ندري ماذا يعني هنا بقوله:

"إن الاقتناع بالكفر لا يجعل الإنسان مرتداً، ولا يكون قد ارتكب بذلك جريمة"!!

فان كان يريد به ما يفهم منه كل أحد، فان المصيبة ستكون عظيمة.. وإن كان يريد منه أمراً آخر. فإن المصيبة تكون في قدرته على البيان أعظم..

3 ـ لا ندري ما هو دليل هذا البعض على أن الإعلان بالكفر هو الجريمة.. فإنه عليه السلام قد قال: (إنما يكفر إذا جحد)، سواء أكان قد أعلن هذا الجحود أم لم يعلنه. فما هو ربط هذا الدليل بتلك الدعوى.

4 ـ ولو سلّمنا ذلك، فلا يصح تحديد مستوى هذا الإعلان، بأن يؤدي إلى الاهتزاز والارتباك داخل النظام العام للدولة والمجتمع. إذ يكفي مجرّد أن يعلن ذلك، ليستحق بذلك العقوبة، ويجري الحكم الإسلامي في حقه، وإن لم يترتب على إعلانه أي إرباك لا في الدولة ولا في المجتمع.

5 ـ بل إن الإرتداد الفكري حتى على مستوى الشك، ولو لم يصل إلى حد أنّ الإعلان به قد يحدث، اهتزازاً و إرباكاً في الدولة وفي المجتمع، هو أمر مرفوض في الإسلام، وله أحكامه وآثاره على فاعله، وعلى غيره. فلماذا لا يعتبره جريمة يستحق فاعلها العقاب بالقتل. فإن النتائج على هذا الصعيد واحدة..

6 ـ إن ما ذكره من أن الارتداد قد يحدث اهتزازاً وارتباكاً قد يسيء إلى القاعدة التي يرتكز عليها توازن المجتمع.. لا يجدي شيئاً، فإنه لا يتعدى دائرة الإحتمال إذ إنه كما قد يسيء، هو أيضاً قد لا يسيء وقد لا يحدث اهتزازاً ولا ارتباكاً وفي هذه الصورة الأخيرة، فهل ذلك يعنى ترك العقوبة؟! وحتى في الصورة الأولى، فإنه لو أساء فلابد أن يثبت أن الإساءة تصل إلى درجة توجب جعل عقوبات رادعة عنها؛ فمجرد وجود احتمال من هذا القبيل لا يبرر إصدار أحكام قاطعة بهذا المستوى من الخطورة..

7 ـ ثم إننا نسأل هذا البعض: من الذي قال له: إن حكم قتل المرتد يرتبط بالاهتزاز والارتباك في النظام العام؟ وإن ملاك الحكم هو ذلك، فهل أطلعه الله على غيبه؟!. أو كشف له عن ملاكات أحكامه؟! أليس هذا مجرد تكهّن ورجم بالغيب، يستند إلى استحسانات وحدسيات، لا مجال لجعلها أساساً لإصدار أحكام بهذه الخطورة.. وتصل إلى حد النفي لتشريع إلهي أو إثباته؟!

 

1151 ـ ما دمت في دائرة الشك فلست بكافر.

1152 ـ لا يوجد كافر في العالم.

1153 ـ الإسلام يشجع على الشك.

يقول البعض:

"إن الناس منقسمون إلى مؤمنين وشاكين"[48].

والشاكون عنده ليسوا كفارا بمقتضى قوله:

"الإنسان الذي يشك بالإسلام لا يعتبر كافرا، ولكن الذي يجحد بالله ورسوله، فالإسلام يفسح المجال للتعبير عن الشكوك لدى الناس، ويحاورهم، فإن أقيمت عليهم الحجة، فلا معنى لجحوده، وإذا لم يقتنع، ولم تقم الحجة، فليس للمسلمين سبيل عليه"[49].

ويقول:

"نحن نعرف من حديث الإمام الصادق (ع) أن الإسلام يشجع على الشك، الشك طريق لليقين، الشك الموضوعي، أو الشك العلمي.

والشك ليس كفرا، وإنما الجحود هو الكفر، فلقد جاء شخص وسأل الإمام جعفر الصادق ـ كما في الكافي ـ قال: رجل شك في الله؟

قال: كافر.

قال: شك في رسول الله؟.

قال: كافر.. ثم قبل أن يقوم الرجل، قال إنما يكفر إذا جحد،الحديث.

فما دمت في دائرة الشك، فأنت لست بكافر"[50].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1ـ واضح: أن الإسلام لا يشجع المتيقنين بالإسلام على الشك فيه، وإن كان يشجعهم على التعمق في دراسته، كل بحسب استعداده، ولكنه يشجع غيرهم على الشك ليمكن بذلك فتح مجال البحث أمامهم.

إن الشك العلمي والموضوعي لا يحتاج إلى أكثر من فرض القضية في دائرة الشك، وإن كان ذلك الفارض مؤمنا بها لم يتزلزل إيمانه.

إن بعض الروايات قد أشارت إلى أن خطور بعض الأمور بالبال، ولو من خلال وسوسة شيطانية لا ينافي الإيمان، فقد روي بسند حسن كالصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، هلكت.

فقال له: أتاك الخبيث. فقال لك: من خلقك؟

فقلت له: الله.

فقال لك: الله من خلقه؟

فقال إي والذي بعثك بالحق لكان كذا.

فقال رسول الله (ص): ذاك والله محض الإيمان.

قال ابن أبي عمير: فحدثت بذلك عبد الرحمن بن الحجاج، فقال: حدثني أبو عبد الله عليه السلام: أن رسول الله (ص) إنما عنى: بقوله: "ذاك ـ والله ـ محض الإيمان"خوفه أن يكون قد هلك، حيث عرض له ذلك في قلبه[51].

وثمة روايات أخرى في هذا المجال، فمن أرادها فليراجعها في مظانها.

4ـ إن من الواضح: أن البقاء في دائرة الشك يوجب الكفر، لأن ذلك يستبطن الجحود، وإن لم يصرح به، خصوصا إذا أقيمت الحجة عليه، ولم يقبل بها، فان استمرار الشك بعد ذلك يكون تكلفا للشك، وحملا للنفس عليه عنادا، وذلك يمثل استمرار رفض الحق والإباء عن تحمل مسئولياته..

فلا يصح إطلاق القول: (ما دمت في دائرة الشك فأنت لست بكافر).

ويدل على ذلك ما روي بسند صحيح عن أبي عبد الله (ع): من شك في الله وفي رسوله فهو كافر[52].

وروي بسند صحيح أيضا عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: من شك في رسول الله؟

قال: كافر.

قلت: فمن شك في كفر الشاك، فهو كافر؟

فأمسك عني، فرددت عليه ثلاث مرات، فاستبنت في وجهه الغضب[53].

وروي بسند صحيح آخر عنه عليه السلام: إن الشك والمعصية في النار، ليسا منا ولا إلينا[54].

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول في خطبته: لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا[55].

 

1154 ـ إن هذه دراسات من قِبَل أناس مثقفين.

1155 ـ إن هؤلاء الدارسين قد اخطأوا في آلية الدراسة، حيث توجهوا إلى التوراة المحرّفة.

1156 ـ إنهم باحثون يجهلون ما يقوله القرآن عن الأنبياء.

1157 ـ لو رجعوا إلى القرآن لعرفوا: أنه يبيّن عصمة الأنبياء وصفاءهم وإخلاصهم لله.

1158 ـ كلامه يعنى: أن عصمة الأنبياء تحتاج إلى بيان قرآني.

1159 ـ لا مصلحة في التصدي لهؤلاء الناس، لأن ذلك يستغل ممن لا يعي النتائج السلبية.

1160 ـ قصة زواج الأخوة بالأخوات من ابناء آدم تمنع من مصادرة القضية الفلسطينية ومن قتل المسلمين.

1161 ـ لا مصلحة في التصدّي لمن يسبّ الأنبياء لأن الاستكبار يستغل ذلك.

1162 ـ لا مصلحة في التصدّي.. لأن الاستعمار يصادر القضية الفلسطينية.

1163 ـ لا مصلحة في التصدّي.. لأن الاستعمار يقتل المسلمين.

وتوضيح ما جرى نوجزه فيما يلي:

نشرت جريدة السفير اللبنانية مقالاً لسفير لبناني سابق، يتناول فيه الضجة التي أثيرت حول المغنّي مارسيل خليفة، لتلحينه بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن النبي يوسف (عليه السلام).. فكان مما كتبه ما يلي:

"إنه حَوّلَ أسطورة بكائية توراتية إلى (قضية) أعمى بها بصائر اللبنانيين وأبصارهم وحولهم إلى يعقوب جديد ابيضت عيناه، وانطفأ نورهما لكثرة ما أذرف من الدمع على فراق ابنه يوسف، كما جاء في (الكتب المقدسة). وفي شعر محمود درويش!..

فإذا بالغيارى على الدين يتنادون لمجابهة هذا الخطر الداهم الذي يقوّض إيماننا وقيمنا الروحية وإذ بمثقفينا (يطرحون الصوت) للإعتصام في نقابة الصحافة من أجل الدفاع عن (الحرية) و(الديموقراطية) و (حقوق الإنسان) لمواجهة هذه (الأصولية) الزاحفة علينا من غياهب القرون الوسطى.

أحبّ أن أصارح القارئ أنني لست من المعجبين بمارسيل خليفة ولا بموسيقاه ولا بصوته. فقد أتيح لي ان استمع إلى بعض أغنياته وكنت كلما سمعتها أكاد أصاب بالغثيان، فأغانيه عبارة عن مقطوعات رَتيبة ذات نمط واحد لا يتغير وتكاد لا تصلح إلا لمناسبات البكاء والنواح كعاشوراء في (الحسينيات) أو (أسبوع الآلام) في الكنائس.

ولكن القضية ليست هنا.

القضية هي التذرّع بالكتب المقدسة كلما تعلق الأمر بالإبداع والتجديد والخروج على ما وضعه (السلف الصالح) من قوالب جامدة وأحكام ثابتة لا تحول ولا تزول وإرغام الناس على التقيد بها وتنصيب رجال الدين أنفسهم حرّاساً عليها وحماة لها.

فمن أعطاهم هذا الحق؟

وفي الموضوع الذي نحن بصدده من أعطى الجهات الدينية الحق في أن تحكم و(تفتي) بجواز هذا الأمر أو عدم جوازه؟

فالذين أقاموا القيامة على مارسيل خليفة ولم يقعدوها وأوصلوها حتى إلى القضاء، حجتهم في ذلك أن (أغنية يوسف) قد ورد في القرآن ذكرها وأنه لا يجوز التغني بالآيات القرآنية. مع أن الآية الرابعة من سورة المزمل تنص: {ورتل القرآن ترتيلاً}. والترتيل القرآني قد فسّر تفاسير عديدة. منها مثلاً أنه إذا قرأت القرآن فاقرأه بصوت منخفض أو إذا قرأته فاقرأه بكلمات واضحة وبطيئة. ومنها أيضاً ن تقرأه بصوت مختلف عن القراءة العادية بحيث يكون له وقع مختلف في أذني المستمع وفي عقله. ومنها أيضاً أن تقرأه بصوت رخيم. وقد ورد في قاموس (المنجد) أن الترتيل، إذا كان يقصد قراءة القرآن، فذلك يعني أن تقرأه بتأنق في تلاوته. أما عند المسيحيين فترتيل الصلاة يعني أن تتلوها ملحّنة".

ثم يقول:

"والآن من هو هذا اليوسف، الذي يكاد يصبح الشغل الشاغل للبنانيين في هذه الأيام؟!

تخبرنا التوراة تفصيلاً والقرآن لماماً أن يوسف هذا كان أحد أبناء يعقوب الملقب بإسرائيل (لأنه حسب الرواية التوراتية أسر الله الذي تبدّى له بصورة إنسان طرحه أرضاً ولم يطلق سراحه إلا بعد أن باركه وأصبح منذ ذلك الحين يدعى إسرائيل أي (أسر الرب) وذهب مع قافلة إلى مصر وهناك أصبح حارساً لأمراء القمح لدى الفرعون وأن امرأة هذا الأخير تعلّقت به {وهـمّت به وهمّ بها} كما ورد في القرآن (الآية 24من سورة يوسف) مما يدل على أنه لم يكن أميناً على عرض مولاه، الذي محضه ثقته. وهو السبط الثاني عشر ليعقوب جد بني إسرائيل الرابضين على حدودنا الجنوبية.

فهل أصبحت مهمتنا الدفاع عن هؤلاء الأسباط وإطراء فواحشهم؟!

إنه لأمر غريب والله. والأغرب منه أن الإسرائيليين وفقاً لتوراتهم يسمّون داود وسليمان ملوكاً (التوراة ـ سفر الملوك) بينما نحن نقدسهم ونرفعهم إلى مصافّ (الأنبياء)!

بل إن ابنة موشي دايان ـ النائبة عن حزب العمل الإسرائيلي ـ لم تتورع عن الدخول في اشتباك سياسي مع مناحيم بيغن، عندما راح هـذا يتغنى بداود فما كـان منها إلا أن صرخت في وجهه: "ومن يكون داود هذا الذي تفتخرون بالإنتساب إليه ألم يكن (لوطياً) مفضوحا"؟!

ونحن ألم يئن الأوان بعد لإعادة النظر في كل هذه المفاهيم المسمومة التي أدخلتها الصهيونية إلى عقولنا والتخلّص منها كما تخلّص من ترّهاتها بعض اليهود العلمانيين.. أنفسهم؟!

لذلك فاني أقترح على القاضي الذي سوف ينظر بقضية مارسيل خليفة في الأيام القليلة المقبلة أن يصرف النظر عن السير في هذه الدعوى وأن يطوي ملفها ويعتبرها غير ذات موضوع"[56]. انتهى..

وقد وفق الله المخلصين للقيام بمجهود كبير في سبيل الدفاع عن هذا الدين، وإدانة هذه الجرأة، وقد صدرت بيانات من جهات عديدة، وصدر بيان وقعه أكثر من مئة عالم من علماء الشيعة وكتبت مقالات كثيرة جداً تعدّ بالعشرات، وعلّقت لافتات عديدة في بيروت وضواحيها، كتبت عليها عبارات إدانة للجرأة على مقام الأنبياء عليهم السلام.

وقاموا وفقهم الله بأداء بعض الواجب في هذا المجال.. وإذ بنا نفاجأ بموقف لهذا البعض غريب وعجيب، نقلته عنه جريدة السفير في يوم الخميس الواقع في 4/11/1999، ثم أعاد الحديث عنه مرّة أخرى في إذاعة البشائر ـ صوت الإيمان ـ وهي إذاعة محلية تابعة له.. في ليلة الخميس الواقع في 10/11/1999م.

والذي نشرته عنه جريدة السفير هو التالي:

 

(فضل الله يستنكر الإساءة للمقدسات)

"استنكر السيد محمد حسين فضل الله في درس التفسير أمس أية إساءة للمقدسات.

وقال: إن مشكلة بعض المثقفين العلمانيين أنهم يدرسون الأنبياء من خلال ما هو موجود في التوراة التي بين أيدي الناس وهي محرّفة.

وأضاف: إننا نقول لهؤلاء المثقفين ـ لاسيما أن بعضهم من المسلمين ـ عليكم الرجوع إلى القرآن لمعرفة أن الله تعالى تحدث عن كل هؤلاء الأنبياء الذين ذكروهم بطريقة سلبية بالطريقة التي بين فيها عصمتهم وصفاءهم وإخلاصهم لله.

كما أننا لا نجد هناك أية مصلحة لإيجاد حالة من الإثارة فوق العادة لمثل هذه الأمور، لأنها تستغل من قبل جهات لا تريد بالإسلام خيراً أو جهات لا تعي النتائج السلبية من خلال إشغال الواقع الإجتماعي بمثل هذه الأمور. إننا إذ نستنكر أية إساءة للمقدسات لكن علينا أن ندرس الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تمرّ به الأمة الإسلامية، لا سيما في مثل هذه الظروف الصعبة التي يقف فيها الاستكبار العالمي بكل مواقعه ومحاوره ليقتل المسلمين هنا وهناك، وليصادر القضية الفلسطينية"انتهى.

وقفة قصيرة:

ونقول:

إننا نلاحظ على هذا الكلام، وعلى ما أورده هذا البعض نفسه في إذاعته المحلية ما يلي:

1 ـ إن هذا البعض قد اعتبر أقوال السفير اللبناني السابق السالفة الذكر وأمثاله من "المثقفين"[57] ـ على حدّ تعبيره ـ اعتبرها "دراسة للأنبياء" ولكن من خلال ما هو موجود في التوراة.. مع أنها لا تعدو عن كونها مجرّد إساءات، وتجريح، وإهانات للمقدسات، وتكذيب لنص القرآن، ولحقائق الدين ممن يدعي الإسلام وينسب نفسه إلى التشيع.. (فهل يصح أن يقال لمثل هذه الترّهات بأنها "دراسة" على حد تعبير هذا البعض؟!

2 ـ إنه قد اعتبرها دراسة للموضوع من خلال التوراة، وأن الدارس لم يرجع إلى القرآن، مع أن الأمر ليس كذلك فإن كاتب هذه المقالة المنشورة قد اعتمد على القرآن أكثر مما اعتمد على التوراة، حيث نجده قد استدل ببعض آياته محدداً السور وأرقام تلك الآيات فيها، ومتتبعاً للنصوص التفسيرية لها.. حتى انتهى إلى كتب اللغة أيضاً.. بل هو يشير إلى حجم التعرض لقصّة يوسف في القرآن والتوراة فيقول: "تخبرنا التوراة تفصيلاً والقرآن لماماً أن يوسف هذا الخ".

3 ـ إن المفهوم من كلام هذا البعض: أنه يقدم العذر لأولئك "المثقفين"؛ حيث إنهم وفق البيان الذي قدّمه قد اجتهدوا فأخطأوا، لأنهم قد درسوا الأنبياء من خلال التوراة فقط.

ولذلك فإننا نجده قد أرشدهم وأمرهم بالرجوع إلى القرآن، لمعرفة أن الله تعالى قد تحدث عن هؤلاء الأنبياء بالطريقة التي تبين عصمتهم وصفاءهم وإخلاصهم لله حتى تكون دراستهم للأنبياء مستوفية لشروط الصحة..

إذن.. فهؤلاء "المثقفون" لم يعرفوا الحقيقة، لأن الحقيقة موجودة في القرآن، وهم لم يرجعوا إليه، ولم يطلعوا عليه، ليعرفوها.. فأخطأوا في دراستهم!!.. وفي اجتهادهم.. فهل يقتنعون بأجر واحدٍ؟! وفقاً للقاعدة التي أخذها هذا البعض من مصادر غير الشيعة، والتي تقول: إن المجتهد إذا أصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد!![58].

4 ـ هل إن ما نقله هؤلاء المثقفون ـ على حد تعبيره ـ كشاهد مقبول ومرضي عندهم عن ابنة موشى دايان عن أن نبي الله داود عليه السلام كان ـ والعياذ بالله ـ لوطياً مفضوحاً ـ هل إن ما نقلوه كان نتيجة دراسة لأقوال هذه المرأة الخبيثة؟!. والحاقدة؟.

وهل أصبحت ابنة موشى دايان من مصادر الدراسة والتوثيق للحقائق. إلى درجة أن كلامها يرسل إرسال المسلّمات، ويستشهد به ـ المثقفون!! ـ في البحوث والدراسات؟! ولنفترض أن التوراة نفسها تنسب هذا الأمر الشنيع إلى داود، فهل يجوز لذلك الذي درس الأنبياء من خلال التوراة أن ينسب ذلك إلى هذا النبي العظيم أيضاً. ويرسله إرسال المسلّمات!!.

5 ـ وحين انتهى هذا البعض إلى الحديث عما قام به المخلصون الغيارى من التصدّي لذلك الأثيم، السابّ للأنبياء، نجده يقول:

"إنه لا يجد أية مصلحة لإيجاد حالة من الإثارة فوق العادة لمثل هذه الأمور، لأنها تستغل من قبل جهات لا تريد بالإسلام خيراً، أو جهات لا تعي النتائج السلبية من خلال إشغال الواقع الاجتماعي والسياسي، لأن الاستكبار يقف ليقتل المسلمين هنا وهناك، وليصادر القضية الفلسطينية"؟

ولكنه هو نفسه قد تحدث في خطبة صلاة الجمعة في نفس ذلك الأسبوع العصيب عن زواج الإخوة بالأخوات من بنات آدم عليه السلام، وتكاثر البشر من خلال ذلك، فهل قصة زواج الإخوة بالأخوات من أبناء آدم (ع)، وتكاثر البشر بهذه الطريقة أهم، وأولى من القضية الفلسطينية؟ وأهم وأولى من الدفاع عن أنبياء الله، وعن القرآن والإسلام؟!.

وهل إشغال الساحة الإسلامية بمسائل زواج الإخوة بالأخوات، كما دأب البعض على ترويج ذلك في السنوات الأخيرة ـ وما ندري ماذا يقصد من وراء هذا الترويج ـ هل إن ذلك يمنع قوى الاستكبار من قتل المسلمين، ومن مصادرة القضية الفلسطينية؟!.

ولا ندري كيف ثبت عند هذا البعض:

"أن التناسل قد كان عن طريق زواج الإخوة بالأخوات"

وهو الذي يشترط الثبوت القطعي واليقيني للحوادث التاريخية ولا يكفي مطلق الحجة؟!

وكيف حصل لهذا البعض هذا القطع واليقين؟! مع وجود روايات تصرح بإنكار الأئمة الأطهار لهذا الأمر الخطير، الذي يوجب الطعن بطهارة مولدهم ـ حسبما أشارت إليه تلك الروايات[59]. ومع أن روايات إثبات ذلك موافقة لما عند غير شيعة أهل البيت (عليهم السلام)..

6 ـ ويتلخص موقف هذا البعض من قضية سبّ الأنبياء على صفحات الجرائد بإيجاد العذر المقبول والمعقول ـ بنظره طبعاً ـ لمن فعل ذلك.. والتشكيك بل وإدانة من تصدّى لردّ التعدّي، والدفاع عن ساحة قدس القرآن والأنبياء والأصفياء..

وقد رأينا في المقابل أنه حين وجه لهذا البعض نفسه نقد علمي صحيح لا يحمل أية إساءة لشخصه قد ثارت ثائرته، وأقام الدنيا ولم يقعدها بعد بحجة أن في هذا إسقاطاً للرمز!! فماذا تراه سيفعل لو أن بعض الإهانات التي وجهها هؤلاء "المثقفون"للأنبياء. أو بعض ما وجهه هو نفسه إلى الأنبياء ـ قد وجَّه إليه هو شخصياً. نعم، ماذا سيفعل؟ وكيف سيكون موقفه؟

7 ـ إن هذا البعض نفسه يقول: إن التحريف للتوراة قد نال معانيها، وأما تحريفات ألفاظها فكانت جزئية وطفيفة[60].

فإذا صح ذلك، فلماذا يردع ذلك "المثقف"عن الاعتماد على التوراة ويطلب منه الرجوع إلى القرآن؟!، وهل يصح ردعه عن دراسة كلام الله والاستفادة منه؟!، ثم.. تسويق المعاني التي يتوصل إليها؟! خصوصاً إذا كان ذلك الرجل مثقفاً قادراً على ممارسة البحث والدراسة!! فليسمح له بالإعتماد على التوراة إذن، فإنها لم تحرّف إلا تحريفات جزئية ـ حسب زعمه ـ إذا كان قادراً على فهم معانيها بصورة سليمة، ومن دون تأثر بإلقاءات من يريدون حرف معانيها عن مسارها الطبيعي. إذ من الواضح أن مجرّد تحريفات جزئية وطفيفة لألفاظها لا تؤدي إلى نتائج خطيرة. وهل النتائج التي انتهى إليها كاتب المقال في جريدة السفير ليس لها هذا الخطر؟!

8 ـ إن من الواضح أن معنى كلام هذا البعض هو: أن التصدّي لدراسة الأنبياء من خلال التوراة ليس فيه أية إساءة، ولا مجال لإدانة من يتصدّى إلى ذلك، لا سيما إذا كان من "المثقفين"وكان أميناً في نقل مضامينها، فإن كان ثمة من إساءة ومن سلبية فإنما منشؤها من التوراة نفسها.. مع أن الحقيقة هي أن دراسة الأنبياء يجب أن تكون من المصادر المأمونة والموثوقة، التي لا تسيء إليهم عليهم الصلاة والسلام.

9 ـ المفروض أن هذا البعض يعلم: أن قضية طهارة الأنبياء وعصمتهم عن فعل القبيح، لا تحتاج إلى النص الديني، وإلى الخبر الشرعي، سواء أكان من التوراة، أو من غيرها.. فان ذلك مما يعرف بالعقل، وتقود إليه الفطرة السليمة، فكيف صح له أن يجد العذر لهؤلاء في سبّهم الأنبياء، ورميهم هذا النبي بأنه لم يكن أميناً على عرض مولاه، وذاك النبي بأنه كان لوطياً مفضوحاً؟!..

10 ـ قد يكون لهذا البعض عذره ـ باعتقاده ـ في دفاعه عن كاتب المقال السيء، ومن قبله عن نصر حامد أبو زيد، وأضرابهما، وعدم رضاه باتخاذ موقف قوي وحاسم منهما، وممن هم على شاكلتهما، وفق ما تفرضه أحكام الشرع والدين. وكيف يهاجمهم وهو نفسه قد وصف الأنبياء، أو احتمل في حقّهم عبادة الشمس والقمر والكواكب، وقتل النفس البريئة، وارتكاب جريمة دينية.. والجهل بالتكليف الشرعي. والخطأ في تقدير الأمور، والنظر إلى السماء نظرة حائرة بلهاء، والتهرب من المسؤوليات، والخطأ غير المقصود. وغير ذلك مما يجد القارئ شطراً وافياً منه في هذا الكتاب. فلعله وجد: أن ردّة الفعل إذا كانت قوية، تجاه هؤلاء.. فإنها ستكون تجاهه أقوى وأشد، لأنه يتكلم باسم الدين، وعلى أنه من رجاله وأعلامه..

11 ـ ولنا الحق في أن نحتمل في حقّه أيضاً أن يكون ممن لا يرى في نسبة هذه القبائح إلى الأنبياء أي محذور، فلا مبرر لأية ردّة فعل تجاههم، فانه يراهم كسائر الناس الذين لا يجد مانعاً من وصفهم بأي شيء مما ينسجم مع الضعف البشري..

فمن يواجه هؤلاء ويتصدّى لهم يكون ـ بنظره ـ لهم ظالماً، وسيجد نفسه امام الله عاصياً وآثماً. فمن واجبه إذن أن يواجه هؤلاء المدافعين عن المقدسات، وعن الأنبياء، وينهاهم عن المنكر، ويأمرهم بالمعروف؟!

12 ـ ومن يدري فلعل تشكيكات هذا البعض، وكذلك مواقفه المتواصلة، وإصراره على وصف الأنبياء بالسذاجة والإنجذاب إلى القبيح، وممارسة الرغبة المحرمة وغير ذلك مما ذكرنا آنفاً بعضه، وسواه مما لم نذكره في هذا الكتاب ـ نعم لعل ذلك ـ قد كان له الأثر في إيجاد قدر كبير من الجرأة لدى هؤلاء، ومن هم على شاكلتهم للطعن بقداسة الأنبياء، وتصغير شأنهم، وتوهين قدرهم، وفي نسبة القبائح، والإساءات والتقصيرات إليهم..

13 ـ إن هذا البعض قد طرح في قضية نصر حامد أبي زيد لزوم إثارة جو إعلامي من حوله.. بدلاً من إطلاق الحكم الإسلامي العادل والصحيح في حقه..

فيا ليته رضي منا حتى ولو بهذا المقدار في حق من يصف نبياً من أنبياء الله بأنه لوطي مفضوح، ويصف نبياً آخر بأنه لم يكن أميناً على عرض مولاه، ويرفض تقرير القرآن لنبوة نبيّين هما داود وسليمان..

14 ـ وأخيراً.. كيف حكم بلزوم إطلاق الحرّية لكتب الضلال.. ثم حارب "كتاب مأساة الزهراء" وغيره مما يراه في هذا الإتجاه، وحاول منعها من التداول على الأقل بين أنصاره ومريديه لأنه أسهم في فضح توجهاته الفكرية؟!

 

1164 ـ الدعوة إلى تجميد حكم إسلامي بلا مبرر.

1165 ـ الحكم الإسلامي بالكفر يظهر الشخص بصورة المضطهد.

1166 ـ الحكم الإسلامي يكسب المحكوم عليه عطفاً في مسألة التفريق بينه وبين زوجته.

1167 ـ لو عولجت قضية نصر أبو زيد بطرح أفكار تعارضه وتنتقده لما كبرت القضية في الإعلام العالمي.

1168 ـ إصدار حكم الإسلام في حق أبي زيد أخرج قضيّته عن حجمها الطبيعي.

1169 ـ ليس هناك في العالم من يجحد الفكر الديني.

1170 ـ لا يجحدون الفكر الديني رغم رسمهم علامات استفهام حول وجود الخالق.

1171 ـ لا يوجد ملحد في العالم.

1172 ـ الملحدون لا ينكرون، ولكنهم يشكّون.

1173 ـ أدلة الملحدين هي رفض أدلة وجود الله.

1174 ـ الملحدون يعجزون عن الاستدلال على عدم وجود الله.

1175 ـ الشكّ في وجود الله ليس كفراً..

ويقول البعض:

"إن الردّة هي عملية جحود للإسلام، ولفظ له، وأعتقد: أنه ليس هناك في العالم من يحجد الفكر الديني، إذ إن كل حركة الفكر المضاد تتحرك راسمة علامات استفهام حول وجود الخالق، ولكنها لم تستطع إلى الآن أن تقدّم دليلاً على النفي فالنفي تماماً كما الإثبات يحتاج إلى دليل، لذلك فإنني لا أتصور أن هناك ملحداً في العالم لسبب بسيط جداً، وهو أنه لم يستطع أحد منذ أن نشأت الفلسفة المادية حتى الآن، أن يقيم دليلاً على عدم وجود الله إنهم يقيمون الأدلة لو سميناها أدلة على رفض أدلة وجود الله، ولكنهم لا يقيمون الدليل على عدم وجود الله، معنى ذلك أننا نضع هؤلاء في دائرة الشكّ ـ والشكّ ليس كفراً ـ بل هو حالة تساؤل وإثارة علامة استفهام تستوجب النقاش، بينما يدخل الكفر في دائرة الجحود، والإسلام ليس ضد النقاش، بل هو يدعو إليه.

وفي هذا المجال ننقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه جاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن شكَّ في الله؟ فقال: كافر يا أبا محمّد، قال: فشكَّ في رسول الله (ص)؟ فقال: كافر ثم التفت إلى زرارة فقال: إنما يكفر إذا جحد"[61].

وورد في حديث آخر عنه أنه قال: (لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا)[62].

إلى أن قال حول مسألة الحكم بالإرتداد على نصر حامد أبو زيد وأمثاله:

"إن الإسلام لن يخسر كثيراً في تجميد حكم في حالة خاصة، ولكنه قد يعاني كثيراً أمام الواقع العالمي من إطلاق المسألة بهذا الشكل. ثم إننا في اتباعنا هذا الأسلوب نُظهر تلك الشخصية بصورة المضطهد، الأمر الذي يكسبه عطفاً، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالتفريق بينه وبين زوجته، مما يجعل هناك بعداً عاطفياً حتى على مستوى الناس العاديين الذين لا يعيشون معنى الحكم الإسلامي في هذه الأمور لذلك فإنني أتصوّر أنه لو تركت مسألة (مثل مسألة نصر أبو زيد) في حجمها الطبيعي جداً وعولجت بطريقة أو بأخرى، بطرح أفكار تعارضه وتنتقده وتثير الجو الإعلامي من حوله، دون إفساح المجال لمثل هذه التفصيلات، لما كان من الممكن أن تأخذ هذا الحجم في الواقع العالمي الإعلامي وفي الواقع الداخلي، بل لظهرت كقضية فكر إسلامي يقابل فكراً منحرفاً.

إنني أرصد الظاهرة من حيث السلبيات والإيجابيات التي يمكن أن تصيب الواقع والخط الإسلاميين، ولذلك أنصح بدراسة الظروف الموضوعية التي تحيط بمثل هذه الحالات، من ناحية الواقع السياسي الثقافي والاجتماعي"[63].

وقفة قصيرة:

ونقول:

ا ـ إنه لا معنى لتبرئة الذين يتحركون فكرياً في الاتجاه المضاد للإسلام وللإيمان، ويرسمون علامات استفهام حول وجود الخالق، ويدعون إلى الإلحاد ويعلنونه، ولكنهم حين يستدلّون عليه إنما يستدلّون بأدلة باطلة..

نعم، لا معنى لتبرئتهم من أمر، هم أنفسهم يعلنون الإلتزام به!!

2 ـ كما لا معنى لإنكارهم بلا دليل سوى اتخاذهم سبيل الجحود للحقائق بلا مبرر!!

3 ـ ثم لا معنى لوضعهم في دائرة الشكّ، وهم يعلنون أنهم في دائرة اليقين بالنسبة لما يعلنونه، بل لابد من إلزامهم بما يلزمون به أنفسهم.

4 ـ إن وجود الملحد في العالم لا يتوقف على وجود أدلة صحيحة تثبت عدم وجود الخالق.

5 ـ إن الشكّ الذي يعلنونه ـ لو سلّمنا أنه لا يدخلهم في دائرة الإلحاد، لكنه لا يدخلهم في دائرة الإيمان والإسلام، الذي يتطلب اليقين والاعتقاد بالحق. إذ لا شكّ في أن هذا اليقين غير موجود، والإرتداد عن الإسلام لا يحتاج إلى أكثر من الخروج منه وإعلان عدم الإلتزام به.

ويتّضح ذلك جلياً حين نجدهم يصرّون على البقاء في دائرة الشك ـ المزعوم ـ ويؤلفون الكتب التي تثبت بزعمهم عدم صحة ما استند إليه المؤمنون في إيمانهم. ويحاربون هذا اليقين لدى المؤمنين ويحاولون إزالته بمختلف السبل، إذ إن شكاً كهذا، تحميه ـ بزعمهم ـ البراهين والأدلة على النفي ـ حتى لو كانت أدلة واهية ـ يمثل إصراراً على البقاء خارج دائرة اليقين، وإن اظهر مدّعيه أنه شاكّ بهدف ذرّ الرماد في العيون، تلافياً لبعض الإحراجات أو السلبيات التي ربما تواجهه.

وخلاصة الأمر: أن وضع أمثال هؤلاء الذين يعلنون الإلحاد في دائرة الشكّ ما هو إلا تبرع من هذا البعض، يرفضه أولئك المعنيون به أنفسهم قبل غيرهم ولا يقبلونه.

6 ـ أما بالنسبة لحديث (لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا) فنقول:

أولاً: إن هذا البعض يصرّ على لزوم تحصيل القطع واليقين في كل المعارف الإيمانية، والتاريخية وغيرها سوى الأحكام الفقهية الفرعية ولا يكتفي بمطلق الحجة ـ فهل هذه الرواية يقينية عنده من حيث السند، ومن حيث الدلالة؟! أم أن خبر الواحد عنده يفيد اليقين كالخبر المتواتر؟!.

ثانياً: إن هذه الرواية قد افترضت حالة الجهل، والوقوف عند هذا الحدّ.. فهي لا تدل على براءة من يجهد لإثبات مدّعاه، ويعمل لإيجاد الشكوك لدى الآخرين، ويكتب الكتب، والمقالات ويلقي الخطب والمحاضرات. ويدعو إلى الشك ـ بزعمه.. نعم.. إنها لا تدل على براءة هذا وأمثاله من الكفر، ولا تبقيه في دائرة الإيمان..

6 ـ أما بالنسبة للرواية التي تقول: إن رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام:

ما تقول في من شكّ في الله.

فقال: كافرٌ يا أبا محمد.

فقال: فشكّ في رسول الله (ص)؟.

فقال: كافر.

ثم التفت إلى زرارة فقال: إنما يكفر إذا جحد[64].

فإن الرواية السابقة قد بيّنت المراد منها حيث افترضت في الشاكّ أن يلزم حدّه، ويقف عنده.

فإن من يصبح داعية للشك، ويريد إشاعته، وإخراج الناس من حالة الإيمان ليس داخلاً في مضمون هذه الرواية كما أن من أقيمت الحجة عليه، واطلع على البراهين المثبتة للالوهية وللنبوة لا يعود معذوراً في شكّه، فإن لله الحجّة البالغة على كل البشر، ولا يصح ولا يقبل الشكّ بعد الإلتفات إلى تلك الحجّة، أو بعد الإطلاع عليها.

8 ـ إن أسلوب الحكم بالإرتداد على من يثير أفكاراً مخالفة للإسلام على حدّ تعبير هذا البعض ليس من مخترعاتنا نحن كبشر، بل هو حكم إلهي لا بد من إعلام الناس به وتعليمه لمن يجهله، ويجب بيانه لكل من يحتمل في حقه ابتلاؤه به بشكل أو بآخر، وتحديد موارده ليمكن إجراء أحكامه. فان المرتد تبين منه زوجته المسلمة، ويحرم عليها التبذل أمامه، ولا يجوز لها معاملته كزوج. ويجب على المسلمين التفريق بينهما، كما أن المرتد لا يرث المسلم، حتى لو كان أباً، أو أخاً، أو ابناً، له.. نعم، إن هذه الأحكام، ثابتة حتى لو اعتبر غير الملتزمين بالإسلام، هذا الرجل مضطهداً، ومظلوماً، واكسبه ذلك عطفاً منهم، فإننا لا نتوقع من هذا النوع من الناس غير ذلك..

ولو أن الشارع أراد مراعاة هؤلاء لم يمكن إجراء أي حكم من أحكامه. خصوصاً ما يتعلق منها بما يندفع إليه الفساق لممارسة حالات الشكّ والفجور والإنحراف

فلا مجال لرفع اليد عن هذا الحكم الإسلامي الصارم والحازم من أجل استحسانات من هذا القبيل، سواء بالنسبة لنصر حامد أبي زيد، أو بالنسبة لغيره.

وإذا تأملنا في كلام هذا البعض، فإننا سنجد أن من الطبيعي أن ينسحب كلامه هذا حتى على مثل سلمان رشدي الذي عرف الجميع موقف الدين منه وحكم الإسلام، الذي أعلنه الإمام الخميني في حقه.. ورأى الجميع أيضاً، مدى تعاطف المستكبرين والحاقدين مع ذلك الرجل المرتد والحاقد.


المقصد الثامن
الفتاوي.. ومقولات حول المرأة

القسم الأول
الفقه.. والفتاوي

بداية:

إننا نقدّر: أن ما قدمناه فيما يتعلق بالمنهج الإستنباطي للبعض، قد جعل الصورة واضحة فيما يرتبط بالطريقة التي يتبعها في استنباط الفتاوي الشرعية واستنتاج الأفكار الدينية، كما أن ذلك قد أظهر إلى حد بعيد ما ستكون عليه الأمور في نهاية المطاف، والنتائج التي سوف تؤدي إليها هذه الطريقة في الإستنتاج والإجتهاد!! إن صح التعبير ولسوف لن يكون مستغرباً ـ بعد كل ذلك ـ ما ستطّلع عليه في هذه الفصول من الفتاوي البديعة التي أطلقها.

وأي غرابة فيما ستسمع وتقرأ في هذه الفصول بعد أن اطلع القارئ الكريم على ما تقدم من تجويز العمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وفتح باب التأويل ودعوى إمكان الاستيحاء بطريقة يزعم أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يستوحون القرآن بها، وبعد تسويغ العمل بروايات العامة بدعوى عدم وجود الداعي للكذب فيها، بل ترك العمل بالكثير الكثير من روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بزعم كثرة الكذب والوضع فيها، وكون تنقيح إسنادها ـ بسبب ذلك ـ من المسائل المعقدة!! وبعد.. وبعد..

فإلى جملة من تلك الفتاوي والآراء التي سيجد القارئ الكريم من خلالها صحة ما نقول، ومن الله التوفيق والسداد..


الفصل الأول
مجرد نماذج فقط

بداية:

يقول البعض:

"ما من فتوى أفتيها في أي شيء، وفي أي شأن من الشؤون العامّة أو الخاصّة، إلاّ ولدي دليل اجتهادي على طريقة المجتهدين، مما يسمّيه الإمام الخميني: (الإجتهاد الجواهري)، أي على طريقة صاحب جواهر الكلام.

وما من فتوى أفتيها إلاّ وهناك فتوى مماثلة لأكثر من عالم من علمائنا الكبار، وقد تكون الخصوصية هي أن الفتاوى هذه اجتمعت عندي بما لم تجتمع عند بعض العلماء، ولذلك استغربها الناس"[65].

ويقول ذلك البعض أيضا عن فتاويه، التي ربما استظرفها بعض إخوانه:

"إن هذه الفتاوى بأجمعها مستنبطة من أدلتها، وما من فتوى إلاّ وهـناك من العلماء من يوافقني فيها الرأي"[66].

 

1176 ـ تعمد قول آمين ولو لم يقصد بها الدعاء لا يبطل الصلاة.

1177 ـ الميل إلى جواز التكتف في الصلاة.

1178 ـ الشهادة بالولاية فيها مفاسد كثيرة.

وكنموذج للمفارقات في منهجه الفقهي نذكر المثال التالي:

إنه يعتبر أن في قول: (أشهد أن عليا ولي الله) في الإقامة مفاسد كثيرة، حيث يقول وهو يتحدث عنها:

"لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة، في مقدماتها وأفعالها، لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة"[67].

ولا ندري لماذا لا يزيلها من الأذان أيضا، فإنه أيضا من مقدمات الصلاة كما هو مقتضى عبارته؟!.

ثم يقول وهو يعدد مبطلات الصلاة:

"تعمّد قول آمين على الأحوط، وإن كان للصحة وجه، لا سيّما إذا قصد بها الدعاء"[68].

ثم يعد من المبطلات أيضا:

"التكفير ـ وهو التكتف بوضع اليد اليمنى على الشمال، أو العكس ـ على الأحوط، ولاسيّما إذا قصد الجزئية، وان كان الأقوى عدم البطلان بذلك، في فرض عدم الجزئية، وانتفاء التشريع، خصوصا إذا قصد به الخضوع والخشوع لله".. الخ[69].

إذن فليس لديه دليل على بطلان الصلاة بالتكتف، ولا بقول آمين تعمدا، لكون المسألة احتياطية عنده، والإحتياط عنده يستبطن الميل للجواز[70]، بل لا مانع عنده من قول آمين في الصلاة حتى لو لم يقصد بها الدعاء، لوجود وجه للصحة عنده. وكذلك الحال بالنسبة للتكتف في الصلاة، مع عدم قصد الجزئية.

والملفت هنا: أنه لم يسجل أي تحفظ على ذلك ـ فلم يعتبره يؤدي إلى مفاسد كثيرة ـ كما تحفظ على الشهادة الثالثة معتبرا لها كذلك، رغم أن التكتف وقول آمين كلاهما مثلها عنصران جديدان دخلا في أمر واجب ـ وهو الصلاة ـ لا في مستحب.

فهذا العنصر قد دخل في الصلاة نفسها، لا فيما يحتمل كونه جزءا منها، رغم أن هذا الإحتمال ـ أعني احتمال الجزئية ـ موهون جدا..

ولماذا هذا الإحتياط في الشهادة الثالثة؟! أمن أجل مجرد احتمال؟ أليس هو نفسه يشن هجوما قويا على كل العلماء الذين يوجبون الإحتياط حتى في موارد الأحكام الإلزامية[71]؟!.

أم أنه نسي قوله السابق: إن الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه من خلال تحفظاته الذاتية، فعليه أن لا يبرز للمجتمع كمرجع في الفتوى، بل عليه أن يحتفظ بفتاويه واحتياطاته لنفسه؟

ومن الغريب أيضا أن ينبذ الإحتياط في معظم مسائـل الفقه، ـ ومسائله الفقهية تشهد بذلك ـ ثم ينبري للإحتياط في الشهادة الثالثة لاحتمالات بعيدة لا يصح له الإعتداد بها بعد النظر إلى حكمه في مثيلاتها.

ولعل ما ذكرناه من التلميح يغني القارئ عن التصريح، فيما يرتبط بموقفه من أمرين: أحدهما يرتبط بعلي(ع)، والآخر ـ أعني التكتف وتعمد قول آمين في الصلاة ـ يرتبط بجهة تريد أن تكرس ما سوى خط ونهج علي (ع)!!. بعد أن حكم باستلزام ذكر الشهادة لأمير المؤمنين (ع) ـ في كل من الأذان والإقامة ـ لمفاسد كثيرة، والذي نتمناه هو أن لا يتوسل إلى المنع من قولها فيهما بالجبر والقهر.. وذلك إمّا عملا بالقاعدة التي استدل بها على حرمة التدخين، وكل مضرّ، واستنبطها من قوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما}[72] حيث فسّر الإثم بالضرر، من دون أن يكون لذلك شاهد من اللغة.. ولم يفسّر النفع بالمثوبة مع عدم وجود مرجح لأحدهما على الآخر في نفسه، ومن حيث الإستعمال في اللغة العربية، وإما عملا بلزوم دفع المنكر والفساد على نحو التدرج في مراتب النهي عن المنكر، إلى أن تصل إلى حدّ القهر والغلبة مع إمكان ذلك.

وبعد، فإننا لا نريد أن نذكر هذا البعض بتعهداته بأن تكون جميع فتاويه تحظى بموافق لها من علماء الطائفة، فإن حكمه الإحتياطي باستحباب ترك الشهادة لعلي(ع) في الإقامة والأذان من دون قصد الجزئية كحكمه بطهارة كل إنسان، وأحكام له أخرى لم نجد له موافقا، لا من الأولين ولا من الآخرين، بعد تتبعنا الواسع فيما يرتبط بالشهادة الثالثة لما يزيد على رأي مائة عالم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين..

فليته يذكر لنا عالما واحدا يعتدّ برأيه في هذه الطائفة، يقول: الأحوط استحبابا ترك الشهادة بالولاية في الإقامة وفي الأذان مع عدم قصد الجزئية!!

 

1179 ـ الدليل على جواز الضحك.

وتحدث عن جواز الضحك في نطاق الجواب على السؤال التالي:

الحديث يقول: الضحك يميت القلب،..

والعلم يقول: إضحكوا تصحوا، فحين تضحك، فإنّك تساعد جسمك على العرق، وتحريك دمك، وفرز مادة الكربون، كما أن الفم قد يطلق عناصر هرمونية.

ج: "من قال بأن الضحك غير جيد؟! كثرة الضحك تميت القلب، وإلاّ، فالله يقول: (فليضحكوا قليلا)، ليس معناها أن لا يضحك أحد، لا، لازم دائما يبتسم المؤمن، لازم دائما يكون مبتسم.

الآن الفرزدق في مدحه للإمام زين العابدين(ع):

يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته             فلا يُكلم إلا حين يبتسم

يعني ابتسامته تسبق كلمته. لا، يضحك الإنسان، يبتسم الانسان قي هذه الحياة.لكن عليه أن لا يكثر من الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب"[73].

ونقول:

1 ـ لاحظ استدلاله على جواز الضحك بآية: {فليضحكوا قليلا، وليبكوا كثيرا}، التي عنى الله بها غير المؤمنين من أهل العذاب في الآخرة!!

2 ـ ولا بأس بالتأمل أيضا في استشهاده بشعر الفرزدق على جواز الضحك، مع أنه إنما تحدث عن التبسم، لا عن الضحك.

3 ـ يلاحظ أخيرا أنه فسّر بيت الفرزدق بطريقة تظهر أنه قد قرأ كلمة (يكلَّم) بصيغة المبني للمعلوم، أي بكسر اللام، مع أنّها بفتح اللام المشدّدة.

 

1180 ـ الأخ والزوج وتارك الصلاة يتم إقناعه بالحكمة والموعظة الحسنة.

1181 ـ يجوز الإغلاظ في القول للأبوين في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1182 ـ يجوز حبس الأبوين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1183 ـ يجوز ضرب الأبوين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1184 ـ يجب الإغلاظ للأبوين وضربهما وحبسهما في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

1185 ـ ضرب وحبس الأبوين والإغلاظ لهما من مصاديق البرّ بهما.

1186 ـ لا تضرب الزوجة مع إصرارها على المنكر، بل تمارس عليها ضغوط خفيفة.

سئل البعض:

كيف يتصرف المؤمن مع الأب أو الأم إذا صدر منهما المنكر، أو ترك المعروف، وذلك من جهة جواز أو وجوب الإغلاظ عليهما في القول. وجواز أو وجوب الضرب، أو أن لهما مع الإبن وضعاً خاصاً؟.

فأجاب:

".. إذا توقف الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر على الإغلاظ في القول، أو الضرب أو الحبس، أو نحو ذلك، جاز أو وجب القيام به، لأنه من مصاديق البّر بهما.

ولكن لا بد من التدقيق في دراسة الوسائل من الناحية الواقعية في ضرورتها أو جدواها، وعدم التسرّع في ذلك، فلا يقدم على التصرفات السلبية، قبل اقتناعه بها. بطريقة شرعية، حتى لا يختلط عليه مورد البر بمورد العقوق"[74].

وسئل البعض:

لقد ورد عنكم بأنه يجوز شرعاً أن ينهر الولد أباه بالعنف والضرب في سبيل الهداية، إذا كان الوالد على ضلال، فهل لكم أن توضحوا لنا هذا الأمر؟!

فأجاب:

"من أعظم موارد الإحسان إلى الوالدين هدايتهما إلى الصراط المستقيم، وإبعادهما عن الضلال، ومعصية الله. فإذا توقف ذلك على العنف بالطريقة المعتدلة، بحيث يؤدي إلى هدايتهما، ولا طريق غير ذلك جاز، بل وجب.

وقد ورد في الحديث عن الأئمة عليهم السلام: أن شخصاً جاء إلى أحد الأئمة (ع) وقال له: إن أمي لا تردّ يد لامس، أي أنها تمارس الزنا، أو ما أشبه ذلك مما فيه معصية لله، فقال: احبسها فإن ذلك بر بها"[75].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن المعروف الذي يؤمر به قد يكون هو صلة رحمه مثلاً، فإذا قطع رحمه جاز ضربه لأجل ذلك.. والمنكر الذي لا يرتدع عنه قد يكون هو النظر للمرأة بشهوة أو الغيبة أو الكذب فيجوز الضرب والحبس للوالدين من أجل ذلك عند هذا البعض..

فهل ذلك مقبول يا ترى؟

2 ـ إن الله سبحانه يقول{وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم. فلا تطعهما، وصاحبهما في الدينا معروفاً}[76].

والشرك هو من أعظم الذنوب بل هو أعظمها، حيث إن الله سبحانه يقول: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}[77].

فلا بد من ضربه ليقلع عن هذا المنكر الذي هو فيه.

فكيف إذا لم يكتف مرتكب هذا الذنب العظيم بشركه هذا، بل زاد عليه بأن حاول أن يدعو الناس إلى هذا الشرك وإقناعهم به؟!.

وكيف إذا زاد على ذلك بأن مارس التخويف للمؤمنين، من أجل أن يحملهم عليه؟!

وكيف إذا بلغ به الأمر في ذلك إلى حد القتال عليه بالسلاح، أو بغيره من أجل فرض ذلك على الناس المؤمنين المهتدين؟!.

ومع ذلك فإن الله سبحانه يطلب من الولد إذا كان فاعل ذلك هما أبواه ـ أن لا يستجيب لهما فيما يطلبانه منه، ويجاهدانه عليه.

ويلاحظ: أنه لم يأمره ـ بأن يعاملهما بالمثل ليدفعهما عن نفسه..

ولا أمره بأن يغلظ لهما في القول.. أو أن يظهر التنفّر منهما.. أو حتى أن يتركهما ويبتعد عنهما..

بل هو أمر بصلتهما، وبمصاحبتهما. ثم يزيد على ذلك أن تكون هذه الصلة والصحبة على درجة من الإيجابية بحيث يعرف ذلك منه فيهما فيقول سبحانه: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً}.

3 ـ ورغم أن الله سبحانه لم يسجل في القرآن أية حالة سلبية يمكن للولد أن يمارسها تجاه والديه، بل كل ما في القرآن قد جاء على النقيض من ذلك..

وقد سجّل بالنسبة للزوجات بعضاً من ذلك حيث أجاز ضربهن، وهجرهن في المضاجع إذا ظهرت عليهن أمارات النشوز فقال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن}[78].

نعم، رغم ذلك كله، فإننا نجد لهذا البعض بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للزوجة موقفاً آخر..

فقد سئل:

ما هو الواجب على المكلف تجاه زوجته التي لا تلتزم الحجاب الشرعي. وقد حاول معها مراراً بالإقناع فلم تلتزم؟!. وما حكم صلاتها وعبادتها؟!.

فأجاب:

"الواجب عليه أن يأمرها بالمعروف، وينهاها عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. وأن يمارس بعض الضغوط الخفيفة، الذكية، التي لا تخلق مشكلة كبرى. ولا يجب عليه طلاقها مع امتناعها عن الاستجابة إلى ذلك.

أما صلاتها وعباداتها فهي صحيحة مع استجماعها للشرائط.."[79].

4 _ وحين يسأل البعض أيضاً عن التعامل مع تارك الصلاة، وهو من الأقارب نجد: أنه لا يطلب من السائل حبسه أو ضربه، بل يطلب منه الصبر على الحياة معه..

فقد سئل:

كيف نتعامل مع تارك الصلاة خصوصاً إذا كان هذا التارك من الأقرباء؟

فأجاب:

"إذا كان من الأقرباء مثل الزوج، أو الزوجة، أو الأخ، أو الأخت، أو من غيرهم فبطريقة: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}[80] و{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}[81] و{وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}[82]؟.

إذا اتبعنا ذلك، وكنّا جادين، ونملك عقلاً وصدراً واسعاً، فإننا نستطيع الصبر على من عاشوا في تربية سيئة، أو بيئة سيئة، أو ضالة لنحاول إقناعهم بالحقِّ في نهاية المطاف"[83].

فنلاحظ: أنه لم يوصِ بالعنف على تارك الصلاة في صورة إصراره على هذه المعصية الكبيرة.

5 ـ وفي مورد آخر نجد: أنه هو نفسه قد ناقض نفسه حين سئل عن أب يحمل أفكاراً إلحادية، هل يجب على أبنائه البرّ به، وكسب رضاه؟..

فأجاب بالإيجاب، واستدل على ذلك بنفس آية: {وإن جاهداك على ان تشرك بي..} فراجع[84].

فيا سبحان الله، كيف يجب البرّ بأب يحمل أفكاراً إلحادية، وكسب رضاه، ويجب ضرب الأب المسلم الذي لا ريب في إسلامه ودينه وعقيدته.. وكيف يمكن لولده كسب رضاه بعد أن ينهال عليه بالركل والضرب، ويواجهه بالحبس، وما إلى ذلك؟!

6 ـ على أن الرواية التي يتمسك بها هذا البعض لتجويز ضرب الوالدين وحبسهما غير ظاهرة الدلالة على ما يقول. فقد روى الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن الصادق (ع) قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: إن أمي لا تدفع يد لامس.

قال: احبسها.

قال: قد فعلت.

قال: فامنع من يدخل عليها.

قال: قد فعلت.

قال: قيّدها فإنك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله عز وجل)[85].

فيرد على استدلاله بهذه الرواية:

أولاً: إن الرواية لم تذكر الضرب، فكيف استفاد ذلك منها، فإن الحبس أدنى من الضرب، والانتقال من الأدنى إلى الأعلى مما لا يقبله العرف في مقام الخطاب؛ فليس هذا المورد من موارد مفهوم الموافقة كما هو ظاهر.

ثانياً: من أين علم: أن المقصود من قول ذلك الرجل عن أمه: إنها لا ترد يد لامس هو أنها تمارس الزنا؟!

ثالثاً: إذا كانت الرواية مخالفة لظاهر القرآن فلا بد من تأويلها إن أمكن أو طرحها.

رابعاً: المراد بالحبس قد لا يكون هو السجن، بل يكون معنى لا يتنافى مع البرّ بها، كأن يكون المراد مجرّد وضع العراقيل أمام خروجها وملاقاتها للرجال، والخلوة بهم، فإن لم ينفع ذلك فقد أجاز له الإمام أن يمنع الرجال من الوصول إليها فإن لم ينفع ذلك لجأ إلى تضييق الخناق عليها إلى درجة أن لا تستطيع أن ترى رجلاً أو أن يراها رجل.

وذلك لا يستلزم سجنها بالمعنى المعروف للسجن، بل تبقى على اتصال مباشر بالنساء وبالأولاد، وبالمحارم.

وأما المراد بتقييدها.. فقد يكون سدّ منافذ اتصالها بالرجال إلى درجة تصبح لا حول لها ولا قوة، وغير قادرة على أي تحرك وقد احتمل الحر العاملي أن يكون المراد:

(هو أن يربط الزانية بالزوج كما يربط البعير الشارد بالعقل)[86]..

ولو لم يمكن قبول هذه التفسيرات للرواية فلا بد من التوقف عن العمل بها لأنها تكون ـ كما قلنا ـ منافية لظاهر القرآن فلا مجال للأخذ بظاهرها، خصوصاً على القاعدة التي يقول: إنه يلتزم بها، من عرض كل الحديث على القرآن..

7 ـ بقي أن نشير إلى أن هذا البعض قد يلجأ إلى التمسك بكلام الآيات العظام: السيد الخوئي قدس سره والشيخ التبريزي حفظه الله، وأطال بعمره في هذا المقام ولكننا نقول له:

أولاً:

إننا لو سلمنا: أن ما ذكراه متطابق مع ما ذكره.. فإننا نقول:

إن منهج هذا الرجل ـ كما هو ظاهر لا يخفى ـ هو جمع الأقوال التي تتناسب مع منهجه، وضم بعضها إلى بعض ليصبح المجموع مخلوقاً فريداً ومتميزاً لا شبيه له ولا نظير.

ثانياً:

إن من الواضح: أن هذين العلمين لهما منهج سليم في الإستدلال والإستنباط ولو فرض ظهور إخلال به في بعض الموارد، فانهما إذا نبههما أحد إلى عدم انسجام ما يذهبان إليه في مورد، مع قواعدهما ومع منهجهما فإنهما يتنبّهان إلى ذلك ويرجعان إلى الأصول والمناهج التي أصلاها واعتمداها..

وهذا بخلاف من يكون منهجه يتناغم وينسجم مع المقولات التي عرفنا في هذا الكتاب جانباً منها.

ثالثاً:

إن الملاحظ هو أن السؤال الوارد في صراط النجاة، وإن كان عن أن مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل تشمل الوالدين أو لا تشملهما.

لكن جواب آية الله العظمى السيد الخوئي قدس سره هو:

"إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختصان بغير الوالدين"[87].

فلم يشر إلى المراتب لكنه تحدث عن أن على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى والديه.

أما آية الله العظمى التبريزي حفظه الله فهو يشترط في ضرب البالغين إذن الحاكم الشرعي حيث إن دخول الضرب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ظاهر[88]، على أن ثمة من يحتمل أنه يقصد بقوله:

"لكن لا بأس بالنسبة إلى الوالد والوالدة أو غيرهما من الأهل إذا توقف منعهم عن محارم الله على ذلك"

أن للوالد والوالدة الحق في ضرب أبنائهم إذا توقف امتناع الأبناء عن المنكرات على ذلك لا العكس.

وحتى لو قيل: إن السيد الخوئي أو غيره يجيزون ذلك، فليس من حق من يتخذ لنفسه منهجاً مغايراً أن يحتج بقول هؤلاء في ذلك..

أضف إلى ما تقدم: أن الأقاويل الفريدة، والعجيبة، والغريبة، لهذا البعض تدل على خلل حقيقي في منهجه.. وذلك ظاهر لا يحتاج إلى بيان.

هذا كله عدا عن المفارقات التي ظهرت في أقاويل هذا البعض في خصوص هذا المورد حيث لم يفت بذلك بالنسبة لغير الأبوين، كما تقدم.

 

1187 ـ مع موت الدماغ لا يجب وضـع أجهزة التنفس، ولا يحرم قطعها.

1188 ـ إذا تحقق موت الدماغ لا يجب التغذية.

1189 ـ لا بد للطبيب أن يستأذن ولي المريض في إنهاء هذا النوع من الحياة.

1190 ـ الميت دماغياً لديه حياة الخلية لا حياة الإنسان.

1191 ـ الموت الطبي ليس محرزاً بالدليل الشرعي.

سئل البعض:

قد تصل حالة المريض إلى أن يتعطل العقل (الدماغ) ويموت، ويحاول الدكتور المحافظة على حياة المريض عبر أجهزة التنفس والتغذية التي بدونها لا يستطيع المريض أن يتنفس أو يتغذى، مما يؤدي إلى الموت، فنحن في حيرة، هل يجوز رفع هذه الأجهزة عن المريض؟ وهل يعتبر رفعها قتلاً؟ علماً أن الدماغ قد مات، وموته يعني موت الإنسان طبّياً، فإلى من نرجع في هذه الأمور؟

فأجاب:

"إذا تحقق موت الدماغ باليقين، فلا يجب وضع أجهزة التنفس والتغذية، ولا يحرم رفعها إذا كانت موجودة، ولا يعتبر ذلك من القتل المحرَّم"[89].

ويُسأل هذا البعض مرة أخرى:

(الموت الرحيم) هل يرجع تحديده للطبيب، أم للحاكم الشرعي، أم للمريض نفسه؟

فيجيب:

"إذا كان المقصود من الموت الرحيم، الموت الذي يريح المريض، باعتبار أن الآلام تصل إلى حد لا تطاق عادة، فإن هذا لا يجوز، فإن قتل الإنسان حتى لو كان ذلك رأفةً به لا يجوز.

وإذا كان المراد بالموت الرحيم، هو قتل المريض تخفيفاً على أهله من جهة أنه ميؤوس منه، باعتبار أنه سيموت بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أيام قطعاً، فهذا لا يجوز أيضاً، لأنه لو بقيت لهذا المريض ساعة من الحياة، لما جاز لنا أن نسلبها هذا الإنسان.

أما إذا كان المراد بالموت الرحيم حالة الموت الدماغي، كما لو افترضنا أن المريض مات طبياً، بمعنى توقف الدماغ بالطريقة التي لا مجال فيها ولو بنسبة 1% بعودته إلى العمل، ففي هذه الحالة نرى أنه لا يجب وضع الجهاز الذي يطيل أمد الحياة للجسد بمعنى حركة القلب، ولا يحرم إزالة الجهاز، لو كان موجوداً في هذه الحالة.

وهذه المسألة يرجع تحديدها للطبيب المشرف على المريض، كما أنها تكليف الأهل لتمكين الطبيب من ذلك، حيث لا سلطة للطبيب على أن ينهي حياة هذا الإنسان أو ينهي هذا النوع من الحياة، لأن للمريض ولياً، ولا بد للطبيب من مراجعته في هذا الشأن. حيث يجوز للولي نتيجة تشخيص الحالة من قبل الطبيب أن يسمح له بإجراء هذه العملية. ولعل الأساس في ذلك أن الأدلة التي تدل على وجوب إنقاذ حياة المريض لا تشمل هذا النوع من الحياة التي هي حياة الخلية لا حياة الإنسان، تماماً كما هو مظهر الحياة في ذنب الأفعى أو الوزغ بعد الموت، كما أن الدليل الذي دلّ على حرمة إنهاء الحياة للإنسان بالقتل لا يشمل هذا المورد.

وليس الأساس هو صدق الموت على الموت الطبي، لأن ذلك ليس محرزاً بحسب الأدلة الشرعية، والله العالم"[90].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إننا قبل أن ندخل في بيان مواضع الخلل في كلام هذا البعض نشير إلى أن علينا أن نعترف بالعجز عن فهم فقرة وردت والسؤال حيث يفهم منه أنه يمكن الرجوع إلى الميت (بالموت الرحيم) في تحديد الموت الرحيم..

وبعد هذه الملاحظة نقول:

1 ـ هل يستطيع هذا البعض الجزم بأن هذا الموت الدماغي هو الموت الحقيقي، الذي يكون فيه عزرائيل قد أتم قبض روح ذلك الشخص، وصعد بها إلى الملأ الأعلى.. بحيث يصح أن نقول جزماً: إنه قد أصبح جسداً لا روح فيه؟!.

2 ـ ما معنى تعليله لزوم إجازة ولي المريض للطبيب بقوله:

"حيث لا سلطة للطبيب على أن ينهي حياة هذا الإنسان، أو هذا النوع من الحياة، لأن للمريض ولياً".

فإذا كانت حياة فكيف جاز إزهاقها؟!. وإذا لم تكن حياة فلماذا احتاج الطبيب إلى إجازة الولي؟!.

إلا إذا كان المقصود هو إجازته من حيث التصرُّف في جسد الميت.

ويجاب عنه: أن رفع الأجهزة قد لا يكون فيه تصرُّف في المريض يحتاج إلى إجازة، لا سيما إذا كانت الأجهزة ملكاً للطبيب.

3 ـ وإذا كانت حياة أو نوعاً من الحياة فكيف جاز للولي الإجازة بإزهاق روح هذا المريض وإنهاء حياته؟! أو فقل: إنهاء هذا النوع من الحياة. ومن أين جاءته السلطة على ذلك؟!، وما هو الدليل على جواز أن يسمح للطبيب بإجراء هذه العملية؟! فإن ولايته بالنسبة إلى المريض لا تعني جواز قتله، أو جواز إنهاء هذا النوع من الحياة.

4 ـ أما بالنسبة لإطلاق الأدلة. فنقول: ما هو الوجه الذي قيد إطلاقها وجعله لا يشمل هذا النوع من الحياة؟!. ولماذا لا يشمل دليل حرمة القتل هذا المورد.. مع اعترافه بعدم صدق الموت على الموت الطبي. ومع اعترافه بأن الأدلة الشرعية غير قادرة على شمول الموت الطبي.

5 ـ وهل يلتزم هذا البعض بوجوب غسل مسّ الميت لمن مسّ إنساناً قد مات دماغه؟!.. وهل يجيز دفنه وهو في هذه الحالة؟!. وهل تعتدّ زوجته منذ بدء هذا الموت الدماغي عدة الوفاة، ثم تتزوج بغيره؟! خصوصاً إذا امتد وضع الأجهزة إلى أشهر عديدة ولو أنه صلى عليه وغسله غسل الميت وهو في هذه الحالة هل يلتزم بإجزاء هذه الصلاة، وذلك الغسل، وعدم لزوم إعادتهما بعد فصل الأجهزة عنه وتوقف قلبه؟!..

وإذا قالوا: إن الاحتياط يقتضي عدم ترتيب كل هذه الآثار، ويقتضي إعادة ما يحتاج إلى إعادة..

فإننا نقول: لماذا لا يقتضي الاحتياط عدم إبعاد الأجهزة عنه والإقدام على قتله؟!

6 ـ ما معنى تشبيه هذه الحالة بحالة ذنب الأفعى أو الوزغ بعد الموت؟ فإن كان التحرك نتيجة عملية خروج الروح منه، فإن الموت لا يصدق إلا بعد انتهاء خروجها، وإن كانت مجرّد تقلّصات للخلايا بعد خروج الروح، فلماذا لا يصدق عليه أنه موت بحسب الأدلة الشرعية حسب اعترافه؟!.

7 ـ من الذي قال لهذا البعض إن هذا المستوى من المرض مهما كان خطيراً يجيز له أن يحرم المريض من أنفاسٍ بقيت له يُنيله الله من خلالها الثواب الجزيل، والأجر العظيم على ما يعانيه في هذه الدنيا. فلماذا يريد أن يحرمه من هذا الثواب؟‍.

8 ـ وبعد.. ألم يسمع هذا البعض بالكثير من الحالات التي تم فيها شفاء مريض قد يئس الأطباء من شفائه؟ وشخّصوا موته دماغياً؟، وأعلن ذلك في تقارير نشرت في الصحف، وعلى شاشات التلفاز؟ فلماذا يحرمه من هذه الفرصة. أو على الأقل يحرم أهله من الدعاء والابتهال إلى الله لشفائه؟ ومن ثواب هذا الدعاء.. ويحرمهم من الصبر على المعاناة، ومن ثواب وأجر الصابرين؟.. ويدفعهم إلى ارتكاب جريمة في حق إنسان يعترف هو نفسه بأن الأدلة الشرعية لا تساعد على اعتباره ميتاً..

9 ـ وإذا كان الموت الطبي غير محرز بالأدلة الشرعية، فكيف أحرز عدم وجوب تغذية ذلك المريض؟!..

فإن كان ذلك خوفاً على الأموال، فالأموال إنما هي للمريض نفسه، أو من بيت المال.

وكيف أحرز جواز أن يأذن الولي بإنهاء هذا النوع من الحياة؟!.

10 ـ والأغرب من ذلك والأعجب: أنه حكم على هذا النوع من الحياة: أنه حياة الخلية ـ كما هو الحال في ذنب الأفعى ـ لا حياة الإنسان.. ثم هو يقول:

"إن الموت الطبي غير محرز بالأدلة الشرعية"!!.

فإذا كان قد أحرز أنها حياة الخلية فقط.. لا حياة الإنسان، فإن عليه أن يحرز موته طبياً.

11 ـ إن حياة الجنين قبل ولوج الروح فيه هي الأخرى حياة الخلية أو حياة النباتية فلماذا حرم الشارع المساس بها. ومنع الحامل من محاولة الإسقاط؟!

 

1192 ـ عملية إعادة العذرية جائزة في صورة الحرج.

1193 ـ إعطاء الرخصة في إعادة العذرية قد يؤدي إلى التساهل في العلاقات الشرعية ـ كالمتعة.

1194 ـ التساهل في العلاقة الشرعية قد يحقق بعض المفاسد الأخلاقية.

سئل البعض:

ما تعليقكم على من تقوم بعملية إعادة العذرية لمن فقدتها، لحدث أو خطأ ما من أجل إيهام الزوج القادم بأنها عذراء، في حال كونها تعيش في مجتمع لا يغفر لها غلطتها، وقد يعرضّها ذلك إلى خطر كبير يهدد حياتها؟

فأجاب:

"إذا كان الأمر يؤدي إلى عار لا يتحمل عادةً، ويؤثر تأثيراً كبيراً على سمعتها، مما يشكل حرجاً عليها، أو إلى قتل أو ما أشبه ذلك، فإنه يجوز لها، ولكن لا بد من الاحتياط في ذلك بعدم اللجوء إليه إلا في حالات الضرورة القصوى.

ولا يكتفى فيه بالحالات العاطفية في ظروف المرأة التي فقدت عذريتها، لأن إعطاء الرخصة في مثل هذه الأمور قد يشجع الكثيرات على الجرأة في ممارسة الإنحراف الجنسي، وفي التساهل في العلاقات ـ حتى الشرعية ـ كالعقد المنقطع، مما قد يحقق بعض المفاسد الأخلاقية أو المشاكل الاجتماعية الناشئة من ذلك"[91].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إذا كانت العلاقة في المتعة شرعية، فهل المطلوب هو التعقيد في العلاقات الشرعية أم التسهيل؟.

2 ـ وهل ممارسة المتعة بصورة شرعية يحقق المفاسد الأخلاقية؟! وكيف؟!

3 ـ وإذا كان الزواج جارياً وفق أحكام الشرع فلماذا وما هو المبرر لنشوء مشاكل اجتماعية فيه إلا الحمية الجاهلية، ورفض الإنقياد لأحكام الله؟! وإذا كان الزواج المنقطع يفسد الأخلاق، فإن الزواج الدائم أيضاً كذلك لا سيما إذا تكرر الطلاق والزواج.

4 ـ وما هو الربط بين التشدد في أمر إعادة العذرية وبين فساد الأخلاق في الزواج الموقت؟!. فإنه إذا جاز لها أن ترخص زوجها في افتضاضها، فإن ذلك ليس من فساد الأخلاق في شيء.

بل ممارسة لحق مشروع ومعترف به وممضى من قبل الشارع.

5 ـ وهل إعادة المرأة لعذريتها من شؤون الحاكم الشرعي، حتى تحتاج كل من تريد إعادة العذرية لنفسها أن تستأذن منه؟!

6 ـ ومهما يكن من أمر.. فإن عطفه الزواج المنقطع على مسألة الشذوذ الجنسي وجعلهما في خانة واحدة غريب وعجيب!!، ولا يمكن قبوله بأي وجه..

كما أن اعتبار الزواج المنقطع سبباً في الانحراف الأخلاقي. أغرب وأعجب!!.

وما عشت أراك الدهر عجباً!!.

 

1195 ـ طهارة كل إنسان.

1196 ـ الرأي العلمي للشهيد الصدر هو طهارة كل إنسان.

1197 ـ الشهيد الصدر فضل الإحتياط في الفتوى بنجاسة الكافر.

سئل البعض:

يبدو أن بعض فتاواكم الجديدة هي مما سبق لعلماء آخرين وفقهاء ومراجع أن قالوا بها. هل تسلطون الضوء ـ بشكل استقرائي ـ على بعض النماذج والأمثلة في هذا الصدد؟

فأجاب:

"إن رأينا في طهارة كل إنسان يوافق الرأي العلمي للسيد الشهيد (الصدر) والذي فضل الإحتياط في الفتوى حوله. وهناك أكثر من فقيه معاصر يلتقي معنا فيه"[92].

وقفة قصيرة:

ونسجل هنا الملاحظات التالية:

1 ـ إن هذا البعض يدعي:

"أن الرأي العلمي للشهيد الصدر هو طهارة كل إنسان.."

وقد راجعنا الكتاب الاستدلالي للشهيد الصدر، فلم يظهر لنا من كلامه أنه يقول: بطهارة كل إنسان حتى الملحد.. بل نجد في كلامه ما يشير إلى ضد ذلك، فهو يقول وهو يتحدث عن الإجماع على نجاسة الكافر:

(.. وأما بالنسبة إلى المشرك، ومن هو أسوأ منه، فإن لم يمكن التعويل على الإجماع فيه جزماً، لضآلة منافذ التشكيك، فلا أقل من التعويل عليه بنحو الاحتياط الوجوبي)[93].

ويقول:

(وعلى ضوء ذلك كله نلاحظ: أن أدلة القول بالنجاسة لم يتم شيء منها في الكتابي. وأن المتيقن من تلك الأدلة ـ التي عمدتها الإجماع ـ المشرك ومن يوازيه، أو من هو أسوأ منه كالملحد.

وعلى هذا يتجه التفصيل بين هذا المتيقن، فيحكم بالنجاسة في حدود المتيقن، ويحكم بالطهارة في ما زاد على ذلك)[94].

2 ـ أما بالنسبة لقوله:

".. وهناك أكثر من فقيه يلتقي معنا فيه.."

فنقول: قد عرفنا فيما تقدم حال ما نسبه إلى الشهيد الصدر في هذا المقام، حيث ظهر أنها نسبة غير صحيحة؛ فنحن بالنسبة لما نسبه إلى غيره رحمه الله لا يسعنا إلا الإنتظار إلى الوقت الذي يبوح لنا هذا البعض فيه بأسمائهم لنراجع كتبهم، فلعل حالهم حال ذلك الشهيد السعيد الذي عرفنا حقيقة موقفه.

3 ـ أما احتياط الشهيد الصدر في الفتوى بنجاسة غير الكتابي فيقابله ما ذكره هذا الشهيد السعيد رحمه الله في الفتاوى الواضحة ص227 حيث يقول ما يلي:

(.. وكل كافر نجس، ويستثنى من نجاسة الكافر قسمان من الكفار..[95] أحدهما أهل الكتاب..الخ..).

 

1198 ـ يحتمل احتمالاً قوياً جداً أن الإقامة جزء من الصلاة.

1199 ـ تذكر الشهادة بالولاية في الأذان ولا يجوز ذكرها احتياطاً في الإقامة.

1200 ـ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم جائزة في كل موقع في الصلاة.

سئل البعض:

هل تعتبر الإقامة عندكم جزءاً من الصلاة؟.

فأجاب:

"لم يثبت عندي أنها جزء من الصلاة، ولكن يحتمل ذلك من جهة بعض الروايات، مما جعلنا نحتمل احتمالا قوياً جداً، لأن الإقامة لا بد فيها من الطهارة أو الوضوء أما الأذان فلا تجب فيه الطهارة ويجوز الالتفات في الأذان، فيما لا يجوز الالتفات في الإقامة.

وتجوز الفاصلة بين الأذان وبين الصلاة، ولكن لا يجوز أن تكون هناك فاصلة بين الإقامة وبين الصلاة.

وهناك حديث نناقش في سنده: (إذا دخل في الإقامة، فقد دخل في الصلاة)، وهو موجود في الوسائل.

ولذلك نقول: الأحوط أن لا ندخل في الإقامة أي شيء لا يجوز إدخاله في الصلاة.

وهذا هو الذي جعلنا لا نذكر الشهادة الثالثة في الإقامة، مع أننا نقولها في أذان صلواتنا. وإن كانت هي ليست أصلاً، لا في الآذان ولا في الإقامة. بإجماع العلماء تقريباً. باعتبار احتمال أن تكون الإقامة جزءاً من الصلاة، فلا يجوز أن تدخل فيها شيئاً من باب الإحتياط"[96].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن الاحتياط قول بالجواز، وميل إليه حسب تقرير والتزام هذا البعض، فلا يصغى لقوله:

"فلا يجوزان تدخل فيها شيئاً.. من باب الاحتياط.."

فانه تعبير متناقض بناء على ما يقوله نفس هذا البعض.. لأن كلمة لا يجوز تناقض الميل إلى الجواز، وعدّ من يقوله من القائلين بالجواز.

2 ـ لقد سئل هذا البعض نفسه:

هل يجوز للإنسان الاستعاذة في أي موضع من مواضع الصلاة؟

فأجاب:

"نعم، يستطيع أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) في كل موقع من الصلاة؛ لأن هذا من الذكر لله سبحانه وتعالى. والدعاء لله سبحانه وتعالى. وهو جائز في كل موقع من الصلاة"[97].

ويا ليته رضي بمثل هذا بالنسبة إلى الشهادة لعلي بأنه ولي الله في الإقامة على الأقل. فإنها أيضاً فيها ذكر الله سبحانه، وقربة له، وطاعة، وامتثال لأوامره المطلقة التي تطلب منا الشهادة لعلي بالولاية..

3 ـ إن التمسك بأمر لم يثبت لدى هذا البعض، وإنما هو مجرد احتمال.. لا يوجب علماً ولا عملاً، ولا يستند إلى دليل علمي مقبول..

لا مجال لتفسيره إلا على أنه التماس للمبررات، وتمسك ولو بمثل الطحلب للتمكن من الإصرار على استبعاد هذه الشهادة من الإقامة. بعد أن لم يستطع إقناع الناس بأن في ذكرها مفاسد كثيرة على حد تعبيره.

ويؤكد لنا هذه الحقيقة: أنه لم يفعل مثل ذلك في أي موقف آخر.. ولم يستند إلى الاحتمالات مهما كانت قوية إلا في مثل هذا المورد اللهم إلا في مورد قول آمين، والتكتف بالصلاة، ونحو ذلك.

بل إنه قد احتاط في التكتف بالصلاة حتى مع قصد الجزئية رغم أنه بدعة. مع تصريحه بأن الاحتياط الإلزامي بالنفي ميل إلى الجواز لعدم وجود الدليل على التحريم.

4 ـ قد ورد في الروايات جواز التكلم وهو يقيم الصلاة، وبعد ما يقيم[98].. وذلك ينقض حكمه بأنها جزء من الصلاة، ثم احتياطه بعدم جواز ذكر الشهادة لعلي (عليه السلام) بالولاية فيها.

5 ـ قد ذكر أنه يجب التوجه إلى القبلة في الإقامة، ولا يجب ذلك في الأذان، وهذا غير مسلّم، فقد روي أن علي بن جعفر سأل أخاه الكاظم (عليه السلام): عن رجل يفتتح الأذان والإقامة، وهو على غير القبلة، ثم استقبل القبلة، قال: لا بأس[99].

6 ـ إن الروايات التي وردت عن الأئمة عليهم السلام، وهي تعد بالمئات. قد قرنت في معظمها فيما بين الأذان والإقامة.. وتحدثت عنهما بأسلوب واحد، غير أنها أفردت الإقامة ببعض الخصوصيات والأحكام، وأفردت الأذان أيضاً ببعض الخصوصيات.. مع أن الروايات ـ حتى في موارد الحديث عن تلك الخصوصيات لهذا وتلك قد قرنت بينهما في الحديث، وذلك يشير إلى اشتراكهما في حكمهما العام، وهو الإستحباب. وإن اختلفا في بعض تفاصيل هذا الإستحباب.

7 ـ إن هذا البعض قد برر احتماله القوي (!!) جداً (!!) بأن الإقامة جزء من الصلاة بأمور أربعة هي:

"عدم جواز الإلتفات.

اشتراط الطهارة.

اشتراط الإستقبال.

عدم الفصل بينها وبين الصلاة.."

ونحن نجد أن هذه الأربعة مجتمعة قد اشترطت في دعاء التوجه إلى الصلاة[100]، وعند القيام إليها[101] وفي التكبيرات السبع التي تفتتح بها الصلاة، فان التكبيرات التي تسبق تكبيرة الإحرام ليست جزءاً من الصلاة..

كما أنه يستحب الدعاء بالمأثور في أثناء تلك التكبيرات[102]،

8 ـ ورد في الروايات:

أ: أن مفتاح الصلاة التكبير[103] فلو كانت الإقامة جزءاً من الصلاة لكان اللازم القول: إن مفتاح الصلاة الإقامة.

ب: لقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله): (افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)[104].

ج: في حديث عن (الله اكبر) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا تفتح الصلاة إلا بها)[105].

د: عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يكبر حتى افتتح الصلاة، (قال: يعيد الصلاة)[106].

هـ: في حديث عن ابن يقطين: سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلوة حتى يركع، (قال: يعيد الصلاة)[107].

و: عن الإمام الرضا (عليه السلام): (الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح)[108].

ز: عن عمار: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف إمام، فلم يفتتح الصلاة، قال: (يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح)[109].

ح: عن الإمام الصادق (عليه السلام): (الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح)[110].

ط: عن أبي عبد الله (ع) أنه قال في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير الخ..[111].

ي: عن الرضا (عليه السلام) أنه سئل عن رجل (نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع الخ..)

فكل هذه الأحاديث ـ باستثناء حديث: ب ـ اعتبرت أن افتتاح الصلاة هو التكبير لا الإقامة فكيف يحتمل هذا البعض احتمالاً قوياً جداً!! أن الإقامة جزء من الصلاة وما قيمة الرواية الضعيفة باعترافه التي تحدث عنها؟!

ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية[112].

9 ـ إن هذا البعض قد ذكر ـ حسبما تقدم ـ عن قول: "أشهد أن علياً ولي الله" ما يلي:

".. لا أجد مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة، وفي مقدماتها وأفعالها لأن ذلك قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة.."

مما يعني: أن حديثه شامل للأذان وللإقامة. ولأجل ذلك نقول:

قد أيّد بعض العلماء رجحان الشهادة بالولاية لعلي (عليه السلام) في الأذان والإقامة بما يلي..

ألف: بعد قتل الأسود العنسي: (لما طلع الفجر نادى المسلمون بشعارهم الذي بينهم، ثم بالأذان، وقالوا فيه: أشهد أن محمداً رسول الله، وأن عبهلة كذاب)[113].

وفي نص آخر: (ثم نادينا بالأذان فقلت: أشهد أن محمداً رسول الله، وأن عبهلة كذاب، والقينا إليهم برأسه)[114].

والمنادي هو (قيس، ويقال: وبر بن يحنش)[115].

فنجد أن النبي (ص) لم يعترض على إدخالهم هذا النص في أحد مقدمات الصلاة، وهو الأذان، ولا شك أنه قد كان من بينهم كثيرون من الصحابة الأتقياء الذين لا يرضون بالبدعة، ولسوف يذكرون للنبي (ص) أي تصرف من هذا القبيل.

ب ـ إن مما لا شك فيه: أنه يستحب للمؤذن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) في الأذان عند بلوغه: أشهد أن محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

وقد روى ذلك زرارة عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام): (وصل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته، أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره)[116].

ج ـ الكليني بإسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ أنه قال: (إنا أول أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، إنه لما خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى:

أشهد أن لا إله إلا الله ثلاثاً.

أشهد أن محمداً رسول الله، ثلاثاً.

أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً، ثلاثاً)[117].

د ـ وروى الطبرسي، عن القاسم بن معاوية، عن الإمام الصادق حديثاً مطولاً يقول في آخره:

إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين[118] (ولي الله)[119].

هـ ـ روي: أن أبا ذر (رض) أذّن بالولاية لعلي (عليه السلام)، فشكاه الناس لرسول الله (ص) فأقره على ما فعل.

و ـ روي أيضاً ما يقرب من ذلك عن سلمان[120].

ومهما يكن من أمر فان الشهادة الثالثة لا تزال تذكر في الأذان والإقامة منذ مئات السنين، ولم نجد أن الإصرار على ذلك قد جعل الناس يعتقدون أنها أصبحت جزءاً من الأذان والإقامة. فالتزامهم بها كالتزامهم بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله). عند ذكر اسمه الشريف في الأذان والإقامة أيضاً.

وأما جزئيتها من الصلاة، فالذي دل على ذلك من الأخبار هو حديث ضعيف تخالفه أخبار كثيرة حسبما تقدم أما ما حاول تأييد قوله هذا به فهو أمور لا تصلح للتأييد..

ويا ليته حكم بجواز ذكر الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة، استناداً إلى بعض الأخبار الشاذة التي أشار إليها الشيخ الصدوق وغيره، مع أنها لا يخالفها، ولا يعارضها شئ من الأخبار، ومع أنه لا يقصد بها الجزئية للأذان، ولا للإقامة.. إننا نقول:

لماذا جرّت باؤه هناك إلى درجة أنه يدعي وجود احتمال قوي جداً لجزئية الإقامة للصلاة، ولم تجر باؤه هنا إلى درجة أنه أصبح يدعي وجود مفاسد كثيرة من ذكر الشهادة الثالثة في الأذان حتى مع عدم قصد الجزئية؟!

 

1201 ـ تقبيل يد العالم يدخل في عالم اللياقات والمجاملات.

1202 ـ ليست المسألة أن تقبيل يد العالم من خلال دليل شرعي.

سئل البعض:

ما هو الدليل الشرعي على تقبيل يد العالم؟! وكذلك القيام له عند دخوله؟

فأجاب:

".. ليس ذلك من باب الإحترام لذاته كشخص، ولكنه احترام لما يمثل من موقع. فليست المسألة أن تقبل يد أو جبهة العالم من خلال دليل شرعي.. فهذه القضايا تدخل في عالم اللياقات، والمجاملات الاجتماعية، وهي بحسب ما يقصد الإنسان منها"[121].

وقفة قصيرة:

1 ـ إن هذا البعض قد ذكر هذا الكلام هنا على النحو الذي ترى.. ولكنه حين تحدث عن التبرك بقبر النبي (ص) قال:

"ما الفائدة التي نستفيدها من أن نمسك الشباك أو نمسك الحديد"[122].

وقال:

"ولا يعني إن مسك الضريح أنه يمسك جسد النبي يكفي الزيارة من المسجد، وأن يتصور الإنسان حياته"[123].

فليقبل منا بإمساك الضريح أو الشباك من باب اللياقة مع رسول الله (ص)، أو من باب المجاملات الإجتماعية.. أو فليترك أمر حسن ذلك إلى ما يقصده الإنسان من ذلك.

2 ـ قد ذكر هذا البعض أن المسالة ليست هي تقبيل يد أو جبهة العالم من خلال دليل شرعي. فهذه القضايا تدخل في عالم اللياقات، والمجاملات الإجتماعية..

مع أن الأدلة الدالة على رحجان تقبيل الجبهة واليد للمؤمن وللعالم ومحبوبية ذلك لدى الشارع موجودة..

والنصوص حول تقبيل الناس يد النبي والأئمة عليهم السلام كثيرة جداً[124].

فقد روي عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن لكم لنوراً تعرفون به في الدنيا حتى إن أحدكم إذا لقي أخاه قبله في موضع النور من جبهته[125].

وعن رفاعة بن موسى: عن أبي عبد الله (ع) قال: لا تقبل رأس أحد ولا يده إلا (يد) رسول الله (ص) أو من أريد به رسول الله (ص)[126]. والحديث صحيح.

وروي عنه (ص) أنه قال: (لا يجوز لأحد أن يقبل يد أحد إلا يد رجل من أهل بيتي أو يد عالم)[127].

وحتى تقبيل يد غير العالم فان النبي (ص) حين قبل يد سعد بن معاذ، وقال: هذه يد يحبها الله ورسوله[128] فهل كان النبي صلى الله عليه وآله يمارس اللياقات، والمجاملات الإجتماعية مع سعد؟!.. أم أنه (ص) قد فعل ذلك لكونه أمراً يحبه الله ورسوله ويرضاه الله ويثيبه عليه..


الفصل الثاني
فـقـه الجـنس..

 

1203 ـ نظر الرجال إلى عورات النساء.

1204 ـ النظر إلى عورة الرجال جائز في المزاح.

1205 ـ حرمة النظر إلى العورات ليس تعبديا.

1206 ـ من أسقط حرمة نفسه جاز النظر إلى عورته.

1207 ـ محاولة تجويز النظر إلى نوادي العراة.

إن من الواضح بأن حرمة النظر إلى أجساد وعورات الناس معلومة بالبداهة، وقد روي بسند صحيح عن أبي عبد الله(ع) في تفسير قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم}، قال(ع):

كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا، إلاّ هذه الآية فإنّها من النظر، فلا يحل لرجل مؤمن أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها[129].

وروى الكليني عن الإمام الصادق(ع) أيضا في تفسير الآية السابقـة:

فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم، وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه، وقال: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن}، من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها..الخ[130].

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين (ع) إذا حضرت ولادة المرأة، قال: أخرجوا من في البيت من النساء، لا يكن أول ناظر إلى عورتها[131].

وفي حديث المناهي قال: ونهى المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة[132].

وفي حديث آخر: "ليس للوالدين أن ينظرا إلى عورة الولد، وليس للولد أن ينظر إلى عورة الوالد.

وقال: لعن رسول الله (ص) الناظر والمنظور إليه في الحمّام بلا مئزر"[133].

وجاء في حديث آخر: عورة المؤمن على المؤمن حرام[134].

وراجع أمر النبي (ص) لأم أنس وهو يعلمها كيف تغسل إحدى النساء غسل الأموات، حيث أمرها أن تلقي على عورتها ثوبا ستيرا ثم تدخل يدها من تحت ذلك الثوب لمباشرة غسلها[135].

ولكن هذا البعض يحلل نظر المرأة إلى عورة المرأة، بل هو يحلل النظر إلى عورات النساء والرجال على حدّ سواء حتى المسلمين والمسلمات إذا أسقطوا وأسقطن حرمة أنفسهم وأنفسهن، بل هو يقول:

"إذا أراد البعض المزاح وأظهر عورته مصرّا على ذلك جاز للآخرين النظر إليه".

وذلك استنادا إلى استحسانات عقلية وإلى القياس.

فهلاّ ذكر لنا عالما واحدا يوافقه في هذه الفتوى؟!

وكيف ثبت له أن إسقاط الإنسان المسلم لحرمة نفسه يوجب سقوطها بالفعل؟! وهل حرمته تابعة لإسلامه، وناشئة من الجعل الإلهي أم أنها تابعة لقرار الشخص نفسه؟!

ويستدل على ذلك بدليل استحساني فيقول:

"عالم النظر هو عالم الإحترام فكل إنسان يسقط احترامه من هذا الجانب، جاز للآخرين النظر إليه، لأن النظر ليس حالة أخلاقية تنطلق من تحذير الناس من الوقوع في هذا الفخ، بل في احترام الإنسان الذي ينظر إليه.

وهذا يختلف باختلاف الأزمان، فلو أن النساء قد اعتادت الخروج بلباس البحر جاز النظر إليهن بهذا اللحاظ. وعلى هذا فلا بد من الإقتصار على ما جرت عادتهن على عدم ستره ولا يجوز التلصص على النساء للإطلاع على ما يخفينه، وإن كن غير مسلمات.

وهناك نقطة مهمة، وهي التعليل (بأنهن لا ينتهين إذا نهين) يشمل كل النساء من المسلمات والكافرات اللاتي يكشفن بعض أجزاء من الجسد، مع الإصرار على ذلك بحيث لا يستجبن لأي نهي عن الموضوع، وذلك من خلال إلغاء خصوصية المورد.

هذا بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من أن حرمة النظر ناشئة من حرمة الجسد لدى صاحبه، مما يخفيه منه، لا من خلال حالة تعبدية في مثل هذه الموارد، ولذلك ورد أنه لا مانع من النظر إلى عورة الكافر فهي كعورة الحمار،من خلال عدم الإحترام له من قبل الشرع،أو من قبل صاحبه.

وفي ضوء ذلك قد يشمل الموضوع النظر إلى العورة عندما تكشفها صاحبتها، كما في نوادي العراة، أو السابحات في البحر في بعض البلدان، أو نحو ذلك.

بل قد يستوحي الإنسان جواز النظر إلى عورة الرجل، إذا كان ممن لا ينتهي إذا نهي تمرّدا أو مزاحا، أو نحو ذلك، لأنه لا خصوصية للمرأة في تلك الرخصة، بل ربما كان التحفظ من المنع بالنسبة إلى المرأة أكثر من الرجل.

فالقضية ـ من خلال استيحاء التعليل ـ هي أن كل إنسان يهتك حرمة نفسه بكشف ما لا يجوز كشفه في الشرع أو في العرف الإجتماعي، ولا يستجيب للردع عن ذلك من الناس، فإن الشارع يسقط حرمته، ولا يجعل منه مشكلة للآخرين، في المنع عن النظر إلى ذلك"[136].

ولا يصح لأحد أن يعترض هنا ويقول إن ذلك بحث علمي، قد تطابقه الفتوى، وقد لا تطابقه..لأن ذلك البعض يصر على إطلاق الفتوى بمجرد تمامية الأدلّة عليها، فهو يقول:

"إن الإنسان إذا أراد أن يعيش اجتهاده لنفسه، من خلال تحفظاته الذاتية، فعليه أن لا يبرز للمجتمع كمرجع في الفتوى. بل عليه أن يحتفظ بفتاواه واحتياطاته لنفسه.

أما إذا كنت الإنسان الذي يقف لينيب عن المجتمع في اجتهاداته، وفي اكتشاف الحكم الشرعي، فعليك أن تتحمل مسئولياتك الإجتماعية، فإذا تمت لديك الأدلة الشرعية التي تستطيع أن تقدمها أمام الله لو حاسبك، فليست هناك مشكلة في أن تطلق الفتوى، ولن يحاسبك الله على ما لا يد لك فيه، لو كان هناك خطأ غير مقصود"[137].

ويقول:

"عندما يثبت عندنا الحكم الشرعي، من خلال أدلة، ونرى أنه يحل مشكلة للناس، فإننا نفتي بذلك، ولا نحتاط، لأن الإحتياط عندما لا يكون واجبا فسوف يعقد حياة الناس، إلاّ إذا أردت أن تملأ الرسالة بالإحتياطات اجلس في بيتك واحتط لنفسك، لأن للناس مشاكلهم وقضاياهم"[138].

وقد سجل ذلك في كتابه الذي طرحه للتداول، وهو (المسائل الفقهية) فقد أورد سؤالا يقول:

(النظر إلى النساء اللواتي إذا نهين لا ينتهين هل يجوز في موضع العورة أيضا؟!)

فأجاب:

"يجوز ذلك في الأوضاع التي اعتدن كشفها بشكل طبيعي"[139].

 

1208 ـ ليس للمرأة إلا ما يخرج عند بداية الشهوة.

1209 ـ الذهنية الفقهية من خلال بعض النصوص ـ وجود ماء للمرأة.

1210 ـ الذهنية الفقهية ـ من خلال النص تخالف بديهيات الطب.

1211 ـ لا بد من تأويل الأخبار عن ماء المرأة، أو ردّ علمها إلى أهلها.

1212 ـ يرد روايتين تدلان على حرمة الإستمناء للمرأة.

12133 ـ الداعي لتحليل استمناء المرأة نساء سجن أزواجهن أو غابوا.

1214 ـ الإستمناء للمرأة لا يؤدي إلى أضرار كبيرة توجب التحريم.

1215 ـ بعض الروايات هي السبب في فهم هذا المعنى من الآية.

1216 ـ الروايات لا تمثل سنداً قطعياً.

1217 ـ الكشف عن أن المرأة لا ماء لها لا يفيد إلا الظن.

1218 ـ قد يكشف العلم أن للمرأة ماءً.

1219 ـ لعل الترائب لا تختص بالمرأة.

1220 ـ تخصيص الترائب بالإضافة للمرأة ـ دليل عموم مفهومها.

يقول البعض:

"ربما بعض القضايا نحتاج فيها إلى الرجوع للخبراء، مثلاً هناك جدل في مسألة، وهذا الجدل ينطلق من فكرة أن الرجل إذا خرج منه المني فعليه أن يغتسل، كما أنه لا يجوز له الإستمناء، أي ممارسة العادة السرية لإخراج المني، هذا أمر لا شك فيه، هنا وقع نزاع:

هل حكم المرأة كحكم الرجل؟

هل المرأة إذا وصلت إلى قمة الشهوة من دون عملية جنسية كاملة، من دون دخول كما يقولون، عليها الإغتسال أم لا؟

وهل يحرم على المرأة العادة السرية، بقطع النظر عن النتائج السلبية النفسية وغيرها؟

هل يحرم هذا العمل في ذاته بقطع النظر عن النتائج السلبية التي تجعله حراماً بالعنوان الثانوي؟

هنا ينطلق البحث من حيث ما كان متوفراً لدى القدماء، ولكنهم لم يصلوا فيه إلى نتيجة:

هل للمرأة منيّ أم ليس للمرأة منيّ؟

هل يخرج من المرأة عند وصولها إلى قمة الشهوة ماء كماء الرجل، أم أن المسألة هي مسألة توترات وتشنجات نفسية من دون أن يكون هناك أي ماء عند وصولها إلى اللحظة الحاسمة؟ هناك ماء يخرج في بداية الشهوة، ولكن هذا الماء ليس هو المني، هو بمثابة المني، هو مظهر الشهوة وليس قمتها.

والسؤال عندما تصل إلى منتهى اللذة في شكل سطحي من دون دخول، هل يخرج منها شيء أم لا؟

كانت الذهنية الفقهية من خلال بعض النصوص أو غيرها تقول إن للمرأة ماء كما للرجل. كما أن الرجل إذا خرج منه الماء يحكم عليه بوجوب الغسل ويحرم عليه إخراجه بطريقة ذاتية، كذلك المرأة.

حاولت أن أرجع إلى أهل الخبرة في هذا المجال، لأننا لا نملك الوسائل التي تستطيع أن ننهي فيها هذا الجدل.

هل للمرأة ماء أم لا؟

لأن المسألة متصلة بالجانب التشريعي.

ولذلك حملت أسئلتي هذه إلى بعض المختصين من أصدقائنا في أميركا ليرجعوا فيها إلى أهل الاختصاص الكبار وجهت سؤالاً إلى عميد كلية الطب في الجامعة الأميركية سابقاً الدكتور عدنان مروة، وكانت النتيجة أن المرأة لا منيّ لها.

وأن هناك ماء يخرج في بداية الشهوة يعادل عملية الانتصاب للرجل، فهو مظهر الشهوة وليس نهايتها، وهذا ليس هو المنيّ.

أما عندما تصل المرأة إلى قمة اللذة، فإنه لا يخرج منها شيء، وليست هناك غدة تفرز الماء وبعدما وصلت إلى هذه النتيجة، والتي رأيت أنها من الأمور البديهية لدى الأطباء، تقرّرت لدي الفتوى بأن المرأة إذا لم تدخل في عملية جنسية كاملة لا تحكم بالجنابة، حتى لو وصلت إلى قمة الشهوة فليس عليها الغسل.

وهكذا فإن العادة السرية بالنسبة إلى المرأة ليست محرّمة من هذه الجهة، لأن العادة السرية تحرّم مع حصول الإمناء كما يقول السيد الخوئي في بعض أجوبة استفتاءاته.

فإذا لم يكن هناك منيّ فليس هناك إمناء.

لكننا في الوقت نفسه لا نشجع على ممارسة هذه العادة، ليس من ناحية الحرمة الذاتية بل من ناحية الأضرار النفسية وغير النفسية التي قد تؤثر على الحياة الجنسية للمرأة في المستقبل، وقد تؤدي إلى أزمات نفسية في ذاتها.

لكننا كنا نعالج الأمر من خلال ذاتية العمل، لا من خلال العناوين السلبية الأخرى التي يمكن أن تنعكس على العمل، في الجانب النفسي من حياة المرأة أو في الجانب الجسدي الآخر الذي قد يؤدي إليه إدمان هذه العادة مثلاً"[140].

ويقول:

"أما مسألة جواز العادة السرية للمرأة فنلتقي فيه مع رأي كل الفقهاء الذين يربطون الحرمة للرجل والمرأة بالإستمناء الذي يتوقف على إخراج المني بالعادة السرية.

وهذا ما صرح به السيد الخوئي في كتابه: منية السائل[141] جواباً عن السؤال عن حرمة العادة السرية للمرأة فأجاب:

يحرم مع حصول الإمناء هذا مع ملاحظة: أن أهل الخبرة من الأطباء يقولون:

إن المرأة لا مني لها، مما يفرض تأويل الأخبار الواردة عن ماء المرأة، أو ردّ علمها إلى أهلها في الحرمة في مثل هذه الأمور على تقدير ثبوتها مطلقاً.

وهناك وجه للقول بالحرمة على تقدير عدم ثبوت نفي الماء عن المرأة، بقاعدة اشتراك المرأة والرجل"[142].

ويقول:

"ولكننا في الوقت نفسه نرجح للمرأة أن لا تأخذ بهذه العادة، إذا صحّت فرضية عدم وجود مني لها، لأن ممارستها لهذه العادة القبيحة قد يُسيء إليها عند زواجها، ويسبب لها مضاعفات نفسية، وعصبية، وطبية جسدية ليست في مصلحة حياتها الطبيعية، أو وضعها الاجتماعي أو مستقبلها الزوجي.

وقد حاول بعض الفضلاء ـ ردّاً على رأينا من حلية العادة السرية للمرأة بقطع النظر عن الإمناء ـ أن يستدل بروايتين:

الأولى: رواية (عبيد بن زرارة) قال:

كان لنا جار شيخ له جارية فارهة، قد أُعطي بها ثلاثين ألف درهم، وكان لا يبلغ منها ما يريد، وكانت تقول: اجعل يدك بين شفريَّ فإني أجد لذلك لذة، وكان يكره أن يفعل ذلك.

فقال لزرارة: سل أبا عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) عن هذا، فسأله فقال:

لا بأس أن يستعين بكل شيء من جسده عليها، ولكن لا يستعين بغير جسده عليها"[143].

الثانية: روايته الأخرى: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل يكون عنده جواري فلا يقدر على أن يطأهن، يعمل لهن شيئاً يلذذهن به؟؟

قال: أما ما كان من جسده فلا بأس[144].

ولكنّ الروايتين ظاهرتان في عدم جواز استعمال وسيلٍة خارجيةٍ من قبل الرجل لتلبية حاجات زوجته الجنسية، لأنها طلبت منه الممارسة بيده، أو بشيء من جسده، وليس له أن يفعل ذلك بغيره، ولا إشارة فيها إلى مسألة ممارستها لذلك بيدها من قريب أو من بعيد.

سؤال: طالما أن هذه الفتوى لا تمثل في موضوعها أية ضرورة عملية، بل ربما تؤدي إلى بعض الفساد والانحلال الخلقي، عندما تأخذ النساء بهذه الفتوى فيقعن في السلبيات الأخلاقية، لذلك فإن البعض قد يتساءل لماذا لا تكون هناك فتوى بالإحتياط عليها؟، أو لماذا هذه الإثارة بشكل عام؟..

جواب: إن هذا البعض الذي يتحدث بهذه الطريقة لا يعيشٍ المشاكل الحادّة التي تتحرك في الواقع النسائي، أمام بعض الأوضاع القاسية الملحّة التي تدفع المرأة إلى معرفة الحكم الشرعي الذي يعمل على أن يجد الحل لهذه المشاكل من خلال الأدلة الشرعية.

ونحن عشنا، في نطاق دراسة الواقع والإستفتاءات الموجهة إلينا، عمق هذه المشكلة في عدّة حالات، الحالة التي يكون زوج المرأة في السجن، ولا تعرف حياته أو موته، أو أنه يقضي فيه مدة طويلة من دون أن تكون لها ظروف شرعية أو اجتماعية للطلاق، أو الحالة التي غاب فيها الزوج غيبة منقطعة، والحكم المشهور أنها تصبر أربع سنين، ليطلقها الحاكم الشرعي بعد ذلك، فإذا كان وليه ينفق عليها فتبقى ـ على حالها ـ إلى الأبد، أو الحالة التي يغيب فيها الزوج في بلاد الإغتراب لمدة طويلة جداً لا تحتمل عادة، وليس بوسعه أو وسعها الإلتقاء لأسباب مادية أو غيرها.

إن هذه الحالات التي تتحول إلى مشاكل جنسية خانقة تفرض على الفقيه التفكير في الحل إذا كان له في الأدلة الشرعية ما يحقق النتائج الإيجابية، ومن الطبيعي أن للعادة السرية مشاكلها، ولكن يبقى للتحريم أو للإهمال الشرعي مشاكله الأكثر تأثيراً على حياة المرأة، لا سيّما المتزوجة التي لا تملك فرصة شرعية للحل من الناحية الجنسية.. هذه هي الأمور التي دفعتني إلى دراسة المسألة بطريقٍة مسؤولةٍ شرعاً.

سؤال: ألا يمكن اعتبار هذه الأضرار التي تذكرونها سبباً لتحريم هذه العادة؟

جواب: لا أتصور أنها تؤدي إلى إضرار بحيث يمكن من خلاله الحكم بالحرمة"[145].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن التقرير الذي استند إليه في الحكم بعدم وجود ماء للمرأة قد ذكره هو نفسه في آخر كتابه: فقه الحياة.. حيث ذكر هناك: أنه وجّه أسئلة إلى أهل الاختصاص، وإلى الدكتور عدنان مروة، فأجابه هذا بما يلي:

السلام عليكم، هذه أجوبة مقتضبة للمسائل التي طرحتموها في رسالتكم:

ـ المسألة الأولى: هل للمرأة مني كمني الرجل، بحيث يكون من فصيلته، أو مشابهاً له، وذلك عند بلوغ اللذة؟

ـ الجواب: لا مني عند المرأة مشابهاً لمني الرجل، والسائل الذي تفرزه المرأة مع الإثارة الجنسية هو رشح من جدران المهبل، ويستمر مع الإثارة الجنسية، سواء تصاحبت هذه الإثارة مع جماع، أو عادة سرية، أو قراءة كتاب، أو حتى تفكير في أمور مدعاة للإثارة، وبذلك فهو مشابه للإنتصاب عند الرجل.

بلوغ اللذة أو الرعشة عند الرجل يتزامن مع قذف المني، بينما عند المرأة فبلوغ الرعشة يتزامن مع تغييرات فسيولوجية أبرزها التشنج في العضلات، وازدياد في خفقان القلب، وازدياد في سريان الدم في الجلد، مما يحدث احمراراً وسخونة[146].

ويذكر هذا البعض نفسه عن الدكتور كرم كرم أنه أجاب:

"عند المرأة السائل يرشح كالعرق، دونما دفع إلى مسافة، وهذا يحصل في كل مراحل الإستجابة، سواء في البداية عند الإثارة، أو في الهضبة، أو الإيغاف أي النشوة.

أي أنه ليست هنالك حالة خاصة تتميز برمي سائل، أو تقيؤه، أو قذفه من عضو إلى مكان آخر..

هو عرق ترشح به أغشية المهبل، منذ بداية الإثارة الجنسية ليزداد، ويتصبب في المراحل اللاحقة، عند الهضبة، أو الإيغاف في النشوة"[147].

وقفة قصيرة:

ونلاحظ على ما تقدم ما يلي:

1 ـ إن هناك روايات تعدّ بالعشرات ـ وعدد وفير منها صحيح سنداً ـ قد ذكرت أن للمرأة ماء..

ولا يعني ذلك: أن ماء المرأة هو مني ـ كمني الرجل بحيث يكون من فصيلته، كما يريد هذا البعض أن يدعي.

فإن مني الرجل يشتمل على حيوانات منوية تهاجم البويضة ويتم التلقيح، فهل يريد هذا البعض أن يشتمل ماء المرأة على حوين منوي مذكر، من شأنه أن يلقح البويضة ويكون الحمل؟!..

حتى إذا ساحقت المرأة لزم أن تحمل المرأتان معاً!!!

وإذا لم يكن هذا هو المقصود، فماذا يريد إذن بقوله:

"كمني الرجل، بحيث يكون من فصيلته"؟!

وإذا كان هذا هو السؤال، فهل يتوقع عاقل أن يكون الجواب بنعم؟!.

وإذا كان الجواب هو (نعم)، ألا يسقط المجيب عن مقامه، ويصير مهزأة الناس، ومسخرة للعالم وللجاهل على حد سواء.؟!.

فإذا كانت الفتوى قد ارتكزت على هذا الجواب لذلك السؤال فلا نملك إلا أن نقول:

إنا الله وإنا إليه راجعون..

2 ـ إن الروايات التي تتحدث عن ماء المرأة ـ وهي تعدّ بالعشرات ـ ومنها عدد وفير صحيح السند، أو معتبر.. لم يرد التعبير فيها بكلمة مني إلا في أربع منها فقط، وبعضها لم يرد فيه ذلك على لسان الإمام (عليه السلام) وإنما على لسان السائل.

وإذا كان الأمر كذلك فإن من الواضح: أن التعبير في هذه الروايات بكلمة (مني) إنما هو لمشابهته للمني في أنه يترشح حين الشهوة ويحدث الفتور.

3 ـ إن كلمة (مني) لا تختص ـ في اللغة بما يقذفه الرجل حين الجماع، بل معناه الإراقة، حيث يقال: أمنى الدماء: أراقها[148]. وهو قوله تعالى: {ألم يك نطفةً من مني يمنى} أي يراق على حد تعبير هذا البعض نفسه[149].

4 ـ إن هذا البعض نفسه يصرح بوجود ماء دافق للمرأة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق} يندفع ويسيل بدفع وسرعة، وهو المني. يخرج من بين الصلب والترائب. أي صلب الرجل، وهو عظام ظهره الفقارية، ومن ترائب المرأة، وهي عظام صدرها العلوية.

وفي تفسير قوله تعالى: {خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب}، يقول هذا البعض تحت عنوان: الآية والاكتشافات العلمية، ما يلي:

"وقد تحدث بعض المختصين بأن الاكتشافات العلمية لا توافق أن يكون نشوء هذا الماء الدافق من الصلب في الرجل، والترائب في المرأة، لأنَّ هناك من ينكر وجود منيِّ للمرأة، فضلاً عن انطلاقه من ترائبها، وإذا كان المراد بذلك بويضة المرأة التي يفرزها جـسدهـا لتلقحهـا النطفة، فإن التعبير لا يلائمها ـ أوّلاً ـ ثم إن مصدرها ليس الترائب ـ ثـانياً ـ فكيف نفسّر ذلك؟

وإذا كنا لا نملك اختصاصاً في هذا المجال، فلا نستطيع أن نخوض في حديثٍ علميٍّ تحليليٍّ لهذا الموضوع سلباً أو إيجاباً، ولكننا قد نلاحظ بأن الحديث عن إرادة الماء الممتزج من ماء الرجل والمرأة، من كلمة الماء الدافق، ناشىءٌ من بعض الروايات التي لا تمثل سنداً قطعياً، في ما هي الحقيقة الشرعية.

كما أنّ هذا الكشف العلمي الناشيء من تأملات تجريبيّةٍ، لا يفيد إلاّ الظنّ، فلا يمكن لنا أن نتوقف هنا أو هناك، لنتحفظ في الحقيقة القرآنية التي لا تصدر من تجربٍة ظنيّة، بل هي وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد يكتشف الإنسان نظريةً علميةً جديدةً تقلب موازين هذا الإكتشاف رأساً على عقب، فتثبت بأن للمرأة ماءً كما هو للرجل، كما تتحدث عن مصدره بما لا يتنافى مع القرآن.

ومن المحتمل أن يكون المراد من الماء ماء الرجل الذي يخرج من الصلب والترائب، إذا كانت كلمة الترائب تتسع لعظام الصدر العلوية للرجل، كما هي للمرأة، والظاهر أن الأمر كذلك، ولذا احتاج التخصيص بها إلى الإضافة؛ والله العالم"[150].

5 ـ إن هذا البعض يقول:

"ليس هناك ماء للمرأة إلا ما يحصل في بداية الشهوة ـ أما عندما تصل المرأة إلى قمة الشهوة فانه لا يخرج منها شيء.."

مع أن كلام الذين استند إليهم في فتواه يعارض ذلك، فهم يقولون: إن الماء يبقى يترشح من بداية الشهوة إلى نهايتها.. فراجع كلام الدكتور كرم كرم الذي نقلناه آنفاً. وكلام الدكتور عدنان مروة أيضاً. فإنهما قد صرحا بأن هذا الترشُّح يستمر مع الإثارة الجنسية، وأنه يتزايد ويتصبب في المراحل اللاحقة.

ومع غض النظر عن ذلك، فإن هناك من يصرح بحدوث قذف للمرأة، وتقول:

"بينما تقوم رعشة الرجل على القذف، ترى رعشة المرأة تقوم على امتصاص المني. وعندها أيضاً تحدث الإحتكاكات هياجاً في الأعصاب والعضلات والغدد يصل إلى أعلى درجاته ويضيّق مدخل المهبل ليمنع خروج المني، فيفرز الرحم حينئذ سائلاً لزجاً ينحدر إلى المهبل ليجذب المني ويدعوه للإستيطان في جوفه، وحال ما تحصل الرعشة الحاسمة ينقبض الرحم بكامل قواه العضلية، وينتصب ماداً عنقه نحو الأسفل وتغوص فوهته الخارجية بالمني، فيأخذ بامتصاصه كما يلثم السمك الشبوط طعامه، واعتباراً بهذه الوظيفة دعا علماء التشريح الرحم ب "آكل المني" SPERMIVORE وامتصاص المني يجري على طريقة (القطارة)، فكما يوضع أنبوب القطارة في الماء بعد إفراغها من الهواء فيمتلئ، كذلك يفرغ الرحم من الهواء عند الإنقباض وبعد الرعشة الكبرى يتراخى ويمتص المني.

والمهبل يكرر انقباضاته كالرحم عند الرعشة الكبرى وتفرز غدده سائلاً مخاطياً يعتبر (قذف) المرأة.

وهذا القذف الذي لا يلاحظه الرجل إلا عند المرأة الشهوانية يؤذن بحدوث الرعشة الكبرى وانقباضات الجهاز الجنسي عندها كما عند الرجل تتصل بعضلات الحوض فيكون هذا بانتفاضات موزونة ويشتد التصاقه بحوض الرجل ويبتلع ـ إذا صح التعبيرـ قضيبه وهذا الإلتصاق في الجهازين يمنع إراقة المني في الخارج.

وتماماً كالرجل تفرغ المرأة غددها من الدم وتكف انقباضات عضلاتها فيمتلكها شعور خفيف لطيف وأحياناً تجعلها الرعشة الكبرى بحالة الإغماء، ويخيل أن عينيها قد انطفأتا. وفي هذه اللحظات تضفي عليها الطبيعة فيضاً من اللذة والجمال[151].

وراجع ما قاله الدكتور كليفورد أدامز[152].

فضلاً عما قاله آخرون..

6 ـ إن تعبير الفقهاء بكلمة الإمناء والاستمناء ـ لا يعني: أنهم يقصدون خروج مني من المرأة يشبه مني الرجل بحيث يكون من فصيلته ـ على حد تعبير هذا البعض ـ لكي نحتاج إلى تأويل الأخبار التي تتحدث عن ماء المرأة ـ كما يقول أيضاً.

بل يقصدون خروج الماء المصاحب للشهوة، سواء أكان من فصيلة ماء الرجل أو من غير فصيلته ـ كما أن عشرات الروايات إنما تحدثت عن إنزال المرأة، وعن ماء المرأة، ولم يرد التعبير الآخر إلا في عدد يسير منها. وقد قلنا: إن ذلك قد جاء على سبيل المجاز والعناية من حيث الفتور وخروج ماء حين الإثارة والشهوة، من المرأة، كما هو الحال في الرجل.. فصح التعبير بهذا عن ذاك.. كما يصح التعبير بالخسوفين والكسوفين، واستعمال كلمة خسوف وكسوف بالنسبة لكل من الشمس والقمر على حد سواء.

7 ـ بقي أن نشير إلى أن هذا البعض قد ردّ الإستدلال بالرواية التي تقول: ولكن لا يستعين بغير جسده عليها..

والرواية التي تقول: (أما ما كان من جسده، فلا بأس..)

ونسأل هذا البعض: هل يجوز لها أن تمارس هي العادة السرية بوسائل أخرى غير يدها أيضاً؟!.. أم أنه يشترط في جواز العادة السرية لها أن تكون بيدها.. إنه لم يشترط ذلك في كل أحاديثه المكتوبة التي اطلعنا عليها..

كما أن أدلته التي استند إليها للحكم بجواز العادة السرية، وهي أنه ليس للمرأة ماء تقتضي الجواز مطلقاً، أي سواء أكان ذلك بيدها، هي أم بيد غيرها، أم بأية وسيلة تقع تحت اختيارها، حتى الآلات المشبهة لإحليل الإنسان.. فان المانع عنده من استعمال العادة السرية هو خروج المني، ولا مني للمرأة، فلا يبقى مانع يمنع من ذلك..

ويصبح تقييد الإمام (عليه السلام) بأن يستعين عليها زوجها بجسده، ولا يستعين عليها بغير جسده ـ في غير محله ـ نعوذ بالله من الزلل في الفكر والقول والعمل..

8 ـ أما بالنسبة لحجم الأضرار النفسية التي تنشأ من ممارستها للعادة السرية.. حيث قال:

"لا أتصور أنها تؤدي إلى أضرار بحيث يمكن من خلاله الحكم بالحرمة".

فلا ندري كيف يمكن قبوله منه.. وهو ليس مطّلعاً على الغيب لكي يملك تقدير حجم الضرر هنا، فيحكم بأنه لا يوجب الحرمة.. وتقدير حجمه في شرب الدخان ليحكم بالحرمة فيه..

فكيف عرف أن شرب الدخان يكون ضرره أكبر من نفعه.. ولكن استعمال العادة السرية نفعه أكبر من ضرره؟!..

وأين هو الدليل القطعي الذي يشترطه هو في أمثال هذه الأمور؟!.

وأي مقياس حدّد له هذه الأحجام التي هي موضوعات واقعية للأحكام.

9 ـ وأما قوله إن التحريم له مشاكله الأكثر تأثيراً على حياة المرأة.. ولا سيما المتزوجة التي لا تملك فرصة شرعية من الناحية الجنسية..

فذلك غير مقبول أيضاً، فإن في صورة التحريم يمكن للعزباء اللجوء إلى الزواج الموقت ويمكن للمتزوجة التي تتعرض للإنقطاع عن زوجها مدة طويلة أن تلجأ إلى طلاق الحاكم الشرعي، حيث يخاف عليها الوقوع في الحرام.. إن لم يمكن التحمل والصبر أبداً.

10 ـ وإلا، فهل يمكن أن يجيز هذا البعض اللواط للمسجونين الذين يعانون من الجوع إلى الجنس المماثل، وهل يجيز السحاق أيضاً للواتي تعانين من شذوذ جنسي أو اللواتي في السجن.. حتى لا يقع هؤلاء وأولئك بأضرار خطيرة وكبيرة؟!..

11 ـ ثم إن هذا البعض لم يكن موفقاً، حتى حين تحدث عن وجود ماء للمرأة، وهو يفسر قوله تعالى: {خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب}.

وذلك لأنه وإن اعترف بأنه لا يملك اختصاصاً في هذا المجال.. لكنه عاد، واعتبر أن إرادة الماء الممتزج من ماء الرجل والمرأة من كلمة {الماء الدافق}. ناشئ من بعض الروايات التي لا تمثل سنداً قطعياً..

ونقول:

أولاً: إن ذلك لم ينشأ من الروايات، بل هو ناشئ من أن أهل اللغة يصرّحون باختصاص الترائب بالنساء.. وشذ منهم من اعتبرها عامة فيهم وفي الرجال.. ويظهر ذلك من طبيعة تفسيرهم لكلمة الترائب حيث: يذكرون أنها معلق الحلي على الصدر وموضع القلادة، ونحو ذلك من تعبيرات تناسب حال المرأة.

وقال الفراء: (يعني صلب الرجل. والترائب المرأة..)[153].

وعدا ذلك كله، فإن الزبيدي قال: بأن الترائب خاصة بالنساء، وشذّ من قال غير ذلك من علماء غريب اللغة. فاستمع إليه يقول:

(.. قال شيخنا: والترائب عام في الذكور والإناث وجزم أكثر أهل الغريب أنه خاص بالنساء، وهو ظاهر البيضاوي، والزمخشري)[154].

ثانياً: قوله عن الروايات إنها:

"لا تمثل سنداً قطعياً في ما هي الحقيقة الشرعية"

غير مقبول:

وذلك لأن الروايات ربما تزيد على الثلاثين رواية تصرّح كلها بوجود ماء للمرأة، وهذا العدد يجعلها متواترة، فكيف إذا عرفنا: أن عدداً وفيراً منها صحيح السند؟!.

ثالثاً: إن هـذا البعض لا يشترط في (ما هي الحقيقة الشرعية) ـ على حد تعبيره ـ قطعية السند، بل يكفي عنده كونه معتبراً وحجة شرعية..

رابعاً: إنه يعترف بأن:

"هذا الكشف العلمي الناشىء من تأملات تجريبية لا يفيد إلا الظن".

فكيف جعله مستنداً لحكمه بجواز العادة السرية للمرأة؟! مؤكداً على أنها لا ماء لها سوى ما يظهر في أول الشهوة، وأن ذلك بمثابة الإنتصاب لدى الرجل.

خامساً: إنه يقول: إن الحقيقة القرآنية لا تصدر من تجربة ظنية.. بل هي وحي الله.. وقد يكتشف الإنسان نظرية علمية جديدة تقلب موازين هذا الإكتشاف رأساً على عقب. فتثبت بأن للمرأة ماءً كما هو للرجل. كما تتحدث عن مصدره بما لا يتنافى مع القرآن..

ونحن نقول له بالنسبة لفتواه بجواز العادة السرية للمرأة واعتماده على أقوال الدكتور عدنان مروه.. نفس هذا الكلام..

رغم أننا قد عرفنا أن عدنان مروه لم ينفِ وجود ماءٍ للمرأة، بل أكّد ذلك وأيّده..

سادساً: بالنسبة لما ذكره أخيراً من أن الظاهر هو أن الترائب اسم لمجمع عظام الصدر العلوية، سواء أكانت في الرجل أو في المرأة. قد عرفت الجواب عنه مما أسلفناه، فإن علماء غريب اللغة، وهم أعرف يؤكدون ويجزمون ـ إلا شاذاً منهم ـ بأن الترائب تختص بالنساء، ولا تطلق على الرجل لا من قريب ولا من بعيد.

فلماذا يأخذ بقول شاذ، ويترك قول كل من عداه من علماء غريب اللغة..

أليست اللغة توقيفية سماعية، وليست اجتهادية؟!.

سابعاً: أما بالنسبة لاحتياج تخصيص كلمة ترائب بالمرأة إلى الإضافة.. فهو غريب وعجيب وذلك لما يلي:

1 ـ إن التخصيص لم يرد في الآية القرآنية..

2 ـ إن القيد قد يكون احترازياً، وقد يكون توضيحياً، أو تأكيدياً.

ومن الواضح: أنه هنا قيد توضيحي، فهو من قبيل قولك: سنام الجمل ـ صوف الأنعام ـ ريش الطير ـ ترائب المرأة ـ وما إلى ذلك..

3 ـ إن الدليل على أنه قيد توضيحي أو للتأكيد ـ تصريح أهل اللغة باختصاص الترائب بالمرأة حسبما أشرنا إليه فيما سبق.

 

1221 ـ التأثيرات السلبية للإستمناء على المرأة أقل خطورة منها على الرجل.

1222 ـ إذا لم تبلغ المرأة ذروة الشهوة من الزوج فيكفيها استعمال الإستمناء.

1223 ـ السحاق للمرأة كالإستمناء لها لا يحقق المعنى الإنساني للجنس.

1224 ـ اللواط يشبه الإستمناء للرجل فان الطرف الآخر لا يشعر باللذة.

ويقول البعض:

"حرّم الإسلام العادة السرية بالنسبة إلى الرجال باعتبار أنها عملية تفريغ للطاقة، مما يؤدي إلى تبديدها في غير منفعة، وتعطيل الدافع الطبيعي إلى الزواج وبناء الأسرة.. فالشاب عندما يفكر بالزواج، يكون الجنس دافعه الأساس إلى ذلك، كذلك الفتاة.

فالجنس هو الحافز الذي يشد الإنسان بقوة إلى دخول الحياة الزوجية بما فيها من مسؤوليات، فإذا أدمن الشاب العادة السرية، فقد يمنعه ذلك من الإلحاح في طلب الزواج ويحدّ من اندفاع الرغبة فيه. لذا حرّم الإسلام العادة السرية للرجل.

أما بالنسبة للمرأة، فإن الموقف الإجتهادي تبعاً للقول بوجود مني لها أو القول بعدم وجوده. فالقول بوجود مني للمرأة، وهو قول يتبناه بعض الفقهاء والعلماء الآخرين، يجعل من حكم المرأة حكم الرجل نفسه في هذا المجال.

أما على القول بأن ليس للمرأة مني لعدم وجود غدة تفرزه لديها، وعدم حاجتها إليه لعدم تعلق خصوبتها ومقدرتها على التناسل به، على العكس من الرجل الذي تتعلق خصوبته ومقدرته على التناسل بالحيوانات المنوية الموجودة فيه، فإن الموقف الفقهي، يقضي بعدم تحريمها على المرأة حسب رأي البعض، لأن العادة السرية إنما تحرم بعنوان الإستمناء. وما دامت المرأة لا تملك منياً، فإن ممارستها للعادة السرية لا تحمل معنى الإستمناء، أي تفريغ الطاقة إلى الخارج.. وإن كانت لا تخلو من تأثيرات سلبية هي أقل خطورة من التأثيرات السلبية التي تحملها على الرجل، فهي لا تمنع المرأة من الإقبال على الزواج مهما حققت لها العادة من لذة؛ لأنها لا يمكن أن تشعر المرأة بالإكتفاء الذي يشعرها به الرجل.

وعلى كل حال، لو قلنا: إن العادة السرية محرمة على المرأة لاحتمال انطوائها على تأتيرات سلبية على علاقتها بالرجل، فإنها تبقى حلاً لها بعد الزواج، إذا لم تبلغ كفايتها الجنسية، لجهة تأخر بلوغها الذروة في الشهوة، إلا بعد بلوغ زوجها ذلك. مما يجعل العادة وسيلة للوصول إلى تلبية حاجتها الجنسية. وبالتالي يجعلها أمراً مرجوحاً شرعاً.

ولكن على جميع الحقول، وإن كان بإمكان الرجل والمرأة تحقيق لذتهما بالعادة السرية، ولكنها مجرد لذة مادية، يعيش فيها الإنسان لذته مع نفسه، دون أية مشاركة مع الآخر. وهي مجرد عملية آلية يتم فيها إفراغ المادة إلى الخارج، لذا فان المرأة التي تمارس العادة السرية لا تحصل على لذة الطمأنينة الجنسية، والسكينة التي يسعى إليها الإنسان لدى ممارسة الجنس عادة، بل تمارس نوعاً من التنفيس عن احتقان الشهوة داخل الجسد.

وحالها في ذلك كحال من يفقأ دملة في جسده مثلاً، ليتخفف من ضغط الألم الذي يحس به"[155].

وسئل البعض:

ـ ما هو موقف الإسلام من المثليّة الجنسية؟ وهل يختلف موقفه من السحاق عن موقفه من اللواط؟ وهل يمكن للمثليّة أن تكون بديلاً عن الزواج الطبيعي؟

فأجاب:

"السحاق تماماً كاللواط، لا يحقق للذّة الجنسية معناها الإنساني الكامن في هذا التنوع الطبيعي بين عنصر فاعل وعنصر آخر منفعل، حيث يعطي كل طرف فيها للآخر شعوراً خاصاً باللذة، والسحاق من هذه الناحية يشبه العادة السرية بالنسبة للمرأة، وهو وإن كان علاقة بين امرأة وامرأة، فإن اللذة التي تنتج عنه من نوع واحد ليس فيها نوع من التفاعل بين خصوصيتين متنوعتين لجهة ما تعطيه إحداهما للأخرى.

وهكذا أيضاً، فإن اللواط يشبه الإستمناء بالنسبة للرجل، باعتبار أن الطرف الآخر الذي تمارس معه العملية الجنسية، لا يحصل على أية لذة إلا إذا كان مريضاً، بينما تجعل العملية الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة كلاً منهما يتفاعل مع الآخر ويعطيه شيئاً من خصوصيته، بحيث يشعران معاً، إذا استكملا العلاقة الجنسية بشكل طبيعي وخالٍ من الأنانية التي يعيشها الرجل حيال المرأة في هذا المجال عادة، بالاتحاد الإنساني في تنوّع اللذّة، تماماً كما هو الاتحاد الإنساني في القضايا العاطفية الأخرى.

لذلك، فإن من يلجأون إلى مثل هذه الوسائل في تفجير الطاقة أو التنفيس عنها، لا يمكنهم أن يجدوا في تلك الوسائل بديلاً عن العملية الجنسية الطبيعية وعن الزواج"[156].

وقفة قصيرة:

إن وقفتنا القصيرة السابقة ربما تكون كافية لتوضيح وجوه الخلل في كلمات هذا البعض هنا، ولكننا بالإضافة إلى ما قدمناه هناك نذكر القارئ الكريم هنا بما يلي:

أولاً: إنه اعتبر أن السبب في تحريم العادة السرية على الرجال: هو أنها عملية تفريغ للطاقة تؤدي إلى تبديدها من غير منفعة، وتعطيل الدافع للزواج، وبناء الأسرة.

وهو كلام غير صحيح وذلك للإعتبارات الآتية:

ألف: إنه لو صح لاقتضى تحريم وطء العقيم التي لا رحم لها، واليائس. وغيرهما ممن يكون إفراغ الطاقة فيهما تبديداً لها في غير منفعة..

ب: لو صح ذلك، لكان عليه تجويزها للرجال في صورة عدم الحصول على زوجة، فإن التبديد في غير منفعة إنما يكون في صورة وجود الزوجة، وإمكانية الحمل عندها، أو على الأقل إمكانية الإستفادة من الطاقة، ولو لأجل الجنين، أو لغير ذلك من أسباب.

ج: لو صح هذا للزم منه الإعتراض على سلامة الخلقة، التي جعلت الإحتلام وسيلة لتبديد الطاقة، والذي قد يحصل حتى مع وجود زوجة أيضاً..

د: لو لزم الإحتفاظ بالطاقة إلى هذه الدرجة للزم تحريم الإستمناء بيد الزوجة أيضاً. وتحريم التفخيذ، وأي ممارسة جنسية لا تدخل في نطاق تثمير الطاقة الكامنة في الجسد..

هـ: وأما بالنسبة لتعطيل الدافع الطبيعي للزواج، فهو مجرد دعوى. فإن الناس في العالم بأسره، باستثناء قلة قليلة جداً منهم، من المؤمنين ومن غيرهم ـ يمارسون العادة السرية، ولا يفقدون الدافع نحو المرأة، وهم يتزوجون، وينجبون الأولاد، ويقيمون علاقات محرمة مع النساء.

و: إن دليله أخص من مدعاه، فإن المحرم هو مطلق استعمال العادة السرية ولو مرة في العمر، مع أن الذي قد يؤدي إلى تعطيل الدافع الطبيعي هو حسب قوله: "إدمان الشاب للعادة السرية". فيصير المحرم خصوص هذا الإدمان.

ز: إن هذا البعض اعتبر تعطيل الدافع نحو الزواج ناشئاً عن الحد من الدافع الجنسي الناشئ عن العادة السرية.

ونقول: من الذي قال: إنه يحرم الحد من الدافع الجنسي.. فقد وجدنا الشارع يحدد سبلاً تؤدي إلى التقليل والحد من الدافع الجنسي.. فيحث مثلاً على الصوم، فإن الصوم له وجاء..

ح: كما أنه لا دليل على حرمة الحد من الإلحاح في طلب الزواج، والحد من اندفاع الرغبة فيه.. بل لا يحرم ترك أصل الزواج.. وإن كان ذلك مرغوبا عنه شرعاً..

ط: من أين علم أن علة تحريم العادة السرية على الرجال هو خصوص ما ذكره، فهل أطلعه الله على غيبه، ومن الذي قال له: إن ما ذكره هو تمام علّة هذا التحريم؟!.. بل من الذي قال له: إن ذلك يدخل في دائرة العلة أصلاً؟! فإن ذلك كله يدخل في دائرة الإستحسان والقول بغير علم.

وخلاصة القول:

إن التصدي لمعرفة علل الأحكام هو الذي أوقع هذا البعض في هذه الورطة.. وقد كان يمكنه التسليم لأمر الله سبحانه ونهيه لو لم يسعَ لاقتحام المسلمات وإصابة دين الله بعقله.. مع علمه بقول الإمام الصادق (عليه السلام): إن دين الله لا يصاب بالعقول.

ثانياً: قد ذكر: أن سبب القول بتحليل الاستمناء للمرأة هو أنها لا مني لها. وقد ذكرنا في الوقفة القصيرة السابقة إجابتنا على هذه المقولة.. فلا نعيد، غير أننا نذكر للقارئ الكريم هنا الملاحظات التالية:

1 ـ قوله:

"إن العادة السرية أقل خطورة على المرأة منها على الرجل".

لم يقدم عليه أي دليل. فلا بد من رده عليه وإليه.

2 ـ قوله:

"إن العادة السرية لا تمنع المرأة من الإقبال على الزواج مهما حققت لها من لذة.. بينما الحال بالنسبة للرجل على خلاف ذلك".

هو الآخر مجرد دعوى بلا دليل، سواء بالنسبة للمرأة، أو بالنسبة للرجل. حسبما أوضحناه بالنسبة لهذا الأخير آنفاً..

3 ـ قوله:

"إن العادة السرية لا تشعر المرأة بالإكتفاء الذي يشعرها به الرجل".

وجعل ذلك هو الفارق بينها وبين الرجل، حيث إن العادة السرية للرجل تشعر بالإكتفاء لا يصح، فإن حال الرجل أيضاً كحال المرأة في ذلك، والواقع الخارجي أدل دليل على هذا الأمر.

4 ـ قد صرح هذا البعض بأن ممارسة العادة السرية:

"تبقى حلاً لها، إذا لم تبلغ كفايتها الجنسية من الرجل، لجهة تأخر بلوغها الذروة الجنسية في الشهوة، مما يجعل هذه العادة وسيلة لتلبية حاجتها الجنسية".

فهل يجيز لها السحاق أيضاً إذا لم تبلغ حاجتها الجنسية من الرجل، باعتبار ان المرأة لا ماء لها. وأن ذلك يصلح وسيلة للوصول إلى حاجتها الجنسية.. وقد قال هو نفسه عن السحاق إنه:

"لا يحقق للذة الجنسية معناها الإنساني الكامن في التنوع الطبيعي، بين عنصر فاعل، وعنصر آخر منفعل، حيث يعطي كل طرف فيها للآخر شعوراً خاصاً باللذة والسحاق من هذه الناحية يشبه العادة السرية بالنسبة للمرأة ".

ثم ذكر أن اللواط يشبه الإستمناء للرجل:

"باعتبار أن الطرف الآخر الذي تمارس معه العملية الجنسية الطبيعية لا يحصل على أية لذة إلا إذا كان مريضاً بينما تجعل العملية الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة.. الخ.."