خلفيات
كتاب مأساة الزهراء

الجزء الرابع


 الطبعة الخامسة 1422هـ. الموافق 2002م. مزيدة ومنقحة حسب المواضيع من قبل المؤلف

المقصد الخامس
التـشـيـع

القسم الأول
التـشـيـع والإمـامـة

بـدايـة:

إن الأمور التي تشير إلى ـ أو تدل على ـ ما يرمي إليه البعض في حديثه عن الإمام والإمامة، وعن الشيعة والتشيع، كثيرة ومتنوعة، والمكتوب منها كثير وخطير، فكيف بالمسموع في النوادي، والمدارس، والسهرات، والمجالس.

ونحن نقتصر هنا على ذكر مجموعة من كلماته ـ وهي كثيرة ليست قليلة ـ عسى أن نبلغ بها غايتنا في إعطاء الصورة الوافية عن الإتجاه الفكري العام، وعما تحتله هذه الشؤون الحساسة فيما يراد له أن يأخذ موقعه في عقل وفكر الناس، وتكون له آثاره على مواقفهم، وحتى على مواقعهم..

ما يلي من صفحات، ومن الله نستمد القوة والحول، ومنه نطلب السداد والرشاد.

 

784 ـ الشيعة في قفص الإتهام.

ثم إن ذلك البعض يشير بطريقته الخاصة إلى أن الشيعة هم الذين اعتبروا أنفسهم مجتمعا يختلف عن غيرهم.. وكأن الآخرين هم الأساس، الذي فصل الشيعة أنفسهم عنه، وبالتالي، فإنهم قد نأوا بأنفسهم عن معونة أهل السنّة ونصحهم، على عكس ما كان من عليّ أمير المؤمنين عليه السلام تجاه الخلفاء ـ مع أنّه هو صاحب القضية معهم، فصاحب القضية يتعاون، ويقدم النصح والمشورة، والشيعة لا يفعلون ذلك، مما يوضح: أنهم أقل وعيا، وأقل إسلامية من المتقدمين، فهو يقول:

"المسلمون في عصر الخلافة الراشدة (!!) كانوا أقرب إلى المواجهة الواقعية لمثل هذه المشكلة، بعدها، عاش المسلمون أوضاعا حادّة تحولت إلى حروب بين السنّة والشيعة، ثم إلى حالة انفصال اعتبرت الشيعة نفسها مجتمعا يختلف عن مجتمع السنة، بينما كان الإمام علي ـ وهو صاحب القضية ـ يتعاون مع الخلفاء، ويعطيهم المشورة والنصح، بالرغم من رفضه للمسألة، مما يعني: أن المتقدمين كانوا أكثر وعيا، وأكثر إسلامية"[1].

 

785 ـ الشيعة إرهابيون في المجال الفكري!

786 ـ دعوة السنّة والشيعة إلى التنازل عما ورثوه.

787 ـ الشيعة مصداق للآية: (إنا وجدنا آباءنا على أمة..).

788 ـ لا يوجد نقد علمي عند الشيعة والسنة.

789 ـ لا حرية إلا لمناقشة القضايا السنية.

ثم هو يتهم الشيعة بالإرهاب الفكري، وأنه ليست هناك أية حريّة في داخـل المذهب الشيعي، ويظهر رغبته في تنازل الشيعة والسنة عما ورثوه.

فهو يقول:

"المشكلة هي أن السنّة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه، وأن الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه، بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع، لأن القضية في بعض أوضاعها: {إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}[2].

لذلك لا نجد أية حرية في داخل المذهب السني لمناقشة القضايا السنية، وليست هناك أية حرية في داخل المذهب الشيعي لمناقشة القضايا الشيعية.. الحرية المطروحة هنا وهناك هي مناقشة الآخر.. أما أن نناقش فكرنا في عملية نقد علمي فهذا ليس واردا، بل قد تجد هناك إرهابا فكريا هنا، وإرهابا فكريا هناك"[3].

 

790 ـ التشيع وجهة نظر في فهم الإسلام.

791 ـ إتهام الشيعة بأنهم انفصاليون، لا يتعاونون مع إخوانهم ولا ينصحونهم.

وهو يعتبر التشيع مجرد وجهة نظر، في مقابل وجهة نظر أخرى هي التسنن، ووجهة النظر عموما: قد تكون خطأ، وقد تكون صوابا.. كما أن وجهة النظر الأخرى كذلك. مع أن التشيع هو حقيقة الإسلام، وصريح هذا الدين، فهو يقول:

"وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون خط التشيع – فيما هو التشيع وجهة نظر في فهم الإسلام ـ حالة معزولة عن الواقع العام للمسلمين"[4].

 

792 ـ الفكر الإلهي ! والفكر البشري.

793 ـ الإمامة فكر بشري..!

794 ـ كل التراث الفقهي والكلامي فكر بشري.

795 ـ الحقيقة نسبية..

796 ـ بديهيات الإسلام فقط فكر إلهي.

وهو يعتبر أن كل التراث الفكري والعقيدي والفلسفي، فكر بشري، باستثناء البديهيات، فإنها: فكر إلهي.

ولا ندري كيف نفسر عبارة (فكر إلهي)، وما تحمله من جرأة على الذات الإلهية، فهل الله يجلس ليوازن ويفكر، ويقدم ويؤخر، ثم يخرج بهذه النتيجة أو تلك؟

ولنتوقف قليلا أيضا عند اعتبار ذلك كله فكرا بشريا..!!

أما عباراته التي تضمنت ذلك فهي التالية:

".. ونحن نعتقد: من خلال ذلك: أن كل ما جاءنا من تراث فقهي، وكلامي، وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية، ولا يمثل الحقيقة، إلاّ بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة.

وبهذا، فإننا نعتبر: أن كل الفكر الإسلامي، ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية هو فكر بشري، وليس فكرا إلهيّا، قد يخطئ فيه البشر فيما يفهمونه من كلام الله، وكلام رسول الله(ص) وقد يصيبون.

وعلى هذا الأساس، فإننا نعتقد أن من الضروري جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين، أينما كانت مواقع تفكيرهم، نظرة بعيدة عن القداسة في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس الآخرين، فيمن يكون على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى الخ.."[5].

وقفة قصيرة:

إن هذا البعض قد اعتبر كل التراث الفقهي والكلامي (أي العقائدي) والفلسفي هو نتاج أفكار المجتهدين، وهو كله ليس إلهيا، وإنما هو فكر بشري، حتى الإمامة فإنها عنده من المتحول، لأن النص لم يكن عنده صريح الدلالة بحيث لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولا موثوق السند إلى درجة لا يمكن الشك فيه[6]، فالإمامة إذن فكر بشري أيضا، لأنها بحاجة إلى الاجتهاد، وليست من البديهيات عند جميع المسلمين.

هذا كله عدا عن أن كلامه الآنف الذكر صريح في أنه يعتبر الحقيقة نسبية، فلا يستطيع أحد أن يدعي أنه يملك الحقيقة كلها، بل هو يملك منها بحسب ما يقتنع به من مقاييس الحقيقة..

فقد يكون أمر مّا يمثل الحقيقة عند شخص، ـ بحسب تلك المقاييس ـ ويمثل الباطل عند آخر بحسب المقاييس التي يملكها ذلك الآخر أيضا.

ونحن قد ناقشنا هذه المقولات في كتابنا (لماذا كتاب مأساة الزهراء ؟)، ونؤكد على القاريء الكريم أن يراجع ما كتبناه هناك..

غير أنّا نذكّر هنا بأن ما هو فكر إلهي عند هذا البعض، هو أمور يسيرة وعناوين محدودة جدّا، عبّر عنها في بعض كتاباته بالثّابت، ويقابلها المتحوّل. فقال:

"إن من الثابت: التوحيد، والنبوة، والمعاد، ومسلمات الشريعة، مثل: وجوب الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الزنا والسرقة، والخمر، والميسر، والنميمة، واللواط، والغيبة، وقتل النفس المحترمة، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين العامة جدا، دون تفاصيلها، فإن التفاصيل تدخل في نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية، غير الإلهية"[7].

وهو ما عبّر عنه هذا البعض بالمتحول.

ويقول:

"المراد من الضروري الشيء البديهي الثابت بشكل طبيعي جدا، وعفوي جدا، من دون حاجة إلى الإستدلال بين المسلمين، مثل وجوب الصلاة، ووجوب الصوم، ووجوب الحج، ووجوب الزكاة، كما ذكرنا. أما تفاصيل الصلاة، وتفاصيل الصوم، أو الحج، أو الزكاة، فهذه أمور يختلف فيها المسلمون، ويحتاج فيها إلى أن يستدل بعضهم على بعض، ليثبت قناعته من خلال ذلك، وكل شيء يحتاج إلى الإستدلال بحسب طبيعته، أو بحسب طبيعة الواقع العام، باعتبار أن الناس يختلفون فيه فهو أمر نظري"[8].

 

797 ـ سند حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه) موضع نقد.

أجاب البعض عن سؤال حول حديث النبي(ص):

"س:.. قال الرسول: من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية؟.

ج: الواقع أن سند هذا الحديث ليس فوق مستوى النقد"[9].

ومن الواضح: أن أبرز تجليات هذا الحديث قد كانت في موقف فاطمة الزهراء(ع) من أبي بكر، حيث ماتت وهي مهاجرة له، كما دلت عليه النصوص القاطعة، ولم تكن تعتبره إمام زمانها، ولا يمكن بحال أن يقال: إنها ماتت ميتة جاهلية، وهي التي يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها.

وهو من الأحاديث الثابتة المروية لدى أهل السنة والشيعة، وتجدهم به يستدلون، وعليه يعتمدون، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

ولا ندري ما هو الداعي لإثارة الشبهة حول سند هذا الحديث؟! مع أن الأفرقاء قد تلقوه بالقبول كما ألمحنا إليه ؟!.. وذكرنا ذلك في كتابنا "مأساة الزهراء(ع)":

 

798 ـ الخلاف بعد النبي لم يضر بالإسلام.

799 ـ المسيرة الإسلامية لم تنحرف بعد النبي (ص).

ويتحدث عن خلافات الصحابة بعد النبي(ص) فيقول:

"علينا أن نمارس خلافنا في الرأي كما مارسه الأولون، فقد مارسوه فيما لم يكن الاختلاف مضرة للإسلام، حتى سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم"[10].

ظاهر الكلام أن الصحابة لم يمارسوا خلافاتهم بصورة مضرة للإسلام، فلم يكن اغتصاب بعضهم للإمامة مثلا ضررا على الدين، ولا انحرافا بل سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم!!!

 

800 ـ إبعاد علي(ع) كان نتيجة فهم الكلام بطريقة معينة.

801 ـ المسلمون(!!) فهموا ذلك.

802 ـ الخطأ في اجتهاد أهل السقيفة.

803 ـ مشكلتنا: أن حديث الغدير مروي بشكل مكثف.

804 ـ ينبغي لأهل السنّة أن يناقشوا سند حديث الغدير.

805 ـ كلمات النبي (ص) في الغدير، تجعل الشك في أذهان الناس.

806 ـ النبي (ص) لم يكتب كتابا للأمة لأنه أراد للتجربة أن تتحرك.

أ ـ ويقول البعض:

"إنطلق رسول الله(ص) ليؤكد مسألة القيادة من بعده، حتى لا تكون حركة المسلمين في فراغ، بعد أن ينتقل (ص) إلى الرفيق الأعلى.

ولكن المسلمين فهموا القضية بطريقة معينة، ففرضت الأوضاع الجديدة نفسها، والتي أوجدوها خارج دائرة توجيهات رسول الله (ص)؛ فأبعد علي (ع).."[11].

فالفهم الخاطيء لكلام النبي(ص) كان هو السبب في إبعاد علي عليه السلام..

ب ـ ولكنه يذكر في مورد آخر: أن سبب فهم المسلمين لهذا الأمر بطريقة معينة هو أن النبي (ص) قد تكلم بطريقة تلقي بأذهان الناس الشك، فهو يقول:

"بيعة الغدير مما يذكره السنة والشيعة، لكن دخل بعض الناس على الخط، كما يقرأ في كلمة (مولى): من كنت مولاه فعلي مولاه، يعني ناصره، فالقضية ربما كانت من خلال طبيعة الكلمات مجالا لأن النبي (ص) مثلا، بأذهان الناس يصير شك.

أما لماذا لم يكتب النبي(ص) كتابا؟ كان النبي ذاك الوقت يريد للتجربة أن تتحرك"[12].

ج ـ وإذا ضممنا إلى ما تقدم حديث البعض عن سند حديث الغدير، ودعوته أهل السنة للبحث فيه أيضا، فهو يقول في نطاق سؤال وجواب:

سؤال: يقول تاريخ الشيعة بأن رسول الله (ص) نصّب عليا (كرّم الله وجهه) على مشهد من (120) ألف مسلم ما بقي منهم إلاّ أربعة أو خمسة، فهل هذا مقبول منطقيا؟

"جواب ـ عندما ندرس كيف تتبدل الأوضاع، وكيف تتغير الأفكار وكيف تختلط الأوراق فإننا نجد بالتجربة الكثير من واقعنا، والسبب في ذلك هو أن المؤثرات التي يمكن أن تتحرك في الواقع الإجتماعي أمام أية قضية لا تتحرك في المجرى الإجتماعي الذي يرضاه الناس أو يحبونه.

فلا بد أن تتحرك الكثير من الأساليب والوسائل من أجل إبعاد القضية عن خطها المستقيم ولو بالقول.

لقد قال رسول الله (ص) (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهل إن معناه من كنت أحبه فعلي يحبه ومن كنت ناصره فعلي ناصره، أو إن معناه من كنت أولى به من نفسه ـ وهو معنى الحاكمية ـ فعلي أولى به من نفسه، فبعض الناس يقول هذا تصريح وليس تأكيدا. إنّ مشكلتنا هي أن (حديث الغدير) هو من الأحاديث المروية بشكل مكثف من السنة والشيعة، ولذلك فان الكثير من إخواننا المسلمين السنة يناقشون الدلالة ولا يناقشون السند، في الوقت الذي لا بد أن ندرس القضية من خلال ذلك أيضا، فعندما ندرس قصة الحسن والحسين (ع) نجد أن النبي (ص) ربّى لهم حبّا في نفوس المسلمين وقد استطاعوا أن يعمقوا هذا الحب من خلال سلوكهم وسيرتهم. وكدليل على ذلك عندما انطلق الإمام الحسين (ع) وقد بايعه أهل الكوفة التقى (الفرزدق) في الطريق فقال له: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك) ونحن عشنا أيها الأحبة، الكثير من هذا في (العراق) وعشناه في (لبنان) ونعيشه في أكثر من موقع في العالم، لأن مسألة الجماهير هي أنها تنطلق بانفعال وتتحرك بانفعال أيضا. هذه هي المسألة التي تجعل هذا الواقع واقعا قريبا من المنطق"[13].

د ـ مشكلة هذا البعض إذن هي أن حديث الغدير مروي بشكل مكثف عند السنة والشيعة.. ورغم أن أهل السنة يناقشون في دلالة حديث الغدير فقط، فإنه يتمنى عليهم أن يناقشوا السند بالإضافة إلى المتن..

هـ ـ ومهما يكن من أمر، فإن ذلك البعض نفسه هو الذي اعتبر قضية الإمامة من المتحول الذي لا صراحة فيه من حيث الدلالة إلى درجة عدم احتمال الخلاف فيه، ولا موثوقا سندا إلى درجة عدم إمكان الشك فيه، فهو يقول وهو يتحدث عن الثابت والمتحول داخل الثقافة الإسلامية:

"هناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد، ما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه، وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدل فيه، كالخلافة والإمامة، والحسن والقبح العقليين"[14].

فالإمامة إذن تعاني من مشكلة، إما في السند أو في الدلالة، ولأجل ذلك اختلف المسلمون؛ فهم مأجورون فيما توصلت إليه اجتهاداتهم، ولو أخطأوا في تلك الاجتهادات.

وقفة قصيرة:

ونحن قبل أن نتابع حديثنا نلفت النظر إلى النقاط التالية:

1 ـ أمّا بالنسبة لأسانيد أحاديث الإمامة.. فنقول: إنها متواترة في موارد عديدة منها.. عند السنة والشيعة معا، وصحيحة السند في موارد كثيرة أخرى عند السنة والشيعة أيضا.. وحديث الغدير أيضا من الأحاديث المتواترة، كما لا يخفى على من لاحظ كتاب الغدير للعلاّمة الأميني، وغيره من مؤلفات علماء هذا المذهب، وكذلك مؤلفات سائر المسلمين.

فلا معنى للحديث حول هذا الموضوع، كما لا معنى لاعتبار الإمامة من المتحول استنادا إلى ذلك، ولو جزئيا.

2 ـ إن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قد أمره الله بتبليغ ما أنزله إليه في قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}[15].

فإذا كان قد تكلم بكلمات تستوجب الشك في أذهان الناس، فمعنى ذلك: أنه لم يبلغ ما أمره الله بتبليغه.

فإمّا أنه تعمّد زرع الشكّ والشبهة في عقول الناس، أو أنه لم يحسن التبليغ، ولم يعرف الطريقة المناسبة التي يتحقق بها ذلك، وكلا الأمرين باطل لا يصح نسبته إلى النبي (ص).

وفي كلا الحالين: كيف يصح أن ينزل الله سبحانه بعد إتمام الحجة في يوم الغدير الآية الشريفة التي تقول:

{اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا}[16].

فهل يصح ـ والعياذ بالله ـ أن يقال: إن الله سبحانه لم يكن عالما بأن رسوله قد أوهم الناس وشكّكهم، ولم يبلغهم ذلك، ولم يمتثل أمره.. أم أن الله ـ والعياذ بالله ـ قد أراد أن يمتنّ على الناس بأمر وهمي لا حقيقة له ؟!..

3 ـ إن فهم المسلمين للنص بطريقة معينة، هل يعني: أن القصة كانت مجرد فهم واجتهاد خاطيء – ولم يكن ثمة تعمد إلى إبعاده عليه الصلاة والسلام؟! ـ وإذا كان ذلك نتيجة فهم خاطيء فالظاهر أنهم مأجورون على هذا الخطأ في الاجتهاد..؟

4 ـ إن هذا الفهم المعيّن للنص هل كان عامّا للمسلمين كلهم ـ كما هو ظاهر عبارته ـ وهل شمل هذا الفهم المعيّن سلمان، وأبا ذر، والهاشميين وغيرهم.. أم اقتصر على فريق دون فريق..؟!

وماذا نصنع بقول القائل بعدما بايعوا عليا (ع) يوم الغدير:بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ؟!

5 ـ وإذا كانت الإمامة لا بد فيها من ثبوت النص، ثم وضوحه، فهل يعني ذلك: أن تصبح الإمامة فاقدة لكلا هذين الشرطين، ويكون عدّها من المتحول قد وقع من أهله في محله؟! وذلك لأنها ليست من البديهيات عند بعض المسلمين، منذ وفاة الرسول (ص) على حدّ زعم البعض، فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيّا على حدّ تعبير ذلك البعض أيضا، كما تقدّم في مطلع هذا الفصل؟!

ولسنا ندري هل إن وجود شبهة في أمر بديهي لدى البعض يجعل هذا البديهي من المتحول، ومجرد وجهة نظر ؟ وبالتالي يجعله فكرا بشريا ؟.. وهل إذا كانت هناك شبهة في مقابل البديهة تسقط البديهة عن بداهتها ؟!

نعم قد دل الدليل على أن من لم يقل بالإمامة ـ مع بداهتها ـ لشبهة طرأت عليه، لا لجحود وإنكار، يحكم بإسلامه.

 

807 ـ الإمامة من المتحول لا من الثابث.

808 ـ الإمامة تتحرك في النصوص الخاضعة للاجتهاد.

809 ـ نصوص الإمامة ليست صريحة بحيث لا يحتمل الخلاف فيها.

810 ـ نصوص الإمامة ليست بدرجة عدم إمكان الشك فيها.

811 ـ مسألة الحسن والقبح العقليين من المتحول.

812 ـ مسألة الحسن والقبح العقليين ليست موثوقة بدرجة لا شك فيها..

813 ـ نصوص الحسن والقبح العقليين ليست موثوقة لا يحتمل الخلاف فيها.

ويقول البعض، وهو يتحدث عن الثابت، والمتحول:

".. في داخل الثقافة الإسلامية ثابت يمثل الحقيقة القطعية، مما ثبت بالمصادر الموثوقة، من حيث السند والدلالة، بحيث لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه يكون من قبيل الاجتهاد في مقابل النص.

وهذا هو المتمثل ببديهيات العقيدة كالإيمان بالتوحيد، والنبوة، واليوم الآخر، ومسلمات الشريعة، كوجوب الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرمة الخمر، والميسر، والزنا.. واللواط، والسرقة، والغيبة، والنميمة، وقتل النفس المحرمة ونحو ذلك..

هذا بالإضافة إلى الوضوح في الموقف السلبي أو الإيجابي من المفاهيم المتقابلة، من الظلم، والعدل، والكذب، والصدق، والخيانة، والأمانة، ونحو ذلك.

فلا مجال لتحريكها في مستوى رفض المبدأ، بل قد يثور الجدل فيها على مستوى التفاصيل في المفردات الصغيرة المتناثرة في نطاق الظروف والطوارئ.

وهناك المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها، ومدلولها للاجتهاد، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه.

وهذا الذي عاش المسلمون الجدل فيه كالخلافة والإمامة والحسن، والقبح العقليين، والذي ثار الخلاف فيه بين العدلية وغيرهم.. الخ"[17].

وقفة قصيرة:

1 ـ إنني أعتقد أن القارئ الكريم في غنى عن التذكير بأن الإمامة هي من الثوابت القطعيّة التي لم يزل النبي (ص) يؤكدها قولاً وعملاً بالإشارة والتلميح، وبالكناية والتصريح، وبالقول والفعل.

والنصوص الدالة على ذلك تعد بالمئات، بالإضافة إلى الكثير من الآيات القرآنية التي أوضحت هذا الأمر بجلاء تام..

وإذا لم يكن ذلك كله مما يوجب القطع واليقين، وهو عبارة عن تواترات عديدة، وصريحة فأي شيء بعد هذا يمكن أن يوجب ذلك؟!

2 ـ إن مجرد حصول الشبهة في الأمر البديهي لا يخرجه عن دائرة البداهة، ولا يجعله نظرياً، اجتهادياً، لدخوله في دائرة المشكوك في سنده وفي دلالته.. حسبما ورد في مقولة هذا البعض..

3 ـ ولو صح ذلك.. للزم اعتبار وجوب الصلاة، والصوم، وغير ذلك من العبادات، من المشكوك، فإنه يدخل في دائرة المتحول الاجتهادي المشكوك في سنده وفي دلالته، لوجود فِرَق يعتبرها نفس هذا الشخص فرقاً إسلامية ـ كالدروز مثلاً ـ، لا تجد ضرورة لممارسة هذه الشعائر، ولا تعتبرها من الأحكام الثابتة والملزمة.

وقد كتب هذا البعض نفسه مقدمات لكتب صدرت عن اتباع تلك الفرق أيد فيها إسلاميتها، ومدحها بما تيسر له.. ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

وأعتقد أن إلقاء نظرة سريعة على مقولات الفرق المعدودة في فرق المسلمين.. يثير العجب، والدهشة مما أثارته تلك الفرق والمذاهب من مقولات، وشبهات حول أبده البديهيات.. فهل تخرجها تلك الشبهات عن دائرة البداهة، وتجعلها من المتحول في عالم النصوص التي لا يقين بسندها، ولا بدلالتها؟!.

4 ـ والأغرب من ذلك كله.. أنه جعل مسألة الحسن والقبح العقليين من المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص التي لم تكن صريحة بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولا موثوقا بالدرجة الذي لا يمكن الشك فيه، مع أن المسألة عقلية كما هو صريح عنوانها.. فأين هذه المسألة من عالم النصوص المتيقنة أو المشكوكة.


القسم الثاني
عقائـد الإمامية وشعائرهم

الفصل الأول
وهابية، أم ماذا ؟!

بـدايـة:

إننا نذكر في هذا الفصل بعض الشعائر والعقائد التي يناقش البعض في جدواها، أو في صحتها، أو يرى فيها نوعا من التخلف، ويعتبرها من الموروث، الذي لا يتردّد في توجيه النقد القاسي واللاذع له، إلى درجة يمكن أن يقال: إنها تتجاوز حدّ التشهير المهين، ولا نريد أن نمعن في إفساح المجال هنا أمام الظنون في أن يكون الهدف هو استبعاد تلك الشعائر، أو إسقاط أو زعزعة ثبات تلك العقائد بهذا الأسلوب.. بل نريد هنا ـ فقط ـ عرض نمـاذج من تلك الأقاويل..

ويبقى للقارئ أن يختار متابعة سائر ما سجّله ذلك البعض في هذا السياق، ليصدر حكمه بعد ذلك على تلك المقولات، وفق الضوابط والموازين المرضيّة والموثوقة، والمعتمدة والمقبولة، عقلا وشرعا وعرفا.

أمّا البحث المشبع حول تلك الأقاويل، فنتركه إلى فرصة أخرى، لأن ذلك قد يثقل على القارئ، الذي حصل منّا على وعد مسبق بأن لا يتعرض هذا الكتاب إلى البحث والإستدلال، وإن كان يتوخى بعض التوضيح والتصحيح، كلما يتبلور لدينا شعور بضرورة المبادرة إلى إلفات نظر القارئ الكريم إلى ذلك، لسبب أو لآخر..

فإلى ما يلي من مطالب:

 

814 ـ البركة لا تتجمد في المسجد ليتبرك الناس بأرضه وجدرانه.

815 ـ المبارك ليس هو من يضع يده على الرؤوس ليمنحهم بركته.

816 ـ المبارك ليس هو الحامل للأسرار الخفية التي تدفع الناس للمس ثوبه أو جسده.

بداية توضيحية تغني عن الوقفة القصيرة:

ونقول: لقد كان النبي (ص) يتبرك بعرق علي. وكان يبّرك على الأطفال، ويحنكهم بريقه، ويستجيب لطلب البركة منه، فيضع يده في أواني الماء التي كانوا يأتون بها إليه بعد الصلاة.

وكانت أم سُليم تجمع عرقه (ص) في قارورة لأجل التبرك به.

وكان الصحابة يقتسمون شعره حين يحلق رأسه، بل هو كان يوزعه عليهم.

وكان المسلمون وما زالوا يقبِّلون الكعبة، والحجر الأسود، ويتبركون بمقامات الأئمة، وبمقام إبراهيم، وبماء زمزم، ولا يرون ذلك عملاً عبثياً أو غير عقلائي أو غير مشروع، هم يجلونها ويتبركون بها، بهذا التقبيل.

ولكن البعض يرى أن البركة لا تتجمد في المسجد، مستندا إلى قوله تعالى: {باركنا حوله} مع أن التبرك بالكعبة، وبالحجر الأسود، وبرسول الله على النحو الذي ذكرناه قد كان موجودا وشائعا، وقد قَبّلَ النبي (ص) نفسه الحجر الأسود، كما هو معلوم وغير ذلك[18].

فلنقرأ ما يقوله البعض بهذا الصدد لنجد إن كان يتوافق مع هذه الحقيقة الإسلامية والإيمانية، إنه يقول:

".. {الذي باركنا حوله} فيما كانت البركة تمثله من امتداد وحركة على كل الساحات المحيطة به.. لأن البركة ليست مجرد حالة غيبية روحية تثير المشاعر القدسية في أجواء ضبابية حالمة، بل هي ـ إلى جانب ذلك ـ قوة حركية روحية تندفع بالكلمة الطيبة التي تملكها، و بالطاقة الحية التي تحركها، وبالأفق الرحب، الذي تفتحه وبالشعور الحميم الذي تثيره وبالخطوات الثابتة التي تقودها.. لتكون ـ في جميع ذلك ـ مشروع حياة نافعة مليئة بكل ما يحقق للإنسان سعادته وللكون نظامه.."

ومن خلال ذلك فإننا نفهم معنى الشخص المبارك، فهو ليس الإنسان الحامل للأسرار الخفية التي تدفع الناس أن يلمسوا ثيابه وجسده، ليأخذوا منه البركة أو يطلبوا منه أن يضع يده على رؤوسهم ليمنحهم بذلك بركته، بل هو الإنسان الذي يعيش الطاقة الروحية التي تحرك فيه كل طاقاته ليوجهها إلى الناس والحياة من حوله لتنطلق خيرا ورحمة ومحبة وسلاما في نفع شامل غير محدود كما ورد تفسير قوله تعالى في حديث عيسى عـن نفسه {وجعلني مباركا} فقد جاء في التفسير أن معناه: وجعلني نفاعاً للناس فيما توحي به البركة من امتداد للطاقة في حياة الناس.

وهكذا نفهم معنى الأرض المباركة فيما تعطيه من خيرات على مستوى الثمرات المادية، مما تنتجه أو على مستوى الثمرات الروحية، مما توحيه وتتحرك به على خط الرسالات و الرسل فيما تحتويه منها ومنهم في كل زمان وبذلك نفهم سر التعبير في قوله {باركنا حوله} بدلا من (باركناه) فقد يكون السر في ذلك هو الإيحاء بأن البركة لا تتجمد في المسجد لتبقى فيه ليأتي الناس إليه ليحصلوا على البركة من أرضه وجدرانه. بل تنطلق منه في ما تمثله رسالته من روحية للذات ومن منهج للحياة في انفتاح الإنسان على الله من خلال وحي رسالاته التي تثير فيه المسئولية النابضة بالروح و المتحركة مع الواقع: لتمتد إلى كل مكان فتتحول البركة من نبع يتحرك في داخل الأرض إلى نهر جار ينساب في كل عقل وفي كل روح، ويصل إلى كل ارض للإنسان فيها وجود ليملأها بالخير والمحبة والحياة.. ومن الطبيعي لهذه البركة المحيطة بالمسجد فيما حوله أن تكون منطلقة منه مما يعني ذلك أن التعبير يختزن في داخله معنى البركة في المسجد فيما يوحيه من معنى البركة فيما حوله والله العالم[19].

 

817 ـ تقاليد العوام في زيارة القبور قد تتّخذ منحى خطيراً في خط الإنحراف.

818 ـ لا يكفي في استقامة العقيدة عدم الدليل على المنع من بعض الأعمال.

819 ـ الخلط بين مظاهر احترام الخالق والخلق ممنوع.. ولو لم يكن كفراً أو شركاً.

820 ـ ما يدعى به الله لا يدعى به غيره.

821 ـ يعقوب سجد ليوسف تحيّة وتعظيماً.

822 ـ سجود يعقوب ليوسف لأن ذلك كان هو التقليد الشائع في احترام السلطان.

يقول البعض:

"إن التقاليد المتّبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء وفي زيارة قبورهم قد تتّخذ إتجاهاً خطيراً في خط الإنحراف في التصور والممارسات، وذلك من خلال الجانب الشعوري الذي يترك تأثيره على الإنفعالات الذاتية في الحالات المتنوعة التي قد تدفع إلى المزيد من الممارسات المنحرفة في غياب الضوابط الفكرية التربوية، في ما ينطلق به التوجيه الإسلامي للحدود التي يجب الوقوف عندها من خلال طبيعة الحقائق الواقعية للعقيدة، لأنه لا يكفي، في استقامة العقيدة، أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معيّن، أو من كلماتٍ خاصةٍ، أو من طقوس متنوعة، بل لا بد من الإنفتاح على العناصر القرآنية للفكرة العقيدية، والأجواء المحيطة بها، والروحية المميزة المتحركة في طبيعتها، حتى لا تختلط مظاهر الاحترام بين ما يقدّم للخالق وما يقدّم للمخلوق، بقطع النظر عما إذا كان ذلك شركاً أو كفراً، أو لم يكن. ولا سيما إذا عرفنا أن الشعوب قد يقلّد بعضها بعضاً في الكثير من الطقوس والعادات في مظاهر الاحترام والتعظيم، مما قد يؤدي إلى التأثر الشعبي ببعض التقاليد الموجودة لدى بعض الشعوب غير الإسلامية التي قد تشتمل على العناصر الفكرية أو الروحية البعيدة عن فكر الإسلام وروحه.

إن هناك نوعاً من التوازن في الحدود النفسية للإرتباط الروحي بالأشخاص، من حيث الشكل أو المضمون، لا بد للمسلم من مراعاته من أجل الإحتفاظ بالأصالة الفكرية التوحيدية في خط الإنفتاح على الله بما لا يدعو به إلى غيره، لإبقاء الصفاء العقيدي في العمق الشعوري الروحي للإنسان المسلم، لأن ذلك هو السبيل الأمثل للاستقامة على الخط المستقيم، لأننا لا نريد أن نصل في استغراقنا العاطفي إلى لون من ألوان عبادة الشخصية في ما تتحرك به مشاعر العاطفة بعيداً عن رقابة العقل، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نتحمل مسؤولياتنا في الساحة الفكرية، لنراقب طبيعة الأساليب الشعبية في ذلك كله؛ لنبقى من خلال المراقبة الدقيقة في مواقع التوازن الفكري والروحي في خط العقيدة"[20].

وقفة قصيرة:

ونقول:

1 ـ إن التقاليد المتبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء تتمثل في تقبيل ضريح النبي أو الإمام، ووضع الخد عليه، ومسحه باليد أو بالثوب، والدعاء عنده وطلب شفاء مريض، أو قضاء حاجة، والصلاة إلى الله قرب ذلك الضريح، وقراءة القرآن والأدعية المأثورة، والبكاء إلى الله والطلب والإبتهال إليه بأن يغفر ذنوبهم ويرحمهم، وقد يقام مجلس عزاء يذكر فيه ما جرى على أهل بيت النبوة (ع) في سبيل هذا الدين..

وقد يحدث أن يؤتى بالمريض ليكون إلى جانب ضريح الإمام(ع) ويتعلّق بالضريح أو يعلّقه أهله به، في عملية إلحاح شديد على الإمام ليكون واسطتهم إلى الله سبحانه ليشفي هذا المريض.

وهو يقصد ذلك كله ـ فيما يظهر ـ وذلك لقوله:

"لا يكفي في استقامة العقيدة أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معين أو كلمات خاصة أو من طقوس متنوعة ".

وقد اعترف هذا البعض نفسه بأن المسلمين يمارسون التوسل بالأنبياء والأولياء:

"من موقع التوجه إلى الله بأن يجعلهم الشفعاء لهم وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله"[21].

واعترف أيضاً بأنه:

"إذا كان الله قادراً على أن يحقّق ذلك من خلالهم في حياتهم فهو القادر على أن يحقّق ذلك بعد مماتهم باسمهم، لأن القدرة في الحالين واحدة"[22].

ويقول:

"إن الذهنية العقيدية لدى المسلمين لا تحمل أي لون من ألوان الشرك بالمعنى العبادي"[23].

فما يعني أن يدّعي هذا البعض هنا:

"أن التقاليد المتّبعة لدى العوام من المسلمين في تعظيم الأنبياء والأولياء، وفي زيارة قبورهم، قد تتّخذ اتجاهاً خطيراً في خط الانحراف في التصور والممارسات".

2 ـ وقد يتذرع هذا البعض بأن هناك قلة جداً قد لا يصلون إلى الواحد بالألوف الكثيرة حينما يصلون إلى مقام النبي أو الإمام فإنهم يسجدون على الأعتاب.. وهذا سجود لغير الله سبحانه، وهو اتجاه خطير في التصور والممارسات.

ونقول له:

أولاً: إن كلامه لم يشر إلى هذه الحالة النادرة بل جاء ليتحدث عن تلك الأمور المتعارفة والشائعة التي أصبحت تقاليد متّبعة لدى العوام من المسلمين، على حدّ تعبيره. والشيء الذي لا يحصل إلا نادراً، ومن قبل قلة من الناس، لا يقال له: تقاليد متّبعة.

ثانياً: إن هؤلاء الذين يسجدون على الأعتاب إنما يسجدون لله شكراً له على ما وفقهم إليه من زيارة قبر وليه، ولا يسجدون لا للنبي ولا للولي، فما هو المحذور في ذلك؟

ثالثاً: إن هذا البعض نفسه يقرّ بأن الملائكة قد سجدوا لآدم وهم العباد المكرمون. واللافت أن هذا الأمر جاء امتثالاً لأمر مباشر صادر من الله سبحانه ولم يكن بمبادرة منهم. واعتبر ذلك تحية وإكراماً له.. فلماذا لا يجد في هذا السجود أيضاً معنى التحية والإكرام. بل إن هذا البعض قد أقرّ بأن يعقوب وهو نبي مرسل ـ وزوجته وأولاده قد سجدوا ليوسف، وقد رضي يوسف وهو نبي، بسجود إخوته وحتى بسجود أبويه له، رغم أنه مأمور بإكرامهما وبإعزازهما والبرّ بهما.

ويزيد الأمر حساسية أن هذا الأب الذي سجد لولده لم يزل يعيش ويعاني من الآلام والأحزان حتى ابيضت عيناه من الحزن على نفس هذا الولد، الذي وجده بعد أن فقده.. وإذا به يجد أن هذا الولد النبي ليس فقط لا يعترض على سجود إخوته له، بل هو لا يعترض حتى على سجوده هو له أيضاً.

ومن الواضح أن الأنبياء لا يقومون بأي عمل خصوصاً إذا كان من هذا القبيل إلا إذا عرفوا رضا الله سبحانه وتعالى به.

علماً بأن بعض العلماء يقولون: إن السجود عبادة بذاته.

نعم وقد أقر هذا البعض واعترف بأن السجود في قصة يعقوب ويوسف كان ليوسف مباشرة. وقد برّر ذلك بأنه من:

"التقليد المتّبع في احترام صاحب العرش الذي يملك السلطة..".

فليكن إذن هذا السجود لله على عتبة المقام سجوداً له، وقد أصبح تقليداً متبعاً.

فهو يقول:

"ربما نلاحظ أن الصورة الشكلية، في ما تعارف عليه الناس مـن طـقـوس فـي مظاهر العـبـادة، لا تـمـثل ـ بمجرّدهـا ـ معنى العبادة، بل لا بد من أن ينضم إليها الإستغراق في الذات التي يوجّه إليها الفعل المعيّـن، في ما يشبه حالة الذوبان الذي يفقد الإنسان معه الإحساس بإرادته أمامها، أو في الالتفات إلى وجوده معها. ولذلك لا بد من وجود حالةٍ نفسية في مستوى الانسحاق في انطباق مفهوم العبادة عليه. وهذا ما نستوحيه في مسألة أمر الله للملائكة ولإبليس بالسجود لآدم (ع)، باعتبار ما يمثله ذلك من معنى الاحترام الناشيء من الإيحاء بعظمة خلقه ـ كما هو أحد الاحتمالات في ذلك ـ فإن من الطبيعي أن الله لم يأمر بذلك بمعنى العبادة لآدم (ع) حتى على مستوى المظهر؛ لأن الله لا يرضى بعبادة غيره وإن كان من أقرب خلقه إليه. ولذلك، لم يكن ردّ فعل إبليس على المسألة اعتراضاً على منافاة ذلك للإخلاص لله وللإيمان بوحدانيته، بل اعتراضاً على أن يكون عنصر التراب أفضل من عنصر النار، بحيث لا يتناسب ذلك مع سجود المخلوق من النار، التي هي أقوى من التراب، للمخلوق من التراب، لأن السجود يمثل التعبير عن التعظيم، باعتبار أنه صاحب القيمة الفضلى والمستوى الأرفع.

وهكذا، فإننا لم نجد من الملائكة استغراباً للأمر، في ما يمكن أن يحمله، حسب هذا الفرض، من المنافاة للتوحيد في العبادة.

وهذا ما نستوحيه من سجود يعقوب (عليه السلام) وزوجته وأولاده ليوسف (عليه السلام)، وذلك قوله تعالى: {ورفع أبويه على العرش وخرُّوا له سُجداً} (يوسف:100) فإن الظاهر أن المراد منها هو سجود أبويه وإخوته له، لأنه قال ـ بعد ذلك ـ : {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً} (يوسف: 100 ) وكان، في ما قصّه على أبيه من رؤياه في بداية القصة، ما ذكره الله سبحانه: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف: 4)، فهل يمكن أن يكون في سجود يعقوب (ع) وزوجته وأولاده لون من ألوان العبادة ليوسف عليه السلام الذي يعيش العبودية لله في أعلى مواقعها، كما عاشها أبوه عليه السلام في هذا المستوى؟

إن المسألة هي ـ في ما يبدو ـ مسألة التقليد المتّبع في احترام صاحب العرش، الذي يملك السلطة، في السجود له، تعبيراً عن الشعور بعظمته وعن التقدير لمقامه الرفيع.

وفي ضوء ذلك، لا بدّ من التدقيق في طبيعة الأشكال المتعارفة لدى الناس، التي تلتقي ـ بشكل أو بآخر ـ بالشكليات الطقوسية للعبادة، ودراسة خلفياتها الفكرية والروحية في شخصية مـن يمارسها، ومعرفة التقاليد الاجتماعية في مسألة الاحترام والتقدير، في ما تعتاده المجتمعات من طرق تعبير مختلفة، لنميّز بين ما يسيء إلى التوحيد في العبادة، عندما تكون الخلفيات مرتبطة بالإستغراق بالشخص أو الجهة، بحيث يفقد الإنسان الإحساس بوجوده معه، أو بحضور الله في علوّ موقعه في المعنى الإلهي التوحيدي فيه، وبين ما يسيء إلى التوحيد، لأنه ينطلق من حالة عُرفية تقليدية في ما هو الإحترام والحب والتعظيم، لكنها لا تغفل عن الإحساس بعظمة الله في مقام وحدانيته، في ما تمارسه من أعمالٍ وأقوال"[24].

إنتهى كلام هذا البعض.

وقفة قصيرة:

واللافت للنظر هنا:

أن عدداً من الروايات عن أهل بيت العصمة عليهم السلام تصرّح بأن سجود يعقوب(ع) إنما كان إعظاماً وشكراً لله سبحانه[25].

وفي نص آخر: عبادة لله[26].

وفي نص رابع: "إنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف، كما كان السجود من الملائكة لآدم، ولم يكن لآدم، وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية لآدم، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكراً لله لاجتماع شملهم" [27].

وبعدما تقدم نقول:

إن هذا البعض لم يلتفت إلى هذه الروايات، بل تجاهلها وحكم بأنهم إنما سجدوا ليوسف (ع) استجابة إلى تقاليد كانت شائعة عند الناس آنئذٍ.. رغم أن الروايات تؤكد أن السجود إنما هو لله سبحانه عبادة أو شكراً له، أو إعظاماً، أو طاعة لله، وتحية لآدم..

بل إن الرواية الأخيرة قد صرّحت بأن يوسف (عليه السلام) قد سجد معهم أيضاً..

فهل السجود على أعتاب مقامات الأنبياء والأئمة والأولياء إعظاماً أو شكراً، أو عبادة أو طاعة لله، أو حتى تحية للنبي أو الولي، بعد أن فعلته الملائكة والأنبياء قد يتّخذ اتجاهاً خطيراً في التصور والممارسات؟!

3 ـ ما معنى قوله:

"لا يكفي في استقامة العقيدة أن لا يكون هناك دليل مانع من عمل معين، أو من كلمات خاصة أو من طقوس متنوعةٍ، بل لا بد من الإنفتاح على العناصر القرآنية الفكرية العقيدية ".

ألف: فمن الذي قال لهذا البعض:

"إنه لا يكفي عدم وجود دليل مانع من عمل معين".

وما هو دليله على هذه المقولة، فإنها محض ادعاء يحتاج إلى دليل يوجب اليقين، ولا يكفي مطلق الحجة، كما قرره هذا البعض.

ب: إن الدليل على تلك الطقوس التي تزعج هذا البعض موجود، وهو مفيد لليقين.. فإن الدعاء والصلاة والإستشفاع، وقراءة القرآن، والبكاء إلى الله وطلب غفران الذنوب، وإقامة مجالس العزاء، والتبرّك بآثار الأنبياء والأولياء وزيارة قبورهم وتعظيمهم، كل ذلك قد دلّت الأدلة القطعية والمفيدة لليقين عليه.. بل وفوق اليقين.

وكذا السجود لله تعظيماً وشكراً، وعبادة له سبحانه في مقاماتهم..

بل وحتى لو كان السجود لهم تحيةً وتعظيماً وإكراماً فإن هذا البعض نفسه قد اعترف بأنه قد صدر مثله أيضاً عن الأنبياء والملائكة في السجود لآدم وليوسف (عليهما السلام).

فما بالك بما عدا السجود من طقوس ذكرناها أو ذكرنا القسم الأعظم والأهم منها مما يزعج هذا البعض ويثير حفيظته ويجهد للتشكيك بمشروعيته وتزيين عدم فعله للناس بمثل هذه الأساليب.

4 ـ ولا ندري ما المانع من أن "تختلط مظاهر الاحترام بين ما يقدّم للخالق، وما يقدّم للمخلوق". فإنه هو نفسه قد قرّر: أن نبي الله يعقوب(ع) قد سجد لنبي الله يوسف(ع). وكان يسجد أيضاً لله سبحانه.. فإذا جاز هذا الاختلاط في السجود الذي هو أجلى مظاهر التعبد، فإن الأمر يصبح بالنسبة لغيره من مظاهر الاحترام أيسر وأسهل. ما دام أنها لا ترقى في عباديتها لمستوى السجود.

ولا ندري أيضاً، ما المانع من أن يخاطب الله ويدعوه به بما يخاطب و يدعو به غيره.

فهل إذا قال: (يا رب أعطني ويا رب اغفر لي ذنبي واقبل توبتي والخ..)

وإذا قال لإنسان ما: أيها الإنسان الغني أعطني وحين يرتكب جرماً في حق أحد من الناس، فإنه يقول لذلك المجني عليه أو للقاضي اغفر ذنبي واقبل توبتي.

فهل يضرّ تشابه القولين بالصفاء العقيدي وفي العمق الشعوري للمسلم.

ويتأكد هذا الأمر حين يتضح: أن المسلمين يلتزمون خط التوحيد وأن ذهنيتهم لا تحمل أي لون من ألوان الشرك.

5 ـ وأما بالنسبة لتقليد الشعوب بعضها بعضاً، فإن الله سبحانه حين رضي من نبيه يعقوب(ع) أن يمارس السجود ليوسف(ع) كان يعرف أن الشعوب قد يقلّد بعضها بعضاً في الكثير من الطقوس والعادات.

6 ـ إن تقليد الشعوب لبعضها البعض.. واحتمال أن يؤدي ذلك إلى التأثر ببعض التقاليد غير الإسلامية لا يوجب تحريم الحلال، وإلا لزم أن يحكم هذا البعض حتى بتحريم ممارسة الصلاة إذا كان البعض قد يسيء فهمها، ويفسرها تفسيراً خاطئاً يجعله بعيداً عن خط الإيمان، ويثير فيه حالة العناد والعداء للدين وأهله.

7 ـ وأما التوازن الذي يدعي البعض:

"أنه لا بد للمسلم من مراعاته من أجل الإحتفاظ بالأصالة الفكرية التوحيدية.."

فإن الله سبحانه حين أمر الملائكة بالسجود لآدم ورضي بسجود يعقوب ليوسف عليهما السلام، كان يعرف هذا التوازن، ورأى أن السجود ليوسف(ع)، وأن التبرك بآثار الأنبياء والأولياء، والإستشفاع بهم وزيارة قبورهم ووضع الخد على القبر، وإقامة مجالس العزاء وطلب الحاجات من الله سبحانه بحق صاحب القبر، بل وطلبها من النبي والولي نفسه ليكونوا وسيلته إلى الله ـ مع علمه بأنهم أحياء يرزقون يرون مقامه، ويسمعون كلامه ويردّون سلامه وغير ذلك ـ إن ذلك كله يسير في خط التوازن، وهو الذي يرسّخ الأصالة التوحيدية ويحفظها ويرعاها.

 

823 ـ لا فائدة من مسك حديد قبر النبي (ص).

824 ـ الدعوة إلى تغيير الزيارات المرسومة.

ومع أن النبي (ص) كان إذا قصّ شعره، وزّع ذلك الشعر على أصحابه، وكان (ص) يؤتى بالأواني وفيها الماء ليضع يده الشريفة فيها كي يتبركوا بها، وكان عرقه يؤخذ ويجعل في القوارير، وكانت فاطمة تتبرّك بتراب قبر حمزة عليه السلام، فجعلت منه مسبحة لها.. إضافة إلى أن الصحابة كانوا يأخذون تراب قبر النبي (ص) للبركة إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه، وقد جمع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي الأحمدي كتابا ضخما أسماه: التبرك ( تبرك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين)، أورد فيه مئات النصوص الدالّة على ذلك..

نعم.. مع ذلك نجد البعض يتحدث عن فائدة التبرك بقبر النبي الأعظم(ص) فيقول:

"ما الفائدة التي نستفيدها من أن نمسك الشباك، أو نمسك الحديد.. فكما قلنا هذا ليس حراما، كما يقول الآخرون، وليس ضروريا، فيمكن ترك ذلك"[28].

ويقول:

"ليس من الضروري أن يذهب إلى قرب الضريح ولا يعني إن مسك الضريح، أنه يمسك جسد النبي، يكفي الزيارة من المسجد، وأن يتصور الإنسان حياته.

وبهذا يمكن أن يحصل على ثواب الزيارة، مع الإبتعاد عن القبر، وعن الزحام، وربما تكون الزيارة أكثر ثوابا وأجرا"[29].

ثم هو يدعو إلى تغيير الزيارات المرسومة، فيقول:

"قد ينبغي لنا أن نفكّر بالعمل على تجديد الزيارات المرسومة للنبي محمد(ص)، أو للأئمة من أهل البيت (ع) باعتبار حاجة المرحلة المعاصرة إلى تربية الأمة على المفاهيم الإسلامية التي تفرضها حاجة الحركة الإسلامية العالمية"[30].

ونقول:

لو سلمنا الحاجة إلى تربية الأمة على المفاهيم التي تفرضها الحاجة في هذه المرحلة، فما الداعي إلى إلغاء الزيارات المرسومة التي تمثل ثوابت المذهب وتتحدث عنها..

 

825 ـ التعبد لقبر النبي والولي وتمثال المسيح(ع).

826 ـ صنمية لا شعورية للشخصيات المقدسة.

827 ـ تعليق صورة علي (ع) صنمية.

828 ـ قدّمنا للناس أشكالا اعتبرناها طقوسا ومقدسات.

829 ـ لا يخطر في بال أحد “الرحلة” في أجواء صاحب القبر.

830 ـ تجميد الشخصية المقدسة في القبر أو التمثال.

ويقول:

"الإنسان وهو يحدق بالصورة قد ينسى حتى الإيحاءات التي يراد للصورة أن تنقلها، أو حتى أنه ينسى كل القيم التي يعبر عنها صاحب الصورة، أو كما هي الحال في تماثيل تمثيل السيد المسيح(ع)، أو زيارة قبور الأنبياء والأولياء فيما هي التجربة مشتركة بين الإسلام والمسيحية".

"فإنك حين ترصد وعي هؤلاء الناس للصورة، للتمثال، فإنك لا تجد في الغالب أن هناك وعيا للآفاق التي يمثلها صاحب الصورة أو التمثال، فنجد أن الناس تتجه إلى القبر (قبر النبي أو الولي) لتقبل الضريح، لتتمسّك به لتخاطب صاحب القبر بطريقة مادية لتتصوره وجودا ماديا تخاطبه، من دون أن يخطر في بال أحد البدء برحلة في أجواء صاحب التمثال أو صاحب القبر.

إن هذا يمثل نوعا من تجميد الشخصية المقدسة أو الشخصية المعظمة في هذا التمثال أو في القبر بحيث يتعبد الناس لا شعوريا للتمثال، فحين يجلسون أمام تمثال السيدة مريم (ع) أو تمثال السيد المسيح (ع) أو حين يجلسون أمام قبر نبي أو ولي أو إمام، فإننا نجد العنصر المادي هو الطاغي، تماما كما لو أنهم يتعبدون.

لذلك أنا أتصوّر أن هناك نوعا من الصنمية اللاشعورية الموجودة لدى المؤمنين من مسلمين ومسيحيين للشخصيات التي يقدسونها من خلال هذه الأشكال التي قدمناها إليهم، واعتبرناها طقوسا ومقدسات، بحيث ينتقل الإنسان عن القيمة الدينية أمام الصورة المادية.

وحتى مسألة تعليق الإنسان في صدره أيقونة، حتى أن بعضهم يعلق صورة السيد المسيح، أو العذراء، ونجد عندنا من يعلق صورة الإمام علي، أو صورة الإمام الخميني، أو صورة بعض الشخصيات"[31].

إنه يقول هذا، مع أننا ـ نحن شيعة أهل البيت ـ لم نزل طيلة مئات السنين نزور قبر النبي (ص)، والأئمّة (ع)، وقبور الأولياء والعلماء والصلحاء.. كما أن معظم المسلمين يزورون قبر النبي (ص) والأولياء عندهم، ولم يصبح أحد عابدا لأحد منهم، ولا أحسسنا بهذه المعاني التي نسبها إلى من يزور قبور النبي (ص) والأئمة عليهم السلام.

أضف إلى ذلك: أنه لا يصح قياس المسلمين بالمسيحيين، فإن المسيحيين يعيشون حالة العبادة الشعورية.. أما المسلمون، فلا يعيشون حالة الصنمية أصلا، بل هم يمتثلون أمر الله سبحانه، وما شرعه من علاقة عاطفية تجاه أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه.

واللافت للنظر جداً أن هذا البعض لا يأبى عن اتخاذ عشرات، بل مئات الوضعيات لتلتقط له آلآف الصور الملونة، وتنشر في أرجاء المعمورة؛ ليعلقها الناس على جدران بيوتهم، وفي أماكن عملهم وسياراتهم، بل وفي علاقات مفاتيحهم وفي.. وفي.. ولم نسمع منه يوماً نهياً لأتباعه هؤلاء عن مثل هذا، ولا حذرهم من أن يغرقوا في مادة الصورة ليغيبوا عن القيمة الدينية التي يطلبون!!.


الفصل الثاني
حسيـنيـّات

 

وفيما يلي من صفحات لمحة من كلام البعض حول شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) وما يرتبط به من الشعائر والعبادات:

 

831 ـ الإلتفات إلى الجانب الإنساني دون الرسالي في قضية الحسين (ع) تخلّف.

832 ـ تمثيل عاشوراء صنمية.

سُئِلَ البعض عن الإجتماعات وتمثيل واقعة عاشوراء، فكان له جواب مميز(!!) وذلك كما يلي:

"س: .. الإجتماعات والتماثيل ؟!

ج: هذه صنمية. نحن الآن ليس عندنا شغل بالإمام الحسين (ع) بصفته الشخصية، كما أنه هناك جماعة يؤلّهون الإمام علي (ع)، هل نحن يعني نقبل منهم ؟. نلعنهم.."

إلى أن قال:

"نحن نخاطب الحسين من خلال دوره الرسالي، و من خلال ممارسته الشخصية للخط الرسالي الذي يدعو إليه، فإذن لا يمكن لنا أن نغير صورة الحسين (ع) ونجعله مجرد شخص لا يوحي لنا إلا بالبكاء، ولا يوحي لنا إلا باللطم. لا، إنما يوحي لنا بالحركة في سبيل الإسلام، وبالحركة في سبيل تغيير أنفسنا، الواقع قضية الحسين هو هذا.. وهذا الموجود عندنا من الإستغراق في قضية الحسين (ع) بعيدا عن الجانب الرسالي، إنما هو تخلف. هذا ناشئ من انه أخذنا يعني الكثير من خصائص التخلف وغرقنا فيها، ولا زلنا غارقين فيها"[32].

ثمّ يذكر أن عنصر المأساة يجب أن يبقى. فنبكي على الحسين حتى تبقى قضية الحسين خالدة.

فيلاحظ: أنه يعتبر تمثيل قضية عاشوراء صنمية مع أنه كان قد دعا إلى تمثيل عاشوراء في مسرحية وقد أعلن ذلك في مقابلة أجرتها معه جريدة السفير في عشرة محرم سنة 1417هـ [33].

وهو يعتبر أن الالتفات إلى الجانب الإنساني من قضية الإمام الحسين (ع) مع غض النظر عن الجانب الرسالي منها تخلف ثم هو يركز على الجانب الرسالي، بعيداً عن صفته الشخصية، وتجد الكثير من تصريحاته المشيرة إلى ذلك، فلنقرأ معا النص التالي أيضا..

 

833 ـ ذاتيات الحسين (ع) في زيارة وارث.

834 ـ التوجه إلى الله مباشرة، لا إلى الحسين (ع).

وفي شرح زيارة الإمام الحسين عليه السلام، أعني (زيارة وارث).

نجده يقول:

إنه لم يحدثنا عن أية ذاتية من ذاتيات الحسين (ع) وذاتية الحسين تمثل الكمال، ولكنه حدثنا عن عبودية الحسين لله سبحانه تعالى، لذلك فإن الله يريدنا ألا نتوجه إلى الناس مباشرة بل أن نتوجه إلى الله مباشرة[34].

1ً ـ إن هذا البعض يقول هذا مع أن الزيارة تشير إلى بعض ذاتيات الإمام عليه السلام أيضا، فقد جاء فيها: أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها[35].

أليس هذا حديثا عن ذاتيات الحسين عليه السلام ؟!..

2ً ـ ألا يريد الله منا: أن نستشفع إليه بأنبيائه، وأوليائه.. فما معنى نفي التوجه إلى الناس مباشرة؟!..

 

835 ـ زيارة الناحية المقدسة للامام الحسين (ع) موضوعة.

836 ـ ذيل زيارة عاشوراء موضوع أيضاً.

ويقول البعض في سؤال وجواب جاء على النحو التالي:

س: في الزيارة المعروفة (وخرجن ناشرات الشعور لاطمات الخدود) فكيف يمكن لبنات الرسالة أن يخرجن ناشرات الشعور؟

"ج: أولا: إن هذا المقطع هو من (زيارة الناحية) وهي زيارة موضوعة من قبل بعض العلماء لم يثبت – لدينا – صدورها عن الإمام الحجة (ع) فلم يثبت سندها عنه، ولذلك فهي زيارة مفجعة تثير الشعور، ولكنها لا تمثل كلام الإمام خصوصا وأن مسألة خروجهن ناشرات الشعور شيء لا يمكن تصديقه في هذه القصة، وإنما ذكرت إثارة للجو بلسان الحال، أي أنهن لولا وجـود الـرجـال الأجانب لنشرن شعورهن."[36].

وقد حكم أيضا على ذيل زيارة عاشوراء بأنه غير ثابت، فقد سئل عن الأدعية والزيارات التي ثبتت مصادرها عن الأئمة الأطهار (ع) فقال في الجواب:

"هناك زيارة وارث وزيارة أمين الله وهكذا زيارة عاشوراء بدون ذيلها... الذي قد يرى العلماء أنه من الزيادات الخ.."

ونقول:

إن المبادرة إلى الحكم القاطع على زيارة الناحية بأنها موضوعة من قبل بعض العلماء، في غير محله. وذلك للأسباب التالية:

1ً ـ إن هذا البعض تارة يقول هي موضوعة، ثم يلحق ذلك مباشرة بقوله:

(لم يثبت لدينا صدورها عن الإمام الحجة).

ومن المعلوم أن عدم ثبوت ذلك عنده لا يبرر الحكم القاطع عليها بأنها موضوعة من قبل بعض العلماء..

2ً ـ إن الفقرة التي هي مورد السؤال قد وردت في الزيارة المنقولة عن الشريف المرتضى رحمه الله[37]، وهي التي قال المجلسي عنها:

)والظاهر أن الزيارة من مؤلفات السيد والمفيد رحمهما الله. ولعله وصل إليهما خبر في كيفية الصلاة، فان الاختراع فيها غير جائز)[38].

وقال أيضا:

الظاهر أنه من تأليف السيد المرتضى رضي الله عنه، قال في مصباح الزائر زيارة بألفاظ شافية، يذكر فيها بعض مصائب يوم الطف يزار بها الحسين صلوات الله عليه، زار بها المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه، وسأذكرها على الوصف الذي أشار هو إليه[39].

ولكن عاد المجلسي رحمه الله، وذكر نصا آخر للزيارة يختلف عن النص الذي أورده السيد المرتضى، وقد ذكرت الفقرة السابقة فيها أيضا.. ولكنه استظهر منها أنها زيارة مروية وليست من تأليف أحد.. ثم احتمل أن يكون المرتضى قد أخذ هذه الرواية ثم زاد عليها ما شفى غليل صدره، وأبان فيه عن مكنون سره.. واحتمل أيضا أن تكون رواية أخرى له خاصة به..

وإليك نص عبارة المجلسي رحمه الله:

".. أقول: قال مؤلف (المزار الكبير) زيارة أخرى في يوم عاشوراء مما خرج من الناحية إلى أحد الأبواب، قال: تقف عليه وتقول:السلام على آدم صفوة الله وخليفته، وساق الزيارة إلى آخرها مثل ما مر"[40].

فظهر أن هذه الزيارة منقولة مروية، ويحتمل أن لا تكون مختصة بيوم عاشوراء، كما فعله السيد المرتضى.

وأما الاختلاف الواقع بين تلك الزيارة وبين ما نسب إلى السيد المرتضى، فلعله مبني على اختلاف الروايات.

والأظهر أن السيد أخذ هذه الزيارة، وأضاف إليها من قبل نفسه ما أضاف[41].

3ً ـ وأما بالنسبة لاستبعاد أن تكون النساء قد خرجن من الخدور ناشرات الشعور، كما ورد في زيارة الناحية والتشكيك في الزيارة استنادا إلى ذلك، فلا يصلح أساسا للتشكيك، وذلك لأن ظروف الحروب الضارية ربما توجد حالة من الذعر والإندهاش، تؤدي بالنساء أن يخرجن على حالة لا يخرجن عليها في الظروف العادية. والنساء اللواتي حضرن كربلاء من مختلف القبائل العربية، وقد يكون فيهن نساء يسرع إليهن الخوف، ونساء أكثر صلابةً وثباتا، فلم يكن كل من حضر من النساء في كربلاء في مستوى زينب عليها السلام من حيث المعرفة والصلابة والثبات.

وبعد كل ما تقدم فإننا لا نستطيع قبول هذا الحكم القاطع من ذلك البعض على هذه الزيارة بالوضع. ونظير هذا كلامه على (ذيل) زيارة عاشوراء بعد ثبوته عن الأئمة عليهم السلام من دون مبرر ظاهر. وكيف يثبت لديه أول الزيارة ولم يثبت لديه ذيلها مع أن الذي أثبتها هو سند واحد ثبت به فقرات هذه الزيارة جميعا!!.

 

837 ـ من الأساليب الشائعة في قراءة العزاء: أن الحسين(ع) فدى بنفسه ذنوب شيعته.

838 ـ ذنوب الشيعة مغفورة بشكل مباشر كما في التفكير المسيحي.

839 ـ ذنوب الشيعة مغفورة بشفاعة الحسين من خلال استشهاده.

840 ـ الشفاعة من خلال الشهادة أسلوب بعيد عن التفكير الإسلامي.

يقول البعض:

".. ثم ما معنى أن يتحمل شخص العذاب والآلام ليفدي بذلك خطايا البشرية القليلة والكثيرة إذ لا نعقل معنى لاستيفاء الحق بذلك.. فان الفكرة الطبيعية المعقولة هي أن يتحمل الإنسان مسئولية خطأه فيجني ثمارها بنفسه وهذا هو ما ركزه القرآن في قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام 164).

وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى أن مثل هذه الفكرة ـ وهي فكرة التكفير عـن خطايا الآخرين بالآلام التي يتحملها شخص مـعين عظيم يقف ليفدي الناس بذلك ـ قد انتقلت إلى بعض الأساليب الشائعة في عرض قضية الإمام الحسين في ثورته واستشهاده.. فان بعض القارئين للسيرة يحاولون أن يذكروا أن الحسين فدى بنفسه ذنوب شيعته وخطاياهم مما يقتضي غفران تلك الذنوب بتضحيته إما بشكل مباشر، كما في التفكير المسيحي.. أو بشكل غير مباشر باعتبار أنه يشفع لهم من خلال هذه الشهادة.. إننا نحب أن نسجل ابتعاد هذه الأساليب عن التفكير الإسلامي وعن الطابع الإسلامي للثورة الحسينية التي انطلقت من اجل إقامة الحق وإزهاق الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعيدا عن أي حالة فداء لذنوب الآخرين، بل هو الفداء والتضحية للحق وفي سبيل الله"[42].

وقفة قصيرة:

1 ـ ليت هذا البعض قد ذكر لنا مَن مِن قراء السيرة الحسينية يقول: إن الحسين باستشهاده فدى بنفسه ذنوب الشيعة بشكل مباشر كما في التفكير المسيحي؟ أو حتى بشكل غير مباشر كما يذكر هذا الرجل؟

فنحن طيلة عمرنا لم نقرأ ولم نسمع بهذه المقولة من أحد من الناس، من علماء، أو قراء عزاء، أو غيرهم، إلا ما ينقلونه عن اعتقاد المسيحيين بذلك فيما يتعلق بالمسيح عليه السلام.

فكيف أصبح هذا من الأساليب الشائعة في عرض قضية الإمام الحسين (ع) ونحن لا نجد أحدا يذكر هذا أصلا؟!

2 ـ أما غفران ذنوب الشيعة بشفاعة الإمام الحسين عليه السلام، فما هو المحذور في ذلك، إذا كانت أوصاف الشيعة الذين تنالهم الشفاعة تنطبق عليهم.

وقد وردت هذه الأوصاف في أحاديث أهل البيت عليهم السلام، وهي أمور يحسن بكل موال ومحب، بل وبكل عاقل أن يقرأها ويتمعن فيها ويتحرى سبيل الاتصاف بها، ليجد أن شفاعة الإمام الحسين لمن يتحلى بهذه الأوصاف ليست أمراً مستغرباً، بل هي محض الإنصاف ومنتهى العدل والفصل، فراجع كتاب صفات الشيعة للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى[43].

 

841 ـ الإضراب عن الطعام حتى الموت قد يجوز، واللطم في عاشوراء إضرار بالنفس لا يجوز.

842 ـ الإضراب المضر يجوز إذا حقق مشروعاً عاماً ولا يجوز اللطم العنيف في عاشوراء لأنه مضر.

843 ـ الإضراب الانتحاري عن الطعام إذا حفظ الواقع العام فهو جهاد ـ لكن التطبير على الحسين حرام.

844 ـ ضرب الرأس في عاشوراء تخلف.

845 ـ ضرب الظهور بالسلاسل تخلّف.

846 ـ اللطم إذا لم يكن هادئاً، عاقلاً حزيناً نوع من التخلف.

847 ـ ضرب الظهور بالسلاسل حرام لأنه إضرار بالنفس.

848 ـ كل ما فيه إضرار بالنفس في عاشوراء حرام.

سئل البعض:

ـ من أساليب الاحتجاج كتعبير عن المعارضة على الظلم هو الإضراب عن الطعام، فهل الشرع يجيز هذا العمل، لا سيما إذا كان يجرّ إلى التهلكة كالموت مثلاً؟

فأجاب:

"الأصل في الشرع الإسلامي أن لا يضر الإنسان نفسه ـ إذ يحرم إضرار الإنسان بنفسه لا سيما إذا كان الضرر بالغاً، والأصل أن لا يلقي الإنسان بيده إلى التهلكة لأن الله لم يرخّص له ذلك، فأنت لا تملك حياتك لتملك الحرية في إنهاء حياتك. وربما تفرض المصلحة الإسلامية العليا أن تضرب عـن الطعام لأن ذلك يمكن أن يحقق مشروعاً عاماً حيوياً يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم، فقد يجوز ذلك إذا كان لهذا المشروع من الأهمية ما يغلب المفسدة التي تحصل من الإضرار بالنفس.

أمّا الإضرار الذي يؤدي إلى التهلكة فلا نملك أساساً شرعياً، فيما نواجهه من حالات الاحتجاج، ما يمكن أن نرخص به الآخرين.

وأما في المطلق، أي إذا وصلت القضية إلى حد إما أن يسقط الواقع كله أو أن يضرب الإنسان عن طعام إضراباً انتحارياً ـ إذا صح التعبير ـ فذلك يكون نوعاً من أنواع الجهاد، لأن الجهاد قد يجعلك تضحي بنفسك في ساحة المعركة السياسية. ولا بد في هذا من أن يحدده أهل الخبرة الذين يعون طبيعة التحرك والنتائج الإيجابية أو السلبية المترتبة عليه من جراء التحدي"[44].

ويقول:

"لذلك نحن نريد أن نتخفف من كل هذه التركة الثقيلة التي انطلقت من خلال عصور التخلف.

وأنا أصرّ من موقع فقهي، فكري، إسلامي مسؤول، ولو شتمني الشاتمون، ولو اتهمني المتهمون؛ لأن المسألة هي مسألة حركتنا الإسلامية في العالم، وقضية إشراقة الإسلام في العالم:

إن ضرب الرأس بالسيف تخلّف.

إن ضرب الظهور بالسلاسل تخلّف.

وإن اللطم ـ إذا لم يكن هادئاً، عاقلاً حزيناً هو نوع من أنواع التخلّف.

فللحزن تعبيره العقلاني، الذي لا يمثل مجرّد حالة استعراضية، وإنما هي الحالة التي تملك تعبيراً عن الحزن الخ.."[45].

ويقول:

"الشيخ الأنصاري وجماعة من العلماء يقولون: إن الإضرار بالنفس محرم، حتى لو لم يؤد إلى التهلكة، كما لو جرح الإنسان يده. وهكذا يندرج تحت هذا العنوان ـ أي حرمة الإضرار ـ التطبير، وضرب الظهور بالسلاسل، الذي يؤدي إلى الإدماء، أو ما يشبهه"[46].

ويقول:

"لو خرجت وأنت في حالة تعرُّق ولفحك الهواء البارد، فأصبت بالحمى، فحتى لو شفيت بعد يومين فهذا حرام، لأنه تعريض النفس للضرر، والإضرار بالنفس ظلم للنفس، وظلم النفس محرم {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (النحل /118). وعلى هذا الأساس، فنحن نقول: بأنه يمكن للإنسان أن يلطم بحسب ولائه، وبحسب محبته، لكن بشرط أن لا يكون اللطم مضراً بالجسد، بحيث يدمي الجسد، أو انه يصيب رئة الإنسان، أو ما أشبه ذلك."[47].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن هذا البعض يرى أن اللطم إذا لم يكن هادئاً تخلّف، وأن ضرب الظهر بالسلاسل والرأس بالسيف تخلّف. ويحرم ذلك كله باعتباره إضراراً بالنفس.

ولكنه هنا يجيز الإضراب عن الطعام في مواجهة الظلم، من أجل المصلحة الإسلامية العليا، حيث يمكن أن يحقق ذلك مشروعاً عاماً يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم..

بل هو يجيز الإضراب عن الطعام إضراباً انتحارياً يؤدي إلى التهلكة ـ إذا كان ذلك يحفظ الواقع كله من السقوط، ويعتبره نوعاً من الجهاد، رغم أنه لا توجد معركة عسكرية ـ، لأن الجهاد قد يجعلك تضحي بنفسك في ساحة المعركة السياسية..

فهل لا يرى هذا البعض: أن مراسم كربلاء، وعاشوراء الإمام الحسين، واللطم، بل والتطبير في هذه المناسبة، يمكن أن يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم؟! و أليس في ذلك مصلحة تغلب مفسدة الإضرار بالنفس؟!

بل هو يرى ـ فقط ـ فيه الناحية السلبية، من حيث إنه يضر بجسد الفرد، ويلحق به بعض الأذى بحسب زعمه..

جوّز الانتحار أو الإضراب عن الطعام فقط في ساحة المعركة السياسية لحفظ الواقع السياسي، ويا ليته قد جوز اللطم العنيف وأخرجه عن دائرة التخلف في ساحة الدعوة إلى الله، وإقامة الشعائر لحفظ الواقع الإيماني والديني للناس؟!.

 

849 ـ التشنيع على اللطم في عزاء الحسين (ع)

ويقول البعض:

"هل نفكر أيها الأحبة كيف نضرب رقاب العدو، وكيف نضرب رؤوس الأعداء بالمقدار الذي نفكر فيه كيف نضرب رؤوسنا وبأيدينا؟ أي همّ هو الهمّ الكبير عندنا؟"

"القوم يتسلحون، وأمريكا تعطيهم أقوى السلاح ليضربوننا ويقتلوننا (كذا) ونحن نتناقش: كيف لنا أن نضرب رؤوسنا، ونجلد ظهورنا، ونظل نلعن بعضنا بعضا؟ والعدو يصب علينا كل لعنات التاريخ.. من كان صغيرا بهذا الحجم، فليس من شأنه أن يتحدث عن الكبار.."[48].

 

850 ـ الإحتفال بشرب الخمر في عاشوراء.

ثم إن هذا البعض يقول:

"ثمّة أناس في العراق يحتفلون في عاشوراء بشرب الخمر، فأي حزن على الحسين عندما يصبح الإنسان في غيبوبة. لقد كان البعض يشرب الخمر ليلة العاشر من المحرم من أجل الإحماء"[49].

ولكنه اعتذر عن هذا الكلام في أجوبته على الشيخ التبريزي بأنه لم يقصد الشيعة في كلامه، واليك نص عبارته:

"لم أقصد الشيعة في كلامي الذي حرّفه المحرّفون، بل قصدت بعض الناس في شمال العراق من غير الشيعة، من أهل الفرق الباطلة، وعلى هذا فان حساب هذا المحرف على ربّه يوم القيامة؛ لأني ذكرت في العدد الثاني من منبر السبت: أن الشيعة لم يقوموا بذلك، وأن لهم الأثر الكبير في تخليد قضية الحسين(ع) في العراق".

ونقول:

إن كلام هذا البعض مذكور في (منبر السبت) بتاريخ 20 حزيران 1996م. بعين العبارة، ولم نجد فرقا بينها وبين نقل السائل.

ونقول: كيف يصح هذا الإعتذار مع أن عبارة (من أجل الإحماء) إنما تنطبق على خصوص الشيعة.

ومن جهة أخرى: إن كلام هذا البعض مذكور في (منبر السبت) بتاريخ 20/ حزيران/ 1996 بعين العبارة ولم نجد فرقا بينها وبين نقل السائل. غير أننا رجعنا إلى كلامه في (منبر السبت)، العدد الثاني، الموجود أيضا بصورة معدلة في العدد الثاني من (رؤى ومواقف) ص 118، فوجدناه يذكر أن هؤلاء الناس ربما لا يتبعون التشيع بالمعنى الصحيح، وذكر أيضا: الحديث جاء عن مناطق تسيء إلى التشيع في عاشوراء، وذلك يعني: أن مقصوده هو الشيعة الذين ليس لديهم التزام ديني.. وعبارته في (منبر السبت) العدد الثاني هي التالية:

".. قلت: إنه في بعض المواقع في العراق ومما يناسب القرى التي لها وضع خاص، وفيها الكثير من الانحراف العقيدي، فإن الناس هناك يعيشون هـذا الـجـوّ، وربـمـا هم لا يتبعون التشيع بالمعنى الصحيح،.. ونحن نعرف أن العراقيين استطاعوا أن يجسّدوا شعائر أهل البيت (ع)، ويجسّدوا روحيّة أهل البيت (ع). وأعتقد أن الجوّ الذي انطلقت فيه مآتم أهل البيت (ع)، ومواكب أهل البيـت (ع) هي التي حفظت الإسلام، في كثير من مواقعه.

أنا لم أقل هذا عن النجف أو كربلاء، أو الكاظمية، إنّما جاء الحديث عن مناطق تسيء إلى التشيع في عاشوراء"[50].

وأما عبارته التي نقلها السائل عن (منبر السبت)، فهي موجودة في العدد الصادر بتاريخ 20 حزيران 1996 بعين العبارة التي ذكرناها، ولم يحرفها أحد كما ذكرنا، أما ما ذكره بعد ذلك، فهو لا يصلح تفسيرا لعبارته الآنفة الذكر، لأن غير الشيعة من أهل الفرق الباطلة لا يعنيهم الحزن على الحسين في عاشوراء ؛ ليقال: أي حزن على الحسين عندما يصبح الإنسان في غيبوبة؟.

وسيأتي كلامه عن الشهادة لعلي (ع) بالولاية في الإقامة للصلاة،وكلامه حول التكتف، وقول (آمين) في الصلاة في قسم الفتاوي والآراء الفقهية؛ فانتظر..


الفصل الثالث
بعض الحديث عن العصمة

بـدايـة:

لقد أصبحت مقولات هذا البعض حول عصمة الأنبياء ومقاماتهم كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار.. وهي على درجة كبيرة من الكثرة والتنوع، بحيث يصعب جدا الجمع بين أطرافها.. وقد ذكرنا شطراً كبيراً مما يبين موقفه من هذا الأمر بصورة جلية وواضحة، وبقي الكثير الكثير مما لم نذكره مما لا يمكن استقصاؤه.

وكما كان رأينا في فصول الكتاب سوف نفعل هنا، بأن نقدم للقارئ الكريم طائفة من مقولاته حول هذه الموضوعات فنذكر منها ما يلي:

 

851 ـ يمكن أن يخطيء النبي في تبليغ آية ثم يصحح بعد ذلك.

852 ـ يمكن أن ينسى النبي آية ثم يصحح.

853 ـ النزوات الشخصية تدفع النبي إلى الفعل.

854 ـ لابد من أدلة أخرى على العصمة، ولا يكفي الموجود.

855 ـ آدم انحرف عن الخط الرسالي، أو الإصلاحي، أو التقوائي، ثم تراجع لمصلحة المبدأ.

856 ـ فعل آدم لا تعبير ولا دلالة عن الفكرة بخلاف القول.

لقد قرر العلامة الطباطبائي رحمه الله: العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغ الرسالة استنادا إلى قوله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}.

فناقشه البعض بقوله:

"ونلاحظ على ذلك: أن ما ذكره لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ، فإن هداية الناس إلى حق الإعتقاد، وحق العمل، كما أن الحديث عن (أن الله إذا أراد شيئا فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ، وإذا سلك بفعل إلى غاية فلا يضل في سلوكه) لا يقتضي إلا أن يصل الوحي إلى الناس ـ لهدايتهم ـ كاملاً غير منقوص. وهذا ما يؤكد وصوله عن طريقه من غير خطأ.

ولا ملازمة بين ذلك، وبين العصمة، فإن من الممكن من الناحية التجريدية أن يخطئ النبي في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك، ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة"[51].

"وإذا قيل: إن احتمال الخطأ والنسيان إذا كان وارداً في الحالة الأولى، فهو موجود في الحالة الثانية، مما يؤدي إلى فقدان الأساس الذي يحصل من خلاله الإيمان بواقع الآية في الوحي المنزل، فلا يصير الإنسان إلى يقين بذلك!!

فإن الجواب هو: من الممكن تقديم القرائن القطعية في الحالة الثانية التي تؤدي إلى اليقين، تماما كما قيل في مسألة سهو النبي ـ في رأي الشيخ الصدوق ـ على أساس بعض الروايات التي أوضح النبي فيها القضية من دون لبس، بالطريقة التي اقتنع فيها الناس بأن المسألة كانت سهوا ـ كأي سهو آخر مما يحدث للناس ـ لو صحت الرواية.

إن قضية الغرض الإلهي في وصول الوحي إلى الناس، لا يستلزم إلا الوصول في نهاية المطاف من غير خطأ، ولكن لا مانع من حدوث بعض الحالات التي يقع فيها الخطأ، لا ليستمر، بل لينقلب إلى صواب تؤكده القرائن القطعية التي توحي بالحقيقة في وجدان الإنسان.

ويتابع العلامة الطباطبائي حديثه في العصمة ليشمل ـ في استيفاء هذه الآية مع آية ثانية ـ العصمة عن المعصية في العمل فيقول:

 يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضا بأن الفعل دال كالقول عند العقلاء، فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسنا جائزا كما لو قال: إن الفعل الفلاني حسن جائز، فلو تحققت معصية من النبي وهو يأمر بخلافها لكان ذلك تناقضا منه، فإن فعله يناقض حينئذ قوله، فيكون حينئذ مبلغا لكلا المتناقضين، وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ للحق، فإن المخبر بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلا للآخر، فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا تتم إلا مع عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة كما لا يخفى.

ونلاحظ على ذلك، أن ما ذكره من دلالة الفعل على نهج دلالة القول صحيح ـ من ناحية المبدأ ـ وذلك في الحالة العادية الطبيعية للتعبير الإنساني بواسطة النقل، ولكن قد ينطلق الفعل من الإنسان على أساس الواقع العملي الذي قد يتحرك فيه من خلال أوضاعه الشخصية الخاضعة لبعض النزوات الطارئة بفعل الضغوط الداخلية أو الخارجية الحسية والمعنوية، فيتراجع عنها لمصلحة المبدأ الذي كان قد بينه للناس من موقع الوحي أو نحوه، تماما كما هي الحالة الجارية في سلوك المصلحين والرساليين ـ حتى الأتقياء منهم ـ في انحراف خطواتهم العملية عن الخط الرسالي أو الإصلاحي أو التقوائي بشكل طارئ، لا يتحول إلى إصرار، على هدى ما جاء في قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف: 201).

أو على ما حدثنا الله به عن آدم عليه السلام في معصيته، ولو كان ذلك على طريقة عصيان الأمر الإرشادي، ثم توبته بعد ذلك، فإن مثل هذا لا يوحي بالتناقض، لأن الفعل لم يتحرك في أجواء الدلالة التعبيرية عن الفكرة التي عبر عنها القول، لأن مقامه ليس هذا المقام.

وفي هذه الحال ليست هناك طريقة عقلائية في موضوع الدلالة.

إننا نتصور أن هذا الأسلوب الإستدلالي في تقرير العصمة في القول والفعل لا يملك القوة في الإستدلال من خلال المناقشات المذكورة وغيرها، فلا بد من اللجوء إلى أدلة أخرى قد يكتشف الإنسان فيها أن النبوة حدث غير عادي في معنى الرسالة، لأنها حركة إلهية في هداية البشرية إلى الله، وتغيير الحياة على صورة أخلاق الله، مما يفرض إنسانا يعيش الرسالة في عمقه الروحي، وتأمله الفكري، وأخلاقيته العظيمة في صدقه مع ربه ونفسه، ومع الناس، وأمانته في ماله ودينه، ومسؤوليته، وإنسانيته، بحيث تكون الرسالة التي يحملها منسجمة مع الروح التي يتجسد فيها، لتكون الرسالة جسدا يتحرك، ويكون الجسد رسالة تنفتح على الله، وعلى الإنسان والحياة في اتجاه التغيير.

إن هذا الدور التغييري، الذي يستهدف تغيير الإنسان بالكلمة والقدوة، بحاجة إلى الإنسان الصدمة الذي يصدم الواقع الفاسد بكل قوة، الأمر الذي ينفتح فيه اللطف الإلهي على إعطاء المزيد من القوة الروحية، والأخلاقية، والفكرية والعصمة العملية لهذا الإنسان، سواء أكان ذلك بالطريقة التي يبقى فيها عنصر الاختيار له لسلوك الإتجاه المضاد، أم كان بطريقة أخرى، لا يبقى فيها له ذلك العنصر، لأن القضية هي حاجة البشرية إليه، أما قضية الثواب وعلاقتها بالاختيار، فهي مسألة لا تعقيد فيها، لأنها في جميع الأحوال.. الخ"[52].

وقفـة قصيرة:

ونقول:

إن الحديث عن جبرية العصمة سيأتي في وقفتنا مع هذا البعض في الفقرة التالية، ولكننا نكتفي هنا بما يلي:

1 ـ إن هذا البعض يحاول إسقاط الأدلة القاطعة التي ساقها العلامة السيد الطباطبائي من أجل أن يمهد السبيل لطرح ما زعمه من العصمة الإجبارية التي تفقد جهد، وجهاد المعصوم أية قيمة..

وفي النص السابق رأيناه يحاول ادعاء أن النبي قد يخطيء أولاً، ثم يُصار إلى تصحيح الخطأ بعد ذلك.

2 ـ وحين واجه إشكال إمكانية تكرر الخطأ، حاول التخلص منه بدعوى أن القرائن القطعية هي التي تحسم الأمر..

ونقول له:

أولاً: إذا كانت القرائن القطعية هي التي تحسم الأمر في المرة الثانية، فلماذا لا تحسمه في المرة الأولى..

ثانياً: من الذي قال له:

"إن القرائن القطعية قد حسمت ذلك في المرة الثانية، فلماذا لا يتكرر الخطأ فيها، وفي التي بعدها.. وهكذا إلى التي تليها.."

هذا، عدا عن أنه يحتمل في كل مقطع أن يخطئ وأن يصيب.

فأي دليل عيّن له المرة الثانية لحسم الأمر بالقرينة القطعية فيها دون سواها..

ومن الذي حصر هذا النسيان وذلك الخطأ في هذا الوقت المعين دون سواه، ولماذا جاء النسيان فيه، وجاء التذكر فيما عداه..

3 ـ إن استدلاله بحديث سهو النبي غير مقبول فإن الرواية حاولت إثبات الإسهاء الإلهي المتعمد للنبي (صلى الله عليه وآله) لكي لا يغلو الناس فيه، ويعبدوه.

فلا يصح قوله..

"إن النبي قد أوضح للناس أن القضية قد كانت سهواً كأي سهو آخر مما يحدث للناس".

4 ـ إن ثمة نقاشات كثيرة حول صحة هذه الرواية، وهو نفسه قد أشار إلى ذلك حين قال: "لو صحت الرواية" فاستعمل (لو) الدالة على الإمتناع.

5 ـ إن استدلاله بهذه الرواية ليس إلا مصادرة على المطلوب، وبما هو محل النزاع..

6 ـ إذا كانت المسألة عقائدية عقلية، فكيف يستدل عليها بالأخبار، فضلاً عن الإستدلال بخبر واحد فيه الكثير من العلل والأسقام..

على أنه هو نفسه يشترط في الخبر أن يكون متواتراً وقطعياً أو مفيداً للإطمئنان.. إذا كان يتحدث عن العقائد والتاريخ وغيرها.. فأين اليقين هنا، وأين الإطمئنان الحاصلان من خلال الكثرة والتواتر؟.

7 ـ إذا كانت هداية الناس إلى حق الإعتقاد، وحق العمل تقتضي وصول الوحي في نهاية المطاف كاملا غير منقوص، كما يقول.. فأي معنى لاحتمال الخطأ والنسيان، في وقت معين، ما دام ثمة تعهد إلهي بالإيصال الصحيح والكامل..

8 ـ وإذا جاز الخطأ في مورد، فإنه يجوز في موارد، وقد يأخذ الخطأ مجراه، إلى جانب الصواب. كلٌ في دائرته.. ويكون الوصول التام قد تحقق، لأن الصواب قد أبلغ، وإن لم يستطع الناس التمييز بينه وبين ما هو خطأ. فكيف جزم هذا البعض:

"أن الوصول بهذه الطريقة سوف يرفع اشتباهات بعض الناس.."

9 ـ وكيف يطمئن الناس إلى صدق، وصحة ما يلقيه اليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم يحتملون أنه قد يكون واقعا في الخطأ في هذا الإبلاغ.. ألا يفترض أن يستمر شكهم على لائحة الإنتظار إلى آخر حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليطمئنوا عند ذلك فقط إلى عدم ورود تصحيح على ما كان قد بلّغه لهم..

نعم.. ولا بد أن ينتظروا هذا التصحيح المحتمل إلى آخر حياته (ص) في كل كبيرة، وصغيرة، ومن الألف إلى الياء..

ويكون موت النبي (صلى الله عليه وآله) هو الدليل على صحة ما تلقوه، وعلى عدم وقوع الخطأ منه بعد المرة الأخيرة.

10 ـ ويبقى هنا سؤال: ما هو مصير الذين ماتوا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهم غير مطمئنين لشيء مما جاءهم به؟!

11 ـ وهل يصح مع ذلك كله: أن يأمر الله الناس بطاعة الرسول: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}.

وأن يقول لهم: {ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا}، وهل يصح قوله تعالى لهم:

{وما ينطق عن الهوى}؟!، إلا أن يكون الله سبحانه هو الذي يخطط لإيقاع الناس في الخطأ!!

فهل يصح إطلاق هذا القول؟!

11 ـ ولا ندري أخيراً كيف أن فعل النبي لم يتحرك في الأجواء التعبيرية عن الفكرة التي عبر عنها القول.. مع أن قول الرسول وفعله وتقريره حجة، وشرع ودين.. وإذا جاز في الفعل ذلك، فلماذا لم يجز في القول أيضاً؟!

 

857 ـ لا مشكلة في العصمة الإجبارية.

858 ـ الثواب للعباد في كل شيئ إنما هو بالتفضل لا بالإستحقاق.

859 ـ الإستدلال على العصمة بحاجة إلى تطوير في مواجهة التحديات.

860 ـ الإصلاح في العالم قد تتولاه قيادات غير معصومة.

861 ـ الإستدلال العقلي على العصمة في غير التبليغ ضعيف.

ويقول البعض:

"ونلاحظ أن الشيخ المفيد لم يشرح كيفية بقاء الاختيار مع وجوب العصمة من خلال ما يفعله الله بعبد من عبيده، فتكون النتيجة، أنه لا يؤثر معه معصية له، لأن هذا الأمر الثابت في تكوين الإنسان إما أن يكون مؤثرا في ذات الإنسان بحيث يعصمه من الخطأ في الفكر، والعمل، فلا يكون الخطأ مقدورا له، وإما أن يكون مؤثرا فيه بحيث تبقى له القدرة على الخطأ، فيكون الخطأ جائزا له في ذاته، وتكون العصمة خاضعة للعوامل الأخرى بالإضافة إليه من سلب، أو إيجاب.

إن هذا الأسلوب في الحديث عن اختيارية العصمة مع الالتزام بأنها ناشئة من فعل الله التكويني بنبيه أو وليه لا يمثل إلا مفهوما ينطلق من الجمع في الدليل بين وجوب العصمة، ولزوم الاختيار، لا من دراسة دقيقة لنوعية الصورة الواقعية للجمع بين الأمرين.

إننا نتساءل ما هو المانع من اختيار الله بعض عباده ليكونوا معصومين باعتبار حاجة الناس إليهم في ذلك، وما هي المشكلة في ذلك انطلاقا من مصلحة عباده، وإذا كان هناك إشكال من ناحية استحقاقهم الثواب على أعمالهم إذا لم تكن اختيارية لهم فإن الجواب عليه هو أن الثواب إذا كان بالتفضل في جعل الحق للإنسان به على الطاعة لا بالإستحقاق الذاتي، فلماذا لا يكون التفضل بشكل مباشر إذ لا قبح في الثواب على ما لا يكون بالاختيار بل القبح في العقاب على غير المقدور.

ثم.. إننا نلاحظ في أسلوب الإحتجاج للعصمة في كتب المتكلمين، أنه بحاجة إلى الكثير من التطوير في مواجهة علامات الإستفهام الكبيرة التي تثيرها التحديات المضادة لا سيما فيما يتصل بالالتزام العقلي الذي يفرض العصمة في غير حالات التبليغ، فإن الواقع الإصلاحي والتغييري في العالم قد يحصل من خلال قيادات غير معصومة بطريقة، وبأخرى مما يشكل نقطة ضعف على الإستدلال للفكرة، مما يفرض الإتجاه بالإستدلال نحو أساليب أخرى تتصل بالتعمق في طبيعة النبوة أو الإمامة كموقعين رساليين قياديين يختلفان عن أي موقع قيادي آخر، بالمستوى الذي تختلف فيه أوضاعها عن أي وضع آخر، بالإضافة إلى عناصر أخرى قد تحتاج الفكرة من خلال المناقشات الجديدة، لأن هذه المسألة لم تعد تتحرك في الدوائر الإسلامية المذهبية التي تفرض مسألة العصمة بشكل كلي لتضعها في نطاق التبليغ في دائرة النبوة "[53].

وقفة قصيرة:

ونقول:

إن الحديث عن جبرية العصمة، وجعل الثواب بالتفضل للبشرية كلها وفي كل شيئ، ونفي أن يكون للإستحقاق أي دور فيه، استناداً إلى القول بأن الثواب على غير المقدور غير قبيح، بل القبح إنما هو في العقاب على غير المقدور..

إن هذا الحديث غير مقبو ل، ولا معقول.. وذلك لما يلي:

1 ـ إن قبح العقاب على غير المقدور، وعدم قبح الثواب عليه، لا ينتج أن يكون الثواب للعباد كلهم وفي كل شيء بالتفضل لا بالإستحقاق، بل تحتاج المثوبة بالتفضل إلى شرط آخر، وهو أن لايلزم من سلب القدرة محذور آخر، مثل:

الترجيح بلا مرجح، وهو غير وارد في حق الله تعالى.

أو الخروج عن دائرة العدل.

أو أن يصبح أشقى الأشقياء كفرعون ـ إذا فعل حسنة واحدة ـ أفضل من أعظم الأنبياء كنبينا محمد (صلى الله عليه وآله).

أو أن يكون على خلاف القاعدة التي رسمها، والسنة التي أجراها الله سبحانه في عباده، حيث جعل المثوبة والعقوبة بالإستحقاق بصورة عامة.

وهذه اللوازم كلها، وكذلك ثمة لوازم أخرى فاسدة سوف تكون موجودة هنا إذا كان ثواب العباد كلهم في كل شيء بالتفضل لا بالإستحقاق.. وسيتضح ذلك في النقاط التالية:

2 ـ انه إذا كان الله يجبر الأنبياء على أمور ثم يثيبهم عليها تفضلاً منه مع أنهم لا اختيار لهم فيها، ولا يفعل ذلك بغيرهم من الناس، ولا يتفضل عليهم فيما لا اختيار لهم فيه، بل يطلب منهم بذل جهود جبارة ومقاومة الإغراءات القوية، لكي يثيبهم، فهل هذا من العدل؟!

وهل يصح نسبته إلى الله تعالى؟!.

3 ـ لماذا رجح هؤلاء على غيرهم فقرر عصمتهم التكوينية الجبرية، وأن يثيبهم على الأمر غير المقدور لهم، وجعلهم أنبياء وأئمة، ولم يختر غيرهم لذلك، ولم يعصم غيرهم، ولم يثبهم على مثل ذلك ؟ فهل هذا إلا من قبيل الترجيح بلا مرجح..

4 ـ قد ذكرنا في كتاب مأساة الزهراء (ج1 ص 60 ـ 64) أن جبرية العصمة تعني أن يكون أشقى الأشقياء ـ ابن ملجم، أو فرعون مثلاً ـ إذا عمل حسنة واحدة في حياته، مهما كانت تلك الحسنة صغيرة، أو امتنع عن سيئة واحدة، أفضل من خاتم الأنبياء محمد (ص)، لأنه إنما فعل ذلك باختياره، وبمجاهدة نفسه، وغرائزه، وشهواته، وأهوائه..

5 ـ إن هذا الرجل يتحدث كثيرا عن أوضاع سلبية في الفكر، وفي الممارسة للأنبياء، وعن نسيانهم، في الأمور الحياتية الصغيرة، وعن سهوهم في الأمور الحياتية، وعن أن العصمة لا تمنع من الخطأ في تقدير الأمور، وعن نقاط الضعف في حياتهم العملية، وعن أمور كثيرة، وتفاصيل متنوعة لممارسات زعم أنها صدرت، أو يحتمل أن تكون قد صدرت من الأنبياء (عليهم السلام) بعضها يصل إلى حد الشرك بالله سبحانه، وقتل نفوس بريئة، وارتكاب جرائم دينية..

نعم.. إن هذا الرجل يتحدث عن ذلك كله وسواه، مما ذكرنا بعضه في مواضع مضت من هذا الكتاب.

ثم يقول لنا: إن العصمة إجبارية.. فهل عجز الله عن إجبار وليه، أو نبيه على ما يريد؟!.. وكيف يمكن أن نلائم بين جبرية العصمة، وبين صدور الأخطاء الصغيرة، أو الكبيرة، المقصودة، وغير المقصودة هنا، وهناك..

أو احتمال الشرك، واحتمال وقوع جرائم دينية منهم؟

6 ـ هل استثنى الله سبحانه أنبياءه، و أولياءه من قاعدة: "لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين"؟! وأين الدليل على هذا التخصيص، والاستثناء إلا عجز هذا البعض عن حل بعض الإشكالات السطحية، ومواجهة الشبهات التي يثيرها الآخرون، فما كان منه إلا الإنصياع لها، والقبول بها ثم تلمس المبررات لها بمثل هذه التعليلات الضعيفة.

7 ـ إن هذا البعض قد فرق أيضاً حسبما هو معروف بين الطاعات والمعاصي ولا ندري ما هو المبرر للتفريق بين الطاعات، فلا جبر فيها و بين المعاصي، ففيها الجبر.. وهذا هو نفس قول الأشاعرة[54].

فإن من الواضح: أن ترك الطاعة هو الآخر يكون من المعاصي، فالنبي إذن لا يقدر على هذا الترك، فما معنى كونه مختارا في فعل أمر لا يقدر على تركه؟.

8 ـ إن مقولة البلخي التي التزم هذا البعض بها من أن الثواب للبشر جميعاً وفي كل شيء إنما هو بالتفضل قد رفضها علماؤنا الأبرار رضوان الله عليهم.. والتزموا بأن الثواب إنما هو بالإستحقاق لا بالتفضل، إذ لا يجوز في حكم العقل أن يعطي العاصي ويمنع المطيع، ولو أن المثوبة كانت من باب التفضل لجاز ذلك، وقد ذكرنا الدليل على ذلك، وذكرنا الرد على مقولة البلخي في كتابنا (مأساة الزهراء ـ ج1، ص63و64 فراجع).


الفصل الرابع
الشفاعة

بـدايـة:

إن كلام هذا البعض حول شفاعة الأنبياء، والأوصياء، وسائر اولياء الله تعالى لعباده المذنبين من المؤمنين لا تكاد تجد له موافقا في المذاهب الإسلامية، إلا ما يعرف من قول ابن تيمية وجماعة الوهابية، المخالف لأقوال المسلمين جميعاً، ولنصوص القرآن الصريحة الآمرة بابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى، والدالة على ثبوت الشفاعة ولو في الجملة، وهذه نماذج من كلماته تدل على هذا المعنى نذكرها هنا ونعلق عليها بما يناسب حال الكتاب ويقتضيه المقام:

 

862 ـ أطلب من الله أن يشفع عليا فيك.

863 ـ يا محمد، يا علي، شرك في العبادة.

يقول البعض:

"وكما قلنا فان الشرك في العبادة، هو أن تدعو غير الله، حتى الأنبياء والأئمة، لا يمكن أبدا أن تدعوهم بمعنى أن تقول: يا الله، يا محمد، هذا لا يجوز".

نعم أن تتوسل بمحمد ليشفع لك إلى الله هذا لا يضر. أن تقول: يا الله يا علي بالمعنى الذي تقول به: يـا الله.. هذا لا يجوز.. نعم أن تطلب من الله أن يشفّع عليا بك لقربه منه، ولأنه يشفّع أولياءه فهذا لا يضر"[55].

ونقول:

إن هذا هو نفس قول الوهابيين، وتلك هي كتبهم مشحونة برمي الشيعة بالكفر والشرك من أجل ذلك..ولأجل ذلك ينكر هذا البعض دعاء التوسل مع أنه يقال إنه مروي عن أهل البيت.

 

864 ـ الله لا يريدنا أن نتوجه إلى أحد من الناس

865 ـ الشفاعة بالشكل وليست حقيقية.

866 ـ لا معنى للتقرب للأنبياء، والأوصياء لأجل شفاعتهم.

ويقول البعض:

"لذلك فإن الله يريدنا ألا نتوجه إلى الناس مباشرة، بل أن نتوجه إلى الله مباشرة وأن يكون الناس أولياء، لاحظوا مثلا في دعاء يـوم الخميس (واجعل توسلي به شافعا) شفّعه فيّ، أن تختزن في نفسك أن النبي (ص) لا يملك الشفاعة في نفسه بل تجعله شفيعا أمام الله وتطلب من الله أن يشفعه فيك، فمعنى ذلك وكما في أدب أهل البيت لنا أن الشفاعة عندمـا تطلبها فإنك تطلبها من الله (واجعله شفيعا مشفعا) أي أن يكون شفيعا تشفعه فالله سبحانه وتعالى الذي يجعل الأنبياء شفعاء {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء 28) {ولا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} ولذلك فإن بعض الناس إذا ذبح ذبيحة للسيدة زينب أو للعباس أو للحسين أو طعاما تصور أنه عمل بطريقة (أطعم الفم تستحي العين)"[56].

ثم هو يقول:

"إن الشفاعة إنما هي بالشكل فقط، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقاتهم بالعظماء حيث يلجأون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة أو مصلحة أو موقع معين ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم وقضاء حوائجهم عنده".

ثم يقول بالحرف:

"إن الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده فيما يريد أن يظهره من فضلهم في الآخرة فيشفعهم في من يريد المغفرة له، ورفع درجته عنده، لتكون المسألة ـ في الشكل ـ واسطة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي الرباني، تماما كما لو كان النبي السبب، أو الولي هو الواسطة".

إلى أن قال:

"وفي ضوء ذلك لا معنى للتقرب للأنبياء، والأولياء، ليحصل الناس على شفاعتهم، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئا بالمعنى الذاتي المستقل. بل الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات، فهو الذي يأذن لهم بذلك في مواقع محددة، ليس لهم أن يتجاوزوها. الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة له"[57].

ويقول ابن عبد الوهاب عن الشفاعة المنفية عنده: هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله إلى أن قال: والمثبتة هي التي تطلب من الله، الشافع مكرم بالشفاعة.. الخ.

ويقول ابن عبد الوهاب أيضا: فالشفاعة كلها لله فاطلبها منه، وأقول اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فًيّ.

وأمثال هذا، فإن قال: النبي (ص) أعطي الشفاعة وأنا اطلبه مما أعطاه الله.

فالجواب: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، وقال: فلا تدعوا مع الله أحدا.. الخ[58].

وقفة قصيرة:

إننا لا نريد هنا بحث موضوع الشفاعة، ولكننا نلمح إلى بعض الأمور بصورة عابرة، فنقول:

1 ـ إن الكل يعلم: أن لا أحد يدعو محمدا صلى الله عليه وآله، أو عليا عليه السلام، أو أي نبي أو ولي، كوجودات منفصلة عن الله تعالى، ومستقلة عنه بالتأثير، ولم تحدث في كل هذا التاريخ الطويل أن تكونت ذهنية شرك عند الشيعة نتيجة لذلك، فضلا عن غيرهم.

2 ـ إننا نوضح معنى الشفاعة في ضمن النقاط التالية:

أ ـ إن الإنسان المذنب، قد لا يجد في نفسه الأهلية أو الشجاعة لمخاطبة ذلك الذي أحسن إليه، وأجرم هو في حقّه، أو هكذا ينبغي أن يكون شعوره في مواقع كهذه، فيوسط له من يحل مشكلته معه، ممن لا يرد هذا المحسن طلبهم ولا يخيّب مسألتهم..

ب ـ إن الله إنما يريد المغفرة للعبد المذنب، بعد شفاعة الشفيع له.. ولم تكن تلك الإرادة لتتعلق بالمغفرة لولا تحقق الشفاعة.. فلو أن الشفيع لم يبادر إلى الشفاعة لكان العذاب قد نال ذلك العبد المذنب.

وهذا كما لو صدر من أحد أولادك ذنب، فتبادر إلى عقوبته، فإذا وقف في وجهك من يعز عليك، وتشفع به، فانك تعفو عنه إكراما له، وان لم يفعل ذلك، كما لو لم يكن حاضرا مثلا، فانك ستمضي عقوبتك في ذلك الولد المذنب لا محالة..

فالشفاعة على هذا سبب في العفو، أو جزء سبب له.

إذن فليس صحيحا ما يقوله البعض من أن الله تعالى له قد تعلقت إرادته بالمغفرة للعبد قبل الشفاعة، بحيث تكون المغفرة له حاصلة على كل حال، ثم يكرم الله نبيه ويقول له: هذا العبد أريد أن أغفر له، فتعال وتشفّع إلي فيه..

ج ـ إذا كان الشخص المذنب قد أقام علاقة طيبة مع ذلك الشافع، وتودّد إليه، ورأى منه سلوكا حسنا، واستقامة وانقيادا، فان الشافع يرى أن من اللائق المبادرة إلى مساعدته في حل مشكلته، أما إذا كان قد أغضبه وأساء إليه أو تعامل معه بصورة لا توحي بالثقة، ولا تشير إلى الإستقامة، فإنه لا يبادر إلى مساعدته، ولا يلتفت إليه.. فسلوك المشفوع له أثر كبير في مبادرة الشافع إلى الشفاعة.

د ـ وحين يكون الشفيع لا يريد شيئا لنفسه من ذلك الشخص ولا من غيره، ويكون ما يرضيه هو ما يرضي الله سبحانه، فان تقديم الصدقات والقربات للفقراء، والإهتمام بما يرضي الشافع هو في الواقع إثباتات عملية على أن ذلك المذنب راغب في تصحيح خطأه وتدارك ما فاته، وهو براهين وإثباتات على أنه قد التزم جادة الاستقامة، وندم على ما فرط منه، فإذا قدم مالا للفقراء، أو أطعم أو ذبح شاة، وفرقها على المحتاجين، فان ذلك لا يكون رشوة للنبي، أو الولي.. وهو يعلم أن النبي والولي لا يأخذ ذلك لنفسه، بل يعود نفعه إلى الفقراء والمحتاجين، أو يستثمر في سبيل الله، وفي نشر الدين، والباذل إنما يبذل ذلك رغبة في الحصول على رضا الشافع، الذي رضاه رضا الله.

هـ ـ أما إذا أدار ذلك المذنب ظهره للنبي وللوصي، ولم يلمس الشافع منه أنه يتحرق لتحصيل العفو، والرضا عنه، ويقرع كل باب، ويتوسل بكل ما من شأنه أن يحل هذا الإشكال، ويبادر إلى العمل بكل ما يعلم أنه يرضي سيده عنه، فانه لا يشفع له، ولا كرامة..

و ـ ومن الواضح: أن من يكون جرمه هائلا وعظيما، فان إمكانية وفرص الإقدام على الشفاعة له تتضاءل وتضعف..

فلا يضع النبي والوصي نفسه في مواضع كهذه، ولا يرضى الله سبحانه له ذلك..

كما أن من يدير ظهره لأولياء الله، ولا يهتم لرضاهم، ولا يزعجه سخطهم، فإنه لا يستحق شفاعتهم قطعا، لأن الإهتمام بهم وبرضاهم جزء من عبادته تعالى، ومن المقربات إليه، وموجبات رضاه..

فالتوسل إليهم، والفوز بمحبتهم وبرضاهم سبيل نجاة، وطريق هدى وسلامة وسعادة.

ز ـ إن من الواضح أن المجرم لا يمكن أن يتشفع في مجرم مثله، وأن المقصر لا يتشفع بنظيره، لأن الشفاعة مقام عظيم، وكرامة إلهية. فلا يقبل الله سبحانه شفاعة كل أحد، بل الذين يشفعون هم أناس مخصوصون بكرامة الله سبحانه، لأنهم يستحقونها..

ح ـ قد ظهر مما تقدم: أن إرادة الله لم تكن قد تعلقت بالمغفرة للمذنب قبل الشفاعة ؛ لتكون شفاعة النبي أو الوصي بعدها ـ بالشكل ـ ومن دون أن يكون لها تسبيب حقيقي..

بل هناك تسبيب حقيقي للشفاعة، فإنها هي سبب المغفرة، وهي سبب إرادة الله بان يغفر لذلك المذنب، ولو لم يقم الشافع بها لم يغفر الله لذلك المذنب.

ولولا ذلك، فإنه لا يبقى معنى للشفاعة.. ولا يكون العفو إكراما للشافع، واستجابة له، وقد نجد في حديث الرسول(ص) ما يفيد هذا المعنى فهو يقول: (إدّخرتُ الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي)، حيث لم يقل ادّخرها الله لأهل الكبائر من أمتي..

 

867 ـ أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم.

868 ـ لا حاجة في الحديث مع الله إلى الوسائط من البشر أو من غيرهم.

إن من يراجع كلام البعض يجد أنه في كثير من كتبه يؤكد على عدم الحاجة إلى توسيط أحد في الطلب من الله سبحانه، بل هو يصرح هنا: بأن استجابة الله لعباده مرهونة بأن يدعوه بشكل مباشر، فهو يقول:

".. لا واسطة بين العبد وربه في خطابه وسؤاله له:

وقد نلاحظ في التوجه الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة.. في خطاب العبد لربه في هذه الآية الكريمة {إياك نعبد وإياك نستعين}.. أن الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره، لأن الله لا يبتعد عن عبده ولا يضع أي فاصل بينه وبينه.. إلا ما يضعه العبد من فواصل تبعده عن مواقع رحمته، وتحبس دعاءه عن الصعود إلى درجات القرب من الله.. بل أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم، وحدثهم عن قربه منهم بحيث يسمع كلامهم حتى لو كان يمثل الهمس أو في مثل وسوسة الصدور، وذلك قوله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة 186) وقوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد} (سورة ق16)"[59].

وقفة قصيرة:

ولنا هنا ملاحظات:

1 ـ إن هذا البعض لم يقدم أي دليل على مدّعاه في أن استجابة الله مرهونة بالتوجه إليه تعالى مباشرة.

2 ـ وأما القول بأنه لا حاجة في الحديث إلى الوسائط من البشر أومن غيرهم، فلا مجال لقبوله، ونحن نرى روايات كثيرة تتحدث عن التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والأولياء عليهم السلام. وذلك يدل على وجود حاجة إلى ذلك لا سيما بالنسبة إلى الخاطئين، ولولا حاجتهم إلى ذلك تربويا وإيمانيا لما وجّههم الله إليه.

ومما يدل على توسيط الوسائط ما رواه ابن شهر آشوب، عن علي عليه السلام في قوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: أنا وسيلته[60].

وفي حديث آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرتبط بالأئمة من ولد الحسين قال (ص): هم العروة الوثقى، وهم الوسيلة إلى الله تعالى[61].

وعن علي بن إبراهيم في تفسيره للآية قال: فقال، تقربوا إليه بالإمام[62].

وعن عثمان بن حنيف: إن رجلاً ضريراً أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادعُ الله أن يعافيني.

فقال: إن شئت دعوتُ وإن شئتَ صَبَرْتَ،وهو خير.

قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:

اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شفعه في..[63].

هذا مضافاً إلى دعاء القرآن الذي نقرأه جميعا ـ وربما كان هذا البعض يقرؤه ـ في ليالي القدر ـ والذي هو عبارة عن توسل بالله تعالى وبأهل البيت (ع) واحداً تلو الآخر من نبيهم إلى قائمهم (ع). إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة والمتنوعة في هذا المجال.

3 ـ إن هذا البعض يناقض نفسه في كثير من موارد مخالفاته، ومن جملتها هذا المورد، حيث يقول حول الفرق بين ما يفعله الوثنيون في عبادة الأصنام وما يفعله المسلمون في احترام الأولياء:

".. وهذا هو الفرق بين ما يفعلونه وبين ما يفعله المسلمون الذين يؤكدون شرعية الشفاعة والتوسل بالأنبياء والأولياء باعتبار أن المسلمين يفعلون ذلك من موقع التوجه إلى الله بان يجعلهم الشفعاء لهم وأن يقضي حاجاتهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق، مع الوعي الدقيق للمسألة الفكرية في ذلك كله وهو الاعتراف بأنهم عباد الله المكرمون المطيعون له الخاضعون لألوهيته الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأنهم البشر الذين منحهم الله رسالته فيما ألقاه إليهم من وحيه، ومنحهم ولايته فيما قربهم إليه في خطهم العملي فكيف يقاس هذا بذاك"[64].

ومن يمعن النظر في أقوال وكتب هذا الرجل يجد له الكثير من التناقضات المماثلة، نعرض عن ذكرها هنا خوف ملالة القارئ الكريم، ولكي لا نخرج عما رسمناه في كتابنا هذا الرامي إلى ذكر بعض أقواله وآرائه التي يخالف فيها ما جرى عليه علماء المذهب بصورة عامة.وربما وفقنا الله تعالى لإبراز تناقضاته هذه في فصل خاص من هذا الكتاب.

 

869 ـ الله هو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة.

870 ـ الشافعون لا يقربون بعيداً من الله.

871 ـ الشفاعة كرامة للشافع فيشفعه الله بمن يريد أن يغفر له.

872 ـ الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة.

873 ـ الشفاعة مهمة محددة فلا تستغرق في ذات النبي والولي لأجلها.

874 ـ التوسل بالشفعاء معناه وجود نقاط ضعف في قدرة أو في عظمة الله تعالى.

875 ـ لا معنى للتوجه للمخلوق لطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه.

876 ـ أطلب من الله ليمنح الخاطئ الشفاعة من خلال الشافع.

877 ـ لا يطلب أحد من مخلوق شيئاً، بل الطلب من الله فقط والقصد إليه حتى في الشفاعة.

878 ـ الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع والشخص والدور.

879 ـ طلب الشفاعة مباشرة من المخلوق لا ينسجم مع التوحيد.

يقول البعض:

".. {ولا تنفع الشفاعة عنده} فليست هناك مراكز قوى تفرض نفسها على الله، من موقع القوة الذاتية التي تترك تأثيراتها على قرار الله، فيمن يعطيه أو فيمن يمنعه لتكون هناك نقاط ضعف في قدرته أو في عظمته الإلهية.. ليحتاج الناس إلى التوسل إليه بالشفعاء ليصلوا من خلالهم إلى مواقع رحمته ورضاه، ليتعبدوا لهم للحصول على رضاهم الذي يؤدي للحصول على رضاه.. فليس هناك أحد اقرب إليه من أحد، من حيث الذات، فهو الذي يقرب الناس إليه، ويمنحهم درجة القرب إليه من خلال أعمالهم.. ويبقيهم في دائرة الخضوع له المنتظرين لإذنه في كل ما يفعلون أو ما يتركون.. فيعرفون أنهم لا يملكون الشفاعة أمامه لأي شخص لأنهم لا يملكون معه أيّ شيء {إلا لمن أذن له} في ذلك فأراد تكريمه بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريدون إن يغفر لهم بحيث تكون الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع معينة الشخص والدور، من دون زيادة ولا نقصان،.. وفي ضوء ذلك نفهم أن الشفاعة ليست حالة ذاتية للشفعاء لدى الله، بل هي مهمة محددة في دائرة المهمات التي قد يوكلها إلى بعض عباده، لمصلحة يراها، في وقت محدود، ودور خاص، مما يفرض على المؤمنين عدم الاستغراق في ذات النبي أو الولي.. طلبا للشفاعة، بل في توجيه الخطاب لله أن يمنحه الشفاعة من خلالهما"[65].

ويقول أيضا:

".. فليس هناك إلا العمل.. وإذا كانت هناك من شفاعة، فإنها لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة بل هي بأمره ورضاه،فلا معنى لأن تتوجه إلى المخلوق بطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه، بل ينتظر أمر الله فيها.. فهو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة.. وفي ضوء ذلك، كان التوحيد يمثل الصفاء الروحي الذي يعيش معه الإنسان في حركة الإيمان المطلق بعيدا عن كل التعقيدات الخانقة التي تجر معها المزيد من العادات والتقاليد والأجواء الضاغطة على الفكر والروح والشعور"[66].

ويقول أيضا:

".. ولا يقبل من أحد رجاءً ولا شفاعةً في حق نفسه أو في حق غيره، لأن أي واحد منهم لا يملك حقاً ذاتياً في ذلك كله إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة فأراد الله أن يكرمه بها ليجعل له الكرامة باستنقاذ من يريد الله أن ينقذه من النار، ويرحمه برحمته، وذلك هو الذي رضي الله قوله فيما يعبر عنه القول من العقيدة الصافية الحقة، والروح الراضية المرضية والعمل الخالص الذي يتحرك في رضا الله من خلال وعي الإيمان وطهر الإخلاص.

وفي ضوء هذه الآية نستفيد تقرير مبدأ الشفاعة التي تؤكد وجودها لدى بعض الأشخاص المقربين إلى الله. ولكن من خلال إعطاء الله ذلك فيكون القصد والتوجه لله في المسألة في الشفاعة لا إلى الشخص لأنه لا يملك من أمر الشفاعة شيئاً في نفسه.. وذلك هو الحد الفاصل بين الاستغراق في الشخص من خلال الاستغراق في ذاته، وبين الاستغراق في الله على أساس الكرامة التي يمنحها لبعض عباده في شفاعته للآخرين استجابة لإرادة الله له في ذلك.. وهذا هو الذي يعطي للعقيدة صفاءها فلا يطلب أحد من مخلوق شيئاً بل يكون الطلب كله لله، والقصد إليه في كل شيء حتى في الشفاعة التي لا يملكها أحد إلا بإذنه"[67].

ويقول البعض أيضا:

".. تلك هي مواقعهم فيما تتميز به مواقعهم الشخصية، وفيما يقفون عنده من حدود مواقعهم أمام الله فلا يتجاوزونها فيما يعيشونه في داخل حياتهم الخاصة، وفيما يتحركون به من العلاقات في حياة الآخرين.. فلا يتصرفون معهم إلا بما يعلمون أن الله يرضى عنه، فلا يرون لأنفسهم الحرية في أن تتدخل العوامل الذاتية فيما يريدون أن يتقدموا به إلى الله، من الشفاعة لبعض الخاطئين، أو المنحرفين، لأنهم يعرفون أن الشفاعة ليست حالة ذاتية ينطلق بها المقربون إلى الله ليستفيدوا من مواقع القرب، في علاقاتهم الخاصة بالأشخاص، ليقربوا بعيدا عن الله، كما يفعل الناس في الدنيا، ليتقرب الناس إليهم بما يتقربون به إلى المقربين من الملوك والأمراء، ليشفعوا لهم عنده، فينفعلون بذلك، فيما يتحدثون به، إلى رؤسائهم، في قضايا الامتيازات والشفاعات، وما إلى ذلك..

إن المقربين من عباد الله المكرمين، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء والأولياء، لا يعيشون في مشاعرهم العنصر الذاتي، بل يتمثلون في وجدانهم العنصر الروحي فهم يعرفون مواقع رضا الله فيتحركون فيها، ومحالّ كرامة الله ورحمته، فينطلقون إليها، ويعلمون أن الشفاعة كرامة يريد الله أن يكرم بها بعض خلقه فيشفّعهم فيمن يريد أن يغفر لهم ويرحمهم لأنهم في الموقع الذي يمكن لهم فيه أن يتقربوا من رحمته ومغفرته ولذلك فهم يعرفون مواقع الشفاعة فيمن يطلبون من الله أن يشفعهم فيهم فلا يشفعون للكافرين والمشركين والمنحرفين الذين حاربوا الله ورسوله، لأنهم ليسوا في مواقع الرحمة التي سيستحقون فيها الرحمة[68]".

وقفة قصيرة:

لا نريد أن نسهب القول في بيان حقيقة الشفاعة، فأمرها أظهر من الشمس، وأبين من الأمس، وقد ذكرنا فيما تقدم في بضع توضيحات قد تكون مفيدة في هذا المجال فلا بأس بمراجعتها. غير أننا نذكّر القارئ بالأمور التالية:

1 ـ إننا نرشد، هنا إلى الأحاديث التي تتحدث عن أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع لأهل الكبائر من أمته، فيشفعه الله تعالى فيهم، لكنه لا يشفع لمن آذى ذريته[69].

وفي بعض الروايات: هل يشفع إلا لمن وجبت له النار ؟! [70].

وفي بعضها: ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة[71] والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة فلتراجع في مظانها.

وهذا معناه أن قول البعض: إن الشافع لا يقرّب بعيداً عن الله غير صحيح، بل هم يقربون ـ بشفاعتهم ـ ذلك البعيد. وهذا هو معنى الشفاعة، كما ظهر بذلك أيضا عدم صحة قوله: إن الشفاعة إنما هي لمن يستحق الرحمة ممن هو في مواقع الرحمة، فليست الشفاعة ناشئة عن استحقاق لها من قبل المشفوع له.

2 ـ قد ذكرنا فيما تقدم أيضاً: أن الشفاعة هي التي تنتج المغفرة وتؤثر فيها، وتكون سببا في حصولها، لا أن إرادة المغفرة هي التي تؤثر في إجراء الشفاعة على نحو مراسم شكلية تهدف إلى مجرد تكريم الشافع.

إذن فللشفاعة مهمتان:

الأولى: التسبب بحصول المغفرة، والتأثير في إنتاجها، حيث لولاها لم تحصل المغفرة، ولم يكن هناك إرادة لها.

الثانية: أن تظهر بسببها الكرامة الإلهية والمنزلة الربانية للشافع.

3 ـ أما قوله: إن الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة، بل هي بأمر الله ورضاه.. فالروايات التالية بخلافه:

إن الشفيع في يوم القيامة يقول: أي رب عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفعني فيه، فيقول:اذهب فأخرجه من النار.. الخ[72].

ثم يشفع لخادمه[73]، ويشفع لمحبيه وأهل مودته[74] ويشفع لجيرانه[75]، ولأهل بيته[76]، ولمن له به معرفة بالدنيا[77]، بل والشفاعة للعدو المحارب، والذي كان قد احسن للمؤمن في دار الدنيا[78].

وذلك يوضح عدم صحة عدة أمور، وردت في كلام ذلك البعض.

الأول: عدم صحة قوله: إن الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة.

الثاني: عدم صحة قول البعض: إن الشفاعة هي في دائرة المهمات التي قد يوكلها الله إلى بعض عباده إذ إنها كرامة للشافع، ورحمة للمشفوع له.

الثالث: عدم صحة قول هذا البعض: إن كونها مهمة محددة، يستتبع أن لا يستغرق المؤمن في ذات النبي والولي طلباً للشفاعة.

الرابع: إن معنى قوله تعالى: {لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أن من أذن الله له بالشفاعة ورضيه وارتضاه لها، وجعل له هذا المقام هو الذي تنفع شفاعته، كالأنبياء، والأولياء، والشهداء، فالشفاعة التي أعطيت لهؤلاء هي التي تنفع وتؤثر في غفران الذنوب وكل شفاعة سواها باطلة، وغير مقبولة، ولا مرضية.

وبعبارة أخرى: إنما يشفع من أكرمه الله ببلوغه مقاماً يؤهله لأن يشفع للمؤمنين الخاطئين، وهذا يعني عدم صحة قول البعض: إنه لا معنى لأن نتوجه إلى المخلوق بطلب الشفاعة مادام لا يملكها بنفسه، فإن المراد بملك الشفاعة هو أن يجعله الله في مقام الشفاعة، فإذا بلغ هذا المقام فله أن يشفع لمن يشاء، حتى للخادم والجار، والمعين، ولأهل الكبائر وغير ذلك.

إذن فلا مانع من أن نتوجه إليه بعد أن وصل إلى هذا المقام فنوجه إليه الخطاب، ونطلب منه أن يستعمل صلاحياته التي حصل عليها.

5 ـ معنى قوله: {لا يشفعون إلا لمن ارتضى} أي ارتضى الله دينه[79]. فلم يكن مشركا ولا ظالماً[80].. وهو من أهل التوحيد، من أهل شهادة أن لا إله ألا الله [81] كما في روايات أهل البيت عليهم السلام، لا كما فسرها هذا الرجل بقوله: أي ارتضاه الله للشفاعة.

6 ـ يتضح مما تقدم: أن هناك فئات لا تنالها الشفاعة. وقد دلت الروايات الكثيرة على ذلك، مثل ما ورد: من أن الشفاعة لا تنال مستخفاً بالصلاة[82] ولا تنال من أنكر الشفاعة، أو أنكر الحوض والمعراج[83].

7 ـ إن حاجة الناس إلى التوسل بالشفعاء، ناتجة عن قصور أعمالهم عن أن تبلغ بهم إلى مقام الاستغناء عن الشفعاء، وليست ناشئة عن ضعف في قدرته أو في عظمته تعالى، بل هذا التوسل دليل كمال قدرته تعالى، ونهاية عظمته.

ويدل على أن الشفاعة هي السبب في حدوث المغفرة، لا أن إرادة المغفرة متقدمة على الشفاعة. قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده ألا لمن إذن له} حيث دلت على أن للشفاعة تأثيراً ونفعاً.

ويدل على ذلك أيضا ما رواه جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر لا تستعن بعدونا في حاجة ولا تستعطه ولا تسأله شربة ماء، إنه ليمر به المؤمن في النار فيقول: يا مؤمن ألست فعلت بك كذا وكذا، فيستحي منه، فيستنقذه من النار، فإنما سمي المؤمن مؤمناً، لأنه يؤمن على الله فيؤمن (فيجيز خ ل) أمانه[84].

إلى أن قال:

فأما في يوم القيامة فإنا و أهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء، ليكونن على الأعراف بين الجنة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم صلوات الله وسلامه، والطيبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات، فمن كان منهم مقصّراً في بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار ونظرائهم في العصر الذي يليهم وفي كل عصر إلى يوم القيامة، فينقضون عليهم كالبزاة والصقور ويتناولونهم كما يتناول البزاة والصقور صيدها فيزفونهم إلى الجنة زفا، وإنا لنبعث على آخرين (من خ ل) محبينا من خيار شيعتنا كالحمام، فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحبّ، وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا، وسيؤتى بالواحد من مقصّرى شيعتنا في أعماله بعد أن صان (قد حاز خ ل) الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصّاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنة وأولئك النصاب النار، وذلك ما قال الله تعالى {ربما يودّ الذين كفروا} يعني بالولاية {لو كانوا مسلمين} في الدنيا منقادين للإمامة ليجعل مخالفوهم من النار فداءهم[85].

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أما إن من شيعة علي (ع) لمن يأتي يوم القيامة، وقد وضع له في كفة سيئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي والبحار السيارة، تقول الخلائق: هلك هذا العبد، فلا يشكّون أنه من الهالكين وفي عذاب الله من الخالدين، فيأتيه النداء من قبل الله تعالى: يا أيها العبد الجاني هذه الذنوب الموبقات، فهل بإزائها حسنة تكافؤها وتدخل الجنة برحمة الله، أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله ؟

يقول العبد: لا أدري، فيقول منادي ربنا عز وجل: إن ربي يقول: نادِ في عرصات القيامة: ألا إن فلان بن فلان من بلد كذا وقرية كذا وكذا، قد رهن بسيئاته كأمثال الجبال والبحار ولا حسنة بإزائها، فأي أهل هذا المحشر كانت لي عنده يد أو عارفة [86] فليغشني بمجازاتي عنها، فهذا أوان شدة حاجتي إليها فينادي الرجل لذلك، فأول من يجيبه علي بن أبي طالب: لبيك لبيك لبيك أيها الممتحن في محبتي، المظلوم بعداوتي؛ ثم يأتي هو ومن معه عدد كثير وجم غفير وإن كانوا أقل عدداً من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين نحن إخوانه المؤمنون، كان بنا باراً ولنا مكرماً، وفي معاشرته إيانا – مع كثرة إحسانه إلينا – متواضعاً، وقد نزلنا له عن جميع طاعتنا وبذلنا له؛ فيقول علي عليه السلام: فبماذا تدخلون جنة ربكم؟

فيقولون: برحمة الله الواسعة التي لا يعدمها من والاك ووالى آلك يا أخا رسول الله، فيأتي النداء من قبل الله تعالى: يا أخا رسول الله هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له فأنت ماذا تبذل له ؟ فإني أنا الحكم، ما بيني وبينه من الذنوب قد غفرتها له بموالاته إياك، وما بينه وبين عبادي من الظلامات فلا بد من فصلي بينه وبينهم، فيقول علي عليه السلام، يارب أفعل ما تأمرني، فيقول الله: يا علي اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله؛ فيضمن لهم علي عليه السلام ذلك فيقول لهم: اقترحوا عليّ ما شئتم أعطكم عوضاً من ظلاماتكم قبله؛ فيقولون يا أخا رسول الله تجعل لنا بازاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتتك على فراش محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول (ع) قد وهبت ذلك لكم، فيقول الله عز وجل، فانظروا يا عبادي الآن إلى ما نلتموه من علي، فداء لصاحبه من ظلاماتكم؛ ويظهر لهم ثواب نفس وجد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها، فيكون ذلك ما يرضي الله به خصماء أولئك المؤمنين، ثم يريهم بعد ذلك من الدرجات والمنازل مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عل قلب بشر؛ يقولون: ربنا الخ..[87].

وفي كتاب فضائل الشيعة للصدوق ـ رحمه الله ـ بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نشفع في المذنب من شيعتنا، فأما المحسنون فقد نجاهم الله[88].

وعن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} قال نحن والله المأذونون لهم في ذلك اليوم، والقائلون صوابا، قلت: جعلت فداك وما تقولون ؟ قال: نمجد ربنا، ونصلي على نبينا، ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا.

وروي هذا الحديث بطرق متعددة.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: إذا كان يوم القيامة ولّينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عز وجل حكمنا فيها فأجبنا، ومن كانت مظلمته بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح.

وروي مثل ذلك عن جميل عن أبي الحسن (ع)[89].

وعن سماعة عن أبي الحسن الأول، وعن عبدالله عن أبي عبدالله (ع)[90]، وعن محمد بن جعفر عن أبيه عن جده (ع) مثله[91].

ومما يدل على أن الناس يحتاجون إلى الشفاعة ما ورد في تفسير قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}. عن أبي العباس المكبر قال: دخل مولى لامرأة علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليهما على أبي جعفر عليه السلام يقال له أبو أيمن، فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون: شفاعة محمد؟

فغضب أبو جعفر عليه السلام حتى تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن، أغرك أن عف بطنك وفرجك ؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (ص) ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؟

ثم قال: ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة، ثم قال أبو جعفر إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشفاعة في أمته ولنا شفاعة، في شيعتنا، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم. ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه، ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد[92].

قال عبيد بن زرارة: قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المؤمن: هل له شفاعة ؟ قال: نعم، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد (ص ) يومئذ ؟ فقال: نعم إن للمؤمنين خطايا وذنوباً، وما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ[93].

عن علي بن أبي حمزة قال: قال رجل لأبي عبدالله عليه السلام: إن لنا جاراً من الخوارج يقول: إن محمداً يوم القيامة همه نفسه فكيف يشفع ؟ فقال أبو عبدالله (ع): ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة[94].

قال الشيخ الصدوق في اعتقاداته:

إعتقادنا في الشفاعة أنها لمن ارتضي دينه من أهل الكبائر والصغائر، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة، وقال النبي (ص) من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي[95].

وهناك ما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبادر إلى الشفاعة فيشفعه الله، ونذكر من ذلك: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أهل بيت يدخل واحد منهم الجنة إلا دخلوا أجمعين الجنة؛ قيل: وكيف ذلك ؟ قال: يشفع فيهم فيشفّع حتى يبقى الخادم فيقول: يا رب خويدمتي قد كانت تقيني الحر والقر فيشفع فيها[96].

عن علي عليه السلام قال: إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا، فلا أزال واقفا على الصراط أدعو وأقول: رب سلّم شيعتي ومحبيّ وأنصاري ومن تولاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك، وشفع كل رجل من شيعتي، ومن تولاني ونصرني، وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاُ من جيرانه وأقربائه. وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا اله إلا الله، ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت[97].

مما يدل على أن الشفاعة هي السبب في المغفرة..

ومما يدل أيضاً على أن الشفاعة تكون أيضا لمن لا يستحقها، ممن لا حسنة له:

ما روي عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال:.. وان الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب، وان المؤمن ليشفع لجاره وما له حسنة، فيقول: يا رب جاري كان يكفّ عني الأذى فيشفع فيه، فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافي عنك، فيدخله الجنة وما له من حسنة، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم[98].

ومما يدل أيضاً على أن الشفاعة هي السبب في المغفرة.

وعلى أنه يصح طلب الشفاعة من غير الله سبحانه.

وعلى أنهم يشفعون لمن يشاؤون ويحبون.

وعلى أنهم يقسمون على الله سبحانه وتعالى بحق النبي(ص) وعلي (ع)، النصوص التالية:

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في الدنيا وقد أمر به إلى النار والملك ينطلق به، قال: فيقول له: يا فلان أغثني فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا، وأسعفك في الحاجة تطلبها مني، فهل عندك اليوم مكافأة ؟ فيقول المؤمن للملك الموكل به: خل سبيله ؛ قال: فيسمع الله قول المؤمن فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن فيخلي سبيله[99].

وعن سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت لك حاجة إلى الله فقل: (اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأناً من الشأن، وقدراً من القدر، فبحق ذلك الشأن وذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا، فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم[100].

وعـن عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم، ولكني وعدت الشفاعة، ثم قال: والله أشهد أنه قد وعدها، فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة الباب، أتروني مؤثرا عليكم غيركم، ثم قال: إن الجن والإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة، فيقولون: إلى من ؟ فيأتون نوحا فيسألونه الشفاعة فقال: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من ؟

فيقال: إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من؟

فيقال إيتوا موسى، فيأتونه فيسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من ؟

فيقال أيتوا محمداً، فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقوم مدلاً حتى يأتي باب الجنة فيأخذ بحلقة الباب ثم يقرعه، فيقال: من هذا ؟

فيقول: أحمد، فيرحبون ويفتحون الباب، فإذا نظر إلى الجنة خرّ ساجدا يمجد ربه بالعظمة، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفّع، فيرفع رأسه فيدخل من باب الجنة فيخر ساجدا، ويمجّد ربه ويعظمه، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفّع، فيقوم فما يسأل شيئا ألا أعطاه إياه[101].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله رحيم بعباده ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم، فبها يتراحم الناس وترحم الوالدة ولدها، وتحنن الأمهات من الحيوانات على أولادها فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع وتسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد ثم يشفّعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتى إن الواحد ليجيء إلى مؤمن من الشيعة، فيقول: اشفع لي، فيقول: وأي حق لك علي؟

فيقول: سقيتك يوما ماء فيذكر ذلك فيشفع له، فيشفّع فيه، ويجيئه آخر فيقول: إن لي عليك حقا، فاشفع لي، فيقول: وما حقك علي ‍؟

فيقول استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار، فيشفع له فيشفّع فيه. ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه. فإن المؤمن أكرم على الله مما تظنون[102].

 

880 ـ لا يتدخل أحد إلا بإذنه الذي يلقيه الله إليه فيما يريد، وفيما لا يريد.

881 ـ لا معنى لأن يتوجه الإنسان للشفعاء ولو عبر الواسطة.

882 ـ المطلوب هو التخلص من الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء.

883 ـ الإغراق في الطلب من النبي والولي إلى حد ينسى الطالب ربه مرفوض.

884 ـ يستغرق في ذات النبي والولي حتى ينسى ربه.

885 ـ لا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من خلال موقع مميز خاص.

يقول البعض:

".. {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ليس هناك إلا كلمته وإرادته، فلا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من مصير محتوم، أو رفعه إلى درجة عالية من خلال قوة ذاتية أو موقع مميز خاص، إلا بإذنه الذي يلقيه إلى بعض عباده المقربين في ما يريد، وفي ما لا يريد، وبذلك يمكن لنا أن نقرّر مبدأ الشفاعة في نطاق الخط الذي يريد الله للشافعين أن يسيروا عليه في ما يريد الله أن يكرمهم بالمغفرة لبعض المذنبين، أو برفع الدرجة لبعض المطيعين من دون أن يتنافى ذلك مع مبدأ التوحيد في ما يتوسل به الناس من شفاعة.

وفي هذا الجو، يمكن لنا أن نستوحي طبيعة ما يملكه الشفعاء من ميزة الشفاعة من حيث ارتباطها بإرادة الله بإذنه، فالمغفرة التي تنال المذنبين من الله، والبلاء الذي يرفع عن المبتلين من الله، والمثوبة التي تحصل للمطيعين منه ـ جل شأنه ـ يمنحها لهذا ولذاك، بكرامة هذا النبي، أو هذا الولي التي أراد أن يكرمهم بها.

ولهذا فلا معنى لأن يتوجه العباد إليهم حتى عبر الواسطة، بل يكون التوجه إلى الله بأن يجعلنا ممن يشفع بهم، لأنهم لا يملكون الشفاعة بأنفسهم، بل يملكونها من خلال وحيه وإذنه وتعليمه، وبذلك نتخلص من هذا الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء بالمستوى الذي قد ينسى فيه الطالب ربه في استغراقه العميق في ذات النبي أو الولي، إذا لم يكن واعياً بالدرجة التي يستطيع من خلالها أن يضع الأشياء في مواقعها الصحيحة من العقيدة والشريعة" [103].

وقفة قصيرة:

ونقول:

لماذا حمل الشفاعة بإذن الله على معنى أنه لا بد من صدور الإذن الفعلي الذي يلقيه إلى الشافع فيما يريد، وفيما لا يريد؟

ولماذا لا يكون معناها: أن من بلغ مقاماً يؤهله لأن يشفع للناس، فإن الله سبحانه يأذن له بذلك إذناً عاماً فيشفع لمن يشاء من خلق الله سبحانه.

وأما قوله تعالى: {لا يشفعون إلا لمن ارتضى} فإن معناه: ارتضى الله ديـنه، فلم يكن مشركاً ولا ظالماً ـ كما ورد في روايات